قاضي القضاه السابق: الرئيس ختم القرآن خمس مرات في شهر رمضان، وحفظ منذ بداية الحصار25 جزء من القرآن الكريم ، وكان يعلّق الإجتماع حين يحين موعد كل صلاة

أجرى الحوار: هيثم الشريف

    على الرغم من مرور ست سنوات على إستشهاد الرئيس أبو عمار ، ووجود مؤشرات أوضحتها كافة التقارير الفرنسية والعربية والمحلية تؤكد أن تكسر الصفائح لدى الرئيس، وما تبعه من نزيف داخلي، يعود إلى تسمم الرئيس، إلا أن طريقة وكيفية تسميمه سواء عن طريق الطعام أو الشراب أو الكريمات أو الإشعاع  أو حتى الملامسة لا تزال غامضة، خاصة أنه كان يستقبل الجماهير والوفود بشكل يومي إثناء حصاره في المقاطعة ، لكن الواضح أن إسرائيل هي من وراء تلك الأيدي الآثمة التي نالت من الرئيس ، خاصة لثبوت تورط إسرائيل في محاولات إغتيال بطرق مشابهة، إلى جانب ما ورد على لسان ساستهم قبيل مرضه المفاجيء والسريع فوفاته، من أنها لو علمت أن الرئيس سيعود حيّا ما أخرجته من أرض الوطن ، إلى جانب تأكد البعض الآخر منهم أن الرئيس عرفات  ستنتهي حياته قبل  نهاية العام المشؤوم، فحدث ما حدث ونال الرئيس الشهيد ماتمنى، فلطالما تمنى ان يموت شهيدا ، حيث توفي في فرنسا، وأقيمت المراسم الجنائزية له في مصر، ودفن في رام الله وبالتالي فهو الرئيس الوحيد الذي أقيمت المراسم الجنائزية  لوفاته في ثلاث قارات .

   واليوم، وفي الذكرى السادسة، تكشف الحــال تفاصيل جديدة، للساعات الـ12الاخيرة  في حياة الرئيس عرفات ، وذلك من خلال قاضي قضاة فلسطين ورئيس المجلس الأعلى للقضاء “السابق” الشيخ تيسير التميمي، والذي أجرينا معه الحوار التالي:-

  • ·        هل هي مصادفة أن وصلت إلى مستشفى بيرسي العسكري في باريس قبل يوم واحد من وفاة الرئيس الشهيد ياسرعرفات؟ أم أنه طلب منك ذلك لسبب أو آخر؟

     لم يستدعيني أحد،  فأنا من طلبت السفر، حيث بلغني  أن الرئيس يحتضر، وأنه في الساعات الأخيرة من حياته، وأن هناك نزيف في الدماغ، فطلبت من رئاسة الوزراء السفر لأكون معه، فمن الناحية الدينية في مثل هذه اللحظات يجب أن يكون هناك من يقوم بالواجبات الدينية كقراءة القرآن والأدعية وتلقين الشهادة وما شابه، وبالتالي فعلا على ما أذكر سافرت من عمان  في 9-11-2004 ، ووصلت صباح اليوم التالي  باريس، حيث استقبلني د. ناصر القدوة، وليلى شهيد، علما أنه وأثناء الرحلة بلغني أن الإعلام الإسرائيلي ومن خلال صحيفة “يدعوت أحرنوت” بدأت بنشر الإشاعات التي قال فيها أن الهدف من سفري، هو إعطاء الموافقة الدينية على نزع أجهزة الإنعاش الموصولة بالرئيس، ولكي أعلن وفاته…

  • ·        مقطاعا: ليست الصحف الإسرائيلية فحسب من قالت ذلك، فحتى صحيفة الرياض السعودية آنذاك  كانت قد قالت حرفيا أن وصول الشيخ التميمي إلى باريس يهدف لإعطاء الضوء الأخضر لفصل أجهزة الإعاشة عن عرفات!

للأسف، أن أجهزة الإعلام العربي تنقل المعلومات المغلوطة عن الصحافة الأسرائيلية دون تمحيص

  • ·        من رافقك أثناء دخولك  للمستشفى، ومن صادفك في أروقة المستشفى؟

     دخلت برفقة الدكتور ناصر القدوة “إبن شقيةة الرئيس ” وكان في إستقبالي داخل المشفى الدكتور رمزي خوري مدير مكتب الرئيس الراحل، وفور دخولنا إصطحبنا ضابط فرنسي إلى غرفة الجنرال كريستيان استريبو المتحدث الرسمي بإسم المستشفى ، وذلك قبل أن أدخل على الرئيس، حيث قال لي حرفيا”لن نستطيع أن نسمح لك بالدخول على الرئيس ياسر عرفات”، فسألته لماذا؟ فقال: أن فرنسا بلد علماني وقضية المراسم الدينية تتنافى مع مباديء العلمانية. فقلت: تقولون انه يحتضر، لذلك أريد أن أقف إلى جانبه وأقرأ على مسامعه القرآن. لكنه رفض. وبعد جدال طويل حول حقوق الإنسان، طلب مني الجنرال الإنتظار إلى أن يأخذ الإذن من الجهات العليا، وقد إنضمت إلينا أثناء ذلك كلٌٌ من أرملة الرئيس سهى عرفات، و ليلى شهيد السفيرالفلسطيني في باريس،وأثناء إنتظارنا أكد لي الأطباء الذين التقيتهم في غرفة الجنرال أن الرئيس يقضي ساعات محدودة نتيجة لنزيف شديد في الدماغ يُنبيء بذلك، وأنهم قاموا بمئات التحاليل الطبية والفحوصات المخبرية لدم الرئيس لكل  أنواع السموم المتعارف عليها، غير أنهم لم يتعرفوا على سبب مرضه !وبقيت أستفسر عن حال الرئيس إلى أن ورد للجنرال استريبو إتصال هاتفي في تمام العاشرة والنصف صباحا ، تمت الموافقة من خلاله على دخولي لغرفة العناية المركزة الخاصة بالرئيس رحمه الله، وفي طريقنا لغرفة الرئيس قال لي الدكتور رمزي خوري  “تمالك نفسك فالرئيس في حالة صعبة للغاية، فـأبوعلاء أحمد قريع  رئيس الوزراء دخل عليه ولم يستطع أن يتمالك نفسه ، حتى أنه وقع مغشيّا عليه، وحين دخلت الغرفة..

  • ·        مقاطعا: قبل الدخول هل كان هناك أي نوع من الحراسة على باب غرفة الإنعاش الخاصة الرئيس؟

     نعم كان هناك حرس الرئيس الخاص، إلى جانب الحرس الفرنسي، وقد دخلت غرفة الإنعاش ، برفقة سهى عرفات، والدكتور رمزي خوري، ومسؤول حراسات الرئيس الدكتور يوسف العبدالله، ، والدكتور ناصر القدوة، إضافة إلى الجنرال، وحال دخولي لم أتمالك نفسي حينما شاهدت الرئيس والدم ينزف من رأسه من جميع الجهات! حتى أن الدم كان يخرج من الجلد جراّء ذلك، نظرا لأن تكسّر الصفائح الدموية أدت لميوعة في الدم، مما أدى لخروج الدم من مسامات جلد وجه الرئيس”وذلك حسبما فهمت لاحقا من الأطباء”، علما أن كتفه كان عاريا ولم يظهر عليه تغيير في لون البشرة، وقد لمست جبينه فكتفه وكان بهما شيء من الدفي، وكل تلك الأمور تعد مظهر من مظاهر الحياة، مع ذلك لم أستطع مواصلة النظر لهذا المشهد المؤلم للرئيس آنذاك، فبدأت بتلاوة القرآن وأنا مغلق العينين ، حيث اقتصر نظري إلى كتف الرئيس، الذي رصدت تحركه أثناء القراءة ثلاث مرات، كذلك رصدت نبض الرئيس الظاهر على إحدى الأجهزة الموصولة بالرئيس، حيث كان ينبض قلبه115 مرة في الدقيقة، وبعد ساعة ونصف من القراءة خرجت من الغرفة وكان خارجها كل من ذكرت.

  • ·        كانت لك زيارة ثانية لغرفة الرئيس قبل وفاته، حدثنا عنها؟

فعلا، بعد أن إسترحت قليلا في الفندق، وأفطرت في الفندق”لأننا كنّا بشهر رمضان”عدت ثانية للمستشفى في ذات التاريخ9-11-2010 وفي تمام الساعة العاشرة والنصف ليلا، حيث كانت أرملة الرئيس موجودة وكذلك الدكتور رمزي خوري، حيث أخبروني بأن الرئيس تحسنت حالته، وأن النزيف توقف، وفعلا حال دخولنا عليه بدى ذلك جليا، حتى أن الأطباء إستغربوا ذلك، وكيف أن تحسنا ملموسا طرأ على صحته…

  • ·        مقاطعا: هل كانت برأيك ” صحوة الموت”؟

      أكيد، فـ الله سبحانه وتعالى حين يقبض الإنسان يقبضه وهو خال من الأمراض، وبالتالي بدى وجه الرئيس كـ من إنفرجت أساريره، وما عاد وجهه كما المرة الماضية عابسا محتقناً، حتى أنه إرتسمت على شفتيه إبتسامة، ولظني أنها صحوة الموت لقنته الشهادة رغم انه في غيبوبة معمقة، فشعرت أن الرئيس يحس بالقرآن والأدعية والشهادتين حيث تغير وجهه من حالة الإحتقان إلى الإصفرار في وجهه وهذه دلالة على أن منزلته منزل خير ، وبعد ذلك بدأت الأجهزة تعطي مؤشرات غاية في السلبية سواء جهاز القلب أوالنبض أوالضغط، ولم أعد ألمس الحرارة في جسد الرئيس، فبقيت إلى جواره أن فارق الحياة في 11-11-2004، في تمام الرابعة والنصف بتوقيت فلسطين وبقيت الإبتسامة مرسومة على شفتيه.

  *عقب الوفاة من الذي تحدث بإجراءات نقل ودفن الرئيس ممن كانوا لحظتها في المستشفى؟

     تحدث في الإجراءات الدكتور رمزي خوري، وليلي شهيد، والدكتور ناصر القدوة، وذلك بحضور أرملة الرئيس سهى عرفات، أما أنا فأشرفت وطاقم من أئمة مسجد باريس”التوانسة”على تغسيل الرئيس، إذ كنت أوجّههم كيف يقومون بذلك، وبصراحة كنت أتوقع أن أجد جسدا مترهلا نظرا لعمرالرئيس (75سنة)، لكنني رأيت جسدا ملفوفا رياضيا كجسد شاب في الأربعينات. فقمت بتكفينه، والصلاة عليه مع أئمة المسجد في المستشفى وحرس الرئيس، وبعد الصلاة  عليه وُضع بالثلاجة وتم إغلاقها بمفتاح، وطلبت من الدكتور يوسف العبدالله مسؤول حراسات الرئيس أن يضع حرس فلسطيني إلى جانب الحرس الفرنسي، لحراسة جثمانه.

  • ·        بالعودة لما قبل وفاة الرئيس،  وما هو معروف حول تكرار زياراتك له، وبالذات في فترة حصار الرئيس وما تلاها ؟هل سبق أن لاحظت تغيراً في صحة الرئيس؟ ومتى ذلك؟

    نعم، ففي العاشر من رمضان تحديدا عام  2004، كنت ذاهبا لزيارة الرئيس ياسرعرفات، فقيل لي أنه مريض ولا يستقبل أحد وأن عنده طاقم طبي مصري، وحين أصررت على الدخول لرغبتي طلب الإذن بالسفر، قال لي مدير مكتب الرئيس الدكتور رمزي خوري “تعال افطر مع الرئيس” وفعلا حضرت للإفطارمعه ، وبعدها أكلنا (القطايف) مع الرئيس الذي كان في ملابس النوم، وبعد أن طلب مني الطاقم الطبي حث الرئيس على الإفطار نظرا لحالته الصحيه، ولكونه وفق ما أخبروني في حالة هُزال شديد جراء الإستفراغ وما إلى ذلك، حيث كان الإعتقاد أنه أصيب بالإنفلونزا وأنها من أثرت على الأمعاء . طلبت ذلك من الرئيس بعد أن بينت له الآيات والأحاديث التي تبيح له الإفطار ، فقال لي الرئيس” يا شيخ تيسير أتريد لأبي عمار أن يفطر وقد بلغ من العمر75 سنة؟” وأصر على  أن يستمر في الصيام!!.

  • ·        هل من معلومات أو مواقف للرئيس يمكن أن توردها لنا، خاصة أنك كنت من المقربين له؟

    بعضا مما أذكره عن الرئيس مثلا أنه وفي ذات الليلة التي نصحته فيها بأن يفطر نظرًًا لحالته الصحية، أذكر أنه بكى بكاءًا شديداً حين وصف لنا صورة كان قد شاهدها ، وهي لإمرأة عراقية تُعذّب وتغتصب من قبل الجيش الأمريكي المُحتل للعراق ، وأخذ يسأل أين المعتصم؟ أين المسلمون؟ فبكينا على بكاءه الشديد. أما عن زهده في الدنيا، فوالله كثيرا ما كنت أقول للرئيس “يا أبا عمار حطتك صفراء غيّرها”حتى جاكيت الرئيس كان منسّل!! وفي فترة الحصار كان يعيش في مكان غير لائق صحيا ولا حتى للمعتقلين!! ففعلا كان يعيش المعاناة مع الشعب الفلسطيني، ويعيش ويأكل مع اليتمامى والثكالى والأرامل والمتضررين، وكان يعيش في تقشف، ويتقاسم حتى حبة التفاح مع مناصريه في المقاطعة.

    كذلك أذكر أنه في شهر رمضان الذي سبق إستشهاده ختم الرئيس المصحف خمس مرات، حيث دائما كان المصحف في يديه، وكنت أسأله أين وصلت؟ كما أنه رحمه الله بدأ بحفظ القرآن مع بداية الحصار، إذ بدأ الحفظ من الجزء الـ30  إلى أن وصل إلى الجزء الخامس، وكان يُعلّق الإجتماع حين يحين موعد الصلاة، وكنا نذهب إليه وننتظر حتى يفرغ من صلاته.

haitham9000@gmail.com

 

 

 

 

 

Be Sociable, Share!