Home > Home Page, مقالات > استيقاظ وحش الاقتتال

استيقاظ وحش الاقتتال

مايو 24th, 2007

أصيبت الكلمات بالعجز وجف حبر الأقلام، بعد أن احترقت الأوراق و اسود لون تلك الأيام، وكأن الحديث عن الوحدة والاتحاد أصبح عقيماًً، و التذكير بأننا مازلنا نقبع تحت الاحتلال أضحى حديثاً قديماً، و بعد أن أكدنا أن مصلحة فلسطين يجب أن تكون أولاً، وجدنا أن المصلحة الضيقة هي الغالبة، وأن الأهداف الخاصة هي السائدة، فانطلقت الرصاصات من هنا وهناك، وخرجت أسلحة لم نرها تصوب نحو الاحتلال، فدمغت جباه الجميع بالعار، وحرقت وكوت قلوبنا بالنار، وبعد أن كان الفلسطيني  يمثل للعالم أجمل رمز للعزة، و أعذب لحن للمقاومة، وأزكى عطر للكرامة، أصبح لا يعدو أن يكون إنساناً يبحث عن أهواء وصلاحيات و أطماع هدامة.  و لم يستغرق الأمر كثيراً، ففي حين استغرق انهيار سور برلين عقوداًً، وانحسار الفاشية سنيناً، لم يستغرق رحيل اتفاق مكة حتى شهوراً، فأطلقنا لدموعنا العنان، ليخفف ما خالط نفسنا من الآلام ومن الأحزان، على بلدٍ يقتل أبناؤه بأيدي فلسطينية، على بلدٍ بدت عيونها كسيرة، آلامها مريرة، من كثرة ما أدمتها جراحها الكبيرة. ما أصعبها من أيام تهجع بالآلام و تفيق بالأحزان، تخرج جروحنا من أعماق النسيان، وتكوي نفوسنا على مر الأزمان، تقلب مجدناً خضوعاً و عزتنا خنوعاً و إقدامنا إحجاما، نفتك بأشقائنا ونذيب أسطورة عزنا  ونهدر مقدرات شعبنا، بعد أن تناسينا أعاصير الاحتلال العارمة ورعود الاستعمار القادمة، من هناك، من خارج أسوارنا وليس من داخل بيوتنا.  أما الجديد، فأبواق إعلامية لهذا وذاك، تتحدث عن الوحدة و في ذات السياق تدعو للفتك بالطرف الآخر، تروي قصة قتل أو خطف أو هجوم من وجهة نظر ثم تستمع لقصة جديدة من وجهة نظر أخرى لا يتشابه بين القصتين سوى اسم الضحية، منابر لا تحترف سوى شحن المستمعين والمشاهدين ضد الطرف الآخر ولكنها قد تكون عاجزة يوماً أن توأد لهيباً أشعلته وغضباً فجرته و انتقاماً سوقت إليه.

كجميع أبناء هذا الشعب المخلص، فرحنا كثيراً بوقف إطلاق النار بين الطرفين، ولكنه فرحاً حذراً، يشوبه الكثير من القلق ويملأه  عظيم من الأرق، فهواجس تلك الأيام تطاردنا في أحلامنا، وخاصة أن المعظم يرى أن ما يحدث الآن من تهدئة بين الأطراف المتناحرة لا يعدو أن يكون استراحة مقاتل و لملمة جراح واستعداد و تخطيط  لجولات جديدة يعد لها أمراء حرب عملوا بجد على تقطيع أوصال الوحدة وتشتيت أمال الاتحاد.  قد يكون العدوان الإسرائيلي على قطاع غزه أحد أهم أسباب انحسار القتال بين الفرقاء، ولكن هل تبخر ما في النفوس من ألم وهل ذاب في القلوب من غضب؟  إن أحد نقاط ضعف اتفاق مكة هو إغفال أحد أهم عوامل الاحتقان، فالأحداث التي سبقت اتفاق مكة وما تبعها من أحداث انتهاء بما حدث الأسبوع الماضي لا يمكن أن ينتهي باتفاق تهدئة أو هدنة أو وقف إطلاق نار وكأننا نخدر وحشاً نعلم أنه سيفيق في أي وقت قريب. إننا نحتاج لما  يتعدى التخدير و الترقيع، نحتاج لحلاً حاسماً ينهي ذلك الوحش و يزيحه من حياتنا بلا عودة.  إن أنجع السبل لتحقيق هذا المراد هو تعزيز دور الدولة والتأكيد على سيادة القانون والمؤسسات و الأجهزة الشرعية، ثم يأتي القوة و القدرة في تطبيق هذا القانون ليشمل محاسبة كل من ضلع في أعمال قتل أو خطف أو تعذيب، وخاصة أن الكثير من هذه الأسماء باتت معروفة، وسيظل الطرف الآخر وعائلات الضحايا يبحثون عن القصاص ممن رأوه مسئولا في أي فرصة سانحة لطالما أن سيادة القانون مازلت غائبة، و سلطة الدولة باتت تائبة.  إن خيار إنهاء الفلتان و الاقتتال أصبح أولوية وطنية لا عودة عنها، ولكن هذا الخيار يستدعي قرار ووقفة صادقة و إرادة صارمة، وإلا فسيبقى هذا الوحش يستفيق رويداً رويداً حتى يصعب حينها

إن اقتتالنا الداخلي لهو الطريق الأقصر لضياع وطننا و تمزيق شعبنا و تبديد آمالنا، فإن أصبح كل واحد منا كقطعة من الخشب الملقاة على صفحة النهر تجري مع التيار فلا يستطيع له منعاً ولا يملك لنفسه ضراً و لا نفعاً، فكم من أمة دكت عروشهم و ذهب ملكهم و سلطانهم حين تفرقوا

ظهرت في صحف عدة، وموقع دنيا الوطن

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash