لم تحتفل آمنة حمدان “بعيد المرأة العالمي “والذي صادف الثامن من شهر آذار الحالي , ولم تطفئ كذلك الشموع بمناسبة عيد الأم الذي صادف الحادي والعشرون من الشهر ذاته!! وحتى لو وجدت الشمعة لفضلت أن تدفئ فيها بيتها بدلا من الاحتفال !! .

     مرّت هاتان المناسبتان دون أن تشعر أم محمود أن هناك فرق في حياتها أو أن شيئا تغير !! ومرّت المناسبتان دون أن يستطيع إبنها الوحيد “محمود” من شراء ولو سترة لها تقيها من برد الشتاء !! نظرا لسوء وضعهم الاقتصادي , خاصة أن كل الألوان في حياة أم محمود سوداء !! لأنها ببساطة ضريرة منذ سبعة وأربعون عاما !!ولذلك نصفها في تقريرنا هذا ب”الصابرة ام محمود” .

   كثيرة هي القصص المأساوية والمؤلمة، ولكن من منا يفكر أن غيره يعيش بالبرد القارص؟ وفي حلكة أزلية ؟ ثم أين هي الجمعيات النسوية قاطبة من القضاء على الفقر بعيدا عن الشعارات و الاحتفالات بأعياد نسوية !!

   أبدأ بهذه الكلمات بدلا من أن اختم بها , فالمواطنة آمنة حمدان “أم محمود”  ومنذ سبعة وأربعون عاما وهي تعيش في حلكة دائمة بعد أن ابتلاها الله في بصرها منذ أن جاءت إلى هذه الدنيا. ليس ذلك فحسب بل وابتُليت بمرضي السكري والكلى !!

          دخلت منزل أم محمود والذي ظننته من الوهلة الأولى قيد الإنشاء !! وكان خاليا،باردا، إلا من مشاعرهم الدافئة، حيث لم أكن أعلم أنهم يسكنوه منذ قرابة أربع سنوات !!! جلست مضيفتنا في غرفة يتردد فيها الصوت، تخلو من كل شيء إلا من بعض الفرش الأرضي، وبدأت الصابرة أم محمود في الحديث عن معاناتها، بعد تنهيدة اختزلت عمق كل ما جرعها الزمان إياه، ورغم كل ذلك فقد كانت كلماتها، وحديثها عن رحلة حياتها أكثر قسوة من  ما اختزلت تنهيدة واحده من تنهيداتها “أنا واحدة من أربع أخوات كفيفات منذ خلقنا ” قبل 23 عاما تزوجت من أبو محمود المصاب بشلل الأطفال منذ الولادة, وكان يتعالج بالوكالة، لأن جسمه ضعيف وتعب أيضا, كما كان في الكثير من الأوقات مثل التايه، وجسمه ينتفض ويرتعش بين حين وآخر, وقد كان يعمل حمّالا “عتالا ”  من يومين إلى ثلاثة أيام في الأسبوع، ويتقاضى ستة شواقل في اليوم الذي يعمل به !!!”.

     وتسرد أم محمود جوانب أخرى من معاناتها حيث قالت”عشت مع أبومحمود ووالديه في بيت أهله بـ”حي تربة اليهود” ، علما أن كل البيت كان عبارة عن غرفة واحدة مخصصة للنوم، والضيوف، والجلوس، المطبخ!! أما حمام المنزل الوحيد فقد كان في الفناء الخارجي للمنزل!!”.

        عاشت أم محمود في ما يسمى ظلما (بيت)  لمدة واحدة 21 عاما، وهي مؤمنة صابرة، حتى أنها أنجبت وحيدها في هذه الدنيا “محمود “، ويبدو أن كل ذلك لم يكن كافيا !!! فقد ضيق الاحتلال والمستوطنين عليهم الخناق في تربة اليهود إلى أن اجبروا على الرحيل قصرا إلى” حيّ دويربان “في الخليل، حيث استدانوا ليسكنوا بيتهم المتواضع لأقصى الحدود ، والذي التقيت فيه أبطال قصتنا.

       سألت أم محمود عن الأكثر مرارة في كل حياتها،هل هو وضع أسرتها المادي والإقتصادي المتردي، أم كونها كفيفة؟ فقالت” عمري ما تمنيت أكون مفتحه, لأنني أصلا تعودت على هذه الحياة , والعمى ببعض الأحيان يكون نعمة !! ثم إني أرى بقلبي، مالا يراه المبصرون!!! ورغم سوء وضعنا الإقتصادي، فإن الله تعالى قد أنعم عليّ كثيرا، فيكفيني أن منّ الله عليّ بإبني محمود، وبصراحة، وبالرغم من أن ظروفنا المادية لم تسمح لنا بتعليم محمود إلا أنني أصررت على تعليمه، وكنت دائما اطلب منه أن يتحمل و يتعلم الصبر ويكون رجلا، وأن يتعظ من حالتي و حالة والده رحمه الله, إلى أن دخل الجامعة، وكان في فترة الإجازة يعمل كي يساعد نفسه, أو يُسجّل لقروض جامعية، إلى جانب مساعدة أهل الخير.

      المبصرة ببصيرتها لا ببصرها أم محمود ، عاطفية لأبعد حد، فنظرًا لسوء حالتهم المادية، ولأنه ليس باليد حيلة، كانت كلما سمعت خطوات إبنها يغادر المنزل متجهًا إلى الجامعة سيرًا على الأقدام !! كانت كما تقول  تشعر  بأن كل خطوة من خطوات إبنها كسكين تمزق أحشائها” كان قلبي يتقطع عليه، فكثيرًا ما كان يذهب في الشتاء إلى الجامعة سيرًا على الأقدام، وأما في الصيف فدائما!!، فأنا كل شيء بحياتي أنا راضية عنه، لكن حين أشعر أن ابني بحاجة لأي شيء مثل الآخرين ولا استطيع أن البيه!!! هذا يمزقني، محمود عاش معي أكثر من عشرين سنة بدون راديو، أو تلفون، أو أجرة مواصلات”.

            استمرت آمنة حمدان بالتمسك بالصبر كما الإيمان، في كل فصل من فصول معاناتها, ، حيث لم يمنعها فقدانها لبصرها مذ خلقت، من أن تخدم زوجها لما يزيد عن ربع قرن، خاصة في الثلاث سنوات الأخيرة التي سبقت وفاته، حيث كان لا يخرج من باب المنزل مطلقا، وكانت دائما توفر له كل شيء كالمبصرات .

      وتذكر أم محمود أنها وقبل وفاة زوجها، وحين فكرت بالعمل في مصنع للجرابين رفض ابنها محمود ذلك، قائلا لها ” صعب أن تستطيعي التوفيق بين مساعدة والدي على قضاء حاجة والاغتسال وتحضير الطعام ، و العمل في المصنع بذلك الوقت!! خاصة لأنك كفيفة !!”

       وعن المساعدات المالية أو العينية التي تتقاضاها عائلة الصابرة آمنة حمدان من الجهات الرسمية قالت “نظرا لسوء حالتنا الاقتصادية كنّا نتقاضى 25دينار شهري من لجنة زكاة الخليل, ومساعدة عينية من الوكالة لثلاثة أشخاص متمثلة بالتموين، إضافة إلى 143 شيقل من الشؤون الاجتماعية , ورغم أن مجموع المساعدات لا يغطي جزء بسيط من إحتياجاتنا الأساسية، إلا أن معظم هذه المساعدات توقفت!! وحتى مساعدة وزارة الشؤون الاجتماعية في طريقها للتوقف بداعي أن ابني توظف منذ عدة أشهر قليلة كأستاذ مدرسة !! بالرغم من أنه للآن لم يقبض راتب واحد!!

    ورغم إنعدام مصادر الرزق الشحيحة أصلا, وحاجة أم محمود يوميا إلى إبرة السكري التي لا استطيع أحيانا أن تؤمن ثمنها !! إلى جانب كونها ضريرة، تبقى أم محمود صابرة متحدية قهر الزمان لها، رافضة أن يكسرها الألم، حيث عبّرت عن أجمل لحظات حياتها، والتي تمثلت بتخرّج إبنها محمود، واللحظة التي توظف بها “أنا عمري جاوز الـ47 سنه و مع ذلك أول مره أشعر فيها أننا قاربنا على العيش على وجه الأرض!! لأن  محمود إنتصر على الفقر والحاجة، بعلم وإيمانه وتحديه لنفسه قبل الاخرين .

    الكفيفة آمنة حمدان، والتي جفت دموعها قبل أن تسقط كان يؤلمها قبل توظف إبنها أو حتى قبل تخرجه، أنها لم تكن تستطيع أن توفر لإبنها الوحيد  سوى الدعم المعنوي والعطف !!وأضافت” أنا أديت رسالتي و أوصلته لأولى درجات الحياة ولا أريد من هذه الدنيا سوى أن أراه سعيد”.

     وعن حياتها العادية في ظل عجزها سألت أم محمود كيف تُعد الشاي، القهوة، الطعام، فقالت “بالنسبة للمشروبات الساخنة ، فأنا أعتمد على السمع، وعلى صوت غلي الماء، كما أنني اعرف متى يستوي الخبز الذي أخبزه بنفسي من الرائحة والملمس، وبقية الامور كالجلي والكنس ، فأنا أحفظ البيت غيبا، وأطبخ الطعام إذا ما توفر.

    ما قالته أم محمود دفعني لأن أسال حول إن كانت تعمل على كوي ملابس ابنها محمود فعلقت مازحه “لم نصل لمرحلة أن يكون في بيتنا مكواه!! ولو كان لدينا لفعلت , ثم أننا نعمل حساب لفاتورة الكهرباء التي تتراوح ما بين 54 و 60 سيقل شهريا !!” .

    كثيرا ما نسمع عن عائلات مستورة لا تستطيع توفير قوت يومها، ولكني لم التقي سوى اليوم بمن تقول أن آخر مرة تذوقوا فيها طعم اللحمة كانت في عيد الأضحى الماضي !!! ” اللحمه نأكلها من العيد حتى العيد … فأنا اذكر أننا أكلناها في ثاني يوم عيد الأضحى، وحتى لو تمكنا من توفيرها لاستغنيت عنها, فأنا لا أريد  أن أعيش على حساب إبني.

      محمود حمدان إبن الصابرة آمنة حمدان (23) عاما, ذكر لنا البعض من المواقف الكثيرة التي وقفت فيها أمه إلى جانبه”والدتي كان معها خلقة خاتم وحلق عزيزين عليها، فحين إحتجت قسط جامعة، باعتهما لتسديد قسط الجامعة، و بعض ديون البيت، ومن طبع أمي حتى لو كان معها خمسون شيقل بدل من ان تشتري شيء لها كانت تعطيني إياهم حتى اركب بهم، وأما هي ودون ان تشعرني فتسير مسافات طويلة، حتى وهي ضريرة لتوفر النقود!!حيث دائما تعطي الأولوية لي وللبيت، وأذكر أنه حين كنت ادرس ليلا خاصة أيام التوجيهي والجامعة ، كانت تُحضر لي في الساعة الثانية أو الثالثة صباحا القهوة أو الشاي،حتى وإن كانت مريضة.

       وفي ختام زيارتنا لمنزل آمنة حمدان، باركنا لها دخول منزلها جهاز تلفاز لأول مرة منذ قرابة ثلاثة أشهر!!! حسبما قالت!!!

haitham9000@gmail.com

Be Sociable, Share!