دق جرس المنبه في تمام الساعة التاسعة والنصف معلناً موعد استيقاظ لست معتاداً عليه يوم السبت، حيث أنه يوم عطلتي، ولكن توجب علي الاستيقاظ مبكراً لتهيئة نفسي للذهاب الى قاعة بلدية البيرة للمشاركة في حفل جمعية الصم والبكم في محافظة رام الله والبيرة حيث اتفقت ومجموعة من موظفي شركة الوطنية موبايل – حيث أعمل – أن نتطوع ونشارك طاقم الجمعية في هذا الحفل ونقدم لهم كل ما يحتاجونه من دعم وعون.

هذا ليس النشاط التطوعي الاول الذي اقوم به في حياتي، ولكن كان أكثرها تميزاً، انه النشاط الوحيد الذي استمعت فيه ونظرت لكل ما احاط بي بكل دقة وتركيز، انه النشاط الوحيد الذي أحزنني وأفرحني، انه النشاط الذي تعلمت فيه ما لم اتعلمه كامل عمري حتى الان.

دخلنا القاعة، وكانت ممتلئة بالأعضاء المنتسبين للجمعية وهم صم وبكم، لا يسمعون ولا ينطقون، ولا طريقة لديهم للتواصل الا لغة الاشارة، وبضع همهمات يطلقونها كسراً صمت الاشارات.
حرمهم الله من نعمة السمع والنطق، ووهبهم نعمة الهيبة والوقار، تنحني لهم احتراما، لم أرى يوماً في حياتي مجموعة تزيد عن ال 150 شخص منتظمين بهذا الشكل، لا تعرفهم الفوضى ولا يعرفونها، يعلّمون الأدب أصول الادب.

حتى حين يقف رئيس جمعيتهم على المنصة ليلقي كلمة، يلقيها موجزة معبرة تملؤها المعاني، يثني على من يساعدون هذه الشريحة بكل صدق خال من النفاق، ويعتب على من لا يلقون لهم بالاً ولكنه لا يصفهم بسوء.

يبدؤون نشاطهم بآيات من القرآن الكريم تلقيها صبية لم تسمع أحداً يوماً يقرأ القرآن، ولكنها تحدت كل شيء وقهرت المستحيل لتستطيع القراءة وترجمة الكلمات المكتوبة الى اخرى ملفوظة تنطلق من فمها بدقة لا تصل ال 75% ولكنها تضربك بقوة تفوق نسبتها كل ما تعرفه.

يجلسون في كراسيهم من غير فوضى، يحترمون بعضهم البعض، حتى حين تم تقديم العرض المسرحي لم يقف احدهم ليرى المنصة بشكل اوضح خوفاً من أن يشوش الصورة على من هم خلفه، ابتساماتهم اثناء العرض المسرحي كأنهم شمس ساطعة، كإنهم موسوعة معرفية، كإنهم جبال عالية.

العرض هم من قاموا به، هم من أعدوه وتدربوا عليه وأخرجوه، كان عرضاً بسيطاً، شرح أكبر همومهم، الانخراط في العمل في هذا المجتمع، فعلى الرغم من ان القانون ينص على ان المؤسسات يجب ان يكون 5% من موظفيها من اصحاب الاحتياجات الخاصة، الا انهم يعتقدون بأن هذا غير مطبق في مؤسساتنا فلو كان مطبقاً لوجدوا عملاً يناسب شهاداتهم اللي تعبوا في تحصيلها مثلهم مثل غيرهم.

ما دفعني حقاً لأن اكتب عن هذه التجربة هو ما اعتراني من مشاعر حين قام مجموعة من الصبايا والشباب بعرض دبكة، هم صم وبكم، لا يسمعون، تراهم كيف سيدبكون؟

بدأت موسيقى التراث الفلسطيني، وبدؤوا يدبكون على وقعها، ذهلت وذهل الناطقون هناك، واقشعرت ابداننا حين رأينا مدربهم على الجهة المقابلة للمنصة يعطيهم التعليمات ليدوروا في هذه اللحظة، ومن ثم يضربون الارض في تلك، بعدها يشكلون حلقة وحيناً آخر يحملون العلم الفسطيني ملوحين فيه، حركات منتظمة متناغمة مع الموسيقى لا خطأ فيها.

وددت لو كان بمقدور كل الناس ان يكونوا حيث كنا اليوم، ليس ليحزنوا على هذه الشريحة او يتعاطفوا معها، فهم لا يحتاجون أحداً فقد تحدوا الصعاب وصنعوا حياة تناسبهم وتسعدهم، ولكنني وددت لو جاء كل الناس وحضروا ليتعلموا من هذه الشريحة، ليتعلموا الصبر والقوة والارادة وتذليل الصعاب.

شعور اليوم، كان شعور يختلف عن اي شعور، بفضلهم هم، وبفضل روحهم الرائعة الجميلة وادبهم منطقع النظير.

لكم مني اعظم تحية شكر واحترام.

بعض الصور..

Be Sociable, Share!