يناير
29
في 29-01-2019
تحت تصنيف (رواية) بواسطة eyadjarrar.lawyer
    47 مشاهده

رواية ابنة الشيطان نشرت في شهر 7 / 2018 وهي الجُزء الثاني من رواية لا تقرب النساء قبل سن الخامسة والعشرين ولكن بعنوان جديد وهو أبنة الشيطان. للكاتب الفلسطيني معاذ جهاد.

اقتباسات من الوراية الغير متوفرة حالية للتحميل الكترونياً..

صورة ذات صلة

في اللحظة الأولى، كنت متسابقا شرها ً مع خمسة ملايين حيوان منوي آخر يشاركونني السباق نفسه. لكنني ولسبب أجهله إلى الآن، كنت أسرعهم، أقواهم، أكثرهم تشبثا ً بالحياة، وأقلهم حظا في النجاة منها، لأخترق شيئا ً سألتصق به مدة ً طويلة ً جدا.. مدة ستكفي لجعلي بطيء جدا ً، ضعيف إلى درجة الانكسار، وتجعلني أحاول الفرار من هذه الحياة في أقرب فرصة ممكنة..
في الأشهر الأولى، كان الشيء يحدث تدريجيا ً، وأنا أنمو شيئا ً فشيئا ً
أمي وقعت –وأنا في رحمها- ثلاث مرات، خلفّت – على ما يبدو – فقدانا ً في الذاكرة، وطريقة غريبة في التفكير، و جرحين.. أحدهما زال قبل العاشرة، والآخر ما زال يقبع في أسفل قدمي. وقتها – في الثلاث مرات – قاومت كثيرا ً الموت إلى الدرجة التي أقوام فيها الحياة الآن.
وماذا يفعل الطفل في رحم أمه؟ أتراه يفكر في الحياة الأخرى ما بعد الولادة؟ لا لا يفعل، أنه لا يعلم في ذلك الوقت عن وجود حياةٍ أخرى ستبدأ حينما سيغادر هذا المستنقع إلى مستنقعٍ آخر أكثر اتساخا ً، عندما يغادر من الرحم إلى الدنيا، من المكان المتسع جدا في رحم أمه إلى مكان ضيق كهذا، أقل قوتا ً، أكثر ضجيجا ً، أقل دفئا ، أكثر اختناقا، أقل راحة وأكثر مللا..
في الأشهر الأربعة الأولى، كان الأمر مملٌ جدا ً، لم أكن أفعل شيئا ً..
في الشهر الخامس، كان أجمل ما حدث حينما سمعت أول دقة قلبٍ التقطتها أذناي، حينما نضجت حاسة السمع لدي، الدقة الأولى، الأنثى الأولى.. دقة قلب أمي. استمريت في سماعها مدة طويلة، بعد وقت.. أصبح صوت التنفس – قالوا لي فيما بعد أنه كان التنفس- هو من يشغلني..
استمرت الأشياء بجعلي أنشغل عن دقة قلبها إلى أن استطعت سماع أول صوتٍ يأتي من العالم الآخر – دون أن أعرف أنه العالم الآخر- الخارج، بعيدا ً عن هذا المكان، كنت أحاول بكل ما أوتيت من قوةٍ -مع أنني لم أملك الكثير وقتها- أن أصل إلى أقرب نقطةٍ تمكنني من سماع أي شيء بعيدا عن دقات قلب أمي ومجرى التنفس لديها، من ذلك العالم الآخر المليء بالضجيج والفوضى التي كنت أحسبهما جميلتين في بادئ الأمر..
الآن.. أنا مستعد للتضحية بكل هذه الأصوات مقابل العودة ها هناك وسماع صوتين فقط.

———————————————————————————

لنكن صريحين.. أنا لا أستطيع فعل ذلك بكل تلك السهولة، أنت يمكنك نسيان الأمر و البدء بصداقة جديدة مع آخر غيري، والدخول في علاقة أخرى، والضحك كثيرا ً على أتفه النكات، والبكاء له كما كنت تبكي لي ، واحتساء الشاي، والتأرجح ومشاهدة الأفلام، والذهاب والإياب، والبوح بكل الأسرار وفعل كل الأشياء الجميلة التي كنا نفعلها سويا ً.. أنت يمكنك.. لكنني أنا غير قادر ٍ على فعل ذلك..
أنا غير قادر ٍ بتاتا ً على البدء من جديد والبحث عن آخر يغطي الوحدة من بعدك، أنا لم استطع تكوين علاقة واحدة منذ عام ونصف، لم أشاهد فيلما ً من بعدك إلا وحدي، لم أبح بسر من بعدك، لم أركض في الشوارع كالأطفال مع غيرك، لم أدعُ أحدهم لشرب فنجان شاي، وأطول مكالماتي لم تزد عن العشرين ثانية من بعدك في الوقت الذي كنا نمضي فيه ساعتين نتحدث.. ولا يمكنني بتاتا ً فعل كل تلك الأشياء مع غيرك.. أنا أوبخ نفسي إن شاركت أحدهم شرب الماء حتى..
لقد أصابتني فوبيا العلاقات، أنا غير مستعد للدخول بأي علاقة جديدة، أتصدق.. جزيئاتي، إن تفككت لا ترتبط من جديد.. يبدو أن هذا ما حدث بيننا ..

——————————————————————————–

أمحتاجٌ أنت لأكثر من هذا الضجيج الذي بداخلك يا ابن الهدوء؟ وأنت الذي قد تأخرت ست سنوات كاملة لتعرف نطق كل الأحرف، ما فائدة الأحرف كلها التي قد تعلمتها الآن، في الوقت الذي يصبح فيه أن تبلع لسانك هو أبلغ عمل ٍ قد تقوم فيه الآن ؟!.. من قبل، في السابق، عندما كنت حيوانا منويا ً، كنت سعيدا ً جدا لأنك قوي، أقوى بكثير من جميع الذين رافقوك في تلك الرحلة، ووحدك أنت من استطعت أن تنجو، وماذا الآن؟ أتحسد الذين ماتوا على الموت كما يحسدونك هم على الحياة؟ أكسرتك الحياة؟ أتعبت؟ لم يكن هذا الأمر سوى البادئة فقط.. هذه أولى اثنين وعشرين سنة في حياتك، وصرت تلعنها؟! تحقد عليها؟ لم ترَ شيئا ً بعد، كل ما حدث كان درسا ً تجريبيا ً لما سيحدث تباعا ً، قلت لك، تريد أن تغادر غادر الآن، انتحر، في كل الحالات إذا انتحرت في سن العشرين أو الخمسين سيبقى الأمر انتحارا ً، إما أن تقرر أن تنهي الطريق الآن وتقف وتنتظر الصحراء والحر أن يقتلانك أو أن تكون أقوى من الطريق والصحراء والحر.. وكيف حالك أنت؟ أليس يكفي؟ الوجع الذي بداخلك وجع مدينة كاملة مبنية على أساساتٍ من خشب، وأحرقت، وكلما أحرقت أطفأتها أنت، ولا زالت واقفة على شفا حفرة من جهنم، أساساتها بالية، هشة، قد تسقط في أية لحظة .. وماذا فعلت في أخر فترة ؟
– المزيد من التكرار، تكرار لأشياء كثيرة كنت أخالني للحظة أفعلها لأول مرة..
– قلتَ بأنك قادر ٌ على تحرير العالم لو غيرت نفسك والآن؟
– حاولت أن أحرره، فسجنت نفسي
– وماذا الآن؟
– هذا السؤال الذي أطرحه على نفسي في كل ثانية في آخر ستة أيام؟ ماذا الآن؟ سأكمل؟ ماذا أريد وماذا لا أريد؟ المشكلة في الحروب، بعد فترة لا تصبح الغاية أن تنتصر أو تحرر البلاد بأكملها أو تثبت مبادئك، الغاية تصبح أن تبقى على قيد الحياة فقط، أن تكمل أكثر وقت ممكن كي لا تسمع أحدهم يوما ً يقول أنك انهزمت، الغريب في الأمر، أنك إذا ما انهزمت ستكون ميت ولن تسمع أحدهم يقول أنك أنهزمت..
– لقد جاء الخريف
– نحن في اكتوبرعزيزي!
– أقصد ..خريفك أنت، ألا ترى نفسك تتساقط أكثر وأكثر؟

————————————————————————-

أوليس التعلق بالأشياء هي أكبر جريمة نرتكبها بحق أنفسنا وبحق الأشياء ؟!

———————————————————————–

أنا لست بخير ،ضحكاتي مصطنعة جداً ،وقوتي ليست سوى دراما

– لقد جاء الخريف – نحن في اكتوبرعزيزي! – أقصد ..خريفك أنت، ألا ترى نفسك تتساقط أكثر وأكثر؟

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:
*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash