نوفمبر
05
في 05-11-2014
تحت تصنيف (قانون) بواسطة eyadjarrar.lawyer
    61 مشاهده

عن  http://majlt-elqanon.blogspot.com

                                           القانون والعدالة

   تعد فكرة العدل من اقدم الفضائل الانسانية التي  تعبر عن رغبة اصيلة لدى الانسان في أحقاق الحق ورد الظلم في كل مكان وزمان،  ولهذا تبنتها القوانين القديمة والحديثة  كغاية يسعى القانون لادراكها،  وهي فكرة تناولها الفلاسفة  بالدرس والتعريف والتحليل وتكونت اسسها النظرية على يد فلاسفة اليونان ولقيت  اهتماماً  بالغاً  من  فلاسفة القرون الوسطى واكتسبت فكرة العدل عبر التاريخ كثير من الدلالات المختلفة.
   وسنحاول بايجاز معالجة اشكالية  العدالة في ثلاث مباحث رئيسية وفق التقسيم الاتي:

المبحث الاول:  في فلسفة العدالة

المبحث الثاني: العدالة والحرية

المبحث الثالث: العدالة وتكافؤ الفرص

  المبحث الاول:  في فلسفة العدالة

   ان فكرة العدل فكرة نسبية مجردة تختلف بأختلاف الزمان والمكان ، وهي ايضاً ، كما يقول القديس توماالاكويني بحق ، ترتبط ارتباطاً كاملاً بأسوب وتفكير الانسان عبر العصور . فالعدل في حقيقته ومعناه ليس بخاصية من خصائص القانون وليس هو ظاهرة من ظواهر المجتمع ، بل هو فضيلة وسلوك للانسان في علاقاته الاجتماعية ينبغي ان تتحقق ولو لم يكن هناك قانون او دولة بسبب ظروف قاهرة معينة.
 ذلك ان الفضيلة تعني استعداداً دائماً ومستمراً للنفس البشرية لفعل الخير ورد الشر ، فالفضيلة تحمل طابع الدوام والثبات والتعود ، اما اذا اتخذ السلوك الفاضل صفة التقطع فلا يعد فضيلة ، لان التقطع يرتبط بالانتهازية والتحيز وربط الموقف الاخلاقي بالمصالح الانانية ، وعلى هذا النحو فان الانسان اما ان يكن عادلا وفاضلاً على طول الخط او لايكون .
ويميز الفلاسفة بين اربعة فضائل اساسية ينبغي ان تحكم سلوك الانسان هي التبصر ، العدل ، ضبط السلوك الاجتماعي ، والجلد والشجاعة . ومن بين هذه الفضائل الاربعة يرتبط التبصر والعـدل بعلم القانون ، والتبصر وهو فضيلة عليا تتمثل في القدرة على اعمال العقل والتفكير السليم الموجه للتصرفات والاعمال للوصول الى الغاية المنشودة ، وينبغي ان يقوم العمل التشريعي والقضائي ومعيار السلوك المطلوب من الافراد على اساس التبصر .
ولذلك اعتبر الفلاسفة وعلى مرالتاريخ ان خير تعريف للعـدل هو ما وضعه الامبراطور الروماني جسستنيان في مدونته بقوله ( العــدل هو حمل النفس على ايتاء كل ذي حـق حقـه والتــزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار )

-التمييز بين فكرتي العدل والعدالة :

   فالعـدل (Justice): يفيد معنى المساواة ، وهي مساواة مرتبطة بالدور الاجتماعي للقانون ، فالمفروض ان يطبق القانون بمساواة جميع الاشخاص والحالات التي يتناولها في مركز قانوني معين ولغرض معين بالذات وللهدف الذي يرمي اليه ، فالمثل يعامل كمثله، وغير المتساويين لايلقون معاملة متساوية ، وهكذا قرر الرومان ، كما جاء في مدونة جستنيان ،القاعدة القائلة بأن( مساواة غير المتساويين ظلم ). ويتحقق ذلك من خلال قواعد قانونية عامة مجردة تطبق على الجميع بنزاهة ودون محاباة وبعدالة ويقتصر دور العدل الشكلي هنا على بيان أن الاجراءات كانت عادلة لان احدا لم يستثنى او يستبعد بشكل غير عادل من تطبيق القانون، لافرق بين ام تسرق لأطعام اطفالها الجياع ومن يسرق لأرضاء ملذاته وشهواته، مثلا. لأن العدل القانوني يعتد بالوضع الغالب الظاهر لا بالوضع الداخلي الخاص للمخاطبين بحكمه.
   اما العدالـة (Equity ): فتعني الشعور بالانصاف وهو شعور كامن في النفس يوحي به الضمير النقي ويكشف عنه العقل السليم وتستلهم منها مجموعة من القواعد تعرف بأسم قواعد العدالة مرجعها مثل عليا تهدف الى خير الانسانية بما توحي به من حلول منصفة ومساواة واقعية تقوم على مراعاة دقائق ظروف الناس وحاجاتهم .
ان التمييز بين فكرتي العــدل والعدالــة هو السبب في ان كل الانظمة القانونية شعرت بالحاجة الى اصلاح صرامة القانون من خلال الدعوة الى تفسير القانون بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص عندما يشعر القاضي ان الظلم بعينه يتحقق لو طبق القانون بحذافيره وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور ( الرحمة فوق القانون ) الذي لايعني الا أن على القاضي ان يعالج الحالة الفردية الخاصة بروح العدالة . ووجدت هذه الفكرة تطبيقا  في مظاهر متنوعة ، ففي انكلترا انشئت منذ قرون مايعرف بمحكمة العدالة للتحرر من جمود القانون العام الانكليزي وعلى اساس فكرة ( ان العدالة تنبع من ضمير الملك ) فيما اعتبرت قوانين اخرى قواعد العدالة او القانون الطبيعي مصدرا قانونيا احتياطيا يطبقه القاضي عند غياب النص ، كما فعل المشرع المصري والعراقي.
           المبحث الثاني: العدالة والحرية
   التوق الى الحريــة غاية إنسانية كبرى وهي جزء من الطبيعة الإنسانية وحق اصيل من بين كل الحقوق ، بل هي جزء من طبيعة كل الكائنات الحية ، فاذا كانت الحرية جزءاً من الطبيعة الانسانية فانها ليست هبة يمنحها الحكام لشعوبهم بل ان الله سبحانه هو الذي خلق الناس احرارا ، الا ان هذا الحق كثيراً ما تعرض للاغتصاب عبر التاريخ ، فكان جوهر التاريخ السياسي للبشرية هو صراع من اجل استراد الحق المغتصب ، الحرية . . وعرفت المادة (4) من اعلان حقوق المواطن الفرنسي الوارد في مقدمة دستور سنة 1789 الذي تضمن مباديء الثورة الفرنسية ، والحقوق والحريات العامة على انها( (القدرة على اتيان كل عمل لا يضر بالآخرين).
   مارس الحكام السلطة منذ نشأتها بأعتبارها امتيازاً  شخصياً تندمج  فيه شخصية الحاكم مع شخصية الدولة فالحاكم هو الدولة وفي شخصه تتجسد سيادة الدولة ، ولم تتمكن الشعوب من اجبار الحكام على التخلي عن هذه الفكرة الا بعد صراع مرير طويل مخضب بالدماء، لتنتقل الى مرحلة السيادة للشعب وتكوين البرلمانات ولم يعد الحاكم الا ممثلاً للدولة وليس تجسيداً لها ، فضلاً عن مساهمة الفلاسفة في وضع الاسس التي ينبغي ان تقوم عليها الدولة ، كما ساهمت المصالح الخاصة للاقطاع والبرجوازية الناشئة في السير نحو هذا الاتجاه من خلال الصراع بين الملوك الذين بدأت سلطاتهم المطلقة تتنامى بظهور الدول القومية الحديثة وبين الاقطاع والبرجوازية الناشئة وهكذا اجبر امراء الاقطاع الملك في انكلترا على الاجتماع بهم لمناقشة الامور الهامة لتقديم المشورة وبمر الوقت اصبح الاجتماع منتظماً وانتقل من مرحلة المشورة الى الى مرحلة التشريع والاشراف على القضاء واتسعت صلاحياته ليتخذ من خلاله القرارات المصيؤية واطلق عليه اسم المجلس الاعظم ، وعندما حاول الملك جون الالتفاف على المجلس واعادة السلطات المطلقة لشخصه قاد النبلاء والاشراف والاساقفة ثورة كبرى فرضت عليه وثيقة الحقوق ( الماكنا كارتا ) سنة 1215.
   ومع ان التفرقة بين شخصية الحاكم والدولة بدأت تتضح في العصور الحديثة ، الا ان هذه التفرقة بقيت رهناً بالحاكم وطبيعة النظام السياسي السائد ، فكانت هناك حتى في التاريخ الاوربي ، شبه ردة بين حين واخر ، فبعد الثورة الفرنسية التي قلب موازين الفكر السياسي رأسا على حق وظهر على وجه التاريخ لاول مرة دور المواطن العادي في الدولة والسياسة ، برز ايضاً نابليون كصورة من صور ذوبان الدولة بالحاكم بسبب انتصاراته العسكرية الباهرة التي الهبت مشاعر الفرنسيين وغير الفرنسيين  ، وفي القرن العشرين برز كل من ستالين وهتلر فضلا عن اغلب دول ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي كتجسيد لذلك المظهر البدائي للسلطة .
اما في الشرق ، مهد نشوء الاستبداد من الناحية التاريخية ، فأن ظاهرة اندماج شخص الحاكم بالدولة بقيت امراً مألوفاً ليومنا هذا.
           المبحث الثالث: العدالة وتكافؤ الفرص
   تكافؤ الفرص احد اهم الاسس التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية ، ونصت على هذا المبدأ معظم الدساتير المعاصرة ، ومضمون المبدأ ان تعمل التشريعات على محو الامتيازات الخاصة والفوارق المصطنعة بين افراد المجتمع ، بعد ان كانت المجتمعات الانسانية بصفة عامة تقسم ابناء الشعب الى طبقات متدرجة في القيمة ومقدار الحقوق التي تنالها كطبقة الاشراف وطبقة المحاربين وطبقة العامة وطبقة العبيد، وكانت اغلب هذه الامتيازات تنتقل بالوراثة ، الا ان فكرة التمييز الطبقي بين ابناء المجتمع الواحد لم تلق قبولا في الفكـر الحر المعاصر فتم التخلي عنها تدريجيأً .
ويتيح هذا المبدأ لكل فرد من افراد المجتمع التمتع بخيرات المجتمع بالقدر الذي تؤهله له كفائته وقدراته الذاتية.

وفي ظل هذا المبدأ اصبح للنخبة او الصفوة الاجتماعية معنى ومضمون اخر.

   فالنخبة الاجتماعية في عالم اليوم هم من يتمتعون بالكفاءات المعرفية، سواء كانت علمية او ادبية او فنية او مهنية او غيرها ، التي اكتسبها افراد المجتمع من خلال الجد والمثابرة ومن ثم سخروا معارفهم لخدمة مجتمعهم وعموم المجتمعات الانسانية.
والنظام الاجتماعي العادل هوالذي يتيح للنخبة الاجتماعية من ابنائه، بالمعنى الذي اشرنا اليه ، بان تتولى مناصب الصدارة في قيادة المجتمع. وكل نظام اجتماعي لا يضع النخبة في مكانها الذي تستحقه وكان معياره الولاء العشائري او الحزبي لا الكفاءة ، ولا يكون للافراد فيه مجال للخلق والابداع ، لابد ان ينحدر نحو هاوية التخلف والصراع ،ذلك ان تمكين الجهلة والمتملقين والانتهازيين من الوصول الى المناصب القيادية في الدولة يقود حتماً الى الاستبداد والطغيان والفوضى والفساد وعدم الشعور بالمسؤولية فى المجتمع ، والشعور بالغبن والاجحاف، وتردي الاخلاق العامة وأزدواجيتها ومَدعاةً لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية ، وتأليه الذات البشرية التي تفضلت على اولئك الجهلة وسلمتهم مقاليد الامور في البلاد، ومن ثم تكرس كل مصالح الدولة وقوانينها لخدمة اغراضهم غير المشروعة .
ويعبر احد اساتذة القانون عن ذلك تعبيراً دقيقاً بقوله( … وكل تشريع يرفع غير الصفوة القادرة ويقيس بغير مقياس  الكفاءة ويصد العبقريات عن مصاعدها ويعيق النخبة عن القيام برسالتها ويلهب بالحرمان والخيبة نفوسها ، لا يمكن اعتباره تشريعاً ظالماً فحسب وانما هو تشريع ينسف قواعد سـلامة المجتمع من اساسها وتغدو اجهزة الحكم في ظلـه فمـاً يلتقـم ويـداً تنتـقـم ). والعدل كغاية سامية يسعى القانون لادراكها تلي في مرتبتها غاية السكينة الاجتماعية، وعند التعارض يميل المشرع الى تغليب السكينة الاجتماعية والتضحيـة بغايـة العـدل.
Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:
*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash