آذار2012

تقرير:هيثم الشريف-  منبر الملتقى

“من صغري والطموح لدي بأن أكون سيدة تخدم المجتمع. وعليه إنضممت ومنذ سبعينيات القرن الماضي  للعديد من إتحادات الجمعيات التعاونية الخيرية”بهذه العبارات تحدثت عضو مجلس بلدي ترقوميا إنتصار غريّب(55عاما)عن بداياتها مع العمل التطوعي العام، فكان من الطبيعي أن ٌترشح وأن تُنتخب بعد ذلك كعضو مجلس بلدي منذ العام2005 ولغاية الآن، حتى أنها تبوأت منصب رئيس بلدية ترقوميا لمدة شهر(وفق إتفاق مسبق بين أعضاء الكتلة التي ترشحت من خلالها، والقاضي بتولي كل عضو رئاسة البلدية في حالة سفر رئيس البلدية بالتناوب).


غريّب، المرأة الجريئة الطموحة. لم توقفها المصائب عن المضي قدما نحو أهدافها، إذ بعد وفاة زوجها منذ أكثر من 20 عاما، التحقت بالعمل لدى عدد من المؤسسات، والتي كان آخرها أن عملت في إحدى الجامعات الأهلية، ثم درست فيها وحصلت على درجة البكالوريوس، تمكنت بعدها من نيل درجة الماجستير- في الإدارة التربوية، وقد تحدثت لنا عن مرحلة الترشح للإنتخابات وما تلاها”حقيقة كان ضمن طموحي أن أترشّح للإنتخابات البلدية، لكن يقيني بأن المجتمع المحلي ذكوري، ولا يُرحب بأن تنافس المرأة الرجل، جعلني لا أصرّح برغبتي تلك. ولكن،  ما تلقيته من دعم وتشجيع من قبل كافة الأطياف السياسية في البلد للترشح للإنتخابات، لما يعرفونه عني من نجاح في بيتي وفي عملي وإنخراطي في العمل التطوعي منذ سنوات طويلة، ناهيك عن الدعم الكبير الذي تلقيته من الأقارب والأهل والعائلات والكم الهائل من خريجي الجامعة من البلد، إلى جانب القاعدة الشعبية التي لدي من النساء، كل ذلك دفعني للقبول والترشح، فكان ترتيبي (7) ضمن قائمة الكتلة الوطنية، وفعلا نجحت، وأصبحت عضو مجلس بلدي، حتى جاء دوري في حزيران2005لتسلم رئاسة البلدية لمدة شهر(وصراحة، ربما لو كان زوجي حيّ لما كان سيسمح لي بان أترشح لعضوية المجلس البلدي!) “.

نجاح إنتصار، وانتصارها للمرأة كما تقول، كان له الأثر الكبير على نساء أخريات في محيط علمها وبيئتها”عقب نجاحي أصبحت المرأة تدخل بكل جرأة وشجاعة وأريحية إلى البلدية، وأخريات قاموا بفتح نواد رياضية، وغيرهن إقتحمن العديد من المجالات التي لم تكن النساء تعمل بها. وقد كان إندفاعهن نابع من قناعتهن (التي رسخها فوزي)، بأن المرأة ليست أقل شأنا من الرجل في أي شيء”.

مع ذلك، فلا تزال تسري في المجتمع بعض الأنماط السلبية المتوارثة، حتى وإن نجحت المرأة في الوصول لبعض المناصب، وهذا ما تحدثت عنه إنتصار غريّب من واقع تجربتها” رغم وجود حرية كاملة للتعبيرعن الرأي والمشاركة بمساواة مع الرجل، في بعض المجالس البلدية والتي من بينها بلدية ترقوميا، إلا أنه  وللأسف لا يزال النظر لدور المرأه قاصرا في بعض المناطق ، إذ وبحسب زميلات أخريات عضوات في عدة مجالس بلدية، وبحسب ما أسمع، فإن هنالك تضييق على بعضهن من عدة جهات، إذ بعضهن يٌقال لهن (تعالي وقعي على المحضر وفقط) أو تحضر الجلسة (من وراء الكواليس)وأخريات يمنعهن الزوج من المشاركة في جلسات المجلس البلدي، لحد أنه يحضر عنها الجلسات الدورية! ومنهن من يعاديهن رئيس البلدية برفضه لكافة مقترحاتها وعدم الأخذ بها أو تبنيها! وبكل أسف أن هذه الأنماط لا تزال قائمة ومتبعة في بعض التجمعات”.

وأضافت”حتى أنا وحين توليت منصب رئيس بلدية ترقوميا، كان بعض أعضاء المجلس البلدي يطالبونني بإلحاح على أخذ رأي رئيس البلدية وإستشارته في كل قرارأتخذه(أثناء سفره أو إجازته)! وهذا يدل على أنه برغم وجود القانون فإن بعض الأنماط السلبية، والمتعلقة بدور المرأة لا تزال وبكل أسف سارية، حتى أن بعض المراجعين للبلدية في تلك الفترة، ممن لديهم معاملات متصلة بالبلدية، لم يكونوا يتقبلون ردّي عليهم ويقولون لي(ما ضلّ رجال في البلد؟)”.

رغم ذلك، فقد دعت إنتصار غريّب، عضو مجلس بلدي ترقوميا حديثها المرأة لأن تثق بنفسها” على  المرأة أن تثق بنفسها، فإذا فتح لها المجال وكان ضميرها حيّ،  فهي قادرة على أن تقود بيتها ومجتمعها بكل نجاح، كما أنه ليس من العيب أن تقتحتم المرأة مجالات جديدة، تُدلل على مقدرتها، لكن الأمر يتطلب أيضا دعم الرجل والأسرة، وأن لا يكون الرجل مُحبط لها، أو أن يقف ضدها”.

أما عضو مجلس بلدي الظاهرية سميرة أبو شرخ(والتي تتولى منصب نائب مدير في وزارة الداخلية- دورا)، والتي فازت هي الأخرى في الإنتخابات البلدية عام2005، فقد تحدثت هي الأخرى عن تجربتها”بصراحة، فإن نص القانون المتعلق بالإنتخابات البلدية، والذي إشترط  وجود المرأة، ضمن كل كتلة مرشحة، كان بمثابة تمييز إيجابي للمرأة، ومتنفس لها، فلو لم يتضمن القانون ذلك، لفضّلت العائلات ترشيح الرجل لا المرأة، لذلك فإن هذا النظام وهذا القانون، دفع بعائلتي والتنظيم والحزب، لدعمني في الإنتخابات حتى فزت بأول مجموعة بلدية تُجرى فيها الإنتخابات، وبالتالي أن تتمكن المرأة من مشاركة الرجل جنبا إلى جنب في إتخاذ القرار”.

وأضافت سميرة أبوشرخ” وكنساء فقد تفوقنا على الكثير من النساء في عدد من الدول التي لا يوجد بها إحتلال، إذ أثبتنا جدارتنا، وأننا قادرات على أن نكون في مركز صنع وإتخاذ القرار، في الوقت الذي لا تزال النساء في دول كالبحرين والكويت(والقائمة من عشرات السنين) غير قادرات على أن يخوضوا هذه التجربة بنجاح، وان يكونوا جزءا من النظام الحر(وإن كانت هنالك محاولات هنا أو هناك لذلك مؤخرا)”.

ورغم نجاح المرأة بدعم القانون، فإن عضو المجلس البلدي في الظاهرية، تٌقرّ بوجود معيقات تعرضت لها وأخريات منذ فزن بالإنتخابات، وقد عددت بعضا منها بحسبها”الصحيح أن الكثير من المعيقات واجهتنا، إبتداءا من نظام المجالس البلدية والقوانين واللجان والأمور التي سنعمل من خلالها، حيث لم يكن لدينا أي خلفيه حول العمل الذي سنقوم به!. عليه باشرنا فورا بقراءة الأنظمة والقوانين واللوائح، لنعرف ونتعرف أكثر على طبيعة المهام التي ستٌعهد لنا وطريقة التعاطي معها، كذلك واجهنا عدم فهم لدى بعض أعضاء المجلس البلدي حول أن ما هو من حقه كرجل، هو أيضا من حقي كإمرأة، حيث كان البعض منهم يقول(هل أنتِ أعرف مني؟). وإنتهاء بمصادرة دور المرأة بالمطلق في بعض البلديات، فكثيرا ما سمعت عن تجارب عضوات أخريات، إما يحضرن الجلسة من وراء حجاب! أو يكون زوجها معها، حتى أنه يوقع عنها! لدرجة أن بعضهم يحضرعنها، أو تأتي عضو المجلس البلدي في اليوم الثاني للجلسة للتوقيع على ما جاء في الجلسة فقط!. وبرأيي فإن كل الامر منوط بالمرأة نفسها وشخصيتها وقوتها ومدى تأثيرها وكيف تشبك قبل وبعد الجلسة ببعض الأمور. فالمرأة يجب أن تفرض وجودها وأن تنتزع حقوقها وصلاحياتها، لا أن تسكت وأن تخضع وتخنع لرأي الرجل إن خالف رأيها”.

وحول أثر وجودها بمنصب عضو مجلس بلدي الظاهرية على نساء أخريات، قالت أبوشرخ”مشاركتنا كسيدات في صنع القرار في المجالس البلدية والمؤسسات الأخرى كان قليل بالظاهرية، ولم يكن هناك جمعيات، ولكن بعد إنتخابات المجالس البلدية عام2005، ونجاحنا كنساء، التقيت بالكثير من السيدات ممن عبرّن عن  رغبتهن  بإنشاء مؤسسات و جمعيات، ليعملن ولينطلقن وليقلن من خلالها رأيهن بكل حرية، فكان أن شهدتُ ولادة أكثر من جمعية ومؤسسة نسوية. وحتى حين تم الحديث عن جولة إنتخابات بلدية أخرى عام2010 ، إستقبلت أكثر من 10 نساء ممن سألنني عن كيفية الدخول إلى المعترك الإنتخابي، وكيف بإمكانهن أن يصبحن في المجالس البلدية، أو أن أدعمهن كعضو مجلس بلدي، وأن ينافسن الرجل، وهذا أمر يشرح الصدر لأنه يعزز ثقة النساء بأنفسهن”.

أما إذا ما كان لنجاحها في إنتخابات المجالس البلدية آثار سلبية في حياتها الخاصة، فقد أقرت سميرة أبو شرخ عضو مجلس بلدي الظاهرية بانفصالها عن زوجها بعد الإنتخابات، ولكنها نفت أن يكون ذلك بسبب دخولها للمجلس البلدي” لم يكن دخولي في المجلس البلدي سببا للإنفصال، فلا يوجد عمل تطوعي خارج المنزل يكون هو السبب في فشل أي علاقة، لأنه لا يوجد إمرأة تفضل العمل التطوعي على بيتها وأسرتها وعائلتها، حيث أمورا أخرى مسبقة هي التي أدت إلى الإنفصال”.

بدورها تحدثت مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي المهندسة ليالي مقدادي، والتي إلتحقت للعمل في السلطة منذ العام1995 عن تجربتها الخاصة في العمل العام حيث قالت ” منذ دخول السلطة عملت كمديرة دعم فني بمجلس التنظيم الأعلى، وعام2003 إنتقلت للعمل كمدير دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي ولا زلت، وبصراحة كنت أعرف ومنذ دراستي للهندسة المدنية، بأن عملي المستقبلي سيكون 50% منه ميداني، وأنه سيكون بين الرجال، فبالتالي تطبيق ذلك على الأرض لم يشعرني بأنني في مكان عمل غريب عني، لأنه تناسب مع دراستي، ثم إن ُجلّ الأمر يعتمد على شخصية مستلم المنصب، بغض النظر رجل أو إمرأة، وحول إن كان أو كانت تقبل أن تخرج ميدانيا وتواجه المخالفين للأبنية، وأن تتعامل وتتفاهم مع كل من لديه مخالفة أومشكلة بطريقة مناسبة، تجعله يتقبّل مخالفته”.

المهندسة ليالي مقدادي، كانت واثقة مما تفعل، وكانت على علم بأن هذا عملها هي وأن عليها أن تنجزه، وأن لا أحد سينجزه عنها، لذلك اعتادت مرافقة قوة من الشرطة، في غير مره لتسليم المخالفات لبعض أصحاب المحال والمنازل، وقد حدثتنا عن إحدى تلك الجولات”في إحدى المرات إستلمت منطقة تنظيم شارع القدس الممتد من كفر عقب حتى قلنديا، وكان من المهم تسليم المخالفات للمخالفين مباشرة، وطبعا أخذنا معنا قوة من شرطة الضواحي (دون سلاح) وكنت أنا الإمرأة الوحيدة بين المجموعة التي ضمت أيضا شبابا من محافظة القدس، وفعلا بدأنا بالتفاهم نسلم المخالفات لأصحابها، ونحثهم على ضرورة إزالة هذه التعديات، ولكن إستجابة الناس لم تكن سوى في البداية فقط، حيث أخذ الأمر منحى آخر، إذ إضطرت القوة لحجز بعض الأشخاص الغير متعاونين مع الإجراءات القانونية، وقد كان من بين تلك المعيقات أن اغلب المخالفين، كانوا يبرزون هوياتهم الإسرائيلية، في محاولة منهم للتملص من إستلام المخالفات. ورغم موقف الناس السلبي في تلك المنطقة، إلا أنني لم أشعر مطلقا أنني في مكان غير مكاني، بل على العكس لقد تلقيت الدعم والمؤازرة والتشجيع والتحفيز من كل من رافقوني بالجولة، لأنني كنت أسير معهم مشيا على الأقدام ولمسافات طويلة”.

عدم تعاون البعض لم يكن لأن مسؤولة الحملة إمرأة، ولكنه في أحيان أخرى كان كذلك تقول مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي ” رغم أن نظرة المجتمع تتغير إيجابا تجاه المرأة، إلا أنه وللأسف لا زال هناك أشخاص من مناطق عدة بينها (سلفيت)، يرفضون التوصل لحل معي لكوني إمرأة، رغم أني والمحيطين بي يبلغونهم أنني مديرة التنظيم، حيث يكون ردهم(بدناش نقابلها، إحنا بدنا رجال، رجل مقابل رجل)! وبالتالي يرفضون مساعدتي لهم، إلا أنني وبشكل عام وبقدر إستطاعتي أقوم بحل الكثير من المشاكل المتعلقة بالتنظيم والترخيص، ويمكن قياس ذلك ومدى إستجابة الناس لذلك، من خلال عدد الرخص الممنوحة سنويا”.

المهندسة ليالي مقدادي مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي، تقول أنها مسؤولة عن فريق مركزي وآخر يتوزع في مختلف المحافظات ويضم 14 مهندسا ومهندسة، ولم يسبق أن واجهت أية مشاكل مع الطاقم، لأنه ليس لديهم تفرقة حول إن كان المسؤول رجلا أو إمرأة، وأضافت” حتى مسؤولي المباشر يرى أن المرأة إذا كانت لديها شخصيتها فهي تستطيع تسلم هذه المسؤوليات، وأن تنجح أكثر من الرجل. وعليه فإن الدعم الذي أتلقاه من محيطي في العمل كما الأسرة، كان مهما لأنه شجعني أكثر، وجعلني أثبت نفسي فيه، حتى أن الكثير من النساء  يخبرنني علانية برغبتهن  أن يمتلكن شخصية تشابه شخصيتي، الأمر الذي دائما ما يرفع من معنوياتي، لذا آمل من أي وزير قادم وفي أية وزارة، أن يُقدّر أن للنساء قدرة على تولي بعض المناصب القيادية، وربما تكون أكثر من قدرة الرجل، فالكفاءة يجب أن تكون هي المعيار الوحيد وليس الجنس ذكر أو أنثى”.

من جانبه تمنى وزير الحكم المحلي الدكتور خالد القواسمة أن نصل يوما لمرحلة تسود فيها القناعة بأن المرأة قادرة على بناء قدراتها، ليس لأن القانون هو من فرض ذلك، ولكن لأنها تستطيع ذلك، وبالتالي أن لا يكون هناك أي حاجة لنظام الكوتا”.

haitham9000@gmail.com

Be Sociable, Share!