مصفوفة كلمات تشكل جملة لا يختلف عليها شخصان، الوطن اكبر من الجميع، انه اكبر من التنظيمات السياسية والاتحادات الاهلية والمنظمات غير الاهلية، انه اكبر من القطاعين العام والخاص واكبر من شرائح المجتمع مجتمعة ومتفرقة، انه اكبر من الاحداث على مدى العقود الماضية والتالية، اكبر من اكبر شخص في هذا الوطن وهذه الامة المنتشرة على بقاع الارض جميعها.

مصفوفة كلمات تشكل جملة لا يختلف عليها شخصان، الوطن اكبر من الجميع، انه اكبر من التنظيمات السياسية والاتحادات الاهلية والمنظمات غير الاهلية، انه اكبر من القطاعين العام والخاص واكبر من شرائح المجتمع مجتمعة ومتفرقة، انه اكبر من الاحداث على مدى العقود الماضية والتالية، اكبر من اكبر شخص في هذا الوطن وهذه الامة المنتشرة على بقاع الارض جميعها.

الوطن اكبر من الجميع، لان الوطن اكبر من الارض واكبر من الفكرة واكبر من الاحلام مجتمعة، انه اكبر من كل التاريخ المكتوب والموصوف على مر السنيين، انه اكبر مني ومنك ومنه، اكبر من الاخر عندما يحاول هذا الاخر تصغيره لحاجز وبطاقة هوية وشارع التفافي، انه اكبر من الاستيطان والجدار والحدود المرئية والمخفية، الوطن اكبر من كل المؤتمرات المحلية والاقليمية والدولية، انه اكبر من كل القرارات على مختلف انواعها وارقامها، انه اكبر من كل ارقام الحسابات السرية والعلنية، اكبر من الفساد واكبر من الفوضى الامنية وكبر من اي شيء آخر… ولكن!.

هل صحيح ان الوطن اكبر من ضحكة طفل في ربيعه الاول لدى ملامسته نتاتيف الثلج الاولى في شتاء يغذي الارض وينبت سنابلها، هل يكون اكبر من براعم اللوز في حاكورة حارتي، هل هو اكبر من قبر بظل شجر زيتون تضرب بجذورها في ارض البلد!

هل يكون الوطن اكبر من شيخ رسم الزمن اخاديده في وجهه، يمر على بيت ولده لرؤية احفاده دون وجل من دورية عسكرية او ان تطن اذنه برصاص طائش!، وهل هو اكبر من فرحة طالبة جامعية تحتضن شهادة تخرجها بيد وامها باليد الاخرى وتحتضنهم احلامها الندية.

هل يمكن للوطن ان يكون اكبر من شتات اللاجئين القدامى الجدد، هل هو اكبر من الشهداء والجرحى والايتام، هل يمكن له ان يكبر اكثر من قيد اسير وقدم مناضل بترت بفعل نيران صديقة، هل يمكن للوطن ان يكون اكبر من العاب الاطفال المحطمة اشلاء هنا وهناك ممتزجة بدماء الرضع، هل يمكن للوطن ان يكون اكبر من صيحة شاب تحت اعقاب البنادق على مختلف انواعها والوانها واسمائها ولهجتها ولغتها، هل يمكن ان يكون الوطن اكبر من عرق العامل او منجل الفلاح، هل يكون اكبر من تطريزة ملونة بالوان الطيف وباشعة الشمس على رقعة قماش محترقة تتسع لتضاريس الكون، هل يمكن للوطن ان يكون اكبر من كل ذلك، هل يمكن للوطن ان يكون اكبر من ذاته.

ما اكبر الوطن وما اصغر الشعار عندما يصبح مجردا من كل معانيه، جميع الشعارات يصيبها الوهن عندما تفرغ من معانيها او عندما تحرف ، شعارات الوطن والهوية والقومية والمواطنة والحلم والاستقلال، جميعها تؤول الى لا شيء لانها لم تعد تعني شيء سوى انها احدى الكلمات التي تصف لغرض غير ما وصفت لاجله.

كفى…، لقد سئمنا السئم ذاته، مللنا تكرار انفسنا، واصابنا القرف من كل الاشياء، لم يعد للقادم معنى سوى انه استكمال لما فات ولما يحصل، كل الاشجار يأتي اوانها وتثمر او تهرم فتتحول لحطب تلتهمها النيران، كل الطرقات تتآكل وتعدم ويكون لنا مسارب اخرى، كل الحيوانات تذهب الى مستقر فتقتل ذاتها عندما يحين موعد اللقاء الاخير.

الا نحن، نحن نتمسك بما هو الان لاننا دائما نخاف مما هو قادم، نحاول استدامة الواقع بمره وقرفه وهرمه، لاننا نخاف ان نتجدد بشيء نجهله ولا نريد ان نتعرف عليه، نعايش الموت يوميا ولا نرغب بتجربة الحياة، نرفض النور، نستكين للعتمة، نهادن القاتل، فنتحول الى جامد ننتظر عوامل الطبيعة لتأكلنا فنتآكل.

هل منكم من يحاول خوض تجربة النظر بعيون المارة على الارصفة وبوسط الشوارع، هل تحاولون النظر الى ما بين قصيدة شاعر او خبر عاجل تتناقله الوكالات عن حدث يحدث في الشارع التالي لبيتكم. لم نعد نعرف الضحك، لم نعد نريد الضحك، وان ضحكنا قلقنا من سوء مما يأتي فنخاف الضحك ونكتم الصوت حتى لا تنتبه لنا اشباح سيئة تنتظر الانقضاض علينا عندما تشاهد ارتسامة ابتسامة على شفاهنا التي لم نعد نستخدمها سوى لادمائها لسبب وبدون سبب.

علينا العودة في الزمن الى الوراء، ربما الى ما قبل الاتفاق، ما قبل النفاق، ربما علينا العودة الى القرن الماضي، ونتذكر كيف كنا نحي من نعرف ومن لا نعرف على ارصفة البلدات تحية صباح مشرق رغم تلبد غيوم الخريف، لم يكن الشتاء يصيبنا بالكآبة، كنا نفرح فنحاول التقاط اولى قطرات الماء المتساقطة في افواهنا ونظن اننا بكل قطرة ماء سنزيد من العمر عام او اكثر، كنا نفرح للمعان الشمس على الاسفلت الاسود يتحول الى فضي يعكس سياط الشمس في عيوننا ونعكسها الى اخرين، تدمع العينين ونحاول احتضان دفيء اللحظة.

لنكتب، لنقراء، لنغني، لنرقص، كم رقصنا في شوارعنا، كم يحمل هوائنا من زغاريد الفرح، كم يحمل سمائنا من صيحات الفرح لاطفالنا، هل نتوقف عن الحلم، هل نصمت اكثر من القبور، حتى القبور تهتز احيانا رفضا للصمت المحيط بها.

نعم، اننا نحيا لحظات الموت اليومي، وشوارعنا مزدحمة بالفاسدين والمرتشين والزعران المتسمين بادوات العصر للقتل والفزع والرعب، ولم يعد للامان والسكون مجال سوى في الازقة والقلوب المنفطرة اسى على كل ما حدث وما قد يحدث. ولكن الوطن اكبر من الجميع.. وعلينا ان نكون بكبر الوطن، علينا الدفاع عن كل ما هو جميل ويستحق الحياة، وفي هذه الحياة وبهذا الوطن فعلا ما يستحق الحياة.

المواضيع السابقة »