خربة كانت تسمى كفرقرع

بواسطة , 2014/04/23 8:02 ص

تقرير : سامح ابو وديع

احدى الصديقات من سكان كفرقرع طلبت مني ذات يومٍ ان اقترح عليها مشروع فلم توثيقي قصير ، فخطرت على بالي فكرة توثيق ما دار في غابر السنين بين اهالي كفرثلث واهالي بلدتها كفرقرع ، تفاجئت بأن صديقتي تسمع عن الحادثة لأول مرة مع انها منتشرة بين الناس في المنطقة ومعروفة حتى بين الجيل الشاب حتى ان بعض الشائعات والاقاويل كانت تتحدث عن أن الفنان الشعبي الكبير _رحمة الله عليه_ شفيق كبها كان يرفض الغناء في كفرثلث واحياء اعراس ابناء قريتها بسبب حقده على اهلها لما الحقوه بأجداده الى ان جاء اليوم الذي احيا فيه شفيق كبها حفلاً كبيراً بالبلدة لعائلة دار الاعراج وبعدها بشهرين احيا عرساً اخراً للشاب عاصم السكر ليضع حداً لكل الشائعات المنتشرة بالقرية .

صديقتي تحمست للفكرة في البداية خاصة أنها غريبة عليها وموضوع من هذا القبيل بهذا الوقت سيكون مشوقاً وسيلقى صداه في كلا البلدتين ، خاصة ان كان فلماً توثيقياً مصوراً ؛ لكنها فاجئتني حينما أخبرتني بأنها لم تجد ببلدتها من يذكر تلك الحادثة ولديه معلومات عنها ، مما دفعني للعودة لمصادري الخاصة والغوص في تاريخ منطقتي التي ولدتُ وترعرعت فيها وما اجمله من غوص !

بكل اسفٍ وبكل وجع سأضطر للخوض في المواجع والنكبات التي لا اهوى الحديث عنها ، سأتحدث عن حيوانية و و حشية الانسان عندما يخلو من الحكمة والدين ويتجرد من منهما ليكون اقرب للحيوانات في تفكيرها وتصرفاتها وليس أي حيوانات !!

نعم اجرمنا بحق بعضنا تماماً كما اجرم بحقنا بني صهيون ؛ إن لم يكن إجرامنا بحق بعضنا يفوق إجرام بني صهيون بحقنا ؛ ومن يشك بذلك ليستمع لنهاية خربة كانت تسمى كفر قرع .

قبل الخوض بتفاصيل تلك الحادثة اود أن أنوه بأن الحادثة كما علمت هي حادثة قديمة جداً ، رجح الباحث عبد العزيز عرار ان تكون قد حدثت بالأغلب في القرن السابع عشر ، وأن الكاتب والباحث المخضرم عبد العزيز عرار من اكثر الباحثين عن حقيقة ما حدث وقد تحدث عنها بإسهاب في كتابه ( خريش المهجرة والمدمرة ) وكل ما نجده على الشبكة العنكبوتية من معلومات يعود لهذا الإنسان المكافح والمحب لبلده ولمنطقته مع ان بعض المواقع وبعض لصوص المعلومة لم يشيروا اليه ولا لكتابه الهام المذكور اعلاه والذي اعتبره من اهم المصادر التاريخية الحديثة لتاريخ منطقة كفرثلث والمثلث الجنوبي !

أنقل لكم ما كتب الكاتب عن فاجعة كفرقرع وعن سبب الخلاف الذي انتهى بمحو وتدمير الخربة وتشريد كل سكانها والسيطرة على اراضيهم تماماًكما فعل الصهاينة بالكثير من القرى والبلدات الفلسطينية غبان النكبة واترك لكم الحكم في هذه الحادثة وهل استحق اهل كفرقرع ما ألم بهم !!!

تقع خربة كفر قرع، ضمن أراضي كفر ثلث إلى الشرق منها، تعرضت الخربة للتدمير من قبل أهالي كفر ثلث؛ ولأسباب مختلفة، مما أثر على توزيع سكان كفر ثلث، وامتدادهم وتنقلهم. وحول أسباب تدمير خربة كفر قرع، تقول الرواية التي يجمع عليها أبناء كفر ثلث، ويحفظها الكبار عن ظهر قلب:
كان أهالي كفر ثلث يتوجهون إلى مدينة نابلس للبيع والشراء، وأثناء مرورهم بجوار كفر قرع التي تسكنها عائلتي القراعنة والعثامنة.كانوا يتعرضون لمضايقات هاتين العائلتين، فيصادرون حميرهم، وبغالهم ودوابهم، التي تحملهم ويثيرون مشاعرهم بقولهم:
يلي إحمارتك مالك عليها غيرة نقل القرع يهريها.
وتضايق أهالي كفر ثلث، وثاروا لكرامتهم، وحرضتهم نسائهم، وتعرض بعضهم
للتوبيخ من كبار السن في القرية، وتشاور الناس في الأمر، وأشار عليهم شخص يدعى بشير جد آل الأعرج في كفر ثلث، والضبعة، وعزون بترتيب حيلة، يتخلصون فيها من أهالي كفر قرع.
ادعى انه مضطهد، وفر طنيبا إلى أهالي كفر قرع، وبعد فترة من مقامه في كفر قرع، صار يفُسد فيها ، ويسمم علاقاتهم، حتى جاء يوم جمعه، وساعة صلاة الظهيرة، اشتبكت عائلات كفر قرع بالعصي، والفؤوس، والخناجر، والأيدي.
وقام بشير الأعرج بإغلاق الباب عليهم، وشاركه شخص آخر في حيلته، و صعد على الجامع، ولوح لأهالي كفر ثلث براية .
يظهر أن الخطة كانت محكمة التنفيذ، و خطط لها سلفا، وهب أهالي كفر ثلث يحملون فؤوسهم وعصيهم، وسيوفهم وخناجرهم، ودمروا الجامع على من فيه، وحصدوا الكثيرين منهم، وفر الباقون من الرعاة والنساء والأطفال إلى شمال فلسطين، وأقاموا في قرية كفر قرع في منطقة المثلث .
وانتهت هذه الخربة من الوجود، التي قدرت مساحتها بما يزيد عن عشرين دونما، وفيها آبار باقية، ويستعملها الناس في سقي دوابهم ومزروعاتهم، و بعد تهجير وترويع أهلها، تقاسمت عائلات كفر ثلث هذه الخربة بينهم.
بعد جولات قمت بها، وتقّصي أخبارها وآثارها، وجدت أن فيها آثارا تعود للعهد الروماني، وأخرى للعهود الإسلامية، ولقد باع بعض السكان إلى تجار الآثار عملات تعود لعهد السلطان صلاح الدين الأيوبي،وأخرى عباسية، ولكن السؤال المحير متى دمرت هذه الخربة ؟!.
لم أجد أي كتابة أو تدوين تشير إلى هذه الحادثة، رغم أنها رويت على السنة الجميع في قرية كفر ثلث، ويحفظها أهالي عزون والقرى المجاورة، وفي تحليلي أن هذا الحدث يعود إلى بداية الحكم العثماني لفلسطين، وعلى الأغلب جاء تدميرها في بدايات القرن السابع عشر، بدليل أنها كانت قائمة عام 1596، وذكرها كمال عبد الفتاح في كتابه جغرافية بلاد الشام، المأخوذ عن دفتر الضرائب العثماني، وهو دفتر للضرائب الحكومية، وفيه ذكرت جميع قرى فلسطين التي دفعت ضرائب مهما كان حجمها.

اترون ما صنعنا بأنفسنا ، أترون أي ظلم وأي ودمار ألحقناه بأنفسنا ، ظلمنا أنفسنا قبل أن يظلمنا ويقسو علينا اعدائنا مع أني اتفهم معنى أن يقتلك عدوك ويشردك ويحاول ان يمحو وجودك ، لكني لا اتفهم معنى أن يقتلك جارك ويشردك ويسلب أرضك ، ومعنى ان تكون سبباً للعربدة في الأرض بمساعدة قوة منحها الله لك واختبرك بها ، قد يكون سكان خربة كفرقرع يستحقون العقاب على عربدتهم وطغيانهم لكن ليست بهذه النهاية الدموية والمأساوية !