Home > Home Page, مقالات > دموع الفجر

دموع الفجر

ديسمبر 12th, 2006

كان الجميع في انتظار حكومة وحدة وطنية أو وحدة تكنوقراط أو أي حكومة يتفق عليها الأطراف لنتجنب بذلك الخوض في احتمالات و سيناريوهات أعذبها علقم، و أجملها مفزع، يهدد بظلام أحلك مما ظننا أنه الأحلك.  لن نخوض في غمار الـتأويل و الاتهام بمن كان وراء فشل هذه المباحثات فالجميع يتحمل و لو قدراً من هذه المسئولية، فبعد محادثات استمرت أسابيع و المواطن الفلسطيني يتطلع صوب التلفاز تارة، و يستمع للمذياع تارة أخرى، و يسيل لعابه في انتظار خبر عاجل عن اتفاق يثلج الصدور و يزيح الهموم، و لكن مع الأسف الواقعة وقعت، و المباحثات فشلت، و بدأ الحديث من جديد عن خيارات و احتمالات جديدة.

تزامن فشل المباحثات بين الأطراف الفلسطينية في تشكيل حكومة وطنية مع عدة أحداث و وقائع محلية و إقليمية و دولية.  أما محلياً فكانت أولى هذه الوقائع اتفاق التهدئة بين الجانبين الفلسطيني و الإسرائيلي، و حدوث تطور واضح في قضية الجندي الإسرائيلي بعد موافقة إسرائيل على الإفراج عن أسرى فلسطينيين ذوي أحكامٍ عالية و هو الأمر الذي كانت ترفضه إسرائيل في البداية. من ناحية أخرى، فقد بدأ الحديث يتكرر عن إنهاء الحصار المفروض على الفلسطينيين أو على أقل تقدير بدأت تظهر ثغرات و تصدع في  أسوار هذا الحصار الظالم.  أما إقليمياً، فالتطور الأكثر بروزاً هو خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي و الذي عرض فيه تسوية سلمية بشروط إسرائيلية، و هو توجه إسرائيلي جديد نحو تسوية سياسية حجب الحديث عنها لأكثر من خمس سنوات بحجة عدم وجود شريك فلسطيني، بالإضافة إلى تداعيات الأحداث في العراق و لبنان  التي ألقت بظلالها على المنطقة بأسرها لخطورة ما يمكن أن تؤول إليه الأمور إن استمر التصعيد أكثر مما هو عليه. و أما التطورات الأبرز دولياً فهي مبادرات السلام التي بدأت تنطلق و تنهال من كل صوب و حدب و كأن العالم بدأ يتذكر القضية الفلسطينية بعد فترة إغماء سياسي أو فقدان وعي مؤقت ، و من ثم بدأت تتسارع وتيرة التحركات الدبلوماسية ، و ازداد عدد الزيارات المتتالية لوزراء الخارجية الأجانب لرام الله و أريحا و غزه.

يرى البعض أن كل كيان في منطقة الشرق الأوسط له شؤونه الخاصة به، و ظروفه التي تحكمه، و لا علاقة له بما يجري حوله، و لكن حقيقة الأمر غير ذلك، لأن  جميع دول المنطقة ترتبط بشبكة علاقات وثيقة، فإن اختلت الأمور في طرف تزعزعت الأمور في طرف آخر، و إن هدأت الأمور في ناحية تهيأت الظروف  نحو تهدئة في ناحية أخرى، فشبكة علاقات الشرق الأوسط شبكة معقدة و أطرافها عديدة و مقياس التغيير فيها متأرجح و متذبذب لدرجة يصعب توقع ما هو آتٍ، فكلما ازداد الضغط الأمريكي على إيران في قضية  السلاح النووي، ازداد التدهور الأمني و السياسي في العراق، و كلما تدهورت الأوضاع في العراق توترت الأمور في لبنان، و كلما ازداد التوتر في لبنان و العراق أو أي بقعة أخرى، بحثت الدول الكبرى إلى تهدئة الأمور في بقعة مختلفة.  علاقة معقدة و لكنها واقعية تعكس قصر نظر و فقر واضح للسياسة الخارجية لمعظم دول المنطقة، و التي لا تملك رؤية سيادية راسخة أو إستراتيجية وطنية واضحة، تجاه دول الجوار، و إنما تعمل وفقاً لرؤية دول خارجية تحكمها مصلحتها الخاصة فقط.

أما إسرائيل، و التي خرجت من حرب حزب الله في أسوأ حال بعد خسارة نفسية أكبر و أعظم من خسارتها العسكرية أو المادية، وجدت نفسها أمام مد إسلامي ينمو في منطقة الشرق الأوسط بشكل سريع و ينتقل من دولة إلى أخرى بسرعة البرق، و هو الأمر المزعج لها و خاصة أنه يهدد استقرار عروش و أنظمة المنطقة العربية بأسرها، و بالتأكيد أمن إسرائيل نفسها، بعد أن اعتادت على تحركات أنظمة مهادنة باتت أفعالها محسوبة و نزعاتها متوقعة.  فتحييد بؤرة الصراع هذه و الخوض في تسوية سياسية الآن قد يغني إسرائيل عن صراع مستقبلي ستكون بلا ريب له تشعبات إقليمية و أبعاد تفوق حدود الصراع الحالي، و خاصة بعد أن بات الحليف الأكبر لها غارقاً في مستنقعات الشرق الأوسط و الأقصى و أضحى همه الرئيسي تضميد جراحه التي أدماها كثرة التدخل السافر في شؤون البلاد المختلفة.

و في خضم هذه التشابكات المحلية و الإقليمية والدولية، تبدو قضية تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية أصبحت ثانوية لبعض الأطراف المتحاورة، و خاصة مع الحديث عن رفع الحصار و انفراج أزمة الجندي الإسرائيلي و بالتزامن مع الشغف الواضح للقوى العالمية الكبرى للوصول لحل سريع في أحد بقاع هذه المنطقة المتوترة.  فإن  سارت الأمور على هذا النحو، فلم العجلة إذا في تشكيل حكومة جديدة، أو حتى لم التفكير في حكومة جديدة؟ بالفعل، بعض الأطراف لا ترى ضرورة ملحة لتشكيل حكومة جديدة و هذا ما يفسر الفتور مؤخراً في المباحثات و النتيجة المعلنة بفشل مباحثات تشكيل حكومة وحدة وطنية.  حقيقة أن بعض الدول الأوروبية قدمت مبادرة لإنهاء الأزمة المتفاقمة لدينا، و لكن المؤلم بالفعل أن نرى دول العالم المختلفة تبحث لنا عن حل يرفع و لو قليلاً من معاناة المواطن الفلسطيني بينما نرفض نحن أنفسنا أن نتفق فيما بيننا في الوصول لتشكيل حكومة وطنية تنهي الحصار المفروض علينا و تعيد زمام الأمور إلينا.

انتظرنا فجراً مشرقاً يزف لنا خبر الانفراج و الاتفاق، و تشكيل حكومة تفتح لنا الأبواب و الآفاق، لننهي بأيدينا كابوساً ألم بنا و أزعجنا و لا ننتظر رحمة الأعداء أو عطف الأصدقاء، و إذا بالليل المخيف يهيم، يسدل ببطء ستاره الأليم، على جهود تشكيل الحكومة و الخلاص من هذا الكرب العظيم، و لكن شعب فلسطين، شعب عبد القادر و الياسر و ياسين، لن يترك  القرار بيد الآخرين، فالقرار مازال بأيدينا، و الوحدة هي سبيل عبورنا، من دوامة الضيق و العسر الدميم، فلا  تلهينا عقبات يوم أو شهر عن حلمنا الأصيل، حلم حرية لطالما داعب خيالنا و راود أحلامنا على مر العقود و السنين.

ظهرت أيضاً في صحيفة القدس، ودنيا الوطن وغيرها

Home Page, مقالات

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash