Home > Home Page, مقالات > رفقاً بعقول هذا الشعب يا سادة

رفقاً بعقول هذا الشعب يا سادة

يوليو 14th, 2007

بين ليلة وضحاها، انتقل المقاتل من خندق المعركة ليمكث في أفخم الفنادق في القاهرة وغيرها، وبعد أن كان يختبأ عن أعين أغلب الناس خوفاً من الرصد والاغتيال، أصبح الآن يظهر في المهرجانات وشاشات التلفاز أكثر من مشاهير الغناء والتمثيل في العالم، وبعد أن كانت ثيابه قريبة من ثياب رجل الشارع ببساطتها وتقليديتها، أخذت العولمة والشهرة طريقها إلى ثيابه وربطات عنقه رغم ما ينطق لسانه في مهاجمة العولمة والأمريكيين والإسرائيليين والتطبيع، وبعد أن كان الشارع مجمع عليه ويحمد الله على نجاته من كل محاولة اغتيال إسرائيلية، أضحى محل إجماع فصيله  فقط وفئة بعينها دون بقية فئات هذا الشعب، أما السيارات الفارهة والحراس الشخصيين ذوي الملابس الأنيقة والتي تشبه إلى حد كبير ملابس أولاد العام سام في ال FBI وال CIA، فهذه بدعة جديدة بطبيعة الحال أوجدها مقاتلنا العتيد لتحميه من أبناء شعبه و بالطبع لا من صواريخ الأعداء، والعجيب أنه مازال يتحدث عن المقاومة وعن الثورة وعن الكفاح الجبار بعد أن أصبح عاجزاً أن يقدم ما قدمه أصغر الثوار.

ثم ذهب الثوار وباقي الفرقاء إلى مكة ليجسدوا وحدة وطنية، تنفرج لها أسارير هذا الشعب الذي ذاق الوليات في سنة هي الأقسى في تاريخ نضاله، بعد أن تذوق الجميع مرارة الحصار وقسوة الاقتتال، وبعد أن حلف الجميع أمام الكعبة على صون الدم الفلسطيني وحماية ما تبقى لهذا الشعب من كرامة تاريخ ووحدة، وإذا بالخطط العسكرية وبالحشود والتجهيزات والتجييش مستمراً، أما حفر الأنفاق تحت المقار الفلسطينية، فلم يكن اتفاق مكة كافية لإيقافها، وبدت وكأن النية مبيتة لهجوم كاسح يقتلع أجهزة أمنية شرعية مثلت السلطة الغائبة وسيادة القانون الهشة.  إن هذه الأجهزة الأمنية الفلسطينية تمتلك شرعية لا تقل في قيمتها وأهميتها عن أي مؤسسة أخرى تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية تماماً كما هو حال المجلس التشريعي الفلسطيني. صحيح أن هذه الأجهزة شابها كثير من الأخطاء وعظيم من الفضائح، ولكن أيكون الحل وعلاج الأخطاء بسحق شرعية قائمة ؟! من نصب القائمين على هذا الانقلاب حكاماَ وجلادين في آن واحد وعن أي شرعية يتحدثون وعن أي ديمقراطية يتكلمون بعد أن استبدلوا الشكل المثالي للديمقراطية الفلسطينية والتي شهد لها العالم بانقلاب عسكري لا يذكرنا سوى بغياهب الأرض وبحقب تاريخية انقرضت وبنظم فاشية انتهت؟! ثم نتحدث عن حوار بلا قيد أو شرط وكأن الدماء قد جفت وكرامة الانسان قد هانت والشرعية الحقيقية قد سحقت، وكـأن ما حدث بالأمس ما كان.

ومع مرور الأيام والأسابيع على أبناء هذه الأمة، تزداد أوضاعهم المعيشية والحياتية وقبل كل شيء النفسية سوءا بعد أن أصيبت آمالهم وأحلامهم برصاصة الرحمة، فالحراس المفترضين للقضية التهموا بعضهم البعض وتركوها عرضة لأنياب الزمان لتقطع أوصالهم بين ضفة وغزة، وتركوا أنياب العدوان تنهش ما تبقى من هذا الجسد الهزيل الذي أنهكه صراعاً مقيتاً على سلطة تقبع تحت الاحتلال بلا صلاحيات أو سيادة، والعجيب أن بعضهم مازال يتحدث عن أمور سيادية ضارباً عرض الحائط الحقائق الدامغة والتي تنفي بكل صدق أي صلة لسلطتنا بالسيادة، وغير آبه بمعاناة آلاف من العالقين على المعبر ليحقق إنجازاً إعلامياً وسياسياً ثمنه معاناة وعذاب وأرواح تزهق وعائلات تشرد. يبدو أن أكثرهم لم يكترث بأخطاء الماضي ولم يتعلم الدروس من نزوات من سبق في إدارة الحكم، فكلفنا الماضي وأخطاءه كثيراً، ولكن ما يحدث الآن في حاضرنا يكلفنا أضعاف ثمن ما دفعناه وسيكلفنا الكثير والكثير على كل الأصعدة منذ لحظة أن سمحنا لغيرنا أن يقرر لنا.  فبالحديث عن الماضي كانت الأخطاء الرسمية متمثلة في أخطاء إدارية ومالية وانتهاكات محدودة لحقوق الإنسان وجاء النقد الذاتي على لسان عضو مجلس ثوري وهو السيد جرير القدوة عندما قدم تقرير الرقابة عن التجاوزات الإدارية والمالية لمؤسسات السلطة.  أما الممارسات غير الرسمية فكانت أهم أخطاءها عدم القدرة على الحسم في قضية الفلتان الأمني وتقوية شوكة العائلات وعشوائية التعامل مع الجانب الإسرائيلي.  أخطاء عديدة أثارت حفيظة الكثير مع العلم أن أكثر من امتعض من هذه الأخطاء والتجاوزات كان بمقدوره التعبير عن رفضه بصراحة ولكن بلا إصلاح جذري أو تغير يذكر.  أما الحاضر فهو حاضر تعيس كئيب بما حمله من كوارث فأصبحت خلافاتنا الداخلية طاغية ولم يعد لدينا متسع من الوقت للحديث عن القدس والمستوطنات أو الجدار أو اللاجئين وحتى الحديث عن دولة أضحى وكأنه هذياً أو حديثاً بلا قيمة فبأي منطق نستطيع الحديث عن دولة فلسطينية واحدة والأرض مقسمة لا بفعل الأعداء ولكن بسبب أهواء وأطماع من خلع عباءة المقاتل وقبل بالثوب الأنيق للقادة الجدد. أولئك القادة الجدد جعلوا من الحديث عن مرتبات ومستحقات وحكومة وحدة أو غيرها أهم من الحديث عن القضايا الوطنية الأصيلة، بل وساهموا في إدخال مفاهيم جديدة على الثقافة الفلسطينية، ثقافة تتبنى الانتقام وتغفل التسامح، تعني بالهدم والتدمير بعد أن أبعدوا الشعب عن حلم البناء. وأمام كل هذه الأعراض المنهكة و المستحدثة على الحالة الفلسطينية وأمام هول الجرائم التي ارتكبت والفظائع التي مورست وأمام التخبط الواضح في أفعال وتصريحات أولي الأمر الجدد لهذا الشعب، وجد المواطن الفلسطيني نفسه ينغمس لا إرادياً في وضع إحباط لم يسبق أن جربه على مر العصور ورغم كل المحن، وخاصة أن أفق وسبل الخروج من وحل الحاضر الكئيب بات مسدوداً أمام رغبات ونزوات من يحكمون المصلحة الفئوية على مصلحة الأمة والوطن.

لطالما نادينا بالوحدة وبالاتفاق لننقذ ما تبقي من تراث القضية ولنسعف ما يمكن إسعافه قبل فوات الأوان ولكننا نمر بلحظة دقيقة في تاريخ قضيتنا، فقراراتنا باتت مصيرية منذ لحظة أن انقلبت فئة على شرعية اعترف بها كل من قبل دخول الانتخابات.  إن الطريق السوي للخروج من هذه الأزمة بأن تعود أولاً الأمور لوضعها الطبيعي، بعد أن تختفي أي مظاهر ترتبت على الانقلاب في غزة، ثم يتم محاكمة ومحاسبة من أخطأ في حق هذا الشعب لا بالاعتذار، ولا بالإعدام أوالتنكيل خارج إطار القانون، بل من خلال الأطر الشرعية، ليشمل هذا الحساب كل من أخطأ في حق هذا الشعب في السابق والحاضر. ثم نعود لحكم الشعب ليختار من يحكمه ومن يقبل به وليذهب من يرفضه بلا عودة إن لم يصلح من نفسه، وليكن شعارنا وطناً واحداً وسلاحاً واحداً وجيشاً واحداً يحتضن الجميع، يفرض الأمن ويطبق القانون على الوزير قبل الغفير، وتكون فصائلنا أحزاباً تختلف بالرأي والكلمة لا بالرصاص والبنادق.

ظهرت أيضاً في دنيا الوطن وغيرها

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash