Home > Home Page, مقالات > علينا أن نقرر الآن

علينا أن نقرر الآن

أغسطس 11th, 2007

مفاوضات أم مقاومة؟ سؤال يطرح نفسه أمام من تبقى من أبناء الشعب ممن لم تشغله قضايا الرواتب والمستحقات والحكومة الشرعية والغير شرعية، والمعابر والحواجز والانقلاب وقضايا أخرى كالبطالة والهجرة.  هم بالفعل قلة فجميع أبناء هذا الشعب ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمثل هذه القضايا وأصبحت شغلاً شاغلاً لهم بعيداً عن قضايا الدولة والاستقلال والقدس والمستوطنات والجدار والأسرى.  نظريتان تختلفان في الرؤية والإستراتيجية ولكن الهدف المعلن للطرفين هو دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمته القدس الشريف.
الفريق الأول يرى أن السبيل الوحيد للدولة هو المفاوضات مع الطرف الأقوى إسرائيل، فهي من يتحكم بالحدود والمياه، وهي من ينصب الحواجز هنا وهناك، وتملك القدرة للدخول في أي بيت في الضفة الغربية حتى وإن ظن البعض أنهم مسئولين كبار فلا حصانة لأحد في هذا المكان، ويقصفون أي هدف في غزة ويجتاحون ويدمرون ويعتقلون بعد أن خنقوا سكان القطاع في سجن هو الأكبر على هذا الكوكب. ولأننا لا نملك عسكرياً القوة الكافية على الأرض أو الدعم الدولي الكافي لكي ننتزع حقوقنا الطبيعية في دولة مستقلة على أرض الأجداد، فإكمال الطريق الذي بدأته منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس الراحل ياسر عرفات في اتفاق أوسلو لا مفر منه وما غير ذلك يعتبر عبثاً وتعريضاً للشعب الفلسطيني ومقدراته لمخاطر بطش دولة عدوانية عرفت بشراستها في دفاعها عن كينونتها مع استمرار الشعور الدائم بالخطر على وجودها. إذاً إكمال المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي يعتبر واجباً وطنياً ودهاءاً سياسياً لا يمكن الالتفاف حوله من وجهة نظر هذا الفريق وكل شبرٍ يتم الحصول عليه من الطرف الأقوى يعتبر إنجازاً بحد ذاته.  من هنا يبدو جلياً أنه في حقبة تتصف بالقطبية الواحدة والمعروفة تاريخياً بانحيازها للطرف الإسرائيلي، وفي زمن يعاني فيه الصف العربي من تهالكاً واضحاً وفي ظل تراخيا إسلامياً طويل الأمد مع استمرار انعدام دور وموقف صريح وحازم للقوى المعتدلة الأخرى في العالم ،لا يمكننا من تحقيق أي نصر أو إنجاز من دون المفاوضات.

في الطرف الآخر نجد فريقاً يؤمن بأن الحل للقضية الفلسطينية لن يكون سوى بأيدٍ فلسطينية وبدعمٍ إسلامي وعربي، وأن أي مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي لن تجلب سوى المزيد والمزيد من اتفاقيات مهينة تزيد من تبعية الفلسطينيين لإسرائيل وتبعدهم رويداً رويداً عن محيطهم الإسلامي والعربي.  إضافةً لذلك، يعتبر هذا الفريق أن التاريخ أثبت أن أي مفاوضات بين طرف قوي يملك كل الخيارات وكل مقومات قوة الدولة وطرف ضعيف لا يملك أي خيار لن ينتج عنها سوى إملاءات وإجراءات تصب في نهاية المطاف في مصلحة الطرف القوي، ويستشهد مؤيدو هذا الفكر باتفاق أوسلو الذي لم يجلب للفلسطينيين سوى المتاعب وأعباء حماية إسرائيل بالإضافة للتبعية الاقتصادية التامة لإسرائيل.  ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة هي المقولة السائدة والشائعة لدى أصحاب هذه الرؤية في الوقت الذي يؤكدون أن الفلسطينيون اليوم أقوى من ذي قبل وسيكونوا بطبيعة الحال أقوى بعد عشرين عاماً إن قبلت والتزمت إسرائيل بالهدنة.

إذاً هما رؤيتان مختلفتان في إسلوب التطبيق ولكنهما تشتركان في الهدف ولا تنفي صفة الوطنية عن أي منهما، أما من يخلق الخلاف والفتنة هم اللاعبين الدوليين الذين يؤيدون توجهاً دون آخر لخدمة مصالحهم الذاتية، فهذا الطرف الدولي يحاول أن يفرض رؤيته الخاصة التي تؤيد حلاً سلمياً عبر المفاوضات للقضية الفلسطينية قائماً على دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وبتواصل جغرافي على حدود 1967 ، أما الطرف الدولي الآخر يدعم نهج المقاومة في الوقت الذي يريد أن يظهر بثوب المتربع على عرش الثورية في العالم والحاضن لجميع الحركات التحررية وخاصة تلك التي تنغص على الطرف الآخر معادلاته الإستراتيجية.  ولقد بدا جلياً في الآونة الأخيرة أن تعميق الخلاف الفلسطيني الداخلي أحد أركان ومقومات نجاح سياسات تلك الدول والقوى العالمية في هذه الساحة الملتهبة، فكيف لنا أن نتفهم حسن النوايا بالقيام بتقديم السلاح هنا وبالتدريب العسكري هناك في ظل التهاب الصراع الداخلي الفلسطيني؟ وكيف لنا أن نقر أن هناك مغزى إيجابياً لقيام الطرف الأمريكي بالحديث عن ضغط على كافة الأطراف لعدم التعامل مع حركة حماس؟! الولايات المتحدة تعلم تماماً حجم النفور العربي والإسلامي منها بسبب سياساتها العدوانية ضد بلادها، وتصريح كهذا لن يؤثر كثيراً في سياسات الدول وخاصة أنها تقوم بالفعل بالضغط على الدول بشكل أو بآخر لمقاطعة حركة حماس.  إذا تصريح كهذا لا يهدف سوى لتعميق الخلاف بين الشعوب والحكام خاصة في فلسطين حيث أن الأمر تكرر مراراً فنذكر حين أكدت الولايات المتحدة الأمريكية إبان الانتخابات التشريعية دعمها لحركة فتح ومعارضتها لحركة حماس رغم علمها التام بردة الفعل المتوقعة لدى الشارع الفلسطيني.  حتى إسرائيل نفسها وحين تؤكد دعمها للرئيس عباس لا تخلق سوى المزيد والاحتقان في الشارع الفلسطيني وكأنها تريد أن تحرج الرئيس بين مؤيديه وشعبه لتخلط الأوراق أكثر وأكثر، فتقوم بالاعتقال والاغتيال بينما يجلس الرئيس عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، وحين تهدأ الأمور قليلاً تقوم الصحافة الإسرائيلية بترويج إشاعة وأخبار مغلوطة  لتعميق الخلاف في الشارع الفلسطيني.

الحقيقة الوحيدة المؤكدة لدى الجميع هي أن أرضنا مازالت محتلة ولا يمكننا أن نتحرر ونحصل على الاستقلال إلا بتضافر جهود الجميع بعيداً عن سياسات وإغراءات وضغوطات الدول الخارجية والتي تحمل أجنداتها الخاصة ومصالحها الذاتية، فالقرار يجب أن يكون فلسطينياً بحتاًَ، يقرر أيكون الأفضل أن نفاوض أم نقاوم، نتفق أولاً ونقرر معاً ونعمل سوياً على ما اتفقنا عليه تحت راية موحدة، راية فلسطين الواحدة، وباسم الفلسطينيين جميعاً لا باسم فصيل يعكس رؤية ومنظور خارجي.  قضيتنا تستحق الجهد الكثير ولا تحتمل الانقسام والتقصير، وفلسطين تحتاج لنا جميعاً موحدين، بمجدنا وعزنا ونصرنا القادم مؤمنين.

ظهرت في صحيفة القدس ومواقع مثل دنيا الوطن

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash