Home > Home Page, مقالات > مؤتمر السلام بين أسطورة النضال وهاجس الاستسلام

مؤتمر السلام بين أسطورة النضال وهاجس الاستسلام

أكتوبر 15th, 2007

للقضية الفلسطينية خصوصية لم تشاركها فيها أي من القضايا أو القصص في التاريخ القديم أو المعاصر بكل المعطيات والعوامل المتداخلة، والمؤثرات والمصالح المتشابكة، وحتى عندما نتحدث عن مؤتمر السلام والذي سيعقد في خريف هذا العام نجد أن له خصوصية فريدة بكل ما تحمل هذه الكلمات من معاني.  فالطرف الذي دعا للسلام معروف بانحياز صارخ لطرف من طرفي الصراع، وهو في مرحلة من مراحل حكمه لا يحسد عليها حين تعمقت مشاكله الخارجية مع الدب الروسي وبدأت مغامراته في أفغانستان والعراق تؤرق مضاجعه بثقل الثمن العسكري هناك، في ذات الوقت الذي بدت إيران تمثل كابوساً يطارده في كل مكان، من العراق وميليشياته، إلى أفغانستان والجماعات المسلحة، مروراً بباكستان وتسليح القبائل وصولاً لسوريا ولبنان وفلسطين وحتى أمريكا اللاتينية وعقد اتفاقيات تعاون مع دول كارهة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية مثل فنزويلا، أما داخلياً ففقد الكثير من زمام أموره بخروج الكونجرس عن طوع حزبه وبدت المناكفات السياسية تصل أوجها في ظل المواجهات المتتالية بين رؤية البيت الأبيض ورغبة الكونجرس. 

أما الطرف الإسرائيلي فتعتبر قيادته السياسية الأضعف على مر تاريخ الدولة العبرية، وتحاط بسياج من الفضائح الأخلاقية والمالية والإدارية بالإضافة لهزيمة جنوب لبنان التي أربكت دعائم سلطان أسطورة الجيش الذي لا يقهر مع استمرار تصاعد الخوف من الخطر الإيراني المتزايد، وعدم إمكانية حسم الصراع مع كيانين أصوليين من وجهة نظرهم جنوباً وشمالاً. ورغم كل هذه الخلفيات إلا أنها قبلت بحضور المؤتمر دون التزام نهائي بأي مقابل أو تسوية.

أما الطرف الفلسطيني فخصوصية موقفه تستدعي الكثير من التحليل والتدقيق، فلقد تعلمنا سابقاُ أنه من الأجدر لكي تكون مفاوضاً جيداً أن تتسلح بالبدائل والعديد من أوراق الضغط قبل الذهاب إلى تلك الحلبة، ولكن باستعراض الموقف الفلسطيني نجد تخبطاً في حركة فتح والمتبنية لخط التفاوض، فالقيادات التاريخية لهذه الحركة بدأت تتراشق بالتصريحات والاتهامات، وعكست مواقفهم وضعاً خطيراً لا يمكن السكوت عليه،  ونجد أن منظمة التحرير الفلسطيني مازالت في سباتها العميق بل وأصبحت محور خلاف بعد أن طالبت العديد من القوى الفلسطينية بضرورة إعادة ترتيبها وتفعيلها، ونجد انقساماً داخلياً بين شقي الوطن بعد الانقلاب الحمساوي في غزه، و ونجد أيضاً حصاراً مستمراً على جزء من شعبنا الفلسطيني وكأن القدر يعاقبهم على وجودهم في هذه البقعة من الأرض، وفي ذات الوقت نجد أن الطرف الفلسطيني المفاوض لا يحكم على أجزاء من أرضه وبالتالي لا يستطيع أن يقدم ضمانات أمنية أو غيرها تخص هذه البقعة، ونجد أيضاً غياب الإجماع العربي على هذه المؤتمر فمنهم من رفض الذهاب صراحة ومنهم من لم توجه إليه دعوة لحضوره.  أما الغريب في أمر هذا المؤتمر أنه لاقى ترحيباً في العديد من الأوساط الوطنية الفلسطينية وكأن الجميع بات يتعلق بقشة الأمل هذه رغم السوابق التاريخية والمعطيات الحالية التي تقلل من فرص الوصول لحل يرضي جميع الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات.

ورغم ركاكة الوضع الداخلي الفلسطيني والتي تمثل قوة طرد عكسية تضعف من موقف المفاوض الفلسطيني، إلا أن العامل الإقليمي وضع الفلسطينيين في هذه المواجهة في موقف قوي، ومثلت دعما رئيسياً لا يمكن التغاضي عن مؤثراته، فالولايات المتحدة الأمريكية ستعمل بكل قوة على إنجاح هذا المؤتمر، ولن تسمح بأن يعود الوفد الفلسطيني خالي الوفاض وخاصة في ظل حساسية الوضع الداخلي الفلسطيني، فأي انتكاسة جديدة على هذه الصعيد ستكون لها تبعات خطيرة وغير مستدركة، وأي نجاح سيضع رئاسة السلطة في موقف قوي أمام شعبهم وأمام خصومهم إن قدر الله وبدأ الحوار بعد المؤتمر. فتصاعد الخطر الإيراني والخوف من تسرب آخر للنفوذ الإيراني إلى بقاع أخرى في الشرق الأوسط ومنها باقي الأراضي الفلسطينية، بالإضافة لتحييد جبهات ملتهبة في المنطقة وكسب التعاطف العربي والإسلامي بحل القضية الفلسطينية باتت أولوية وضرورة أمريكية ملحة في ظل أي مواجهة أمريكية فارسية مرتقبة. فتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بممارسة ضغوط كبيرة على الجانب الإسرائيلي لإظهار مرونة أكبر وسيزداد هذه الضغط مع اقتراب موعد المؤتمر. ورغم أن الوضع الداخلي الفلسطيني يمثل وضعاً مثالياً لإسرائيل لتمرير خطط الأمر الواقع وابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية وتأجيل حسم هذه القضية لأجل غير مسمى، إلا أن الضغط الأمريكي المتواصل وضعف الموقف الداخلي الفلسطيني والذي سيعني بطبيعة الحال مرونة أكبر من مفاوضيهم، إضافة للخطر الإيراني المحدق دعت لأن يكون الجانب الإسرائيلي أكثر قبولاً وتفهماً لضرورة إنجاح هذا المؤتمر، فلم تكن صدمة حين سمعنا الوزير الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان والوزير غدعون عزرا يتحدثان عن تسليم أجزاء من ضواحي القدس للفلسطينيين أمام كل هذه العوامل والمؤثرات.

قد لا نتوقع الكثير من المفاوضات الجارية أو من المؤتمر، وقد يقوم البعض هنا وهناك باتهام المفاوضين بالتفريط أو بالاستسلام، ولكن الوضع الداخلي يجب أن يؤخذ في الحسبان، فالاستمرار على ما نحن عليه يكلفنا المزيد كل يوم من مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، واغتصاب الخيرات، وأي أرض فلسطينية تعود لكنفنا هو مكسب لا ريب فيه، وما يعرض اليوم أقل بكثير ما عرض في الأمس، وما سيعرض غداً سيكون أقل مما عرض اليوم مع استمرار سياسية الأمر الواقع وتشوه ملامح الدعم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، وأي اتفاقية أو معاهدة أو ورقة مهما عظم شأنها يسهل تمزيقها وكتابة أفضل منها حين نمتلك القوة والقدرة، فنار البركان لا تنطفئ أو تموت، بل تخمد قليلاً أو طويلاً، ولكنها حتماً ستعود.

ظهرت في عدة صحف ومواقع مثل دنيا الوطن

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash