ليست المعاناة وحدها هي الثمارالوحيدة التي يقطفها الأسير في السجون الإسرائيلية، فالسجن يسمح لمن فيه، بلحظات تأملية قد لا يجدها المرأ خارجه، لذلك تفرز هذه اللحظات التأملية، فرصة لدى البعض لاكتشاف ذاتهم، وإخراج مكنوناتهم والتعبيرعنها بشتّى الطرق، فمنهم من أصبح في الأسر كاتبا قصصيا أو روائيا، ومنهم من أصبح شاعرا أو فنانا.

 

 

        الكاتب والروائي وليد الهودلي، والذي قضى (عشر سنوات) في الأسر، وصدر له أثناء أسره،  رواية (الشعاع القادم من الجنوب) و(ستار العتمة)، أكد أن ضغط الوقت والحاجة ساعداه على إكتشاف ذاته في الأسر”بالتأكيد للأسر دور أساسي، فأنت فيه تحت ضغط الوقت التأملي ، في ظل الحاجة الملحة للكتابة في ميادين معينة،  لتساعد أهلنا وشبابنا  على إجتياز بعض المطبات والعوائق الصعبة في التاريخ النضالي الفلسطيني”.

 

         الحالة التي يخلقها السجن والسجان لدى بعض الأسرى، والتي اصطلح على تسميتها بـ أدب السجون، ليس بالضرورة أن تنعكس( من خلال من تأثروا بذلك) عن طريق فنّ إيقاعيّ صارخ أو مباشر، كنتيجة للمعاناة المعاشة داخل الأسر، فمن الممكن أيضا أن نجد فنانا يرسم لوحة تأملية هادئة، أو نجد شاعرا أو روائيا،  كتب في السجن كلاما تأمليا مختمرا هاديء أيضا، فطالما أن الأدب ذائقة، فلكلّ إحساسه وذائقته.

 

         فالهودلي، والذي صدر له أيضا ( أربعة ) مجموعات قصصية (مدفن الاحياء،مجد على بوابة الحرية،منارات، أبو هريرة في هدريم) قال أن رواياته ومجموعاته القصصية، التي مرّت بمخاض طويل من التجربة، تأملية هادئة. كما إعتبر أن الذائقة في الأسر لها مذاق خاص يختلف عن خارجه، لكونها معجونة بالإبتلاء والضغط النفسي، والإحتقان الشعوري الداخلي .

 

       بدوره قال الشاعر والباحث أحمد أبو غوش  والذي سجن لاكثر من 12 عام، في سجون الإحتلال،

وتوقف        وصدر له أثناء وجوده بالأسر، ديوانين (كلمات كانت مسجونة  و الليل والحب والزنزانة)

بعد خروجه من الأسر لفترة من الزمان قبل أن يعود لمزاولة نشاطه ” يهتم الأسير داخل المعتقل في الإبداع الثقافي لأنه يمتلك وقت طويل، ولأنه يعيش حالة نفسية من القمع والإضطهاد والمعاناة والبعد عن الأهل، وبالتالي كل ذلك يدفعه باتجاه الإبداع الثقافي والأدبي أكثر، ولكن عندما يخرج الأسير ينشغل في مشاكل الحياة الكثيرة”.

 

      الباحث أبوغوش، حال عودته لمزاولة نشاطه بعد إنقطاع، أصدرعدّة كتب، كان قد حضّر لها أثناء وجوده في الأسر، ومن بينها (ملاحظات حول التطور العربي والمسألة القومية، سجون الإحتلال رحلة من القمع إلى السلطة الثورية،التنمية في دول المحيط تحرر لا حريّة)، وهو يستعد الآن لنشر ديوانه الثالث.

 

  

      إختمار تجربة الكتابة بسبب الأسر طال أيضا وزيرة الثقافة الفلسطينية د. سهام البرغوثي، والتي أسرها الإحتلال في عقد الثمانينات من القرن الماضي،  حيث قالت “الأسر يخلق لدى الإنسان مشاعر جيّاشة، نتيجة للإعتقال وقد كنت أجد هذا النوع من المشاعر، من خلال تجربتي الخاصة، حين إعتقلت لمدة سنتين ونصف، وكنت اكتب رسائل إبداعية، علما أن الكثير من الأدباء  وثّقوا سيرتهم الذاتية من خلال الأسر، ومن ثم حولوها إلى روايات” .

  

      وأضافت وزيرة الثقافة الفلسطينية تقول”أعتقد أنه على الرغم من القسوة والمعاناة التي يواجهها الأسير أو الأسيرة ، إلا أن التعايش اليومي في ظل العزل والعلاقات الإنسانية التي تجمع المعتقلين، ومشاعرالإبتعاد عن الأهل، هي ما تسببت في إيجاد أو تطوير إبداعات مميزة مثل الرسم والشعر وكتابة القصة”.

 

         وقد ختمت  الدكتورة سهام البرغوثي وزيرة الثقافة الفلسطينية حديثها بالتأكيد على  تبنّي الوزارة لـ أدب السجون، والإهتمام بالإنتاج الفني والأدبي  للأسرى”نعمل  على تشجيع من يكتبوا داخل المعتقل، على الإستمرار بذلك بعد خروجهم من الأسر، وذلك من خلال تقبّلنا لكل ما يكتب من قبل الأسرى، من اجل مراجعته، ونشر وإصدار ما يمكن نشره، وبما يتعلق بالفنانين التشكيليين والرسامين من داخل الأسر، فإننا نخصص لهم معارض لعرض إنتاجهم الفني” .

 

        رئيس رابطة الفنانين التشكيليين وأحد مؤسسي الحركة التشكيلية الفلسطينية نبيل العناني، قال أن داخل السجون هناك فنانين بالفطرة يعبرواعن ذاتهم بالأسر” بسبب وجود الفراغ الكبير في الأسر، يبدأ الفنان يعبرعن نفسه بمواد بسيطة جدا، من خلال تعبيرات قوية كإستخدام رموز الأسلاك الشائكة والقضبان الحديدية”.

 

       ومن بين هؤلاء،  الفنان التشكيلي عيسى اعبيدو ، مدير مركز الفنون التشكيلية،  والذي أسره الإحتلال لمدة(12)عام، فقد قال أن الأسر ساهم بشكل كبير في إختمار موهبته”معاناتي جرّاء وفاة والدتي، إلى جانب الواقع المعاش في الأسر، رأى النقاد انها أسباب جذّرت في لوحاتي الأصالة، كالمسك الذي لا تعبق رائحته إلا بحرقه!!الأمر الذي زاد في هدفيّة لوحاتي التي تتحدث عن واقع الشعب. فالفنان مثله مثل القائد الذي يحمل هموم أبناء شعبه وقضيته، ولكن من خلال لوحاته”.

 

     لوحات الفنان اعبيدو، تدل عليه، خاصة أن معظمها تنتمي للمدرسة السريالية(الغير مباشرة، والتي تأخذ طابع الغرابة والغموض)، ففي السجن يضطرالفنان لأن لا يكون مباشرا حتى لا تصادر لوحاته” تمت مصادرة ما يزيد عن (150) لوحة من لوحاتي، أثناء وجودي في الأسر، وذلك ما دفعني للرسم بالطابع السريالي، مع ذلك فإن مدرسة السريالية لها جذور من الواقع، حتى إن إحتاجت لثقافة فنية متعمقة للغوص في كل لوحة ، بهدف للوصول إلى هدفية الفنان عن طريق أبجديتة ومفاتيحه ، وبصراحة حاولت بعد خروجي من الأسر أن أبتعد عن الطابع السريالي، لكنه يبقى الطابع الغالب في لوحاتي”.

 

     مصادرة الإحتلال للوحات الفنان التشكيلي عيسى اعبيدو ، لم تنتهي بذلك ، بل تعدّته لتصل إلى محاولة مصادرة حقه في التعبير عن آراءه، من خلال حرمانه من مواصلة الرسم حيث قال التميمي الذي نشر مؤخرا مجلة شملت عددا من لوحاته وحملت عنوان(قبل أن تذبل عينيّ)” بعد خروجي من الأسر، وأثناء تواجدي في معرض تشكيلي ، أعرض فيه لوحاتي( قبل أربعة سنوات) وإذا بأحد المشبوهين يسارع إلى رش وجهي برذاذ غريب،  ولم أتمكن من معرفته أثناء هروبه، لأنه كان مقنعا ،  ولأنني سقطت إثر ذلك على الفور. وأثبتت الفحوصات اللاحقة لعيوني بان عصب العيوني قد تلف وتضرر لدي  بشكل لا يمكن معالجته ،  وبعد تلك الحادثة بيومين وردني إتصال من مجهول سألني فيه إن كنت  لا أزال أرى أو أرسم!! ومن يومها ورؤيتي تضمحل يوما بعد آخر”.

 YouTube Preview Image

 

ايضا

YouTube Preview Image
Be Sociable, Share!