مجرد حماقة صغيرة …

كتب بواسطة بسام الشويكي في Uncategorized أضف تعليقك »

لمن لا يعرف – أو لأكون أكثر دبلوماسية – لمن عرف إلا أن الأيام أنسته، (دون كيشوت دي لا مانشا) هي رواية للأديب الاسباني( ميغيل دي ثيربانتِس سافيدرا )(Miguel de Cervantes Saavedra) والذي يعد من أساطين عصر النهضة في أوروبا كتبها في أوائل القرن السابع عشر الميلادي – ويهدف هذا الروائي من روايته الآنفة الذكر إلى إبراز الطبيعة الإنسانية بكل ما فيها من تناقضات وانعدام للاستقرار في رحلة البحث عن الحقيقة المغيبة والتي جسدها  (دي ثيربانتِس) في شخصيته الشهيرة (دون كيشوت), وعلى الجانب الآخر نجد تابعه المخلص (سانشو بانزا) على حماره ليمثل صمام الأمان لهفوات سيده محاولا إظهار الحقيقة له ولكن بدون طائل … إلى أن كانت النهاية المأساوية ل (دون كيشوت) في  معركته مع طواحين الهواء …!!!

ما أرجو طرحه هنا في هذه العجالة أن الكثيرين منا الساعين إلى التغيير، يشعرون في بعض الأحايين أنهم كما (دون كيشوت) يحاربون أوهاما أو أطيافا لا وجود لها، وأنهم لو استمروا فإنهم سيكونون أكثر حمقا منه، صحيح أنه تأتي سويعات من القنوط واليأس، ولكن كما قال الزعيم المصري (مصطفى كامل) ” لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس ” … نظل نتحرى الحقيقة مع إطلالة كل نهار جديد، وليحمل كل منا فتيلة تحت الشمس باحثا عن حقيقته المغيبه … ولكن كلي رجاء، أن لا تنعتونا بالمجانين … ؟؟؟ !!!

بسام الشويكي

b_shweiki@yahoo.com

” حمار جدي “

كتب بواسطة بسام الشويكي في Uncategorized التعليقات مغلقة

(طاب الموت يا عرب) … كانت هذه كلمات جدي عندما هوى بعصاه على قفا ذاك الحمار لدى سماعه نبأ اغتصاب اليهود ل( حارة الشماعة ) في القدس, فما كان من الحمار إلا أن انطلق بأربعته كقذيفة مدفع حتى بلغ الأفق من هول ما عاناه من عصا جدي …

(ضاعت الشماعة وضاع الحمار) , كذا قال جدي لجدتي لدى وصوله إلى البيت مهموما من غير الحمار , حاولت جدتي أن تسري عنه وقالت له ( ما تزعلش يا” أبو رشدي”، أنا اليوم سمعت من جارتنا ” أم سعيد” إنها سمعت من جوزها “أبو سعيد” لما كان قاعد على القهوة امبارح سمع الراديو بيقول انه العسكر العرب راح يدخلوا وما يخلوا ولا يهودي و … ) وهنا صاح جدي مقاطعا إياها (  وأنا شو بيهمني من هالحكي يا وليه؟؟ أنا اللي هاممني الحمار وين صارت أراضيه ) , شعرت جدتي بذنبها في ذاك الحين وقالت ( معلهش يا “أبو رشدي”  الله بكره بعوض علينا بدل الحمار حمير , من بكره الله يعينك بتنزل عالسوق بتشوفلك غيره ) إلا أن جدي المتعلق بحماره رد عليها قائلا ( حماري ما بعوضه أي حمار) …

بعد صلاة الفجر من كل صباح كان جدي ينطلق باحثا عن الحمار في الحارات والأسواق , ولكن بلا طائل  , وظل يقلب كفيه حسرة عليه حتى نحل جسمه وأصابه الهزال , بل أنه لم يعبأ بطبخة ( اللبنية) التي أعدتها جدتي له والتي كان يحبها حبا جما … !!!

مع مرور الأيام وحيث أن جدتي شعرت بأن وضع زوجها صار مأساويا ، رأت أن تتحدث في الأمر مع خاله ( أبو خليل ) والذي كان يقدره جميع أهل الحارة لرجاحة عقله ولكونه القائم بأعمال المختار .. إلا أن الوساطة لم تؤت أكلها وظل جدي على حاله غير عابىء بالمختار أو بأبي سعيد أو بأي من رجال الحارة …

على الجانب الآخر مجموعة من الجنرالات وقفوا يتحدثون فيما بينهم يلملمون مفرداتهم بتثاقل كل بلكنة مختلفة عن الآخرين , فهذا يتحدث العبرية بلكنة بولونية والثاني بلكنته الألمانية وذاك بلكنة روسية إلى أن قاطعتهم جلبة تبين أنها لمجموعة من الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء يطلبون تصريحا عن آخر التطورات , تصدى أحدهم للمهمة وقال أن القوات الإسرائيلية تمكنت من صد الهجم العربي وأن محادثات للهدنة تجري على أعلى المستويات في جزيرة “رودوس” اليونانية , وهنا رفع هذا الجنرال كأسا كانت بيده داعيا الجميع لشرب نخب الانتصار … 

وعودة لكلمات جدي ( طاب الموت يا عرب ) والتي ترددت أصداؤها في الآفاق حتى اخترقت آذان أحد أولئك المتمترسين خلف مكاتبهم المثقلين بالأوسمة والنياشين , فخرج يردد ( يا أهلا بالمعارك .. يا بخت مين يشارك ), وبينما هو على هذه الحال مزهوّا بنفسه همس أحدهم في أذنه بكلمات لم يسمعها أحد فما كان منه إلا أن طأطأ رأسه وعاد إلى مكتبه .. وهكذا ضاعت كلمات جدي بين فم الهامس وأذن المهموس له …

أما جدي بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة , وبعد أن ملّ من البحث عن حماره الضائع , اضطر للذهاب إلى سوق الدواب أو ( سوق الجمعة ) كما كان يدعى لكونه يعقد في هذا اليوم من كل أسبوع وذلك لشراء حمار آخر , وهنا كانت المفاجأة لجدي .. ( لقيت الحمار .. لقيت الحمار )  ضج جدي في السوق عندما أبصر حماره مربوطا في السوق  إلى شجرة زيتون ورفع عصاه مهللا ومبتهجا بعثوره على حماره الأثير , وهنا عندما التقت عينا الحمار بعصا جدي يلوح بها تحول الأمر إلى جلبة لم يدر كنهها أحد غير الحمار , وإذ بالحمار يندفع بقوة طوربيد منطلق مولّيا الأدبار قاطعا الحبل الذي كان يشده إلى شجرة الزيتون وغاب عن الأنظار ، وهكذا كان آخر عهد جدي بحماره …

وأما الحمار –  بعد أن فقده جدي للمرة الثانية -  فقد سلك طريقا بين الجبال والوديان كان جدي (  رحمه الله ) يسلكها في طريقه إلى القدس في محاولاته الإفلات من دوريات العسكر البريطاني التي كانت تنشط في البحث عن مهربي السلاح …

بعد جهد استهلك الحمار تمكن هذا الأخير من الولوج إلى ( ياخوره ) القديم في الشمّاعة ممارسا حقه في العودة , ولينجح في ما  لم يستطعه حكام العرب وشيوخهم  … وفي مشهد غير عادي , ولدى قيام بعض الجنود بالتفتيش عن مصدر “إزعاج” أبلغ عنه مستوطن وفد حديثا ليقيم في بيت جدي المجاور ل(ا لياخور) ، وجدوا الحمار على حاله ولا زالت عيناه جاحظتان من مرأى عصا جدي حتى دبّ الرعب في أوصال الجنود ،  فما كان من أحدهم إلا أن صوب بندقيته  باتجاه عيني الحمار مفرغا كل ما كان بحوزته من ذخيرة …

***

 

الكاتب / بسام الشويكي

b_shweiki@yahoo.com