تقرير:هيثم الشريف

    أنفرد بنشر المقابلة الصحفية الوحيدة التي أجريت مع  مُغسّل الأموات في محافظة الخليل الحاج عبد الرزاق السيوري”رحمه الله”، والذي كان له الفضل الأكبر في حث وتعليم عدد كبير من شباب محافظة الخليل كيفية تغسيل وتكفين الأموات، على مدى قرابة 40 عاما قضاها في تغسيل وتكفين الأموات لوجه الله تعالى، فعقب وفاته أخذ الشبان والشابات يتنافسون على تغسيل الأموات، الأمر الذي شكل ظاهرة محلية، إليكم نص المقابلة

     ”أميل لرؤية تغسيل الأموات منذ كان عمري عشرة أعوام” بهذه الكلمات بدأ الحاج عبد الرزاق السيوري “سبعة وسبعون عاما “من سكان مدينة الخليل الحديث عن مهنة تغسيل الأموات التي يقوم بها منذ ما يزيد عن 38 عاما فقد كان كلما مات أحد بالجوار, يختلس النظر إلى عملية تغسيل الميت حين كان الشيخ محمد الخطيب “رحمه الله” يحترف هذه المهنة في أربعينيات القرن الماضي .

    ولم تكن الكوابيس التي لازمت طفولة الحاج السيوري تخيفه أو تثنيه عن ميله ذلك، حيث قال”لم تكن الأحلام التي كنت أراها منذ طفولتي للأموات تخيفني،حتى أنني أحيانا كنت أرى في بعض أحلامي أشخاصاً من الأحياء ميتون أني أنظر إلى عملية تغسيلهم!! وفي اليوم التالي كنت أخبرهم بما رأيت فيجيبون (كتب لنا عمر جديد ) وما هي إلا سنوات قليلة جدا فإذا بهم يموتون!!!.

    منذ أن أصبح الحاج عبد الرزاق السيوري شابا إمتهن مهنة تصنيع رحال الجمال (عدة الركوب على الجمال)، ولكن حين بدأت الجمال تقل وأصبحت هناك سيارات في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي, أصبح يعمل على تركيب شوادر السيارات في سوق (اللبن)في البلدة القديمة، ولأنه ولعٌ بمشاهدة تغسيل الأموات!! لم تغب هذه الفكرة عن باله وسعى لتطبيقها”عندما كان يموت شخص في الستينات ولا يوجد من يغسله بعد وفاة الشيخ محمد الخطيب (رحمه الله), ولأني كنت أميل لرؤية تغسيل الأموات منذ طفولتي إلى جانب ان هناك حديث يقال فيه بما معناه (من غسل مؤمنا إحتسابا لوجه الله غفر له أربعين موبقة ) فقد وهبت نفسي لتغسيل الناس دون مقابل، بعد ان عاهدت الله على ذلك حين قمت بأداء مناسك الحج، وبعد أن قرأت كتاب فقه السنة, وتعلمت كيفية تغسيل الأموات وحاجياته المتمثلة في(ثلاثة أكفان وقميص ووزره)ومن خلال مشاهداتي السابقة تعلمت وحدي كيفية طي الكفن .

     أول مرة قام الحاج عبد الرزاق بتغسيل الأموات فيها كان أحد الجيران في عام 1971″كان الميت كهلا يتجاوز 90 سنة، وبصراحة كان لدي شعور بالهيبة وكنت خائف من أن أخطيء في شيء، إلا أنني غسّلته وكفنّته وصليت عليه وقلت له في نفسي إنني سامحتك في أجري، وبدأ الناس يعرفونني كمغسّل للأموات عام 1973، حتى أنني كنت أشترط على من يريد تركيب شادر لسيارته أنني قد أتوقف في أي لحظة وأغلق محلي، لوحصلت وفاة لان عملي كمغسل للأموات ابتغاء لوجه الله تعالى”.

   وحول خبرته التي قدمها لعدد من الشباب، فقد تحدث عن عدد ممن علمهم، لكنه في ذات الوقت فقد كان قد تحدث رحمه الله عن بعض الطرائف!!”أحدهم جاء ليتعلم كيفية تغسيل الأموات ووافقت على الأمر، وفي ثاني يوم أتت والدته إلى المنزل وقالت متسائلة (نحن نريد ان نخطب لإبني وأنت تقوم بتعليمه تغسيل الأموات !!!!!) وبذلك لم يرجع الشاب مطلقا !! وأعرف قرابة 20 شخص حاولوا تعلم المهنة مني ولكنهم لم يستمروا !!! وكانوا يتراجعون في اللحظة الأخيرة، إما لخوفهم أو تلبية لرغبات عائلاتهم !!! أو حتى لا ترفض زوجات المستقبل بهم ان كانوا شبابا !!! ولكن آخرين أصروا على تعلم هذه المهنة، وفعلا قمت بتعليمهم، وهم الآن  يساعدونني في تغسيل الاموات”.

     في يوم واحد يقول مُغسل الأموات أنه قام بتغسيل وتكفين أريعة أشخاص، حيث أوضح يقول” صادف ان غسّلت أربعة أشخاص في يوم جمعة، حيث غسّلت الأول ثم إنتقلت إلى الثاني،ثم الثالث فالرابع، وأذكر أنني إنتقلت من منطقة عين خير الدين إلى  منطقة نمرة إلى عين سارة وأخيرا إلى تربة اليهود ! بمعنى أنني تنقلت في أحياء مدينة الخليل في كل مرة من أقصاها إلى أقصاها، وقد صليت عليهم جميعا صلاة الجمعة في الحرم الإبراهيمي الشريف”.

   وحول بعض أغرب المواقف التي مرت به، تحدث السيوري عن بعض القصص و الحكايات التي يشيب لها الشعر حين سماعها والتي عاشها نهارا و حلم بها ليلا مع مهنة الموت هذه، حيث أخذ يقول ” أحدهم توفاه الله في يوم من أيام (منع التجوال) في الإنتفاضة الأولى، وقد قدم أحدهم ليطلب مجيئي على عجل لأُغسّل الميت, وحين وصلت منزل المتوفي, كان في استقبالي أكثر من 200 رجل, وبالعادة يكون الميت في غرفة النساء يقرأون عليه القران قبل تغسيله، ولكنني إكتشفت أنه في غرفة منزوية أدخلني عليها اثنين وتركوني وغابوا !!!! فكشفت عن وجهه الغطاء فلم يكن على وجهه أي قطعة لحم!!! حيث أكله الدود!! لأنه بقي  مهملا 3 سنوات على السرير كما علمت لاحقا!!! المهم أنني غسلته وكفنته وصليت عليه وحدي !! وفي اليوم الثاني علمت بأنه حين تم دفنه وجدوا في قبره (عربيد )أي افعى كبيرة الحجم! وأنهم حاولوا وضعه في قبر آخر لكنهم وجدوا عربيد آخر وفي القبر الثالث نفس الشيء , وبالنهاية إضطروا إلى وضعه في القبر الذي به العربيد وأقفلوا عليه!!.

   كما كان قد تحدث الحاج السيوري عن رفضه في إحدى المرات الصلاة على احد الموتى في باديء الأمر ،لأنه كان معروف عنه إحتساء الخمر، حيث لم يقم بتغسيله أو الصلاة عليه قبل أن أقسم أهل البيت أنه قوقبل وفاته بثلاث سنوات بدأ يصلي منذ أن أقعده المرض .

   ومن المواقف الأخرى التي ذكرها لنا مغسل الأموات قبل موته، تحدث عن أحد أقرباء الميت والذي أتى بماء ساخن جداً وأراد سكبه على جسد الميت قائلا( أريد ان احرقه وهو ميت !!!) “ومما يؤلم بشدة أن تجد بعض الأقرباء يتلهفون على وفاة أحدهم ليستورثوه !! وأن يتبين لحظة البدء بعملية تغسيل الميت أنه كان مهملاً لسنوات، أو أنه كان مريضا أو طريح الفراش! أو أنهم لم يُحمموه أو يعطروه منذ اشهر إن لم يكن منذ سنوات!! ناهيك عن وضعه في غرفة بعيدة!! ويلقوه كالكلب !! فتكون رائحتة كريهة!! مع ذلك فإن هناك بعض آخر من أقارب المتوفي، يهتمون بالمريض ويُغسلونه وُيعطرونه لتكون رائحته كالمسك، وأحيانا أخرى يكون الولد عاقا لوالديه فأذكر ان احدهم وافته المنيّة، فلم ترغب عائلته بدفنه لمدة يومين قبل حضور ولده من ألمانيا وحين حضر نظر إليه من الشباك وانتهى الأمر!”.

    كما أن من المواقف التي لا تغيب عن ذاكرتي أنني  وحين ذهبت لتغسيل أحد الأموت أتت زوجته وهي ترتدي(دشداشة وحطّه) وطلبت مني تلبيسهم للميت، وحين رفضت ذلك قالت(عليّ الطلاق غيريلبسهم!!).  

   وقد كان قد أوضح الحاج عبد الرزاق السيوري رحمه الله أن المُتبع في تغسيل وتكفين الميت يعتمد على البساطة إذ يحب ان يقتصر الأمر على الكفن , وذكر انه من الأخطاء الشائعة في مناطق عرب الـ48 أن  البعض يضعوا للرجل الميت ما يُشبه (الحفاض) عدا الكفن!! في حين أنه للمرأة فقط والتي يتم ومن خلال المُغسّلة عمل ثلاث جدايل من الشعر للمرأه المتوفاة كما جاء بأحد أحاديث عن الرسول الكريم بحسبه .

   أما حول تثبته من شهادة الوفاة قبل تغسيل الأموات فقد أكد الحاج عبد الرزاق سيوري، أنه يطلب وفي اغلب الحالات، وخاصة في حالات الوفاة التي تكون في وقت متأخر من الليل “شهادة الوفاة” ليخلي مسؤوليته تماما قبل ان يقوم بتغسيل و تكفين الميت، وقد ذكرانه طُلب لتغسيل وتكفين أحدهم بعد الثانيه عشر ليلا، وحين وصل طالب اهله بشهادة الوفاة، ولم يقم بتغسيله إلا بعد قدوم طبيب أكد وفاته طبيعيا.

    كما أشار مُغسّل الأموات ان في مدينة الخليل ثلاثة فقط يمتهنون المهنة، وأن بعضهم يتقاضى 20 دينارا كأجر له، وأنهم حديثو العهد بمهنة الموت. 

   زوجة الحاج السيوري التي لم تعارض هي وأبنائها رغبته في هذا العمل منذ بداياته سارت على دربه في منتصف الثمانينات كما قال “طلبت منها تعلم التغسيل ووافقت على ذلك، وبدأت فعلا بتغسيل الأموات من النساء , رغم خوفها في باديء الامر,واستمرت بتغسيل الأموات من النساء لمدة تجاوزت الـ15 سنه دون مقابل، إلى أن مرضت قبل عدة سنوات، وما عادت قادرة على ذلك”.

  الحاج عبد الرزاق السيوري الذي أنهكه المرض، وقلما كان يغادر منزله أو حتى فراشه،قبل أن يتوفاه الله كان قد قال لنا  أنه يتمنى لو باستطاعته السير ومتابعه رسالته التي لا يبتغي منها سوى رضوان الله تعالى, ومع ذلك فقد أكد انه ُكلما حضر شخص لطرفه طالبا منه تغسيل أحدهم فانه يطلب منهم نقله إلى بيت الميت رغم مرضه , ويشير إليهم بيديه حول كيفيه تغسيل الميت وفق الطريقة الشرعية الصحيحة، ثم يقوم بالصلاة عليه.

   كما ختم الحاج عبد الرزاق السيوري مغسل الاموات  حديثه  قبل  وفاته قائلا” لقد غسلت أكثر من 6آلاف رجل وطفل، و لو عدت شابا لما تمنيت أن اعمل في مهنه أخرى لانها لوجه الله تعالى” .

   أما بائع أقمشة الموت الحاج توفيق عبد الرؤوف شاور والذي تعدى الـ80 عاما والذي عمل  لأكثر من 60 عاما في مهنه بيع الأقمشة الخاصة بالموتى وحاجاتهم، بعد أن ورث مهنته عن والده فقد بين أنه ومن خلال السنوات الطوال التي عمل فيها بائعا لأثواب الموت، فغن المتبع أن للذكر11 متر (دولس بفت)(أي قماش ابيض ) بالإضافة إلى أربعة أمتار قماش حق، وكذلك الشاش و العطر و الإبرة و الخيط و الكافور و المنشفة، وذات الأمر بالنسبة للمرأه، مع إضافة ثوبها الأبيض, وبالتالي فقد قدر الحاج شاور طول الأمتار التقريبيه التي باعها طوال أكثر من 60 سنه التي مرت، بما يزيد عن225الف متر طول !!

    كما استذكر سعر الكفن ومستلزماته في عهد الانجليز قائلا “في عهد الانجليز كان سعر الكفن ومستلزماته 5 دنانير , أما في عهد الأردن فقد كان 7 دنانير،بينما في وقتنا الحالي فما يزيد عن 150 شيقل”.

  وعمّا كان ساريا قبل أكثر من 40 عاما يقول الحاج توفيق شاورأنه كان يتم تلبيس الميت( قمباز، و سروال، وجاكيت) إضافة إلى الكفن !!

  ومن الطرائف التي مرت في مهنه الأموات يقول شاور “في احد المرات حضر احد التجار واشترى عشرة أكفان ليبيعها في قرية مجاورة , فاستهجن المجاورين في حيه فعلته !!! كما طلبت منه عائلته إرجاعهم !! فعاد إليّ  وأرجع الأكفان !! كما إستذكر أنه في إحدى المرات باع وفي ويوم واحد  6 أكفان لست عائلات”.

  وختم الحاج توفيق شاور بائع أكفان الموت حديثه بالقول” من أراد واعظا فالموت يكفيه “.

haitham9000@gmail.com

Be Sociable, Share!