الضفة الغربية – هيثم الشريف- أعد هذا التقرير لصالح مشروع مضمون جديد للصحفيين

تخدم أسواق مدينة الخليل أكثر من 300 ألف نسمة فضلا عن آلاف المتسوقين الذين يقصدونها من الداخل الفلسطيني، ولكن، لا يتوفر لهؤلاء سوى أربعة مراحيض عامة، ليس اقل من أن توصف بأنها “مكاره عامة”.

وتتوزع هذه المراحيض وسط المنطقة التجارية التي تزدحم  فيها المحلات على مساحة لا تتجاوز أربعة كيلومترات مربعة، وليس من السهل العثور عليها بسبب عدم وجود لافتات واضحة تشير إلى مكان معظمها.

وحتى من يعرف موقعها، فانه يتحاشاها ويبحث عن بدائل أخرى لقضاء حاجته، كاللجوء إلى المراحيض الملحقة بالمساجد أو مراحيض المحال التجارية التي بات أصحابها يتبرمون من كثرة من يطرقون أبوابهم طالبين استخدامها.


يقول مأمون عبيد، وهو تاجر ملابس في منطقة باب الزاوية “هذا الأمر بات يسبب لنا الضيق فعلا, مع ذلك فإننا نسمح للمضطرين باستخدام مرحاض المحل رأفة بهم”.

ويضيف “هم يقصدوننا رغم وجود مرحاضين عامين في هذه المنطقة من السوق, ولكن يبدو أنه يصعب الاستدلال عليها, ناهيك عن أنها ليست نظيفة بالمطلق, ومن الصعب جدا استخدامها”.

ومن جهته، يقول جاره تاجر الأحذية مصطفى إمام انه ليس لديه مرحاض في محله، ما يضطره للاعتذار عشرات المرات كل يوم من المتسوقين الذين يقصدونه بحثا عن مرحاض، ويرشدهم بدلا من ذلك إلى المراحيض العامة رغم علمه بأوضاعها السيئة.

ويضيف “أنا شخصيا حين أحتاج إلى استخدام المرحاض فإما أن أذهب إلى أحد جيراني من أصحاب المحلات, أو الجأ إلى مراحيض المسجد القريب”.

مسؤولية البلدية

وتتعدد صور معاناة المواطنين بسبب الأوضاع المتردية للمراحيض العامة، وتتخذ صورا أكثر حدة, خصوصا مع من تضطرهم طبيعة عملهم للتواجد في أسواق المدينة لأوقات طويلة.

ومن هؤلاء رجل شرطة قال لنا انه يجد نفسه مضطرا في كل مرة إلى ترك موقعه والتوجه إلى مركز الشرطة القريب من المنطقة لقضاء حاجته.

وهو إذ يحمل البلدية المسؤولية عن الحال السيئة التي آلت إليها أوضاع مراحيض المدينة، فانه يتساءل مستغربا “لماذا هذا الإهمال من البلدية؟ ولم لا تقوم على رعاية ونظافة ومراقبة هذه المراحيض وزيادة أعدادها؟”.

وهناك أيضا سائق سيارة الأجرة طاهر إرزيقات الذي قال ان “المراحيض العامة وسخة غالبا وغير قابلة للإستخدام”.

واضاف “اضطر في معظم الأحيان الى دخول مراحيض المساجد والمحلات التجارية، وأحيانا ينتابني الحرج فأحشر نفسي الى حين عودتي للبيت”.

وكما يرى ازريقات فإن “عدد المراحيض العامة لا يكفي, على إفتراض أنها قابلة للإستخدام, خاصة مع وجود زوار عرب الداخل، والحركة الكبيرة للمتسوقين, واعتقد أن المسؤولية كاملة تقع على عاتق البلدية”.

داخل احد المراحيض العامة التي كانت تنبعث من جنباتها روائح نفاذة يصعب تحملها، كان أحمد الحروب قد فرغ لتوه من الوضوء وعلامات التبرم والسخط بادية في وجهه.

وقال وهو يشير بيديه الى الاوساخ المتناثرة والجدران المصفرة والانابيب التي اقتلعت حنفياتها ومقاعد المراحيض والمغاسل المهشمة: “أين الصيانة؟ أين التنظيف؟ أين العمال؟.. هذا وضع سيء إلى أبعد الحدود”.

واضاف  ”أنا كما ترون أتوضأ وسط النجاسة، ولكن كما يقول المثل: شو ودّاك على المرّ غير الأمرّ منه!”.

مواطن آخر هو عدنان الحروب كان داخل المرحاض وقال معلقا “هذا منظر بشع, لا يعجب ولا يرضي أحد!. النجاسة والقرف داخل كل وحده!! وفوق كل هذا هناك أشخاص لا يتورعون عن سرقة الحنفيات والإباريق والمغاسل!”.

مطلوب حل جذري

وكما يؤكد تجار في السوق، فان المراحيض العامة ليست متاحة للاستخدام باستمرار، حيث يتم اغلاقها لعدة أيام أحيانا نتيجة عدم توفر المياه في خزاناتها.

يقول غالب الحرباوي وهو صاحب محل لبيع مواد البناء يقع قريبا من احد هذه المراحيض ان  ”المياه تنفد من حين لاخر في المرحاض، وهو ما يؤدي الى انبعاث روائح كريهة جدا في المنطقة، ويدفعنا للضغط على البلدية من اجل اغلاقه الى حين امداده مجددا بالماء”.

ويؤكد الحرباوي ان “عمليات الصيانة في المرحاض معدومة, وأن مستوى النظافة فيه لا يليق بصورة البلد”.

وهو إذذاك يقترح فرض رسم دخول رمزي يساعد البلدية على تحسين اوضاعه وتعيين موظفين يتابعونه باستمرار ويحافظون على مستوى افضل للخدمة فيه.

ويقول “نحن مع اية أفكار من شأنها إدامة النظافة والصيانة في المراحيض العامة, كأن يدفع المواطن مثلا مبلغا زهيدا مقابل إستخدامها, كما هو متبع في العديد من دول العالم, وذلك مقابل وجود نظافة مستمرة وصيانة دورية ومواد تنظيف وغيرها”.

وقد لقيت هذه الفكرة ترحيبا من فوزي العداربة، وهو متسوق كان يستمع لحوارنا مع الحرباوي.

وقال العداربة “من ناحيتي أنا مستعد لان أدفع شيكلين ( نحو 30 سنتا) مقابل مراحيض نظيفة ومريحة ومفتوحة باستمرار”.

واضاف ان “أي شخص قد تضطره الحاجة الى المرحاض خلال تواجده في السوق, وبالتالي هناك أهمية لوجود حل جذري لهذه المشكلة”.

مديرية الصحة: وضع مزر

وضعنا المشاهدات التي وقفنا عليها وكذلك شكاوى المتسوقين والتجار امام مديرية صحة محافظة الخليل وطلبنا تعليقها عليها، ولكنها استمهلتنا الى حين ايفاد فريق للكشف على المراحيض العامة في المدينة وتقييم اوضاعها.

وقد خلص تقرير فريق الكشف الى نتيجة مفادها ان وضع تلك المراحيض “مزر جدا”، كما ابلغنا مدير قسم صحة البيئة في المديرية الدكتورياسر عيسى.

وقال عيسى انه تبين بعد الكشف ان “الكثير من أبواب المراحيض مهتكة, ومعظم الحنفيات اما معطل أو مكسور، وكذلك مقاعد المراحيض، كما ان كميات كبيرة من الكلس الأصفر تتراكم فيها ما يؤدي الى إنبعاث غازات البورين والروائح الكريهة”.

واضاف ان “الجدران وسخة فيها جميعها, وتُعشش خيوط العنكبوت على جدرانها وسقوفها، ولا يوجد فيها شفاطات لسحب الهواء إلى الخارج, كما أن معظمها لا تتوفر فيه سلال مهملات”.

ومضى قائلا انه تبين كذلك ان “بلاط المراحيض بعضه مهشم وبعضه الاخر مخلوع من مكانه ما يخلق بيئة لتكاثر البعوض والصراصير, فضلا عن تجمع المياه الآسنة، كما أن هناك الكثير من براميل المياه دون اغطية, ما يجعلها عرضة للعبث والتلوث, وايضا لوحظ تراكم القاذورات وبقايا الأطعمة الفاسدة التي تزيد من نشر الروائح الكريهة”.

وقد تبين لفريق الكشف ايضا، كما يبلغنا رئيس قسم صحة البيئة بمديرية صحة الخليل، عدم وجود عمال من البلدية في المراحيض وافتقارها التام لمواد التنظيف.

وبناء على تلك المشاهدات قال عيسى انه “تم تصنيف هذه الوحدات الصحية بأنها باتت فعليا مكرهة صحية”.

واضاف ان مديرية الصحة ستقوم بتوجيه كتاب بالخصوص الى بلدية الخليل، مع اشارته الى ان المديرية كانت ارسلت في السابق كتابا للبلدية في ذات الشأن ولكن “لم يتم عمل شيء كمايبدو” على حد تعبيره.

واكد عيسى انه “بات من الضروري إعادة تأهيل المراحيض وليس ترميمها أو صيانتها, ليتم بعد ذلك مراقبتها ومتابعتها, لعلها تصبح وحدات صحية بمعنى الكلمة, شرط أن لا يكون العمل والإهتمام بها موسميا, وسنعمل من جانبنا على مراجعة ومتابعة تلك الوحدات أسبوعيا”.

رئيس البلدية يرفض التعليق

رئيس بلدية الخليل خالد عسيله رفض التعليق على قضية المراحيض العامة، واكتفى بالرد علينا قائلا “ما بعلق على هيك مواضيع”.

واعتبر بدلا من ذلك ان “هناك مشاريع بيئية (للبلدية) طرحها أهم من طرح موضوع (المراحيض)”.

وعلى صعيده، شكك رئيس قسم الصحة في بلدية الخليل رائد الأشهب في دقة المعلومات التي نقلناها اليه باديء الأمر حول وضع هذه المراحيض، كما نفى تلقي البلدية أي كتاب من مديرية صحة المحافظة بشأنها.

وقال “لو كان وضع المراحيض بالصورة التي تصفونها لوصلتني 5 آلاف شكوى يوميا”.

واضاف شارحا “هناك اربع وحدات (مراحيض) موزعة في مركز المدينة, وهي تعمل من السادسة صباحا وحتى السادسة مساء يوميا, ويتناوب على كل منها موظفان يتقاسمان الوقت بينهما, ويشرفان على تنظيفها, حتى أننا نعمل على تنظيف المراحيض التابعة لمسجد الأتقياء رغم أنه يعود لوزرة الأوقاف, من منطلق أن دورنا هو الصحة العامة”.

واكد ان “البلدية توفر كافة المستلزمات لتلك الوحدات, وهناك رقابة يومية من قبل10 مفتشين ومراقبين على عمال النظافة والوحدات الصحية”.

وقال الاشهب انه “إذا كانت حالة المراحيض بالحالة التي تصفونها فنحن كبلدية نتحمل كامل المسؤولية, فالبلد مساحتها 44 كم 2 ولن نعجز عن مرحاض هنا أو هناك, وبالتالي فإن أي تقصير قد يكون موجودا فنحن مستعدون للتعامل معه بشكل سريع”.

وبعد مضي نحو اسبوع  على لقائنا مع مسؤول الصحة في البلدية، قمنا بجولة اخرى على المراحيض، فوجدنا انه لم يحصل أي تغيير على وضعها المتردي.

وعندما عرضنا عليه الصور التي التقطناها خلال جولتنا الثانية، اقر بان “الأمر بحاجة لإعادة تأهيل وليس مجرد تنظيف”.

واكد الاشهب ان البلدية سبق وان قامت باعمال صيانة لجميع المراحيض، ولكنه قال ان “إستهتار البعض وتخريبه لهذه الممتلكات يؤدي لبعض الظواهر السلبية التي نشاهدها”.

وقدم وعدا “بمعالجة هذه القضية بالصورة المناسبة, بعد رفع تقرير بذلك للمجلس البلدي لإتخاذ ما يلزم من إجراءات, وبتوفير جزء من ميزانية البلدية لتأهيل هذه الوحدات الصحية”.

وفي الختام فإنه رغم أنه لا يمكننا إنكار إنجازات بلدية الخليل لمشاريع هامة عملاقة باتت واقعا  ملموسا  في المحافظة منذ تسلم خالد عسيله رئاسة البلدية, كإفتتاح أكبر صالة ألعاب رياضية مغلقة على مستوى الوطن, وافتتاح ملعب الحسين الدولي, وتوسعة الشوارع وإنارتها, والكثير من المشاريع التنموية التي  جعلت بلدية الخليل تصبح وفي فترة زمنية قياسية, رائدة البلديات على مستوى الوطن, بحسب العديد من إستفتاءات الرأي المحلية. بحيث لا يختلف على ذلك إثنان, مع ذلك لا يمكننا أيضا إغفال ما قد يكون سقط سهوا  من حسابات بلدية الخليل, بما يتعلق بمقدار الإهتمام بنظافة المرافق الصحية العامة, ومدى صلاحيتها للإستخدام الآدمي, ظنا منها كما يبدو بأن المشاريع الكبيرة هي الأولوية الأولى, في كل مراحل التطوير, وبأن ما في آخر سلم الأولويات, يجب أن يُرحّل مرة تلو مرة, في كل مرة!.

***

لا يمكننا إنكار إنجازات بلدية الخليل لمشاريع هامة عملاقة باتت واقعا  ملموسا  في المحافظة منذ تسلم خالد عسيله رئاسة البلدية, كإفتتاح أكبر صالة ألعاب رياضية مغلقة على مستوى الوطن, وافتتاح ملعب الحسين الدولي, وتوسعة الشوارع وإنارتها, والكثير من المشاريع التنموية التي  جعلت بلدية الخليل تصبح وفي فترة زمنية قياسية, رائدة البلديات على مستوى الوطن, بحسب العديد من إستفتاءات الرأي المحلية. بحيث لا يختلف على ذلك إثنان, مع ذلك لا يمكننا أيضا إغفال ما قد يكون سقط سهوا  من حسابات بلدية الخليل, بما يتعلق بمقدار الإهتمام بنظافة المرافق الصحية العامة, وسط مدينة الخليل المكتظة بالمتسوقين (من أبناء المحافظة والزائرين على شكل قوافل أسبوعية من عرب الـ48), ومدى صلاحيتها للإستخدام الآدمي, ظنا منها كما يبدو بأن المشاريع الكبيرة هي الأولوية الأولى, في كل مراحل التطوير, وبأن ما في آخر سلم الأولويات, يجب أن يُرحّل مرة تلو مرة, في كل مرة!

فعلى الرغم من التغيير الإبجابي الكبير الذي يلحظه إبن المدينة و المتسوق على حد سواء, على صعيد البيئة العمرانية, وزيادة شعوره بالأمن والأمان يوما بعد آخر, إلا أن المرافق الصحية العامة وسط مدينة الخليل,(والتي تتركز أسواقها الرئيسية مجتمعة في مساحة لا تزيد عن 4 كم2), يصنفها البعض على أنها باتت مكرهة صحية, وليست وحدات صحية, لإنعدام النظافة والرقابة فيها, والروائح الكريهة المنبعثة منها! وعليه فإن ما يهم كل متسوق وبشكل فردي الإجابة على سؤال وحيد: أين سأقضي حاجتي أن إضطررت لذلك أثناء التسوق؟ وهذا ما سنحاول في “مضمون جديد” أن نجيب عليه.

أحد أفراد الشرطة الفلسطينية في وسط مدينة الخليل, وتحديدا بمنطقة(باب الزاوية) قال أنه حين يحتاج لأن يستخدم الحمام فهو يضطر لترك موقعه ويتوجه على الفور إلى مركز الشرطة القريب من وسط البلد, محمّلا المسؤولية لعدم توفر وحدات صحية عامة مناسبة للإستخدام على بلدية الخليل. وكذلك قال الشرطي(عمر) والذي أوضح” رغم علمي بوجود أكثر من حمام عام في وسط البلد, إلا أنني كلما إحتجت لإستخدام الحمام لقضاء حاجتي, فإنني أترك موقعي وأذهب مباشرة لمركز الشرطة, يقينا مني بأن تلك الحمامات بحاجة للكثير من النظافة, وعليه أسأل: لماذا هذا الإهمال من قبل البلدية؟ ولم لا تقوم على رعاية ونظافة ومراقبة هذه الوحدات, وزيادة أعدادها؟”.

حالة الوحدات الصحية المزرية والموزعة في مركز المدينة, شكّلت عبئا لدى أصحاب المحلات, الذين يسألهم عشرات المتسوقين يوميا, عن إمكانية إستخدام الحمامات الخاصة بمحلاتهم, ومن بين هرلاء تاجر الأحذية في وسط باب الزاوية مصطفى إمام, والذي قال” الكثير من المتسوقين يسألونني يوميا على حمام بغية إستخدامه!!للحد الذي أصبح الأمر فيه مزعجا!!رغم أنني لا أملك في محلي التجاري حماما! مع ذلك فأنا أدلهم على الوحدة الصحية في مركز المدينة, رغم يقيني بأن مستوى الخدمات في تلك الحمامات دون المستوى, وأنها غير كافية أيضا ولا تسد حاجة المتسوقين والزوار! مع العلم أنني شخصيا إن إحتجت لإستخدام الحمام فإما أذهب إلى أحد جيراني من أصحاب المحلات, أو ألجأ لحمامات المسجد القريب!”.

الشكوى ذاتها ساقها لنا تاجر الملابس في وسط (باب الزاوية) مأمون عبيد فالكثير من الزوار يسألونه على الدوام وإن بالأمل أن يستخدموا حمام المحل الخاص” كثيرا ما نُسأل عن ذلك, الأمر الذي بات يسبب لنا الضيق فعلا,  مع ذلك فإننا نضطر لإدخال المحتاجين لإستخدام الحمام رحمة بالناس, ولشعورنا بأنهم يأتوننا وهم خجلين ومضطرين, على الرغم من وجود حمامين عامين على حد علمي, ويبدو أنه يصعب إستدلال الناس عليها, أضف إلى ذلك أنها ليست نظيفة بالمطلق, فلو ذهبت إليها لا تقدرعلى إستخدامها, وحتى وإن إستطعت فهي ليست كافية”.

الحاجة (أم يحيى) من بلدة بني نعيم إلتقيناها وهي تتسوق, وسألنها إن كانت فعلا تلجأ لحمامات أصحاب المحلات عوضا عن الحمامات العامة بسبب قلة نظافتها, فقالت” بالعادة إذا إحتاج إبني لإستخدام حمام وأنا في الخليل فيرسلنا زوجي لأحد معارفه من أصحاب المحلات, والذي بدوره يؤمن له حماما خاصا, أما أنا فلا أستخدم الحمامات العامة أو تلك التي في المحلات, حيث أنتظر عودتي للمنزل.

لكن قريب زوج(أم يحيى) الذي كان معها, فذكر لنا أنه لم يعرف قبل الآن بوجود حمامات عامة وسط المدينة, وقال أنه بالعادة يلجأ لأقرب حمامات تابعة لمسجد لقضاء حاجته.

سائق سيارة الأجرة على الخطوط الخارجية طاهر ارزيقات من بلدة تفوح عقب أيضا” حين أحتاج لإستخدام حمام, أذهب للحمامات العامة, فأجدها وسخة أغلب الأوقات, وغير قابلة للإستخدام, فأحشر نفسي, لحين عودتي للمنزل, وهذا هو حال زبائني من الركاب الذين يشتكون من هذا الأمر, حيث لا يكون لدينا حل في حالة الضرورة البالغة, إلا باللجوء لصاحب محل نعرفه, أو باللجوء لمسجد! وبحكم عملي اليومي, أعتقد أيضا أن عدد  الوحدات الموجودة لا تكفي على إفتراض أنها قابلة للإستخدام, خاصة مع وجود زوار عرب الداخل, والحركة الكبيرة للمتسوقين يوميا, وأرى أن المسؤولية كاملة تقع على عاتق البلدية”.

بدوره قال البائع المتجول(محمد) من بلدة بني نعيم, أنه لا يستخدم كل حمامات وسط البلد مطلقا, حيث أوضح بلهجته العامية ” كل الحمامات الموجودة أتعس من بعض, لذا فأنا دائما أحشر حالي دائما لحين عودتي لبلدتي, مش مستعد أدخل حمامات كلها نجاسة”.

(عيسى) من ذات البلدة, صاحب بسطة أدوات نجارين في وسط باب الزاوية, فضّل هو الآخر حشر نفسه لحين عودته لبيته, أو قضاء حاجته قرب  طرف بناية أو زاوية ما على دخول تلك الحمامات القذرة! إن لم يجد مسجد قريب يلجأ لإستخدام حمامه بحسبه, بعد أن جرب تلك الحمامات أكثر من مرة كما قال.

وحين دخلنا تلك الوحدات الصحية في جولتنا الأولى, صادفنا المتسوق عدنان الحروب من بلدة دورا قضاء الخليل, وهو يتململ في إستخدام إحدى هذه الوحدات, وما أن سألناه عن رأيه فيما يرى, حتى إنفجر قائلا, بعدما خرجنا سويا خارج الحمامات لعدم تمكننا من تحمل الرائحة والغازات السيئة”النظافة بالمستوى الذي تراه منظر بشع, لا يعجب ولا يرضي أحد! هذا غير النجاسة والقرف داخل كل وحده! كل هذا عدا وجود أشخاص ُيدنّون أنفسهم ويسرقوا الحنفيات, والإباريق, والمغاسل..إلخ!! “.

وفي داخل وحدة صحية أخرى,  كان يتوضأ باحتراس وشك , أحمد الحروب, والذي إنتظرنا إلى أن فرغ من الوضوء فسألناه عما يرى, عقب تصويرنا لبعض الوحدات وحالتها المزرية, فأجابنا متسائلا!! ” ألا ترى كم أن النظافة قليلة؟ وأنه لا يوجد خدمات أو متابعة دورية؟أين الصيانة؟ أين أدوات التنظيف؟أين العمال؟ ولماذا أغلبهم أناس(عيانين, مش قادرين يمشو)؟ وضع سيء إلى أبعد الحدود, أنا أتوضأ وسط نجاسة(بس شو وداك على المرّ غير الأمرّ منه), علما أن حالة السوء التي تراها الآن هي أقل من تلك التي نراها في موسم الشتاء, نظرا للإقبال والضغط الشديد الذي يكون عليها رغم حالتها المزرية!”.

وأضاف”كما أنني أعايش هموم الناس يوميا لكون أنني أعمل في محل ملابس، حيث يأتينا الكثير ممن يبحثون عن حمام نظيف, خاصة من عرب الداخل الفلسطيني, وآخر من أذكرهم مسنّ سألنا عن إستخدام الحمام وإضطراره لما طلب بسبب أن لديه داء السكري, في وقت كانت الحمامات العامة مغلقة يومها! بسبب عدم توفر الماء فيها, حيث عادة وبعد ضغط المجاورين ترسل البلدية تنك ماء فيستمر إستخدام الماء ليومين أو ثلاثة  وبعدها تغلق الحمامات..وهكذا”.

كما تربصنا للسيدات الخارجات من إحدى الوحدات العامة الصحية, فليس بإمكاننا الإطلاع على وضع تلك الوحدات إلا من خلالهن, ورغم يقيننا أن حالها لا يختلف عن حالة وحدات الرجال, إلا أن ذلك لم يمنعنا من أن نسأل الحاجة  (أم بشار) من بلدة بيت أولا عن حال المرافق الصحية, فأجابت بإختصار” أنا أول وآخر مره بدخل فيها , والله ما هي نظيفة. يجب أن تكون الحمامات أكثر نظافة ورقابة”.

فيما خالفتها بذلك(أم محمد) من بلدة ترقوميا قضاء الخليل والتي رأت  أن مستوى النظافة ليس سيئا إلى هذا الحد, فيكفي  بحسبها أن هناك حمامات عامة للإستخدام, كما صبت جام غضبها على من يستخدمن الوحدات الصحية, حيث إتهمتهن بقلة نظافة بعضهن, ورأت أن على كل واحدة أن تترك المكان كما تحب أن تراه, مع ذلك فقد رأت أن من الضروري أن يكون هناك نظافة دورية لهذه الوحدات”.

بعد ذلك توجهنا لأحد محال بيع مواد البناء, والمجاور تماما لإحدى الوحدات الصحية بمنطقة باب الزاوية, وسألنا صاحبه غالب الحرباوي حول إن كان فعلا يتم إغلاق الوحدات الصحية في بعض الأوقات فقال” بالفعل لا تفتح الوحدات بشكل دائم, فأحيانا تغلق يومين وحتى ثلاثة بسبب إنقطاع الماء عن تلك الوحدات من وقت لآخر, وحين ذاك نحن كمجاورين نطلب من البلدية إغلاقها لحين إحضار الماء, لأنه وبعكس ذلك فإن الروائح  المنبعثة منها تسبب لنا كما للمارة الإزعاج الكبير. أما مستوى النظافة فهو دون المستوى ولا يليق بمستوى البلد, كما أن الصيانة معدومة، أضف إلى ذلك أن الموظفين أناس (دراويش!!). ونحن مع وجود أفكار من شأنها إستمرار وجود النظافة بشكل متواصل في تلك الحمامات, كأن يدفع المواطن مثلا مبلغا زهيد مقابل إستخدامه للحمام, كما هو  متبع في العديد من دول العالم, وذلك مقابل وجود نظافة مستمرة ودورية ومواد تنظيف.

وقد رحب أحد المتسوقين الذي إستمع للحوار فيما بيننا, بالفكرة, حيث قال  فوزي العداربه من بلدة بيت أولا” من ناحيتي  أنا مستعد أدفع 2 شيقل مقابل حمامات نظيفة ومريحة ومفتوحة بشكل دائم, حيث أن كل واحد فينا معرضّ للحاجة لإستخدام الحمامات, وبالتالي هناك أهمية لوجود حلول جذرية, فشخصيا كثيرا ما حاولت الدخول لتلك الحمامات, وما ألبث أن أدخلها حتى أخرج منها دون إستخدامها بسبب الروائح والمناظر المقززة”.

كثرة المتسوقين الذين أشاروا إلى أنهم يبحثون بالعادة عن حمامات تابعة لمسجد من أجل إستخدامها عوضا عن الحمامات العامة كريهة الرائحة, والغير قابلة للإستخدام بحسب من تحدثنا إليهم, دفعنا لتفحص الخارجين من الحمامات الخاصة بمسجد (الأتقياء )القريب من وسط البلد, والإستفسار منهم عن الأسباب التي تدفعهم لإستخدام تلك الحمامات! فالتقينا بعبدالله عبد الرحمن عيسى من بيت الروش التابعة لبلدة دورا في محافظة الخليل, والذي أخذ يقول” أنا أستخدم حمام المسجد, لأنه بالحالة التي هو عليها  يبقى أنظف من الحمامات العامة التي دائما منظرها مخزي ومقرف ومقزز! وأنا وبحكم عملي كممرض أقول أن الروائح الكريهة المنبعثة من تلك الحمامات وانعدام النظافة فيها, يضر بالآخرين, وبرأيي فإن على المسؤولين التنبه لموضوع التنظيف”.

من جانبها قامت مديرية صحة محافظة الخليل بإيفاد مندوبين لفحص الوحدات الأربعة الموجودة وسط مراكز التسوق في الخليل, للوقوف على حالتها وتقييمها, عقب متابعتنا للأمر, قال لنا بعدها رئيس قسم صحة البيئة في المحافظة الدكتور ياسر عيسى, أن وضع تلك الوحدات مزري جدا,فالكثير من الأبواب مهتكة,والكثير من الحنفيات معطولة أو مكسورة وكذالك مقاعد المراحيض ذاتها, وأضاف يصف حالة تلك الوحدات” تتراكم كميات كبيرة من الكلس الأصفر في الحمامات, مما يعني إنبعاث غازات البورين والروائح الكريهة بشكل دائم, كذلك  فإن الجدران وسخة في جميع الحمامات, وتُعشش خيوط العنكبوت في جدران وسقوف وزوايا تلك الحمامات, ولا يوجد فيها شفاطات هواء لسحب الهواء إلى الخارج, كما أن الكثير من المراحيض لا تتوفر فيها سلات مهملات, إضافة إلى أن بلاط تلك الحمامات متهتك ومقبوع ويسمح بتواجد البعوض والصراصير والمياه الوسخة والمجاري! كما أن هناك الكثير من براميل المياه المفتوحة, مما يسمح للعبث بها وتلويثها, كما لاحظ مفتشونا بناء على لفتتكم الكثير من القاذورات وبقايا المواد  المتراكمة عليها, إضافة بقايا الأطعمة الفاسدة والغبار, مما يسمح بالتعفن وزيادة إنتشار روائح كريهة, كما لا يوجد لا مواد تنظيف! ولا عامل تنظيف!”.

بناء على كل تلك المشاهدات يقول رئيس قسم صحة البيئة في مديرية صحة الخليل, فقد صنف هذه الوحدات الصحية بأنها باتت فعليا مكرهة صحية! وأضاف”  سنعمل على رفع  كتاب توصياتنا بالخصوص لبلدية الخليل, لأنها هي المسؤولة عن هذا الأمر, حيث من الضروري إعادة تأهيلها وليس ترميمها أو صيانتها, ليتم بعد ذلك مراقبتها ومتابعتها, علها تكون وحدات صحية بمعنى الكلمة, شرط أن لا يكون العمل والإهتمام بهذه الوحدات موسميا, وسنعمل من جانبنا على مراجعة ومتابعة تلك الوحدات أسبوعيا, مع العلم أننا سبق أن أرسلنا منذ قرابة العام كتابا لبلدية الخليل بذات الشأن, ولكن لم يتم عمل شيء كمايبدو”.

بدورنا في  مضمون جديد حملنا هموم الناس البسطاء والذين لا يطلبون المستحيل, وتوجهنا إلى رئيس بلدية الخليل خالد عسيله, طالبين رأيه فيما يقول الناس, وحول حالة الوحدات التي هي عليها, لكنه فضل عدم الرد, معتبرا أن هناك مشاريع بيئية طرحها أهم من طرح موضوع (الحمامات)”ما بعلق على هكذا مواضيع, نحن يوميا بنشيل 200 طن زباله”.

رفض رئيس البلدية التعقيب على حالة الحمامات العامة, والمهمة لكل مواطن شعبي يتسوق من الأسواق الشعبية, دفعنا للتوجه لرئيس قسم الصحة في بلدية الخليل المهندس رائد الأشهب والذي بادر على الفور بنفي وصول البلدية أي كتاب من مديرية الصحة حول الموضوع, كما لم تصل له أي شكوى من أي مواطن حول الأمر, فلو كانت الوحدات بالصورة التي وصفتها له كما قال لوصلته 5 آلاف شكوى يوميا وأردف قائلا” لدينا4 وحدات موزعة في مركز المدينة, وهي تعمل من السادسة صباحا وحتى السادسة مساء يوميا, ويتناوب على كل وحدة من هذه الوحدات موظفين إثنين يتقاسمون الوقت بينهم, ويشرفون على تنظيفها, حتى أننا نعمل على تنظيف الحمامات التابعة لمسجد الأتقياء رغم أنه يعود لوزرة الأوقاف, من منطلق أن دورنا هو الصحة العامة, وبالتالي فإن البلدية توفر كافة المستلزمات لتلك الوحدات, وهناك رقابة يومية من قبل10 مفتشين ومراقبين  بين عمال النظافة والوحدات الصحية, وإذا كانت حالة الحمامات بالحالة التي تصفها لنا فنحن كبلدية نتحمل كامل المسؤولية  عن هذا الأمر, فالبد مساحتها 44 كم 2 ولن نعجز عن حمام هنا أو آخر هناك, وبالتالي فإن أي تقصير قد يكون موجود فنحن مستعدين للتعامل معه بشكل سريع”.

وحال رؤية  رئيس قسم الصحة في البلدية  للصور الملتقطة لبعض الحمامات في الوحدات الصحية المشار إليها في لقاء ثان, دون أن نلمس التغيير الذي تحدث عنه, قال”  الأمر بحاجة لإعادة تأهيل وليس تنظيف, مع العلم أننا سبق أن قمنا بعمل صيانة لجميع هذه الوحدات, ولكن إستهتار البعض وتخريبه لهذه الممتلكات يؤدي لبعض الظواهر السلبية التي نشاهدها, فبعض الأحيان قام البعض بخلع التمديدات من داخل الجدران, ونعد بمعالجة هذه القضية بالصورة المناسبة,بعد رفع تقرير بذلك للمجلس البلدي لإتخاذ ما يلزم من إجراءات, وسنعمل على توفير جزء من ميزانية البلدية ميزانية لتأهيل هذه الوحدات الصحية”.

حتى لو تم إعادة تأهيل تلك الحمامات, وحتى لو لم نحتاج لحمامات ووحدات إضافية, هل نمنع المتسوقين من التسوق بعد الساعة السادسة؟ مع موعد إغلاق تلك الوحدات؟

Be Sociable, Share!