شح ونقص المياه، عبارة يرددها الفلسطينيون كل صيف، لتعبر عن معاناتهم جراء شح وتقطع وصول المياه إليهم، ورغم إعتياد الفلسطينيون جبرا على شح المياه الموسمي، وتكيّفهم مع ذلك بصورة أو أخرى، إلا أن سكان محافظة الخليل الذين جاوز عددهم  700 ألف نسمة إستبدلوا عبارة شح المياه بـ ندرة المياه، وذلك بعد أن تفاقمت وتضاعفت معاناتهم هذا العام بالذات ، حيث عانت المحافظة ولا تزال من أزمة مياه خانقة لم تشهد لها مثيل ، مما فاقم المشكلة، خاصة أن ذلك ترافق مع إرتفاع غيرمسبوق بدرجات الحرارة، التي سجلت أرقاما قياسية لم تسجلها منذ عقود. كل ذلك ألقى بظلاله على كافة مناحي الحياة ، الزراعية والصناعية ومياه الشرب ، الأمر الذي إنعكس سلبا على الأسرة ، من حيث النظافة والصحة معا.

     تفاقم مشكلة المياه التي وصلت إليها محافظة الخليل، دفعت بالكثيرات من ربّات الأسر إلى اللجوء للتقنين في إستخدام المياه، بل وإعادة إستخدام جزء منها، في محاولة منهن للتكيّف مع الكمية المحدودة التي تصل إليهن من ماء ، فأم عبد الله مشارقة من مدينة دورا إلى الجنوب الغربي لمحافظة الخليل، قللت عدد مرات إستحمام أطفالها من أربعة مرات إلى مرتين أسبوعيا، حيث قالت” أطفالي يستحمون الآن مرتين أسبوعيا ، بعد أن كانوا يستحمون أربعة مرات أسبوعيا بالوضع الطبيعي ، حيث  أحاول أن أتكيف مع ما وصلنا من مياه قبل أسبوعين، بعد إنقطاع للمياه دام ثلاثة أشهر متواصلة”.

     كما أبدت ربة المنزل أم عبد الله مشارقة  خوفها على صحة ونظافة أطفالها نتيجة لذلك. وحول الوسائل  التي إستخدمتها لتقنين إستخدام المياه أخذت تقول “حاليا أقتصد بماء الجلي، حيث أنني أستخدم “إبريق” للجلي عوضا عن الحنفية، ولكي أقتصد أكثر فإنني أستخدم مياه الجلي المستخدمة لريّ أشتال الزينة والورود، بعد أن أكون قد حفظتها في وعاء، ولغسل وشطف وتنظيف داخل البيت والساحة الخارجية، فقد بت أستخدم الدلو عوضا عن بربيج المياه”.

      وكذلك فعلت أم إياد عيده من مدينة الخليل، والتي قالت أنها باتت تستخدم الإبريق بدلا من الحنفية،  وعبّرت هي أيضا عن مخاوفها من إستمرار هذا الوضع”المياه تأتينا كل شهرين، وإستمرار الحال على ما هو عليه، مشكلة كبيرة لربات البيوت، لأننا مقبلون على عيد الفطر، وكل ربة منزل، ترغب بأن تنفض بيتها، وتعيد تشكيله إستعدادا للأعياد، وكل أمور التنظيف المنزلية تعتمد على الماء الغير متوفر!!”.

    أم أحمد العلامي ربة بيت لأسرة مكونة من عشرة أطفال في بلدة بيت أمر الواقعة إلى الشمال من محافظة الخليل، وقد وصفت الأزمة المائية بالفظيعة،وأضافت”إننا لا نستطيع العيش بدون الماء الذي بات يصل “بالقطّاره” وقد إعتدت كل عيد على إخراج كل ما في البيت من أثاث وسجاد، وغسله وتنظيفه، إلا انني لا تعرف كيف سأعمل حيال الظرف الجديد؟”.

    ربّة المنزل أم أحمد العلامي، رأت أن المشقة على المرأة زادت، حيث أنها تمنع بناتها من”الجلي” في المطبخ لا لشيء ولكن، لتحافظ ما أمكن على الكمية المتاحة من المياه ولتوفير إستهلاكها ، كذلك فإنها تستعيض عن شطف أرضية وشبابيك المنزل بممسحه”.

   وقد رأت أن قلة المياه بالنسبة للأطفال، تعني قلة النظافة، وبالتالي قلة الحصانة، ضد الجراثيم والامراض، حيث تأثر طفلا العلامي  جرّاء ذلك، حيث أصيبا بالقحة والزكام والرشح بصورة مستمرة في الفترة الأخيرة ، نظرا لأن عدد مرات الإستحمام وصلت إلى مرة أو مرتين أسبوعيا بعد أن كانت بشكل يومي وفق ما قالت”.

      كذلك فإن أم ادهم العملة من قرية بيت أولا الواقعة إلى الشمال الغربي من المحافظة، لجأت إلى ما لجأت إليه الأخريات من ربات البيوت، في محاولة منهن لترشيد إستخدام المياه، كما عمدت إلى إيقاف الغسالة الأوتوماتيك نهائيا، واستعاضت عنها، بغسالة عادية”حوضين”، كما أصبحت تغسل مرة واحدة في الأسبوع، بعد أن كانت تغسل الملابس مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا، إضافة إلى أنها تضطر لمسح الأرض والشبابيك لتنظيفهم، بدلا من غسلهم، نظرا لعدم توفر المياه، وانقطاعها لمدة جاوزت الثلاثة شهور، الأمر الذي شكل معاناة كبيرة، وتحد كبير خاصة لربّات البيوت”.

     بدوره فإن رئيس بلدية بيت أولا سليمان العدم رأى أن النساء هنّ الأكثر تتضررا جراء نقص المياه، لأنه لا يوجد مياه لتنظيف وشطف الحمامات والبيوت التي ما عادت تنظف وفق ما قال.

     قرية بيت أولا التي تشمل قرابة 2000 أسرة ، وعدد سكانها 13 ألف نسمة،  قال العدم أنها أشد القرى تضررا في المحافظة، لأنها تأتي في آخر الخط الناقل من جبعة، صوريف، خاراس، نوبا، وبالتالي فإنها تفقد حصتها المخصصة لها لأنها لا تأخذ قبل أن تأخذ القرى التي قبلها، حيث على الرغم من أن حصة القرية المخصص من دائرة مياه الضفة الغربية  تبلغ 29 ألف كوب إلا أنه لا يصل القرية سوى 13 ألف كوب”.

   وقد ختم رئيس بلدية بيت أولا سليمان العدم حديثه قائلا” حتى مياه الشرب ضعيفة جدا، وصهاريج المياه أصبحت تكلفتها عالية، حيث وصل متر المياه إلى 40 شيقل بدل 5 شيقل!!”.

     في حين أكد مدير عام دائرة مياه الضفة الغربية خليل غبٌيش لـ صوت النساء ، أن ما يصل لكل مواطن في محافظة الخليل هو80 لتر يوميا،  أي أكثر بـ 30 لتر مما يصل محافظات اخرى، غير أن العوامل الرئيسية التي أدت إلى تفاقم أزمة المياه في محافظة الخليل بالذات، تكمن في عدة أسباب منها “سوء إدارة عملية توزيع المياه من قبل البلديات والمجالس القروية، حيث أن تلك البلديات والمجالس القروية نادرا ما تضخ كمياتها  المخصصة من المياه إلى خزانات مركزية، وإنما توزعها مباشرة، كذلك تقليص الإحتلال الكميات المخصصة للمحافظات عموما، وحظر بناء آبار مركزية خاصة في الحوض الغربي للمحافظة من قبل إسرائيل”.

       إضافة إلى الفوضى والتجاوزات والسرقات والتعديات كما جاء على لسان مدير عام دائرة مياه الضفة الغربية والذي قال ” يصل الخليل قرابة 60 ألف م مكعب منهم (25 ألف م مكعب من الآبار الجوفية لسلطة المياه، وحوالي 30 ألف م مكعب مشتراه من إسرائيل و3-4 ألاف م مكعب من آبار بلدية الخليل)، غير أن نصف المياه المشتراه من إسرائيل تذهب للزراعة، إذ ليس لدينا أي مصدر ماء مخصص للزراعة ، بحيث أن كل المزروعات هي من مياه الشرب، أما نصفها الآخر فيسرق وكل ذلك يساهم في حدة الأزمة “.

        حيث أن أكثر المناطق التي تشهد سرقة للمياه في المحافظة هي” حلحول وبيت أمر والبقعة وجزء من ترقوميا وإذنا وبيت أولا، ومعظمها مناطق تتركز في الشمال والغرب”بحسب خليل غبٌيش مدير عام دائرة مياه الضفة الغربية.

 

Be Sociable, Share!