الخطاب الإعلامي الفلسطيني والمفاوضات!

مارس 7th, 2014 بواسطة atefsaad

جرت مياه كثيرة في النهر منذ أعلن الرئيس الأميركي في عمان في تموز 2013  عن موافقة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على استئناف المفاوضات بينهما شريطة “عدم تسريب مضمون المفاوضات وكشفها” . وبالطبع لم تكترث وسائل الإعلام الإسرائيلية أو الغربية بشرط أوباما ، فهي وسائل إعلام تحترم مصداقيتها المهنية،  فواظبت على نشر أي معلومة أو خبر أو تصريح أو قصة صحفية ذات علاقة بموضوعة المفاوضات. وأمام هذا التدفق غير المنقطع من التقارير والتعليقات الصحفية والإعلامية، كان الجمهور الفلسطيني بحاجة ماسة لِخطاب إعلامي فلسطيني يثق به كي “يدوزن” ما يتلقاه، حيث أنه المستهلك الأول لأي مادة إعلامية تتعلق بقضيته ومصيره.  وكان يُقال له عبر الناطقين والمتحدثين في وسائل الإعلام الرسمية بأن ما يُنشر مجرد تكهنات أو بالونات اختبار! ولغرض طمأنة الجمهور الحائر، يعيدوا إصدار تصريحات ينطبق عليها “أُعِدت  للاستهلاك المحلي” فيقولوا ،مثلا، “نحن لا نفرط بالثوابت الفلسطينية” (وكأن أحدا يشكك في وطنيتهم) أو يُشيروا لإنجازات مثل ،”برغم تعثر المفاوضات، نجحنا بإطلاق سراح أسرى أمضوا فترات طويلة في سجون إسرائيل” ( وكأن أحدا يعارض تحرير الأسرى)!

 وعادة ما تجري اللقاءات الصحفية مع المسئولين عن ملف المفاوضات بمبادرات من معدي نشرات إخبارية صباحية أو مسائية  تُبَث من “صوت فلسطين” أو تلفزيون فلسطين”. وإذا ما تصادف أن يخرج المذيع عن النص المُعَد سلفا فيسأل ضيفه عن  ماهية الضغوط الأميركية التي يتعرض لها الرئيس أبو مازن..!” يرد المتحدث، وكأنه بوغت بالسؤال العفوي وقد ارتج صوته قليلا ،” ولكن يجب أن نتذكر أن الرئيس أحيا القضية الفلسطينية و..” ( وكأن أحدا يجهل تصريح الرئيس بأنه لن يصادق على أي حل بدون استفتاء الشعب عليه.)

وينتهي الحديث الإذاعي أو التلفزيوني ،عادة، بتعظيم سلام للمتحدث، لكن المتلقي يحس وكأن صفعة وُجهت له فقد كان المسكين متوهما بأنه سيحصل، من المتحدث، على معلومة محددة تحترم عقله و تبدد شكوكه وتُعيد ثقته  بالخطاب الإعلامي الرسمي، كي لا ينزلق للإصغاء لما يقوله الخطاب الآخر، المعادي في وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية.

إن غموض الخطاب الإعلامي الرسمي، وفشله بإقناع الجمهور المتلقي، يُسهم بزيادة القلق والانزعاج في أوساط واسعة من الجمهور الفلسطيني.  وخير دليل على ما أدعيه، صدور ردود فعل غاضبة على  ما نُشر أو سُمِح بنشره عن تصريحات وأقوال، ( منها ما يتعلق  بحق العودة  أحد الثوابت الفلسطينية) صدرت عن الرئيس أبو مازن أثناء لقائه، في رام الله في السابع عشر من شباط الجاري، مع طلاب وطالبات جامعيين إسرائيليين. وما زاد الطين بله، تدخلات الشرطة الفلسطينية التي حالت دون  حضور المراسلين والمصورين الصحفيين لذاك اللقاء مما حرم الجمهور من معرفة حقيقة ما جرى من وسائل إعلامية محايدة.

لماذا يُصر القائمون على الخطاب الإعلامي الفلسطيني الرسمي على تحديد ما ينبغي نشره وما لا ينبغي نشره للجمهور الفلسطيني؟ لماذا يستخفوا بالجمهور؟ لماذا لا يبذلوا أي جهد لتحسين الاتصال مع الجمهور؟ لماذا تبدو لغتهم بدون إحساس، مثل الخشب، عندما يتكلمون عبر الشاشة أو الإذاعة؟

أتناسوا أن الجمهور الفلسطيني هو صاحب القضية التي يفاوضون إسرائيل بالنيابة عنه؟ أتناسوا أن هذا الجمهور هو الذي التف حول رئيسه الراحل  أبو عمار أثناء حصار الدبابات الإسرائيلية لمقر قيادته في رام الله؟ أتناسوا أنه ذات الجمهور الذي تُجبى منه الضرائب التي منها ينفقون المال على رواتبهم وتحركاتهم وسفراتهم وإقامتهم في فنادق خمسة نجوم؟ ولماذا يسمح سيادة الرئيس أبو مازن لفريقه المفاوض ومساعديه الأمنيين بمعاملة الجمهور الفلسطيني  بمثل هذا التعالي .

من حق الجمهور على رئيسه بأن يخاطبه ويتحدث إليه ويكشف له عما يواجهه من ضغوط وما تواجهه القضية من أخطار، أو، ربما، فرصا حقيقية  لحلها حلا عادلا. نُدرك أن الرئيس يتحدث ويكشف عما يدور في المفاوضات لأوساط عربية وأجنبية. كما نفترض بأنه يتحدث لكبار موظفيه ولقيادات تنظيمية ولأصحاب رأي، على أمل أن ينقلوا هم، بطريقتهم، للجمهور حقيقة ما يحدث. وأذكر أن قالت لي شخصية  قيادية في حركة فتح، ” أن الرئيس يتحدث عن المفاوضات مع عديد من ممثلي الهيئات والمؤسسات، ويحاول، من خلالهم، إيصال ما يود توضيحه للناس. لكن يبدو أن الاتصال المطلوب لا يتم.”

وقد يحدث الاتصال،  لكن ضمن أُطر وندوات خاصة بالنخب فقط وهذا وإن حدث فإنه لا يُغني ولا يُسمن من جوع  ولا يُزيل المخاوف والشكوك المنتشرة في أوساط  شرائح واسعة من الشعب.

لكل ما سلف، لم يتبق لنا إلا أن نطالب الرئيس أبو مازن بمكاشفة شعبه والتحدث إليه عبر الصحفيين وعبر وسائل الإعلام الحكومية والمحايدة ليتسنى لهذا الجمهور ، وأنا واحد منه، أن نعرف حقيقة ما يدور في ساحة المفاوضات.

27 شباط 2014

  عاطف سعد

 

تحت التصنيف غير مصنف | أضف تعليقك »

سُردا: إختلاف الفصول

مارس 7th, 2014 بواسطة atefsaad

تحت التصنيف غير مصنف | تعليق واحد »