سبتمبر
09
في 09-09-2014
تحت تصنيف (كتاب) بواسطة eyadjarrar.lawyer
    135 مشاهده

“هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المريرة المؤلمة. أدركت الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركت أيضاً مدى ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها, فقد أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم، وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة!”. ..

╝الكاتب: مكسيم غوركي // في جعبتي خبز وكتاب.. ▒ 

 مكسيم غوركي Maxim Gorky وبالروسية (Максим Горький), هو كاتب روسي/سوفيتي, ومؤسس المدرسة الواقعية الإشتراكية في الأدب, وكان ناشطا سياسيا أيضا.

 

مقال رائع مع صور …

في جعبتي خبز وكتاب 

سرق يوماً من أمه بعض النقود ليشتري كتباً يحلم بقراءتها، فعاقبته أمه عقاباً شديداً بأن ضربته وأخذت منه القصص الخرافية التي اشتراها وأخفتها إلى الأبد، كان حرمانه من الكتب أشد إيلاماً من الضرب بما لا يقاس، فقد كان هذا الصغير معتاداً على الضرب والجلد منذ أصبح يتيماً يعيش في بيت جده الذي يعتبر الضرب أنجع وسيلة للتربية الصالحة.. ضربته أمه لأنه سرق لكنها لم تعي أن من يسرق ليقرأ لا يعتبر مجرماً مثله في ذلك كمثل من يسرق خبزاً ليأكل!

1.jpg

الحياة شاقة مرهقة جداً، وقراءة الكتب تساعدني على نسيانها هكذا يعترف مكسيم غوركي الذي قدر له منذ طفولته أن تتساوى لديه الحاجة للخبز والكتاب ويعيش بقية حياته ساعياً لتأمينهما معاً، فالخبز حاجة جسدية لا بديل عنها، والكتاب حاجة روحية تمنحه السعادة والحلم والهدوء والأمل بحياة أفضل: “لم أكن أغتبق الفودكا أو أغازل الفتيات، فقد حل محل هاتين الوسيلتين اللتين تثملان الروح الشغف بالكتب, فكلما ازددت قراءة ازدادت صعوبة الاستمرار في العيش عيشة فارغة لا فائدة منها كما يعيش أكثر الناس”.

2.jpg

مشهد من فيلم “طفولة مكسيم غوركي”

في منزل أحد مخدوميه كان غوركي يذهب لشراء الخبز لهم من دكان يبيع الخبز والكتب معاً، فكان يشتري الخبز لهم ويحتال لشراء أو استعارة كتاب له. وعندما أصبح شاباً عمل خبازاً فكان كل صباح يحمل سلة من الأرغفة البيضاء الساخنة ويسرع بها إلى الأكاديمية حيث يتناول طلاب الجامعة فطورهم، يوزع عليهم الخبز والكتب المهربة في سلته والتي يسلمها سراً لهذا الطالب أو ذاك، ثم يقف ليسترق أحاديثهم ونقاشاتهم عن ليف تولستوي وهو يحلم بأن يكون يوماً طالباً بينهم لا مجرد أجير فران يحمل لهم الخبز.. ورغم أن الحلم بدخول الجامعة لم يتحقق لكنه يصبح الكاتب الذي يخبز عجينة الكلمات لروسيا بأجمعها..

فقد أصبح لمكسيم غوركي الذي ولد سنة 1868م دور كبير في تأسيس الواقعية الاجتماعية وتقدم الأدب والفن السوفييتي الحديث ولم يكتف بالقول وإنما شارك أيضاً في العمل الثوري إلى أن دفعته الممارسات العنيفة للبلاشفة بعد الحرب العالمية الأولى للانعزال في ايطاليا وبقي هناك حتى استدعاه صديقه المقرب ستالين ليسهم معه في بناء روسيا.

3.jpg

غوركي في الوسط إلى جانبه ستالين في يمين الصورة

منحه ستالين سنة 1931 دخلاً شهرياً ومنزلاً فخماً في موسكو لم يعش فيه أكثر من خمس سنوات، كان يشعر خلالها بأنه لا ينتمي لهذا البيت البرجوازي الفخم.. هو الكاتب الاشتراكي الذي جاء من قاع المجتمع!

4.jpg

يعد هذا المنزل تحفة فنية هندسية حديثة فقد صمم ليتخذ شكل الحياة البحرية، فالسياج الحديدي في مدخل المنزل يأخذ شكل الأمواج والأرضية الخشبية تحاكي أرضية السفن والقناديل داخل المنزل تمثل اخطبوط البحر.. فهل استطاع غوركي أن يعيش في هذا المنزل دون أن يذكر أيام شقاءه كعامل في الميناء وعلى متن السفن.

5.jpg

سيجد الزائر لهذا المنزل الذي تحول بعد وفاة غوركي لمتحف تذكاري، في كل غرفة كتيبات عن حياة غوركي ولقاءات مع الكتاب والشعراء الذين أجروا معه حواراً في هذا المنزل.. كما سيجد العديد من أشياء غوركي الشخصية كأرشيف المجلات التي كتب فيها ومخطوطات أعماله وبورتريهاته وكل أسراره وكنوزه التي وضع بعضها في خزائن وأسدلت عليها الستائر!

6.jpg

ترى عندما كان يجلس غوركي في السنوات الخمس الأخيرة من حياته على هذه الطاولة ليقرأ أو يكتب، هل كان يستطيع أن يهرب من ماضيه ولا يستعيد تلك الأيام التي كان يبحث فيها عن ساعة فراغ من العمل الشاق ليقرأ قليلاً على ذبالة الشمعة التي يحتال لاخفاءها عن مرأى العجوز الشمطاء التي كان يعمل في منزلها وكانت تحرق كتبه كلما ضبطته يقرأ كما يحكي في مذكراته: “حين أفكر الآن فيما جره علي ولعي المفاجئ المتزايد بالمطالعة من صنوف الحرمان والاذلال والهموم يتنازعني الحزن والفرح في آن واحد. لجأت إلى جميع أنواع الحيل للمواظبة على القراءة. أتلفت العجوز عدة مرات كتبي، وبدا لي أن كتب زوج الخياط، التي كنت أستعيرها، باهظة الثمن، فحملت نفسي على محاولة نسيانها خشية أن تجعلها العجوز طعمة للنيران، فانصرفت إلى تناول كراريس صغيرة ملونة من الدكان التي كنت أبتاع منها الخبز لطعام الفطور”.

 

7.jpg

“كنت أطالع في العلية أو في السقيفة حين أمضي لتكسير الحطب. وكان المكانان يتساويان في البرودة والازعاج، فإذا استهواني كتاب بصورة خاصة أحياناً، أو تحتم علي الانتهاء منه بسرعة، فأنا أستيقظ في الليل وأقرأ على نور الشمعة. غير أن العجوز لاحظت أن الشموع تنقص خلال الليل، فجعلت تقيسها بقطعة من الخشب وتخبئها..

ولما كان المال يعوزني لشراء الشمع فقد لجأت عندئذ إلى جمع ما يتبقى من ذبالة الشموع خفية، وأضعها في علبة سردين فارغة، وأملأ بقية العلبة بالزيت المعد للاحتراق أمام الأيقونات، وأغرز فيه فتيلة من الخيوط. وهكذا حصلت على نوع من قنديل مدخن وضعته على الموقد.

كان لسان اللهيب الأحمر الصغير يرتعش ويضطرب ويكاد ينطفئ كلما قلبت صفحة من صفحات المجلد الضخم، وتغرق الفتيلة كل لحظة في الزيت الكريه، والدخان يؤذي عيني، ولكن هذه المزعجات جميعا تزول في غمرة سروري وأنا أتفحص الصور وأقرأ الشروحات المطبوعة في أسفلها”.

8.jpg

“عندما تؤخذ مني الكتب، أرغم أن أغدو جزءاً من هذه الحياة الفارغة، وعندما أفاضلها مع الحياة الموصوفة في الكتب تبدو لي أشد تعاسة وتجهماً. كنت أراني وأنا أقرأ أشد قوة وأوفر صحة. وكنت أقوم بعملي بصورة أفضل وأسرع اذ كان ثمة هدف نصب عيني: فكلما بكّرت في قضاء عملي اتسع أمامي الوقت للانكباب على القراءة. أما وقد حرّمت عليّ الكتب فقد أصبحت كسولاً، لا أبالي بشيء أو أكترث لشيء. بل استولى علي ذهول مريض لم أكن أعرفه قبل الآن”.

 

9.jpg

في هذا المنزل كان بإمكانه أن يقرأ كما يشاء، فرفوف الكتب تغطي الجدران الثلاثة لغرفة المكتبة الضخمة بينما ينساب الضوء من نوافذ الجدار الرابع.. كان غوركي يحب إهداء الكتب لزواره، فكلما تحدث مع زائر راح يتشعب في الحديث والنقاش معه حتى يلتقط ميوله وإذ به ينهض ليفحص مكتبته بنظرة سريعة يلتقط بعدها كتاباً يقدمه هدية لزائره.

 

10.jpg

“هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المريرة المؤلمة. أدركت الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركت أيضاً مدى ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها, فقد أثارت الكتب في نفسي شيئاً فشيئاً ثقة لا تتزعزع وهي أني لم أعد وحيداً في هذا العالم، وأني سأشق لنفسي درباً في الحياة!”.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:
*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash