حينما تستريح الوطنية بشكل أو بآخر

هناك حكمة إفريقية تقول” لو أن العدو الداخلي ليس له وجود، فالعدو الخارجي لا يستطيع إيذاءك”.

هذه الحكمة هي من تصافح ذاكرتي في كل مرة وكل مناسبة حينما أعاني من تمزق غشاء أذني وأنا أرى وأسمع البعض الكثير من أبناء شعبي يهتف ويصفق بجنون، وأستغرب انا من كل مناظر الانفجار الغبطي هذا  الذي يصيبهم، وهو في حقيقة الأمر رقص على جثثنا السابقة والقادمة، وعلى الخبز الملوث بدماءنا فقط لا أكثر.

وإن حاولت التغاضي عن إشمئزازي لأبحث عن طريقة أخرى أغور فيها لجذر هذا الحفلات الدموية والرقص بظل غياب القومية العربية، فلن أجد نتيجة أفضل كالتي توصل إليها إدوراد سعيد حينما قال ” أن مشكلة المجتمع العربي هي في إعتقادنا أن العالم كما نراه وكما تدركه عقولنا، أي أنه جوهريا مصادفة ولا يعنينا ما تحت السطح”، نحن يعوزنا التأمل ونفتقد القدرة العقلية التدقيقية لكل الصيغ الكلامية الخطابية التي تخرج من أفواه الآخرين وتصب في مسامعنا وعلى مرأى منا، ولا تجعلنا سوى آلة للتصفيق والهتاف بثمالة مخيفة ، وهذا برأي ما أزم الوضع العربي العام والفلسطيني على الأخص، وهو العقبة والشوكة الجوهرية التي تقف في حلق الوحدة الوطنية.

كل ما أقوله ومهدت إليه ولد على غرار عدة مناسبات متراكمة، وآخرها ما رأيته وكنت حاضرة فيه في منتدى شارك الشابي يوم الخميس17 حزيران. على أثرحفل إفتتاحية المجالس المحلية الشبابية في سبع مناطق فلسطينية، وهي مبادرة فلسطينية فريدة من نوعها، ومما لا شك انها تبهج أي مواطن فلسطيني فهي تنهض بالمستوى الشبابي المسؤولياتي والوعي، ومع كل الغبطة والفرحة لم يكتمل المشهد الفلسطيني. حتى قامت السيدة لانا أبو حجلة مدير مؤسسة CHF الدولية، والقت خطابا تشيد فيه المبادرات الشبابية وأمنيتها لتحقيق مثل هذا المشروع منذ زمن لتصل في ختامها وتقول” لم يكن طبعا سيتم كما تم لولا الداعم وهو الشعب الامريكي الطيب USAID”.. ويعلو التصفيق، يعلو وأشعر بغشاء أذني ينبجس، ولم أجد سبيلا لحماية حواسي ووطني الحزين سوى المغادرة.

ومع ذلك فأنا على المستوى الشخصي لا أكن البغض ولا أمتعض من الشعب الأمريكي فكلنا إنسان بنهاية الأمر، ولكن هل الشعب الأمريكي على علم بمنتدى شارك الشبابي وبمشروعه الفريد من نوعه” المجالس المحلية الشبابية”؟ و هل إلى هذا الحد قام كل الشعب الأمريكي بالتبرع والمساعدة تحت شعار “لأننا بشر ونحب لغيرنا كما نحب لأنفسنا”؟ أم هناك فقط فئة واحدة عليا تكاد تلمس السماء هي من تحاول التحكم بفتات الأرض. ألا تعد تصريحات باراك اوباما فيما خص الأسطول البحري التركي كبسولات باندول لتستريح أدمغتنا؟ ألم تفعل ما تفعله إسرائيل فقط لأن امريكا شريكتها الإستراتيجية لكل عمليات العنف في الشرق الاوسط وفلسطين؟ وبنهاية الأمر ألم نصفق لهم على حرارة عالية؟!!

هذا لم يكن سوى مثالا لا يذكر في كومة أمثلة أخرى أكثر يأسا ومع ذلك نبتسم لها بغلاظة. لا أدري كيف يمكننا أن نحسن من وضعنا الفلسطيني العام بشتى الأصعدة؟ وكيف لنا الحق بالحلم بفلسطينيتا ودولتنا المحررة؟ كيف لنا ذلك إن لم نرى ونسمع بصحية وانتباه تاميين!!، فأن نرى هو ان نعي وبهذا يتبدل كل ما هو كائن. وعدا ذلك برأي من العبث الكثيف أن نستمر بحملات مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية وإنشاء صندوق كرامة الوطني وغير ذلك من الأضواء الوطنية الباهتة في حقيقتها، فإن لم تكن العملية الوطنية عملية شاملة متكاملة تخرج من بطن الأرض وتبتلع الكون ستبقى “فلسطين الوطن” مؤجلة طالما وطنيتنا تتغذى من مشاكلنا الإجتماعية والثقافية الهشة.

وكما قال إدوارد سعيد ” إن تجنبنا التعرف على ذاتنا وتمنعنا عن رؤية هويتنا وتاريخنا وشعبنا مستقبلا سيمنح الآخرين فرصة العثور علينا للمرة الثانية، وآنذاك سيبدو شعار مثل الإمبريالية عقبة تافهة بالقياس الى انقراضنا القومي”.

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash