Home > Home Page, مقالات > أيلول بعطر جديد

أيلول بعطر جديد

سبتمبر 6th, 2011

أيلول بعطر جديد

يوم مشرق جديد يطل على فلسطين المجد، ونسيم أيلول بدا يلوح في الأفق، يجلب ذكريات طفولة جميلة حزينة، يسترق عطر التين والزيتون من أرض مقدسة قبل أن يأتي شتاء الخير الذي تحمل قطراته خير موسم جديد. ولكن أيلول هذا العام يختلف عن سابقه، وبطبيعة الحال سيختلف عن لاحقة حيث أضحت كلمة أيلول لهذا العام كلمة أصيلة في القاموس السياسي الفلسطيني ونشرات الأخبار السياسية بكل لغات العالم، أما بناة السور، فمازالوا يحتلونا في حارة ويحاصرونا في حارة ثانية، ويقتلونا ويعذبونا ويأسرونا في كل الحارات، يستغلونا ويستغلوا خيرات بلادنا تارة، ويماطلوننا وينشدون استمرار مفاوضتنا تارة ثانية، ليصبح فيلمهم القديم: “استوطن واحتلهم ولا تنسى أن تفاوضهم” مسلسلاً متجدداً، يستمر لسنوات أطول أمام تصفيق وتشجيع المشاهد الأمريكي والغربي، الذي عبر عن انبهاره بروعة الأداء وخاصة أنه أكد مراراً أن هدفه الرئيسي: إستقرار الأوضاع في هذه البقعة. أما ذلك الممثل المغمور، الذي شقت السنين على جبينه خريطة فلسطين بكل تفاصيلها، فبدا وأنه بدأ يعلم أنه لم يعد ذلك الفتى المغمور، بل هو الرقم والممثل الرئيس في هذه الحلقات، فإما يفرض السيناريو الذي يبتغيه، أو يترك هذا العمل غير الفني، حتى وإن سخط المشاهد الأمريكي والغربي.

موقفنا وموقف الكثيرين كان واضحاُ من المفاوضات في وقت سابق، ولكنه كان خيار القيادة وقرارها منذ ما يقارب 19 عاماً، أي حين قررت الذهاب إلى مدريد. اعتمدت المفاوضات كخيار استراتيجي، والتزم به الكثير، وحاول آخرين التنصل، وذهب البعض بعيداً ليحاول أن ينسف هذا الخيار، ولكنها استمرت لسنوات وسنوات، إلا أن وصلنا بعد هذه السنين لنعلن فشل هذا الخيار، وتبني خيار آخر: الأمم المتحدة. وهنا نحمل عدداً من الملاحظات:

أولاً: نرى الدعوات في مصر لإلغاء معاهدة كامب ديفيد، وفي الأردن لإلغاء اتفاق وادي عربة، أما هنا فنجد ليبرمان ووزراء إسرائيليون أخرون هم من يدعون لإلغاء الاتفاقية. عجيب هذا الأمر، فالأولى أن يدعو لإلغائها هو الطرف الفلسطيني (وإن كان بدافع استمرار حالة الضغط السياسي والدبلوماسي). الطرف الإسرائيلي يدعو تارة و يعلن تارة أخرى أن أوسلو قد انتهت رغم أنه الرابح الأعظم من هذا الاتفاق وما آلت إليه الأمور. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فتحصل إسرائيل على مكاسب الاستقرار، والأمن، والانتعاش الاقتصادي، وازدهار السياحة، وتحافظ على السوق الفلسطيني كأحد أكبر الأسواق المستهلكة لمنتجاتها. في الطرف الآخر نجد أن طموحات المواطن الفلسطيني متواضعة تماماً أمام جاره الإسرائيلي، فما زال يأمل أن تقلل دولة الاحتلال عدد من مئات الحواجز في الضفة الغربية، أو تنتظم الكهرباء في قطاع غزة، أو حتى أن يحصل على راتب هذا الشهر أو الشهر القادم. من الأجدر أن يدعو لإلغاء اتفاق أوسلو؟! فالقرارات السياسة يجب أن تأخذ في اعتبارها مواضع الوهن والضعف في نسيج شعبها الاجتماعي والاقتصادي، ولا نقصد هنا الرضوخ للابتزاز السياسي.

ثانياً: لا يوجد فلسطينياً أصيلاً ووطنياً لا يؤيد ويدعم الرغبة بالتوجه للحصول على اعتراف الأمم المتحدة وغير الأمم المتحدة بدولة فلسطين. ولا يوجد عاقلاً فلسطينياً أيضاً لا يدعم التوجه إلى الأمم المتحدة لرفع التمثيل من منظمة أو عضو مراقب إلى دولة كامل أو غير كامل العضوية.
ثالثاً: ورغم أن ذاكرتنا ليست بالقصيرة، فخيار التوجه لمجلس الأمن ومن ثم الجمعية العامة كانت مرحلة من مراحل خمسة تم اقتراحها قبل فترة، ويبدو أنه قد تم استبعاد المراحل والخيارات الأخرى ليبقى خيار الأمم المتحدة من مجلس الأمن والجمعية العامة هو الأوفر حظاً. فهل وقع الاختيار بناء على دراسة وتحليلات، أم بدأت الدراسات والتحليلات بعد أن وقع الاختيار على هذا الخيار، وهو بطبيعة الحال الأمر الذي أدى بالفعل لاستبعاد أية خيارات قد تكون أفضل بعد أن استأثر على الاهتمام وأصبح جل التركيز عليه دون غيره.
رابعاً: ورغم أهمية هذا التوجه، وخاصة وإن أفرز نتائج مرضية، فإننا نعلم أنه اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية لا يضيف قانونياً لوضع الدولة الفلسطينية، وخاصة أن القانون الدولي عرّف الدولة بمعايير محددة. وليكن ولنقل أن هذه الخطوة ستجلب لنا الكثير، يبقى التساؤل: ما هو الوضع على الأرض؟ كيف سنتناول قضايا القدس، واللاجئين، والحدود والمياه، وغيرها؟ لن تحل أي من تلك القضايا دون العودة للحديث أو “التفاوض” مع إسرائيل- دولة الاحتلال. وهو ما يدعونا للسؤال: هل ستقبل إسرائيل بالتفاوض كما فعلت سابقاً، وهل ستقبل أمريكا أن ترعى هذه المفاوضات أو أن تضغط على إسرائيل حين تتمادى في تصرفاتها؟
خامساً: يكتنف الغموض الكثير من أهداف هذا التحرك، وأسبابه، والخطط البديلة في حال كانت النتائج سلبية، وهو أمر محمود من الناحية التكتيكية، ولكن لا يجب إغفال الشارع الشغوف والمتلهف ليعرف ما الذي يحدث في قضيته التي عاش فيها وفي تفاصيلها طوال هذه السنين الكثيرة. ولنا ما نقوله هنا، فإن كان الهدف من التحرك صوب الأمم المتحدة هو انتزاع قرار أو إجماع أممي لتحسين الوضع التفاوضي الفلسطيني، فـأرى أن هذا الأمر يستدعي مراجعة عميقة على كافة المستويات. ومهما يكن الهدف غير المعلن لهذا التحرك، فمن الأجدر أن يكون هاما وذو شأنً ليتساوى في الميزان مع معاناة شعب عانى كثيراً وطويلاً، وخاصة أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لا تبدو فرقعات إعلامية وحسب.
سادساً: غاب الإجماع الوطني عن هذا الخيار، هو الإجماع الأخطر والأهم في هذه اللحظات. فمن ناحية، وبعد فشل خيار تم تبنيه من قبل القيادة لسنوات طويلة يغدو دعوة القيادات الوطنية الفلسطينية بكل أطيافها، ورغم كل الاختلافات الداخلية لهو أمر غاية في الأهمية، وذك ليتم التشاور والاتفاق على الخيار الجديد، وليضع كل إضافته ورأيه، وليتحمل الجميع نتائجه أكانت إيجابية أو سلبية لا قدر الله.

قد يكون من الأحرى دعوة جميع القوى السياسة الفلسطينية الآن للاتفاق على التوجهات السياسية الفلسطينية، واضعين جانباً أي ملفات أخرى عالقة، ولتكن الأولوية الاتفاق على قرار جديد بشأن فشل المفاوضات وخيار الأمم المتحدة، أوسلو ومستقبلها، الأوضاع العربية، والأهم تعزيز الانتماء القومي الفلسطيني. تتوحد رايتنا في جميع الملفات، ونبقى كلمة واحدة في كافة المنابر، فلا وقت ولا مساحة لأخطاء. كيف لا ونحن ومنطقتنا تمر بلحظات دقيقة وحساسة، أقصر هذه اللحظات أودت بعمر أنظمة عاشت عقود جاثمة على قلوب مواطنين ظنوا أنهم بسطاء، ولكنهم علموا بعد سنوات القهر والقمع والشقاء، أن من داخل ضعفهم كانت تتشكل قوتهم ليضحوا في لحظة عمالقة أشداء، نهضوا من تحت الركام وحلقوا عالياً في السماء، ليبنوا مستقبل مشرق لبلادهم وليمسحوا ذاكرة سنوات البلاء.

ظهرت |يضأً في صحيفة القدس، دنيا الوطن، وغيرها

Home Page, مقالات

  1. سبتمبر 1st, 2012 at 11:22 | #1

    اتمنى لكم المزيد من التوفيق

  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash