Home > Home Page, مقالات > الصراعات الخفية في أحداث المنطقة العربية

الصراعات الخفية في أحداث المنطقة العربية

أكتوبر 11th, 2013
Goto comments Leave a comment    166 views

 

ALI AL-SAADI/AFP/Getty Images

ALI AL-SAADI/AFP/Getty Images

لن نتطرق في مقالنا اليوم لصراع القوى الأجنبية، وأجنداتها التي لم تكل الأقلام العربية من الكتابة عنها، وتحليل دوافعها، وإستراتيجياتها، وأهدافها، وإبراز أدوار أعوانها في المنطقة، ومندوبيها المخلصين. سيتناول مقالنا اليوم جانب آخر أكثر خطورة على سكان هذه البلاد، وأشد وطأة على حياة العباد. فعندما يدب الوهن في جسد الرجال، يصبح الدفاع عن الوطن أمر صعب المنال، أما وإذا أصابت الفرقة أجساد واهنة، يصبح التصدي لأي عدوان خارجي أمر محال.

ألقت أحداث الثلاثين من يونيو من هذا العام، وما تلاها من تطورات على الساحة المصرية، بظلالها على كافة أرجاء المنطقة، فثقل جمهورية مصر العربية غني عن الوصف والتوصيف، وأهميتها بالنسبة للعرب والغرب لا يجادل فيه إثنان. ولكن مع عزل الرئيس محمد مرسي عن سدة الحكم، حدثت مفاجأة من العيار الثقيل على الضفة الثانية من البحر الأحمر.

واجه عزل الرئيس مرسي غيظاً (ولن أقول رفض) أمريكياً، خاصة أنها “الولايات المتحدة الأمريكية” لم تتوقعه، بل وراهنت على بقاء ممثلي الإسلام المعتدل في سدة الحكم، وبدأت في نسج العلاقات، وتوفير الأموال، أملاً أو علماً بأنها قد تقدم ما قدمه من كان غيرهم في السلطة. الأمر غير المتوقع هو الموقف السعودي الحازم، والمخالف للموقف الأمريكي.

إن الموقف السعودي، ومنذ حين، إتسم بالإنسجام الكبير- إن لم يكن المطلق- مع الموقف الأمريكي، حيال قضايا المنطقة، مثل ليبيا إبان عهد القذافي، والعراق إبان صدام، وسوريا قبل وخلال الأزمة الحالية، وإيران، وغيرها. فالموقف السعودي بدى هادئاً يتسم بالإصغاء للموقف الأمريكي بما ينسجم ومصلحته الأقليمية، ولم يشهد الموقف الرسمي السعودي إنقلاباً واضحاً ضد الموقف الأمريكي منذ أزمة النفط الشهيرة في سبعينيات القرن الماضي. ولكن، ما حدث هذه الأيام هي سابقة لم يعتد عليها القريب أوالبعيد، كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟

لم يحدث في خارطة وهيكل صنع القرار السعودي ما يجعلنا نظن أن سبب هذا التغير في الموقف (تحديداً) هو تغير في إستراتيجية صنع القرار السعودي، وخاصة أن الخط السياسي السعودي بقي متسقاً كما السابق في مختلف القضايا، وآخرها حديث الولايات المتحدة الأمريكية عن توجيه ضربة لسوريا. إذاً يبقى هناك سبب قوي ومن القوة لدرجة أن السعودية لم تتحد فقط الإرادة الأمريكية، بل أمعنت لتوفر الدعم السياسي والمالي الكامل للحكم الجديد في مصر.

ولكن، وقبل البدء في البحث في مكنون النفوس، وأسباب هذا التغير، وجب التنويه إلى أن العلاقات بين مصر والسعودية إبان حكم الإخوان لمصر، لم تتجاوز أعراف البروتوكولات، ولم تكن بأفضل أحوالها. هي علاقات لم تكن متنافرة، ولكن كانت أبعد ما تكون عن الدفء والانسجام، والشواهد والإثباتات كثر.

في مصر، لم يرى الإخوان المسلمين في حكم السعوديين (أو الوهابيين كما يطلقون عليهم- نسبة لمحمد بن عبد الوهاب الذي تحالف مع محمد بن سعود، وأسسوا الدولة السعودية الأولى)، إلاّ جزءاً من الاستعمار، بل وصلوا في يوم من الأيام باتهامهم الخروج عن ولي الأمر “العثماني” (في القرن الثامن عشر). إتهامات الإخوان للسعوديين تواصلت ولم تتوقف عند هذا الحد، ففي الموقع الرسمي لموسوعة الإخوان “ويكيبيديا الإخوان المسلمون”، أفرد مقالاً لغراهام فولر يقول: “إن أموال الحكومة السعودية هي التي دعمت وتدعم الحركات الوهابية في العالم، ورغم أن الوهابية ليست بالضرورة حركة عنيفة، فإنها من وجهة نظري تعكس ضيق الأفق والحرفية في تفسير النصوص بأسلوب بعيد جدا عن التسامح مع المذاهب الإسلامية الأخرى يصل أحيانا إلى درجة تكفير الشيعة، والوهابية ليست القوة التي يمكن أن تقود إلى وحدة العالم العربي أو الإسلامي، وبطبيعة الحال لن تؤدي إلى تقوية العالم الإسلامي، بل إنها تقود المسلمين نحو تعليم ضعيف وعزلة عن بقية العالم. وأنا لا أرى أي مستقبل للإسلام في الفكر الوهابي.”

أما الشيخ محمد الغزالي، فقد أفرد كتاباً بعنوان “الوهابية: تشوه الإسلام وتؤخر المسلمين”، وقال فيهم في مقال آخر: “سلطتم من المرتزقة الذين تحتضونهم من رمى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر كالتبليغ، والإخوان المسلمين …. مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوها، وقمتم بترجمة هذه الكتب الى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجانا، كما نشرتم كتابا فيه تكفير أهل ابو ظبي ودبي والاباضية الذين معكم في مجلس التعاون، أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيراً.”

في الجهة الأخرى، يرى الوهابيون أو السفليون (نسبة للسف الصالح) أنها دعوة إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والرجوع إلى السلف الصالح في اتباع القرآن والسنة، وعدم الاعتماد الكلي على المذاهب الفقهية السنية الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل)، كما ويرى السلفيون في حركة الإخوان المسلمين مجموعة دينية هدفها الفرقة بين فئات المسلمين. في هذا السياق، عدد وزير الداخلية السعودي السابق الأمير نايف بن عبد العزيز أسباب التطرف في العالم الإسلامي ومنابعه، ملقياً باللائمة، وبشكل رئيس على جماعة الإخوان المسلمين، محملاً إياها المسؤولية في معظم ما يعاني منه العالم الإسلامي من عنف وتطرف، قائلاً “إن الإخوان هم أصل البلاء ومصدر كل المشكلات،” مضيفاً إن الإخوان تسببوا في مشكلات جمة للمملكة العربية السعودية، معدداً قادة من جماعة الإخوان المسلمين منهم حسن الترابي وراشد الغنوشي وعبد الرحمن خليفة ونجم الدين أربكان، ناصبوا العداء للمملكة السعودية أثناء حرب الخليج عام 1991- وفقاً لحديث غراهام فولر.

أما وزير الشوؤن الإسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، فيقول في جماعة الإخوان المسلمين: “فإن من أبرز مظاهر الدعوة عندهم التكتم والخفا والتلون والتقرب إلى من يظنون أنه سينفعهم وعدم اظهار حقيقة أمرهم، يعني أنهم باطنيه بنوع من أنواعها…. ومن مظاهر الجماعة وأصولها أنهم يغلقون عقول أتباعهم عن سماع القول الذي يخالف منهجهم، ……ومما يميز الإخوان عن غيرهم أنهم لا يحترمون السنة ولا يحبون أهلها وإن كانوا في الجمله لا يظهرون ذلك…..”، وفقاً للمصدر مجموع فتاوى العلماء في الجماعات الإسلامية.

ورغم إنتشار الإخوان المسلمين الواسع في البلاد العربية، بقى حضورهم محدوداَ للغاية في المملكة العربية السعودية، وحين وصلوا للحكم في مصر وتونس، تعاملوا معهم وفقاً لمقتضيات الأمر الواقع، الذي يجبرهم على التعامل مع هذه النظم الجديدة. صحيح أن العلاقة بين الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية كانت أفضل حالاً إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وخاصة بعد حملة الإعتقالات عقب محاولة إغتياله، إلا أن عدم القدرة على إحتواء الجماعة وأفكارها حال دون إستمرار هذه العلاقة.

الكاتب أحمد صالح الفقيه يقول في مقال أفرده بعنوان “رأي الوهابية في الإخوان المسلمين” أن حركة الاخوان المسلمين ارتباطا وثيقا بالانظمة الوهابية في السعودية والخليج منذ الخمسينيات بحكم حربهم المشتركة على الانظمة القومية العربية، حتى افترقت بهم الطرق بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث اعتبرت تلك الانظمة بحق ان تنظيم القاعدة من منتجات الاخوان. وتطرق في مقاله إلى كتاب أبو رائد المالكي الوهابي الموسوم “أسباب ظهور الخوارج في بلاد التوحيد”، الذي يفند وينتقد الكثير من أفكار وأطروحات الجماعة.

وتبقى سوريا المعضلة الموحدة المفرقة بين هذين الاتجاهين، ففي حين دعم كلا النظامين إسقاط حكم بشار الأسد (الذي حارب السلفيين والإخوان المسلمين على حد سواء)، إختلف الإثنان في أدوات إسقاط هذا النظام، وبدى الإخوان المسلمون داعمون لتوجه تركيا، وحلفائها على الأرض في سوريا، في حين أشارت دلائل غربية على دعم السعودية وعدة دول خليجية أخرى عناصر سلفية.

بعيداً عن سوريا، ومع عزل الرئيس مرسي، بدى وكأن السعودية قد تنفست الصعداء، وآثرت دعم النظام الجديد في مصر، وتحدي الإرادة الأمريكية، وهو توجه يمكن تفهمه من زاوية فن البقاء، وخاصة مع العلم أن نجاح تجربة الإخوان في مصر، سيعني إنتشارها كفكر وحكم في المنطقة بأسرها. في ذات السياق، تقول منة الله الحريري في مقال لها بصحيفة المصري اليوم أن المملكة العربية السعودية أدركت أن الإخوان إن أقاموا دولتهم فى مصر، فلن تمنعهم الحدود السياسية من الانتشار في جميع الاتجاهات، والسعودية هى الجارة الأقرب لهم، وبالتالي فإن وضعها ضمن منظومة الإخوان سيسهل عليهم قيادة العالم العربى ومن ورائه العالم الإسلامى، وإمكانية قيام إخوان السعودية بالإطاحة بالأسرة الحاكمة بدعم إخوان اليمن ومصر وتركيا، الأمر الذى جعل القيادة السعودية تدعم عزل مرسي.

رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى السعودي عبد الله العسكر قال للجزيرة إن عزل مرسي ليس “انقلابا عسكريا”، باعتباره غير مكتمل الأركان، نافياً في نفس الوقت حدوث فتور بين السعودية ومصر في عهد الرئيس المعزول مرسي. وفي رد العسكر على سؤال عن تهديد جماعة الإخوان المسلمين للأمن القومي السعودي والخليجي، قال “علينا أن نفرق بين خطين في مدرسة الإخوان، المحافظين التقليديين، المسيطرين على مفاصلها، الذين نستطيع أن نقول إنهم يشكلون خطرا، والجيل الجديد المنفتح الذي يؤمن بالتغيير وبالحوار، لا نعدهم كذلك.”

وما هذا إلا سيل من فيض، فحين يرتبط صنع القرار بفكر ديني أو عقائدي، تضحي الإرتباطات والعلاقات بين الدول مبنية على العقيدة، ويتم تجاوز الحكومات، ويصبح التعامل مع أحزاب وجماعات داخل الدول أمر شائع، فتضعف الأنظمة، وتزداد حالة الشقاق والاستقطاب، فتتمزق جهود الوحدة، وتزداد الأمة تفككاً بعد فرقة.

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash