بدون مقدمات ولت وعجن وتزويق للمقال أريد أن أطلعكم على سرٍ خطير قد اكتشفته مؤخراً، ألا وهو أن حقي في اتخاذ القرار منتهك، وأطالب بفتح تحقيق في هذ الانتهاك وعلى الأمم المتحدة ان تعترف بهذا الحق على مستوى عالمي وتدرج له أرقاماً وبنوداً ويجب على جميع الضحايا استخدام هذا الاعتراف لرفع قضايا على “منتهكي” هذا الحق والحاق أقصى العقوبات بهم.

كفلسطيني “لكوني ولدت وعشت في فلسطين” وجدت نفسي حراً في اختيار كل شيء حتى بلغت سن الرشد، ففي طفولتي اخترت ما اشتهيت من الاطعمة ومن الالعاب وكنت ببكاء بسيط احصل على كامل حقوقي ويزيد.

ولكن ما أن بلغت سن الرشد عند السادسة عشرة حتى بدأ الجميع بانتهاك حريتي في اتخاذ القرار.

ابتدأت الحكاية عند انتهائي من الصف العاشر وضرورة اختيار علمي او أدبي، “يما يا حبيبي روح علمي عشان تصير دكتور”، “لا يابا روح ادبي مشان تصير محامي مثلي”، ” اسمع يا ابن عمي، ما الك الا الادبي سهل، بس ابصم وما عليك”، ” اسمع يا سيدي الله يرظى عليك، بدي ارفع راسي فيك في البلد كلها وبدياك تصير اكبر مهندس بالبلد”.

انتهيت من التوجيهي وبدأ الجميع ينهش من لحم جسد قراري من جديد، الكل مسؤول عنك، ويبدو بأن الجميع سيتأثرون بالتخصص الذي ستدرسه، فنجاحك سيرفعهم جميعاً الى السماء، وراتبك سيسد حاجاتهم المالية جميعها، كما أن جميع الرجال يتحولون الى أبيك، وكل النساء الى أمك، فتصبح عائتلك تعدادها يساوي تعداد قريتك او مدينتك ولربما أكثر، في نهاية الامر لا تجد وقتاً لتفكر في اتخاذ القرار المناسب، ولن تجد حتى الشجاعة لفعل ذلك.

في الجامعة على سبيل المثال لا تظن بأنك حين تذهب الى صندوق الاقتراع لتنتخب أحد الكتل الطلابية فإنك تذهب بمحض ارادتك وحسب قرارك، لأنهم جميعاً استقبطوك، وجميعهم أسمعوك عذب الكلام، ولكن احدهم كان الأذكى “فحشرك في الزاوية” لتجد نفسك أمام صندوق الاقتراع.

أضف الى هذا أنه “حسّك عينك” ان تفكر في تغيير تخصصك اذا أحسسست بان تخصصك الحالي غير مناسب لك، انت لا تملك حق اتخذار القرار في هذا الشأن.

المضحك في الموضوع انه حين تخرجك، تجدهم جميعاً قد تبخروا، فأين هم الذين نصحوك بالهندسة بسبب حاجة سوق العمل للمهندسين، أين هم ليجيبوا عن سؤالك الذي لا يدعك تنام “ليش انا لسا عاطل عن العمل؟”.

والمضحك أكثر أن والديك سيقمعانك قمعاً شديداً اذا قلت لهم بأنك ستعمل على سبيل المثال في مجال المبيعات والتسويق، ” شو؟ مجنون انت؟ صرلك بتنحت خمس سنين هندسة عشان تروح تبيع؟” أما الأم ” يا حسرة عليك يما، بدك تشتغل بياع مثل ابن ام محمد؟”.

المهم، بعد أن تتجرع ذل طلب الواسطة، وبعد ان يجف ريقك وراء الوظائف، وبعد ان تعمل لسنتين او ثلاث – في وظيفة لم تختارها انت وانما الظروف – ينطق المجلس الأسري الأعلى بقرار مهم، الا وهو ضرورة زواجك، فلقد كبرت، وكبر كرشك، وصار عندك شوية صلعة، إذاً أنت الآن في السن المناسب للزواج، وتبدأ امك بتكثيف نشاطاتها الاجتماعية من حضور الاعراس، وزيارة الحجاج، وتبارك لجميع اهل الحي بالتوجيهي بزيارة بيوتهم واحداً واحداً، كل هذه لتستطيع ان تجد لك بنت الحلال “اللي بتعجبها”، وفي وقت مبكر من السهرة وحول وليمة الشاي تقول لك امك “أمّا شو يمّة، شفتلك بنت اليوم في عرس بنت ابو العبد، ما شاء الله جمال وحيا واخلاق، ما تقول الا اميرة والبنات من حواليها خدم، وسألت عن اهلها وطلع ابوك بعرف عمها وزبطنا زيارة عندهم يوم الخميس الساعة سبعة بتبقى انت مروح من شغك ومتغدي ومرتاح”، يا الله امك ما أروعها، فلقد حسبت حساب جوعك وراحتك.

تتم الزيارة، يحصل النصيب، وتعيش في تبات ونبات.

ولا أريد أن اتحدث كثيراً عن حقك في اتخاذ قرارات أخرى، مثل تسمية ابنائك وفي أي حي تسكن ولون مطبخك،،، فالحديث يطول وانتم قادرون على ذكر كثير من هذه القرارات.

ما أريد التنويه اليه اخيراً هو قانون نيوتن الثالث في الحركة، حيث انك ستبدأ انت نفسك بانتهاك حق أبنائك في اتخاذ القرار عند بلوغهم سن الرشد وعند قرار “علمي أدبي”، فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ولكن في حالتنا هذه مماثل له في الاتجاه.

بإمكانكم “في التعليقات” ان تتحدثوا عن تلك القرارات التي تم انتهاك حقكم في اتخاذها.

Be Sociable, Share!