كتابات من لارشيف

يونيو 8th, 2013

الخسارة و الربح في معادلة الامتيازات

ما يتبادر الى اذهاننا عند الحديث عن القدس، مكانتها السياسية و الدينية و التاريخية. فالقدس عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة، و هي مهد الديانات السماوية الثلاث، و في طرقاتها و زقاقها و بنيانها و طبقات صخورها عبق التاريخ.

ان ما يدور من حديث و مفاوضات حول مستقبل القدس يثير مخاوف كثيرة لدى الاوساط الشعبية في المدينة، حيث يخشى كثير من المقدسيين ان تنزع تلك “الامتيازات” التي يتمتعون بها كسكان في القدس.

للوقوف على حقيقة هذه “الامتيازات” المزعومة قمت، و قبل حوالي العام، بانتاج اربع حلقات من البرنامج التلفزيوني “لقاء القدس الجماهيري” و الذي تم بثه عبر شاشة تلفزيون القدس التربوي. تنقلت خلال عملي بين احياء القدس العربية و مقارنتها بتلك اليهودية. ففي العيسوية بحثت قضية الاسكان مقارنة بحي التلة الفرنسية المجاور. و في صور باهر و ام طوبا قارنت البنية التحتية و الخدمات التي تقدمها بلدية القدس هناك بتلك المقدمة للاحياء المجاورة، من ضمنها مستوطنة جبل ابو غنيم و التي تخلو من الحياة البشرية لكنها مزودة ببنية تحتية متكاملة استعداداً لاستقبال مستوطنيها. اما في البلدة القديمة من القدس، فقد تفحصت تلك الاوضاع التي يعيشها الشباب الفلسطيني و حالة الضياع لديهم. و في بيت حنينا و شعفاط توقفت عند موضوع التعليم. لقد هدف البرنامج الى اثارة قضايا الحياة اليومية و ابراز معاناة المقدسيين في جميع الاحياء عامة، و ان تناولت بعض المواضيع خصوصيات حي او اخر.

فبالنسبة للاسكان، يعاني سكان الاحياء العربية من سياسة تمييز واضحة، فالمخططات الهيكلية التي تضعها بلدية القدس تستثني معظم الاحياء العربية، و لا يسمح بالبناء الاّ بترخيص من بلدية القدس، و التراخيص لا تمنح للفلسطينيين، و ان منحت فان تكلفتها عالية جداً، و اذا ما قام احد المقدسيين بالبناء يهدم بيته بحجة البناء غير المرخص. فبلدية القدس تعمل وفقاً للمثل القائل “صحيح لا تقسم، مقسوم لا تاكل، و كول لتشبع”.

اما في مجال البنية التحتية فهي معدومة، و الخدمات غير متوفرة. فبالرغم من ان  ما يدفعه الفلسطينيون من ضرائب هو نفس ما يدفعه الاسرائيليون الا ان ما يتلقاه الطرفان مختلف تماماً. فصاحب دكان صغير يقع على الشارع الرئيسي في صور باهر، يدفع نفس المبلغ الذي يدفعه صاحب دكان صغير يقع في شارع يافا، لكن صورة الشارع الرئيسي في صور باهر تختلف عن تلك التي في شارع يافا. كذلك هو الحال بالنسبة لتقسيم المناطق السكنية، فالساكن في منطقة “أ” في الاحياء العربية يدفع نفس المبالغ التي يدفعها الساكن في منطقة “أ” في الاحياء اليهودية، لكن الفلسطيني يعيش بين اكوام القمامة و انهار المجاري، اما اليهودي فيعيش بين الورود و الازهار و الحدائق الخضراء. و في الطريق المؤدية الى السواحرة الشرقية، شاهد على هذا حيث تجتذبك الرائحة الكريهة لتقودك الى نفق تخرج منه “شلالات” من المجاري و الاوساخ و المياه العادمة الواردة من الاحياء اليهودية لينتهي سيلها في الاراضي الزراعية و الوديان المؤدية الى غور الاردن.

و في صورة اخرى، نرى ساحة قد تراكمت فيها اكوام الحجارة، و زجات العصير الفارغة، و علب المشروبات الغازية. هذه الساحة اعدتها بلدية القدس لتكون ملعباً للاطفال في سلوان، لكن سرعان ما ندمت على هذه الخطوة فاوقفت المشروع. اما في تلبيوت فالمشهد مختلف، مجموعة من الاطفال، القادمين من الاتحاد السوفياتي السابق، يلعبون و يمرحون تحت ظلال اشجار الزيتون في ارض عربية تمت مصادرتها للمنفعة العامة، تصاحبهم مجموعة من العجائز اللواتي تجلسن على مقاعد خشبية تتصفحن صحفاً و مجلات باللغة الروسية.

اما في البلدة القديمة، فالشباب الفلسطيني يعيش حالة من الضياع و اللامبالاة نتيجة للسياسة الاسرائيلية التي تتجه نحو تعميق حالة اليأس لديهم. فالمخدرات تباع و تشترى و يتم تعاطيها على مرئ و مسمع من رجال الشرطة الاسرائيلية اذين لا يحركون ساكناً، بل يشجعون، في بعض الاحيان، هذه الاعمال. و اذا ما حاول بعض الشبان، و بمبادرة شخصية، محاربة هذه الظاهرة يتم اعتقالهم و اتهامهم بالعمل لصالح اجهزة الامن الفلسطينية. ناهيك عن هذه الحقيقة المؤلمة، فالشباب الفلسطيني لا يجد مكاناً لقضاء اوقات فراغه في نوادٍ شبابية، و ان وجدت هذه النوادي فانها عرضة للمضايقات الاسرائيلية.

و على صعيد التعليم، فمنذ عام 1967 تسلمت وزارة المعارف الاسرائيلية مسؤولية التعليم في القدس الامر الذي ادى الى تدني المستوى التعليمي في المدارس الحكومية، عدا عن السياسة الاسرائيلية في منع تطور مدارس الاوقاف و المدارس الخاصة.

الامثلة كثيرة و متعددة، و لعل من اهم مشاهد الحياة اليومية تلك التي امام مبنى وزارة الداخلية حيثي اصبحت معلماً من معالم المدينة. كذلك طابور المراجعين في مؤسسة التأمين الوطني الذي يحرص المقدسيون على دفع مستحقاته على اعتبار انه “امتياز” من مجموعة “الامتيازات”.

ان كان الحديث عن “امتيازات” التأمين الوطني، فان ما يدفعه المقدسيون لمؤسسة التأمين الوطني سنوياً كفيل بان يمول بناء مستشفيات خاصة و حكومية و باحدث الاجهزة و المعدات، في حين ما يتلقاه المقدسيون هو بعض الضمانات الاجتماعية مثل الشيخوخة اضافة الى التأمين الصحي “كوبات حوليم”. فهل هذا امتياز؟

و ان تحدثنا عن “الهوية الزرقاء” و “امتيازاتها” فما فهي الا وسيلة للتنقل بحرية اكبر من تلك الممنوحة للفلسطينيين القاطنين خارج القدس الذين يحملون الهوية الفلسطينية و جواز السفر الفلسطيني الذي يمكنهم من السفر و التحليق على جناحي النسر المرسوم على غلافه، و ليس وثيقة سفر “لاسيه باسيه” تجلسهم على  خوازيق الشمعدان الستة.

ان الحديث عن “امتيازات” للفلسطينيين في القدس ما هو الاّ وهم تحاول اسرائيل من خلاله اثارة العواطف و المخاوف لدى ابناء القدس، و دفعهم الى التردد في قبول السيادة الفلسطينية. ان الامتيازات الحقيقية هي تلك التي سيحصل عليها ابناء العاصمة تحت ظل السلطة الوطنية الفلسطينية. امتيازات كبيرة و كثيرة في مكانتها و مضمونها. و لعل اهم شاهد على ذلك، تلك الانجازات التي قامت بها السلطة الوطنية الفلسطينية في المدن و القرى التي بسطت سيادتها عليها. و بالرغم من كل ما يقال هنا و هناك عن بعض حالات سوء الادارة و بعض المخالفات في بعض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، فان الحال سيكون افضل بكثير من “امتيازات” كاذبة.

ليس هناك ما سيخسره المقدسيون، بل ان وجودهم تحت سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية و التحرر من الاحتلال الاسرائيلي هو مكسب و امتياز بحد ذاته.

صحيفة الايام 19/8/2000

******************

  

 

يا ابي … لن اعود الى هناك

 

بقلم: وليد بطراوي

 

 

اغرورقت عينا ابنتي بالدموع عندما تركنا المكان. فقد انتظرت تلك اللحظة منذ ساعات الصباح، حيث استيقظت باكراً تسأل “متى سنذهب يا ابي؟” قلت “في المساء”. عاودت السؤال مرات عديدة خلال النهار، و تمنت لو يأتي المساء قريباً. و عند المساء لبست ابنتي فستانها المفضل وسرحت شعرها استعداداً لتلك النزهة التي وعدناها بها. فقد كانت اخر مرة تذهب الى ذلك المكان العام الماضي و كم استمتعت في حينه.

سرنا في السيارة باتجاه تلك الساحة الكبيرة و كانت تسألني “ماذا سنشاهد، اي مسرحية ستعرض، هل سيكون نخلة الشبر هناك؟ هل سالتقي اصدقائي من المدرسة؟” كنت اؤكد لها كل ذلك، فزاد شوقها و حماسها. وصلنا المكان، سألتني “لماذا يتواجد افراد الشرطة بكثرة؟” شرحت لها انهم هناك للحفاظ على الامن و حتى يكون المكان مرتباً. اقتنعت بذلك و قالت “انا احبهم لانهم يمنعون المشاكل” و اضافت “اذا كانت الشرطة هناك، فلن نسمع اطلاق نار”. هززت برأسي، لم اكن متأكداً من ذلك. لكنني سررت لانها كانت المرة الاولى التي تستطيع فيها ابنتي ان تفهم معنى رجل الامن، و ان ترسم تلك الصورة الايجابية الجميلة في مخيلتها.

هذه الصورة، سرعان ما تبددت، امام عينيها، و اما اعين اطفال في مثل سنها. فعندما وصلنا البوابة المؤدية الى مكان انعقاد فعاليات “مهرجان فنون الطفل 2000″ ضمن فعاليات “مهرجان رام الله العاشر للثقافة و الفنون”، حاولنا الدخول لمشاهدة عروض الاطفال، فقام رجال الامن بنمعنا من ذلك. و للامانة فانهم لم يمنعوا ابنتي، بل منعوني و زوجتي من الدخول. صرخت ابنتي متسائلة “كيف ممكن ادخل لوحدي و انا عمري اربع سنوات؟” حاولنا جاهدين ان نفسر لرجال الامن فحوى تسائل ابنتنا و هو اننا لا نستطيع ان نترك طفلة في الرابعة من العمر تدخل الى المهرجان لوحدها. كنا كغيرنا من الاهل نتناقش، و يعلو الصراخ من جانبنا و من جانبهم. قال اب لشرطي “اريد ان ادخل لاخراج ابني” رفض الشرطي فطالب الاب “باطلاق سراح طفله”. طلبت ام ان تدخل للاطمئنان على اطفالها و كان الرفض ايضاً. تعالت الاصوات و اشتد النقاش، فرفع افراد الامن عصيهم. هذه المشاهد كانت تحدث “ببث حي و مباشر” امام اعين الاطفال الذين جاءوا ليفرحوا. فشعار المهرجان هو “بدنا نفرح”. هذا الفرح لم يكتب له ان يتحقق، و كاد النقاش ان يتحول الى عراك و عنف لا يمكن لطفل ان يغفر لنا و لهم بعدها.

مسكت بيد ابنتي، و قلت لها “هيا بنا نذهب”. سالت دمعة من عينها، و لم يسعفني من بكائها الا انني وعدت بان اصحبها الى مكان فيه “مراجيح و سحاسيل”. تركنا المكان، كانت حسرتي اشد من حسرتها. فالى متى سيبقى اطفالنا دون مسرح و فن و غناء خاص بهم؟ و الى متى ستتكرر تلك المشاهد امام اعينهم؟ و الى متى ستبقى رفاهيتهم و متعتهم محدودة “بالمراجيح و السحاسيل”؟

ركبنا السيارة و توجهنا الى مكان اخر، لعبت ابنتي هناك. كانت سعادة تغمرها فقد تمرجحت و تسحسلت.  ظننتها قد نسيت ما حدث، و لكنها و قبل ان نصل البيت قالت “لا تاخدني يا بابا على المهرجان مرة تانية، انا بخاف اروح هناك”.

صحيفة الايام 1/8/2000

**************

البادي اظلم

احتج التلفزيون الاسرائيلي على ما وصفه ب”تصرفات عناصر من الشرطة الفلسطينية” حين اوقفوا طاقماً تابعاً له لمدة نصف ساعة على مشارف مدينة طولكرم بينما كان الطاقم متوجهاً لتغطية الاحداث في بلدة عصيرة الشمالية. و ذهب رئيس هيئة الاذاعة و التلفزيون الاسرائيلية يوري بورات في احتجاجه الى الاعتراض على تصرف افراد الشرطة الفلسطينية حيث “فتشوا اعضاء الفريق التلفزيوني و صادروا الاسلحة التي كان يحملها مرافقان تابعان للفريق، و احتجزوهما و هما جالسان على الارض تحت تهديد السلاح”.

لست مع تعطيل عمل صحافي او اعلامي، و لست مع منع الاعلاميين الاسرائيليين من الدخول الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، بل انني مع الحرية التامة لجميع الاعلاميين في شتى انحاء الارض. فنحن كاعلاميين فلسطينيين نطالب ان نتمتع كغيرنا من الاعلاميين المتواجدين في المنطقة بحرية الحركة و التنقل، ضماناً لحرية العمل و التعبير. و لكنني اؤيد ما قام به رجال الشرطة الفلسطينية في طولكرم، و كيف لا؟ ان المسؤولية الامنية و الوطنية تحتم على رجل الشرطة الفلسطيني ان يوقف اي مسلح لا سيما و ان كان اسرائيلياً. و انني على ثقة تامة انه لو لم يحمل بعض افراد الطاقم السلاح لما تم ايقافهم.

ان هذا الحدث لا يستحق كل هذه الضجة، اذا ما تمت مقارنته بما تعرض له و ما زال  يتعرض له الاعلاميون الفلسطينيون. فقد كان اخر الاعتداءات على الصحافيين الفلسطينيين في مدينة الخليل عندما ضرب الجنود الاسرائيليون عدداً من المصوريين الصحافيين الفلسطينيين الذين جاءوا لتغطية مظاهرة قام بتنظيمها المستوطنون الاسرائيليون.

و كم من المرات تعرضنا لمضايقات على الحواجز الاسرائيلية و تم احتجازنا لمدة ساعات، و ليس نصف ساعة، بالرغم من عدم حملنا لاي نوع من السلاح سوى قلمنا او الة التصوير الخاصة بعملنا. و كم من المرات تعرضنا للضرب على ايدي الجنود الاسرائيليين، و كم من الامرات تحطمت الات التصوير التي بحوزتنا؟ قد يقول البعض “لكنكم لم تشتكوا”. هذا غير صحيح، فقد تقدمنا بعدد لا يحصى من الشكاوى التي تم اهمالها، او معاجتها بالاعتذار عما بدر عن “جنود لا يعرفون ما يفعلون”.

قبل ايام، و بينما كنت متوجها الى غزة، و بعد حصولي على تصريح، لمدة خمسة ايام فقط،  لدخول غزة في سيارتي الخاصة تم تأخيري عن موعد هام حيث احتجزت لمدة ساعة كاملة على حاجز “ايرز” بحجة خلل في تنسيق دخولي الى غزة من قبل مديرية التنسيق و الارتباط المدني في بيت ايل، و الذي تبين لاحقاً انه تم تنسيق دخولي منذ مساء اليوم السابق، و بالتالي ليس هناك داع لاي تأخير.  في ذلك الصباح كنت قد اجتزت الحواجز الاسرائيلية على طول الطريق من رام الله الى غزة. فالدخول الى اسرائيل في سيارتي الخاصة كان اسهل من الدخول الى غزة الفلسطينية. كما ان الخروج من غزة الى اسرائيل لم يأخذ من الوقت الا عشر دقائق. الامر الذي يؤكد ان عملية التأخير كانت متعمدة.

ان هذا ما هو الا مثال واحد على المضايقات المتعمدة التي يقوم بها الجنود الاسرائيليون ضد الصحافيين الفلسطينيين عند هذا الحاجز او ذاك، بحجة الامن. اننا اعلاميون مهنيون لا نحمل سلاحاً، فان كان طاقم التلفزيون الاسرائيلي كذلك، فلماذا حمل السلاح؟ الا اذا كانت مهمته مخابراتية لا اعلامية.

 

 

 It Takes A Child

بقلم: وليد بطراوي

“يتطلب الأمر طفلاً  It Takes a Child” عنوان فيلم وثائقي للمخرجة الكندية جودي جاكسون تروي فيه قصة الطفل الكندي جريج كيلبرجر الذي يناضل من اجل القضاء على ظاهرة عمالة الأطفال منذ ان كان في الثانية عشر من عمره، حيث يعرض الفيلم مراحل النضال هذه التي تتوجت بتأسيس حركة تدعي “حرية الأطفال”.

لم يكن من الصعب على هذا الطفل ان يشكل مثل هذه الحركة النضالية، و لم يقف احد عائقاً امامه، بل على العكس تماماً فقد دعمت الحكومات و الشخصيات السياسية و منظمات حقوق الانسان و وسائل الاعلام و غيرها نضال كيلبرغر و اصبح اشهر طفل في العالم قبل ان تظهر قضية الطفل الكوبي ايليان كونزاليس.

في تلك البلاد، يتطلب الأمر طفلاً حياً كي يناضل ليسمع أصوات الأطفال للاخرين.

في بلادنا، يتطلب الأمر أطفالا أحياء يعانون و آخرين رحمهم الله، قبل ان نبدأ بالتفكير في قضايانا و التي لا تؤثر على الأطفال فحسب بل على المجتمع ككل.

فقد تطلب الأمر أطفالا استشهدوا في مصنع للولاعات في الخليل كي نهبّ ميعاً ضد عمالة الأطفال. و قد تطلب الأمر أطفالا غرقوا في برك سليمان كي نفكر في وضع حل للكوارث التي تحدث هناك، و قد تطلب الأمر غرق طفلين حتى الآن في حقل للمياه العادمة قرب بيت لاهيا في غزة دون ان يحرك احد ساكناً.  لقد تطلب الأمر ان تغتصب فتاتان قاصرتان (و المخفي اعظم) احداهما في نابلس و الاخرى في رام الله كي ننظم المظاهرات و البرامج التلفزيونية و الإذاعية لنقاش مثل هذه القضايا و التي حرّمنا نحن نقاشها من قبل. و قد تطلب الأمر مقتل طفل دهسه “ونش” في كفر عقب لنخرج في مظاهرات مطالبين بصلاح الطريق الرئيسي الواصل بين رم الله و القدس و الذي نمر فيه،  مواطنين و مسؤولين و وزراء، يومياً. في هذه الحادثة، ذهبنا في تطرفنا الى اكثر من التظاهر و قمنا بحفر الشارع عمداً كنوع من الاحتجاج.

و قد تطلب الأمر استشهاد عدد من الأطفال و اصابة آخرين في انفجارات لالغام خلفها الجيش الاسرائيلي قبل ان نقوم بحملة فلسطينية للتوعية بمخاطر الالغام الارضية و مخلفات الجيش.

من منا لا يمر يومياً بمجموعة من الأطفال يتنططون بين المركبات لبيع المحارم او العلكة او كماليات السيارات و غيرها؟ و كم مرة ذهبنا لتصليح مركباتنا لنجد أطفالا يقومون بذلك و نثني عليهم و نقول “ما شاء الله، معلم ميكانيك، في ايده صنعة ذهب”. ماذا نفعل نحن لهؤلاء الأطفال؟ لعله من المجدي ان يتطلب الأمر مقتل احدهم تحت عجلات المركبات حتى نخرج و نطالب بوقف هذه الظاهرة.

من منا لا يشاهد حافلة مدرسة او روضة يُرص فيها الأطفال “كالسردين” في العلبة؟ من منا نحن الاعلاميين كتب عن تلك الروضة في مفرق كفر عقب و التي تحطمت اسوارها بعد انزلاق شاحنة هناك؟ لحسن الحظ ان ساحة الحضانة كانت تخلو من الأطفال و الا لراح عدد منهم ضحية سكوتنا. ربما لو قتل احدهم لتظاهرنا و طالبنا بنقل هذه الحضانة الى مكان اخر، لكنها ما زالت هناك.

كثيرة هي الاحداث، نكون قد توقعنا حدوثها من قبل. تشغل بالنا جميعاً. نراها امام اعيننا، لا نحرك ساكناً ازاءها. فالامر يتطلب ضحية في كل مرة. كم من الأطفال سيتطلب الأمر حتى نفيق من سباتنا؟

الايام 11/5/2000

 

مردا تئن عطشاً و اريئيل تسبح في ماء بلا حدود

في ساعات الصباح الباكر من كل يوم، تتجه النسوة في مردا القريبة من نابلس في شمال الضفة الغربية، نحو نبع البلدة الوحيد ليجمعن الماء و ينقلنه آلي بيوتهن على ظهور الحمير. و بدلاً من أن تجتمعن لشرب قهوة الصباح في أحد بيوت القرية، تتبادلن أطراف الحديث قبالة النبع، بينما تقوم بعضهن بهبوط درجات البئر لملء الماء. هذه البئر بنيت قديماً و قد شيدها أهل القرية فوق النبع منعاً لتلوثه.

و عند ساعات الظهيرة، و بينما تقوم النساء برعاية شؤون منازلهن، يتراكض الأطفال نحو النبع لإحضار الماء. و يعتبر الأطفال هذا العمل نوعاً من اللهو، دون الاكتراث لما يشكله من خطر عليهم. فالمياه ضحلة و ملوثة و درجات البئر، التي قد يصل عددها آلي المائة، ملساء و مبللة تنزلق الأرجل عليها بسهولة. و النبع المذكور يشكل عصباً رئيسياً لحياة القرية. فإذا جاء الشتاء بأمطار غزيرة انتعشت الحياة هنا، و في أيام الصيف الحارة تتعثر الحياة و يضطر السكان لشراء الماء.

مردا قرية صغيرة يعاني سكانها الذين لا يتعدى تعدادهم ألف و ستمائة نسمة، من أزمة مياه خانقة. فلم تعرف هذه القرية منذ غابر الأزمنة طعم الماء العذب، حيث تعتمد غالبية سكانها على مياه النبع و قد بادر بعضهم آلي حفر بئر قرب منزله لتجميع مياه الأمطار إلا أن المشكلة ما زالت قائمة، فالقرية تموت عطشاً يوماً بعد يوم. و قد أثبتت الفحوص المخبرية التي قامت بها وحدة صحة البيئة في جامعة بيرزيت أن ماء النبع لا تصلح حتى لري المزروعات. أما مياه الأمطار فهي غالباً ما تكون ملوثة بفعل التخزين و لا تصلح بالتالي للاستهلاك البشري.

هذه المعاناة لها قصة مع الاحتلال حيث يقول واصف حجير عضو لجنة تطوير القرية “منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي طالبنا السلطات الإسرائيلية بمد شبكات مياه للقرية الا انها رفضت. و اعتقد أن السبب الرئيسي خلف هذا الرفض هو سياسي. ففي البداية عندما شكلت روابط القرى كبديل عن منظمة التحرير الفلسطينية، اشترط علينا أن نقوم بالتشاور مع رموزها و تقديم الطلب من خلالهم. و عند رفضنا لذلك طولبنا بالتعاون مع مختار القرية الذي كان يعمل لصالح السلطات الإسرائيلية. و بالطبع رفضنا هذه الشروط و بذلك حرمنا من الماء حتى هذا اليوم.

و اعتبر حجير أن قضية المياه غير قابلة للمساومة “فالمياه عصب الحياة” و دعا المفاوضين الفلسطينيين آلي عدم التنازل للجانب الإسرائيلي “عن قطرة ماء واحدة لأنها حق فلسطيني طبيعي”.

في أحد بيوت القرية وقفت إيمان، و هي ربة منـزل، في مطبخها تراقب عملية تعقيم الماء عن طريق غليه و قالت “هذه هي حياتنا، أنا كربة منـزل اقوم بهذا العمل كل يوم و اواجه صعوبات كبيرة في تدبـير الاعمال المنـزلية فالماء قليل و الحاجة اليه كبيرة”. و تمنت إيمان أن تعيش “حياة اعتيادية كبقية ربات البيوت دون الحاجة للقيام باعمال اضافية كنقل الماء من النبع و غليه في البيت”.

و ينظر اطفال مردا و نساؤها و شيوخها بحسرة و حسد آلي ما وراء الاسلاك الشائكة في قمة الجبل المطل على القرية حيث بيوت مستوطنة ارئيل ذات الاسطح القرميدية و الحدائق الخضراء من حولها المزروعة بالورود و الشجيرات ترويها رشاشات المياه من كل صوب.

و تعلو اصوات اطفال المستوطنة الإسرائيلية  عند فتح لبوابة المؤدية آلي بركة السباحة و يتراكض الأطفال و يلقون بانفسهم في الماء لتبريد اجسادهم من حرارة الشمس الحارقة. يلهون، يلعبون، يغنون، و ينعمون بماء وفير غير آبهين لما يعانيه اطفال في مثل عمرهم في القرية “العربية”المجاورة.

على بعد امتار من حوض السباحة جلست ميمي كوهين، 38 عاماً، تشرب فنجان قهوة و تنفث دخان سجائرها مراقبة أحد عمالها الذي اخذ يرش رصيف المطعم بالماء لتنظيفه و تلطيف الاجواء من حول الزبائن. ضحكت ميمي عندما سألتها اذا ما كانت تعاني من نقص في المياه و قالت “كما ترى ليس عندي اية مشكلة بخصوص المياه، نستهلك ما نريد و ندفع مقابل ذلك ثمنها”.

حول طاولة مجاورة، جلس رئيس بلدية المستوطنة، عضو الكنيست من الليكود رون ناحمن، الذي اعتبر أن قضية المياه في إسرائيل هي من اصعب القضايا و نفى ما يقوله سكان مردا حول “سرقة المستوطنة للمياه” مؤكداً “أن ما يقوله هؤلاء العرب التعساء هو اكاذيب يختلقونها لتشويه صورتنا امام الرأي العام و انتم الصحافيون تصدقونهم” و اضاف نحمان “ليس للعرب أي حق في المياه فما يصل “يهودا و السامرة” هو من بحيرة طبريا. و هناك معادلة يجب أن لا ننساها من يملك الارض يملك ما فوقها و ما تحتها فاذا اكتشفت احدنا نفطاً تحت الارض فانه من حقنا لاننا نملك الارض”. و يرفض ناحمان أي تنازل قد تقدمه الحكومة الإسرائيلية في هذا المجال مؤكداً “انه اذا ما قامت اسرائيل باعطاء الفلسطينيين مزيداً من المياه فانها بذلك تقضي على الإسرائيليين” و اضاف “انك اذا اعطيت شخصاً شيئاً ما فانك بذلك تعترف بحقه فيه و الفلسطينيون لا يملكون أي حق في هذه الارض و لا اعتقد انني ساعترف يوماً ما به مهما اختلفت الظروف”. و اشار ناحمان آلي أن “الحرب القادمة في الشرق الاوسط لن تأتي بسبب حافظ الاسد او ياسر عرفات او صدام حسين بل ستنشب بسبب الصراع على مصادر المياه”.

المهندس عبد الرحمن التميمي، رئيس مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين اكد أن قضية المياه هي من اعقد القضايا التي تحتاج آلي موقف فلسطيني حازم “فاسرائيل تسيطر على 83% من المصادر المائية” مشيراً آلي أن “73% من سكان الضفة الغربية لا تصلهم المياه الجارية و بالتالي يضطر سكان مئة و تسعة و ثمانين قرية في الضفة الغربية لاستخدام طرق بدائية لتجميع مياه الامطار الامر لذي يهدد بكارثة بيئية”. و اشار التميمي آلي أن معدل استهلاك الاسرائيليين للمياه يزيد خمسة اضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون الا أن ما يدفعه الفلسطينيون هو ثلاثة اضعاف ما يدفعه الاسرائيليون ثمناً للماء”. و حمل التميمي اسرائيل مسؤولية معاناة الفلسطينيين حيث اعتبر “أن المشكلة لا تكمن في توزيع المياه و انما تكمن في السيطرة على مصادرها”.

مردا هي مثال حي على ما يعانيه الفلسطينيون من نقص في المياه، و مستوطنة ارئيل المقامة على ارضي القرية هي نموذج لحياة سكان ينعمون بالماء الوفير. فهل سينعم سكان مردا و غيرها من القرى الفلسطينية بالماء اذا ما تم الاتفاق على تسوية هذه القضية، ام انهم سيجلسون لمراقبة و حسد ما ينعم به “جيرانهم”؟

(الحياة الجديدة، 7/9/95)

مقص الرقيب

اسبوع في منتجع من السراب

المشاركة بالوقت … و المال

بقلم: وليد بطراوي

جاءني صديقي منزعجاً، متخبطاً، متسائلاً “ماذا افعل؟” قلت له “ما بك يا رجل؟ “نص الالف خمسمية”. قال: “ضحكوا عليّ، و نصبوا على شيبتي في آخر هالعمر”. سألته: “من”؟ اجاب: “قصة طويلة، رويتها الى اكثر من شخص، و اكثر من مسوؤل، ذهبت الى الشرطة و المدعي العام و تقدمت بشكوى قبل حوالي ستة اشهر، و حتى الآن لم يحصل شيء. لا اريد ان اعيد روايتها لك، فماذا ستفعل لي؟”.

الححت عليه مرة اخرى و حاولت ان اشرح له انني صحافي و انني استطيع المساعدة في بعض الاحيان. فما كان منه الا ان ضحك مستهزءاً بي و بالصحافة، مضيفاً “المسؤولون لم يفعلوا شيئاً، و تقول لي صحافة، كفاك سخافة”.

زاد شوقي لان اسمع قصته، فكررت الحاحي، فقال مبتسماً “لا تغضب مني، فانا فاقد الامل في هذه البلد، و من اجل ان اطيب خاطرك، ساروي لك ما حدث معي”.

استعددت لاسمع القصة، فبدأ بالحديث: “في مساء يوم سبت من العام الماضي، كنت اسير و زوجتي في شوارع رام الله، و اذا بشاب ملتح يوقفنا، و يطرح علينا بعض الاسئلة، جاوبنا الاسئلة و هممنا بالسير. طلب هذا الشاب منا التمهل و اخبرنا اننا ربحنا جائزة، و علينا ان نذهب يوم الاثنين الى مقر الشركة التي يعمل لصالحها لاستلام الجائزة، و لكن علينا ان ندفع مبلغ خمسين شيكلاً مستردة. فدفعنا المبلغ و مشينا. و في يوم الاثنين ذهبنا في الموعد المحدد، فوجدنا عدداً من الازواج ينتظر، و بعد ان استرجعنا مبلغ الخمسين شيكلاً، خرج شاب و نده باسمي مستخدماً عبارات المجاملة “مستر” و “مدام”. شعرت انني اكثر احتراماً. دخلنا غرفة كبيرة، جلس فيها عدد من الازواج غير المنتظرين في الخارج. جلس قبالتنا شاب وسيم عرّف على نفسه، طلبت منه ان يخفض صوت الموسيقى، فذهب ليطلب ذلك و عاد الينا، و لكن لم ينخفض الصوت. بدأ بالسؤال” ما رايكم ان تربحوا 2 مليون دولار؟” ضحكت و قلت “من لا يريد ان يربح مثل هذا المبلغ، ايدي في حزامك”. فبدأ بشرح كيفية الربح. و كان مجمل الحديث عن ما يعرف دولياً بنظام “المشاركة في الوقت Time Share” و الذي تعمل به شركات عالمية من ضمنها شركة “انترفال انترناشونال Interval International”. و بعد تسعين دقيقة من الاقناع، وافقت و زوجتي ان نشتري اسبوعاً في منتجع “نعمة هايتس” في شرم الشيخ. خرجنا فرحين و استعددنا للذهاب في رحلة مجانية، و هي الهدية التي كنا قد ربحناها عندما التقينا ذلك الشاب الملتحي في الشارع. و بعد حوالي اسبوع هاتفت الشركة و طلبت ان استخدم الرحلة المجانية، فاجابت فتاة بصوت حنون “عليك ان تدفع مبلغ 500 دولار” استغربت الامر و قلت لها اننا نذهب في رحلة مجانية و يجب ان لا ندفع. فاجابت “هذا هو الاتفاق مع الفندق في الغردقة، هذا المبلغ مقابل وجبات الطعام”. رفضت هذا العرض، و منذ تلك اللحظة شككت في مصداقية الشركة. رجعت اليهم و طلبت ان الغي العقد، فحسب القانون يمكن الغاء اي عقد كان خلال مدة 14 يوماً من تاريخ التوقيع. فلم افلح في الغاء العقد، حاولت سحب الشيكات التي كنت قد حررتها للشركة، فجاءني شاب ضخم  له من العضلات ما يمكن ان يحطمني في اقل من دقيقة، فعدلت عن رأيي. انتظرت حوالي ستة اشهر لاستلم العقد موقعاً من وزارة السياحة المصرية، و لم يأت العقد، توجهت الى الشركة مطالباً بالغاء العقد و ذلك حسب التعهد الموقع من قبل الشركة بالغاء العقد اذا لم يتم استلامه خلال اربعين يوماً من انهاء مبلغ الدفعة الاولى، و لم انجح في ذلك. توجهت الى محام و قدمت شكوى لديه، استخدمت كل الوسائل القانونية لاسترجع حقي و لم افلح، حاولت ان ادخل وسطاء و لم افلح،… و لم افلح … و لم افلح …. و لم افلح”

ضحكت في وجه صديقي هذا و قلت له “انت مجون، من يقع في مثل هذه الورطة، تريد ان تتنزة و تتفسح، صحيح انك مجنون”.

هز صديق رأسه “تقول انا مجنون، يا صديقي اكتشفت ان هناك مجانين اخرين، كل يوم اسمع عن شخص منصوب عليه من قبل الشركة، وزراء، اعضاء مجلس تشريعي، اطباء، مهندسين، و حتى محامين.”

قلت لصديقي: “اذاً المسألة ليست شخصية، بل هي مسألة اكبر من ذلك، لماذا لا يتعاون الجميع في هذه القضية؟”

اجاب صديقي “جميعنا متعاونون في هذه القضية، تقدمنا بشكوى جماعية للمدعي العام، و الى وزارة السياحة و وزير السياحة شخصياً، و كان رد الوزير ان هذه الشركة غير مرخصة من قبل وزارة السياحة، و انه اخذ تعهداً على اصحابها بعدم ذكر اي اشارة للسياحة، و اعترف اصحاب الشركة بانهم زاولوا مهنة السياحة دون ترخيص، اي انهم خالفوا القانون. و اثبتنا بالدليل القاطع ان العقود الواردة من مصر مزورة و حتى ان شخصاً ذهب الى شرم الشيخ و لم يجد المنتجع. كل هذا موجود في المحكمة، و لكن يا صديقي لم يفعل احد شيئاً، و الادهى من ذلك ان الشركة قد اغلقت ابوابها في رام الله  و انتقلت الى مدينة اخرى في الضفة، و فتحت لها فرعاً في غزة”.

سألتُ: “ومن اصحاب هذه الشركة، و ما الذي يمنع تطبيق القانون”.

اجابني: “اصحابها هم ابناء عقيد في الشرطة الفلسطينية، ويبدو ان هذا هو السبب”

“وهل يعرف والدهم بما يجري؟” استفسرت من صديقي.

“نعم، و هنا المشكلة، ان والدهم يعرف، و انه لم يفعل شيئاً، و انه يتستر على مثل هذه الجريمة، و يتوسط لدى اعضاء في المجلس التشريعي ممن تضرروا من الشركة بالتنازل عن الدعوى المقدمة ضد ابنائه، الامر الذي جعلنا نطالب بتنحيته عن منصبه و محاكمته بتهمة التستر على جريمة، فهو بحكم موقعه عليه محاربة الجريمة و تطبيق القانون” اجاب صديقي.

نظرت الى صديقي، لم اعرف ماذا اقول، حاولت ان اطمئنه ان العدالة ستأخذ مجراها، و طلبت منه ان يرشدني الى المدعي العام. فسألني صديقي “لماذ؟” اجبت “اريد ان استفسر منه عن هذه القضية” مدحني صديقي “كثّر الله من امثالك، يمكن ان تنجح في فعل شي”.

ذهبت الى المدعي العام، استفسرت عن القضية، و كان رده انه طلب من الشرطة احضار المشتكى عليهم خمس مرات و لم تقم الشرطة باحضارهم. و في نهاية لقائي بالمدعي العام تقدمت بشكوى ضد الشركة، فصديقي لم يعرف انني كنت ضحية هذه الشركة كغيري من الضحايا.

آب 2000

*********************

 

 

 لكل ذي حق حقه

بقلم: وليد بطراوي رام الله

 

 

تسارع اصحاب محطات التلفزة المحلية لتهنئة انفسهم و محطاتهم، على الثقة العالية التي منحها لهم مشاهدوهم و التي جاءت من بعد نشر الجهاز  المركزي الفلسطيني للاحصاء نتائج مسح وسائل الاعلام المرئية و الحاسوب الذي اجري في محافظات الوطن  مؤخراً.

لعله من المنطق ان انضم الى قافلة المهنئين، فظاهرة محطات التلفزة المحلية هي ظاهرة صحية في المجتمع الفلسطيني، و اهتمام الجمهور بمشاهدة و متابعة برامج هذه المحطات انما يدل على مدى تعطش الفلسطينيين الى الديمقراطية و التعددية و حرية الرأي و التعبير.

من الملفت للنظر ان بعضاً من اصحاب محطات التلفزة المحلية لم يرق لهم نتائج المسح المذكور، معتبرين ان عدم ورود اسم محطاتهم ضمن المحطات الاكثر شعبية اجحافاً بحقهم و حق مشاهديهم و برامجهم، على الرغم من ان نسبة مشاهدي المحطات التي لم يحالفها الحظ في المسح قد لا تقل عن نسبة مشاهدي المحطات “الفائزة”.

و قد ذهب بعض اصحاب المحطات الى نشر اعلانات مدفوعة الاجر في الصحف المحلية تشكك في مصداقية المسح، الامر الذي يدعو الى التذكير ببعض الامور المتعلقة بالمسح:

1-    اجري هذا المسح في الفترة الممتدة بين 10/4/99 – 9/7/99

2-     بلغ حجم عينة المسخ 7,559 اسرة في محافظات الضفة و القطاع.

3-     اقتصر المسح على البرامج التلفزيونية الاخبارية و تلك الترفيهية.

4-     عينة المسح هي الاسرة.

و اذا ما قمنا بالتدقيق في هذه المعطيات، فانه بالامكان الخروج ببعض الحقائق التي توضح نتيجة المسح الاحصائي:

1-    ان جميع محطات التلفزة المحلية تبث من محافظات الضفة، و لا يصل بث سوى عدد قليل من هذه المحطات الى بعض المناطق في محافظات غزة. و بما ان العينة تشمل اسراً في قطاع غزة فان رأي هذه الاسر في شعبية محطات التلفزة المحلية لا يمكن تعميمه.

2-     عند اجراء مسح احصائي يأخذ الاسرة كعينة، فان الباحث و خلال تعبئته استمارة المسح، يتحدث الى بعض افراد الاسرة ممن تواجدوا في المنـزل خلال اجراء المقابلة. و بهذا فقد يكون المجيب هو الام، او الاب، او الابن، او الابنة…الخ. لا شك ان اهتمامات افراد الاسرة متفاوتة، ففي حين ترى الام ان محطة ما هي الافضل لاغراض التسلية، ترى ابنتها ان محطة اخرى هي الافضل لنفس الاغراض. من هذا المنطلق فان نتيجة المسح تعتمد على اجابات عضو الاسرة الذي اجاب السؤال.

3-     ان اقتصار المسح على البرامج الاخبارية و الترفيهية يستثني بعض المحطات التي لا تتخذ الاخبار و لا التسلية منهجاً لعملها. فتلفزيون القدس التربوي على سبيل المثال لا يقدم برامج اخبارية و لا ترفيهية ابداً،  بل يعتمد في برامجه على البرامج التربوية و الثقافية.

و عليه فانه لا بد لنا قبل ان نهنئ او نستنكر،  نفرح او نغضب ان ندرس نتائج المسح المذكور بتمعن حتى يأخذ كل ذي حق حقه، فهذه النتائج يجب ان لا تزيد من ثقة المحطات “الفائزة” بنفسها حتى درجة الغرور بل ان تحثها على تقديم الافضل دائماً، و في نفس الوقت لا تنتقص هذه النتائج من دور المحطات التي لم تذكر فقد يكون ما تقدمه من برامج تحظى بشعبية عالية لا يندرج تحت تصنيفات المسح.

تشرين اول 1999

*************

جائزة نوبل للسلام لمن يستحقها

امير فارس سليمان، اسم تناقلته وسائل الاعلام المختلفة في الاونة الاخيرة. لقد جاء هذا الاهتمام الاعلامي المبالغ فيه عندما امتنع امير عن اطلاق النار باتجاه طفل فلسطيني في التاسعة من العمر في مخيم جباليا في قطاع غزة. و قد التقطت عدسات المصورين هذا المشهد الذي “هز” مشاعر المشاهدين. و قد ورد نبأ مفاده ان جمعية المانية اقترحت منح هذا الجندي جائزة نوبل للسلام مكافأة لهذا العمل الانساني الذي قام به.

كل الاحترام لامير، الجندي الاسرائيلي الذي لم تطاوعه نفسه ان يوجه فوهة بندقيته باتجاه طفل رشقه الحجارة. لكن امير قد اخطأ في حساباته. فهو لم يفكر مرة قبل ان يتوجه للخدمة في صفوف الجيش الاسرائيلي، و كيف كان سيتصرف امير لو ان راشق الحجارة لم يكن طفلاً بل كان شاباً؟ ربما ما قام به امير في هذه الحادثة يأتي بمثابة اعتذار عن تلك الاعمال التي قام بها في السابق من ضرب و اعتقال و ربما قتل.

جائزة نوبل للسلام، هذه الجائزة النبيلة، من الاجدر ان تمنح لذلك الطفل الذي وقف وقفة رجل شجاع متحدياً ذلك الجندي المدجج بالسلاح. هذا الطفل الذي يؤمن بقضية عادلة و يناضل من اجلها. ان منح جندي اسرائيلي يمثل سلطة الاحتلال هذه الجائزة لا يمكن ان يتوافق مع هدفها، و لربما نبعت الفكرة من ان ما فعله امير هو شذوذ عن القاعدة المتبعة في الجيش الاسرائيلي، حيث انه لم يطلق النار بعكس زملائه.

المقابلة التي اجراها التلفزيون الاسرائيلي مع ذوي امير فارس، اثارت مشاعري، لان والداه افتخرا بما فعله امير الابن “الصالح”. خلال مشاهدتي تلك المقابلة عدت بذاكرتي الى ايام الانتفاضة حين عملت مصوراً للتلفزيون الفرنسي، حيث التقطت صوراً لجندي ينتمي الى نفس الطائفة التي يأتي منها امير. شادي حلبي، جندي حرس الحدود في رام الله يضرب امرأة في سن والدته في الثامن من اذار يوم المرأة العالمي. هل شاهدت والدته ما ارتكب ابنها شادي، و هل تعرف امهات فارس، و عامر و اسعد ما يرتكب ابنائهن في الخفاء.

عندما امتنع امير فارس عن اطلاق النار، نقلت وسائل الاعلام هذا الحدث، لكنها لم تف امير حقه، و لم تظهر ان سترته الواقية كتب عليها Born To Kill “ولدت لاقتل”. هذا هو اميرنا الحقيقي. ايها الامير ان لم يعرف اهلك حقيقة امرك، فانني على ثقة ان كل غزيّ و فلسطيني يعرف حقيقة ذلك الطفل المناضل في جباليا.

1995

Be Sociable, Share!
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash