كمال ناصر ضمير الثورة الفلسطينية

بواسطة , 2012/04/10 12:13 م


ربيع فردان

ليلة العاشر من نيسان عام 1973، كانت ساعة الصفر المقررة لدى جهاز ‘الموساد’ لتنفيذ عملية تصفية لثلاثة قادة فلسطينيين، هم محمد يوسف النجار’ أبو يوسف النجار’، وكمال ناصر وكمال عدوان، لنشاطهم في المقاومة الفلسطينية، وبدعوى مشاركتهم في التخطيط لعملية ميونخ في العام الذي سبقه، وخطف اللاعبين الإسرائيليين.

في تلك الليلة؛ وصلت سفن اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية إلى شاطئ بيروت، على متنها الجنود الذين سينفذون عملية الاغتيال وقائدهم، المقدم إيهود باراك، وزير جيش الاحتلال الحالي، كل جندي كانت لديه 4 صور، للضابط علي حسن سلامة و’أبو يوسف النجار’ وكمال عدوان وكمال ناصر، كانت محادثات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية قد انتهت لتوها، والساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، أخذت الوحدة المكلفة بالاغتيال مواقعها، في شارع فردان، وهو الشارع الذي يسكن فيه الأعضاء المطلوبون من حركة ‘فتح’ ومنظمة أيلول الأسود، كان المطلوبون هم علي حسن سلامة، وكمال عدوان وكمال ناصر و’أبو يوسف النجار’.

دوى صوت الرصاص في شارع فردان، معلنا بدء عملية ‘ربيع فردان’ كما أسماها الموساد، حارسان فلسطينيان، يحرسان مبنى قيادة الجبهة الشعبية، قتلا توا برصاص عنصرين من عناصر وحدة باراك، إلا أن القاتلين لم ينعما بلحظة الفرح على قتل الحارسين، هاجمهما عنصران من عناصر المقاومة مباشرة، كانا في سيارة قرب المبنى فأرداهما قتيلين.

سمع كمال ناصر دوي الرصاص، فهرع إلى سلاحه، حيث كان يكتب مقالا عن صديقه الشاعر المرحوم عيسى نخلة، لكن الموت كان أسرع إليه باغته أفراد من وحدة الاغتيال وأفرغوا في جسده ثلاثين رصاصة، قتلته على الفور.

على الجانب الآخر، كان ‘أبو يوسف النجار’ يستعد للنوم بينما أولاده الخمسة يحضرون أغراضهم ليوم دراسي جديد، عندما انفجرت قنبلة دمرت باب شقته، دخلت مجموعة الاغتيال تغطي وجوهها بجوارب نسائية، أسرعت زوجته بالبحث عن مسدسه، لكنهم كانوا قد سبقوها لغرفة النوم، أطلقوا الرصاص فتصدت لهم بجسدها تحاول الدفاع عن زوجها، لكن الرصاصات اخترقت جسدها وجسد أبو يوسف ليرتقيا شهيدين.

عندما سمع كمال عدوان صوت الانفجار والرصاص في شقة ‘أبو يوسف النجار’؛ أدخل زوجته وأطفاله إلى غرفة داخلية، وحمل بندقيته ‘الكلاشينكوف’ لمواجهة أي احتمال لاستهدافه، لكنه واجه ما واجهه أخواه وبنفس الطريقة، فُجر باب المنزل، ودخل ثمانية من وحدة الاغتيال أفرغوا رشاشاتهم في صدره، وسرقوا أوراقه ومستنداته، بينما زوجته وأولاده في ذعر شديد.


كمال ناصر

وُلد كمال ناصر في عام 1924 في مدينة غزة. وكان أصغر إخوته. وتفتحت عيناه منذ الطفولة على النضال الذي كان يخوضه شعبه من أجل الاستقلال. وكان أول لقاء له مع ذلك النضال يوم انفجرت ثورة 1936 إذ كان يقوم مع بعض أترابه بمساعدة الثوار في بعض ما كان يمكن للأطفال أن يقوموا به، مثل نقل بعض المؤونات إليهم في أماكن وجودهم. وذات يوم وقع في قبضة شرطيين بريطانيين، فاعتقلاه بتهمة المشاركة في تظاهرة، وقاداه إلى أبيه، مساعد الحاكم آنذاك، وهما يجهلان علاقة المحكوم عليه بذلك الحاكم.

تابع دراسته في مدرسة بيرزيت، وظلَّ يتطور معها وهي تنتقل من مدرسة إلى كلية ثم إلى جامعة، في عام 1942 تابع دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت. وتحول في الجامعة إلى مشروع قائد سياسي. إذ بدأ يشارك في تنظيم الإضرابات والتظاهرات وإلقاء الخطب الحماسية ضد الانتداب البريطاني، الأمر الذي عوقب عليه بفصله من الدراسة فصلاً دراسياً واحداً. وفي عام 1945 نال كمال إجازته في العلوم السياسية، وعاد إلى فلسطين، ومارس التدريس فور تخرجه في مدرسة في القدس. ولكنه لم يستمر طويلاً في مهنة التدريس، لأنه اختلف مع صاحب المدرسة. ذلك أن كمال كان يجب أن يمزج بين تدريس المادة المخصصة لساعة التدريس ودروس في الوطنية كان يلقن بها تلامذته. ثم انتقل بعد تركه التدريس في القدس إلى دمشق حيث مارس تعليم اللغة الإنجليزية والعمل في الصحافة. وقام خلال وجوده في دمشق بمحاولة لم تكتمل لدراسة المحاماة في جامعة دمشق.

أصدر في عام 1949 مع هشام النشاشيبي وعصام حماد جريدة “الجيل الجديد”. ودخل، بسبب مواقفه السياسية، السجن مرات عدة. وفي عام 1950 شارك في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في رام الله. ثم عمل مديراً لتحرير مجلة “الميثاق” التي كان يصدرها في عمان شفيق رشيدات في عام ،1950 وهي ناطقة بلسان الجبهة الوطنية المعارضة. في عام 1951 انتقل إلى بيروت وبقي فيها ستة أشهر، غادرها بعد ذلك إلى دمشق. ثم ذهب من دمشق إلى الكويت للعمل، ثم عاد إلى بيروت. وفي عام 1954 ترشح للانتخابات عن الضفة الغربية في البرلمان الأردني. فأسقط بقرار من السلطات مع آخرين من أقرانه الوطنيين. وعاد للعمل في الصحافة. فعمل محرراً في جريدة “فلسطين”. ثم تابع نشاطه السياسي فترشح للانتخابات مرة ثانية في عام ،1956 باسم حزب البعث، ونجح، وأصبح نائباً مع عدد آخر من النواب الوطنيين. وكان بينهم اثنان من الحزب الشيوعي هما فائق وراد ويعقوب زيادين. وشكلت حكومة وطنية، في أعقاب تلك الانتخابات، كان من أهم قراراتها إلغاء المعاهدة البريطانية. لكن الوضع لم يلبث أن انقلب إلى نقيضه.وسادت موجة من الفوضى ودخل فيها عدد من النواب والقيادات الوطنية السجون لمدة طويلة. أما كمال فهرب، أولاً إلى بيرزيت، ثم إلى نابلس، ثم إلى دمشق في عام 1958. وظلَّ يتنقل من حال إلى حال، بين لحظة راحة وحبور وشعور بالانتصار ولحظة خيبة، وبين سجن هنا وإقامة جبرية هناك. وكانت تنقلاته تلك تتم خلال فترة الوحدة المصرية السورية، ثم في مرحلة ما بعد الانفصال. وكانت المرحلتان مملوءتين بالصراعات داخل حزب البعث، وداخل الأحزاب القومية الأخرى. ثم استقرَّ به المقام، فيما بعد، مؤقتاً في بيروت في عام ،1966 لينتقل منها بعد ذلك إلى باريس في ذلك العام. وكانت باريس، بالنسبة إليه، المنفى الصعب، برغم ما في باريس من مغريات. ولم يبقَ طويلاً فيها. إذ غمره إحساس عميق من نوع ذلك الإحساس الذي يشعر به مواطن مُكره على مغادرة وطنه. وكانت الأبيات التالية من أجمل وأقسى التعابير عن معاناته. إذ يقول في إحدى قصائده:

باريس لا تدري بأني ها هنا

أجتر تاريخي وأستجدي الفرار

دوّامتي اتسعت وعمَّقها

الأسى والاجترار

ويقول في قصيدة أخرى واصفاً وضعه المأساوي أمام جمال باريس:

مسترخياً حول تماثيلها

أصغي إلى الحسن ومن ضوّأه

وسرت في أحشائها طاوياً

جرحي معي أخاف أن أنكأه

ويقول في قصيدة ثالثة راثياً نفسه في أجواء باريس:

قد عدت يا باريس قد عدت

أجتر أيامي التي عشتُ

باريس يا قديسة سقطت

حالي كحالك إذ تساقطتُ

ورجعت يا باريس يحملني

جرح بدنياه تمزقتُ

سأمان، لا أهل ولا وطن

حيران، لا ظل ولا بيتُ

وطني الذي مات الوجود به

فهرسته لما به متُ

121274

بعد احتلال عام 1967 ذهب كمال إلى فلسطين كلها، ومارس بعضاً مما كان يمكن أن يمارسه وطني مخذول مقهور في وطن وقع كله تحت الاحتلال. كما مارس بعضاً من مقاومة مع إخوانه هناك. لكن عيون المحتلين سرعان ما اكتشفته مقاوماً أو مشروع مقاوم، فاعتقلته قوات الشرطة “الإسرائيلية” مع صديقه ابراهيم بكر وألقتهما في الأراضي الأردنية. وفي الأردن دخل فوراً في “لجنة إنقاذ القدس” كشكل من أشكال النضال يجنِّد فيه الوطنيون الفلسطينيون أشقاءهم العرب وأصدقاءهم في العالم في الدفاع عن أرض فلسطين وعن حق شعبها في هذه الأرض. وزارت اللجنة بلداناً أوروبية عديدة. وكان كمال عضواً في تلك الوفود، محاضراً مدافعاً عن أرض آبائه وأجداده. وبرزت مزاياه الكفاحية والقيادية، فاختير ليكون عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عندما انتقلت القيادة في المنظمة إلى ياسر عرفات، بعد نشوء المقاومة الفلسطينية ودخول الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة جديدة متقدمة. إذ انتقلت القضية الفلسطينية إلى أيدي أصحابها من الفلسطينيين الذين كانوا قد بدأوا منذ عام 1965 يمارسون الكفاح المسلح لاستعادة أرضهم المغتصبة. (تفاصيل هذه المعلومات عن سيرة كمال ناصر انتقيتها من كتاب الدكتور سهيل سليمان المخصص للشاعر). ثم صار كمال ناصر واحداً من القادة الجدد للحركة الوطنية الفلسطينية، ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية. وشغل في اللجنة التنفيذية للمنظمة مركزاً مهماً هو مركز الناطق الإعلامي باسمها، بمنزلة وزير إعلام. ولم يكن في ذلك الحين من هو أجدر من كمال ناصر، مثقفاً وصحافياً متمرساً، وشاعراً ومناضلاً سياسياً محترفاً، للقيام بذلك الدور.

كان عام 1969 هو أول لقاء لي مع كمال ناصر. ولم أكن أعرفه من قبل. وكان ذلك في عمان، حين ذهبت في مطلع شهر ابريل/ نيسان من ذلك العام في عداد وفد من قيادة الحزب الشيوعي اللبناني للقاء ياسر عرفات، صديقي القديم منذ مطالع الخمسينات، وللقاء قيادة حركة فتح وقيادات المنظمات الفلسطينية الأخرى. وكنت قبل ذلك التاريخ، في شهر يناير/ كانون الثاني من العام ذاته، قد شاركت مع اثنين من رفاقي في قيادة الحزب الشيوعي في المؤتمر العالمي لنصرة الشعوب العربية الذي عقد في القاهرة، وكانت القضية الفلسطينية محوره الأساسي. وكان لقائي بقيادة المقاومة الفلسطينية في الناقورة لقاء عابراً، في زحمة النقاشات الصعبة التي سادت ذلك المؤتمر، حول موقف المقاومة الفلسطينية من موضوع الدولة الفلسطينية، وحول موقفها من الاقتراحات المعروضة لحل القضية الفلسطينية التي كان الرئيس عبد الناصر محور الاتصالات الدولية بشأنها، تحت شعار إزالة آثار العدوان، وتطبيقاً للقرار 242. وكان من ضمن تلك النقاشات الموضوع المتعلق بموقع القضية الفلسطينية، وموقع الثورة الفلسطينية، في السياسات العربية العامة، أنظمة حكم وقوى سياسية عربية من الاتجاهات كافة.

كان استقبال أبو عمار لي في عمان استقبالاً حاراً. إذ كان أول لقاء حقيقي بيننا بعد أن أصبح قائداً لفتح، وقبل أن يصبح رسمياً رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكان معه في ذلك اللقاء كل من كمال ناصر وكمال عدوان وخليل الوزير (أبو جهاد) وخالد الحسن وأبو يوسف النجار. وكانت لنا مع الإخوة في قيادة فتح نقاشات مطوَّلة حول كل القضايا. كما كانت لنا لقاءات ونقاشات مع جورج حبش ونايف حواتمة ويحيى حمودة، الذي كان لا يزال حتى ذلك الحين الرئيس الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، خلفاً لأحمد الشقيري الذي استقال من منصبه غداة حرب يونيو/ حزيران والهزيمة التي أسفرت عنها.

كان ذلك اللقاء الأول مع كمال ناصر ناقصاً. وكان لا بد من استكماله لكي يتم التعرف إلى شخصيته في صورة أعمق، ولكي تتوافر الشروط لبناء صداقة حميمة بيننا. ولم يطل الوقت. فبعد أن انتقلت الثورة الفلسطينية من عمان إلى بيروت، في أعقاب أحداث سبتمبر/ايلول بين منظمات المقاومة والسلطة الأردنية، وانتهت بإخراج القيادات الفلسطينية من الأردن، وصار بالإمكان التعرف جيداً، ليس إلى كمال ناصر وحسب، بل إلى قيادات الثورة الفلسطينية كلها. وكانت الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، وبأحزابها المختلفة، أول المرحِّبين بانتقال الثورة الفلسطينية وانتقال أركان قياداتها إلى لبنان.

كانت إطلالة كمال ناصر بهية من موقعه مسؤولاً عن الإعلام في منظمة التحرير، ومتحدثاً لبقاً ومرناً وظريفاً ومثقفاً باسمها. وكان يحضر اجتماعات وزراء الإعلام كواحد منهم، أي كوزير من دون صفة الوزير. ثم صار لفترة من الزمن رئيساً للجنة الدائمة للإعلام العربي. ولم تكن مهمته سهلة، في خضم الصراعات والسجالات داخل منظمة التحرير، وداخل فصائلها، وداخل كل فصيل من تلك الفصائل، فضلاً عن السجالات والصراعات بين البلدان العربية، حول من هو صاحب القرار الأول في تبني القضية، وحول من هو صاحب القرار الأول في احتضان المقاومة، وفي تحديد سياساتها.

إلا أن الحديث المطول عن كمال ناصر السياسي مرهق له ومرهق للباحث وللقارئ في آن. ذلك أن كمال ناصر لم يكن سياسياً وحسب، كما تشير إلى ذلك سيرته. بل هو كان، بإرادته أحياناً، ورغماً عنه أحياناً أخرى، مثقفاً بامتياز، مثقفاً واسع الثقافة، وشاعراً وناقداً وقصاصاً، وصاحب روح مرحة وشفافة. كان أنيق المظهر وأنيقاً في حديثه. ومن أطرف ما كان يردده، في الحديث عن الشجاعة في المقاومة: أنا لست عنترة بن شداد ! ثم يفتح وثيقة الهوية، ليؤكد أن اسمه كمال ناصر وليس عنترة. ولم تكن لقاءاتي معه سياسية كلها، بل كانت تتخللها جلسات أدبية، برفقة أصدقاء مشتركين. وكان يقرأ لنا بعضاً من شعره، ما هو محسوب في خانة الشعر السياسي، وما هو شعر وجداني، غزلي وتأملي. وأعترف بأنني لم أقرأ منوعات شعره إلاَّ في هذه الآونة التي انخرطت فيها في الكتابة عنه، وفي إحياء الذاكرة التي كثيراً ما يستعيد المرء باستعادتها لحظات جميلة وحزينة لا تنسى. قرأت مختارات من شعره في كتابين صدرا عنه: الأول هو للدكتور سهيل سليمان والثاني هو للدكتورة شهناز مصطفى ستيتية. وهما كتابان اجتهد مؤلفاهما في إعطاء صورة متكاملة، أو شبه متكاملة، عن كمال ناصر، في جوانب شخصيته المتعددة، منذ شبابه الباكر حتى لحظة استشهاده. ومن خلال جولة سريعة في مختارات شعره التي حفل بها الكتابان المشار إليهما، استطعت أن أتأكد مما كان قد تكوَّن عندي عن كمال الشاعر والإنسان. وواضحة معاناته في كل أشعاره، معاناته المتعددة المصادر. فهو كان مهموماً منذ مطلع شبابه بقضية شعبه، أي منذ أن شهد انفجار ثورة ،1936 وصولاً إلى نكبة عام ،1948 وما بعدها من هزائم ونكسات ونكبات، مروراً بالحال الذي كان عليه شعبه، داخل السجن “الإسرائيلي”، وفي ظل الاحتلال، وفي مخيمات القهر والإذلال في البلدان العربية، ثم في ظل الصراعات الفلسطينية الفلسطينية والفلسطينية العربية. ولكن معاناته الوطنية العامة تلك، بمصادرها المختلفة، لم تكن وحدها المعاناة التي كانت سبب عذاباته، والتي يعبر عنها معظم قصائده. بل كانت له معاناته الخاصة الفردية، معاناة الإنسان الذي أحب وفشل، وناضل وقاسى، وتخفّى كثيراً، ودخل السجن كثيراً، وانتصر في معارك سياسية وحزبية وانهزم، وتنقَّل في المنافي من بلد إلى آخر، ثم في فرنسا التي أحبَّها، وضاق ذرعاً بوجوده منفياً فيها. وهي جميعها حالات عذاب عبَّر في شعره عنها، من دون أن يشعر لحظة واحدة أن ما قاله كان يكفي للتعبير الكامل عنها.

شخصية كمال ناصر تستعاد، بالنسبة لمن يعرفونه، من أجل أن تستعاد معه حقبة صعبة، ملأى برومانسية النضال وبفرحه، وملأى، في الوقت عينه، بالعذابات والمرارات، التي ولدتها الهزائم، ورافقتها ضبابية الرؤى عند الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الوطنية العربية بكل فصائلها، واقترنت باستبداد الأنظمة وبفسادها وبتخلفها، وبكثرة المؤامرات التي تمتد من “إسرائيل”، لتصل إلى الدول الكبرى التي ما تنفك جميعها، بنسب متفاوتة، تعذب الشعب الفلسطيني وتقهره، وتتركه فريسة عملية إبادة منظمة يمارسها العدو الصهيوني المهووس بعنصرية قل نظيرها.

وفي السياق من استعادة ذكرى الشاعر الشهيد لن أنسى واحدة من أحلى لقاءاتنا، يوم حضر المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني ممثلاً منظمة التحرير الفلسطينية، وجلسنا معاً في منصة الرئاسة، هو ولطفي الخولي وأنا. وكان ذلك في يناير/ كانون الثاني من عام 1972.

طابت ذكراك يا كمال ناصر.

مختارات

أختار فيما يلي بعضاً من نماذج أشعاره، في شكل سيكون مبتسراً، بالتأكيد، لكنه اختيار يشير، ولو بحدود، إلى ما ذهبت إليه في تقديري لمشاعره التي اختلط فيها الخاص بالعام، الإنساني الفردي بالوطني العام الذي يشارك فيه مشاعر شعبه المعذَّب. يقول بعد خروجه من أحد سجونه:

فما السجن إلاَّ احتقار الأملْ

وما المجد إلاَّ انتصار الفشلْ

وما النصر إلاَّ عذاب السنينْ

ثم يستبدل باليأس الأمل فيقول:

فلا تهدئي واعصفي يا رياحْ

فكل سجين بألف جناحْ

سينشقُّ عن قيده في الصباحْ

لينشر في الشعب حق الكفاحْ

ويسلي نفسه باعتباره رائد سجون ينتقل من سجن إلى آخر:

قد عدت لا أبالي

تشتاقني الزنزانَهْ

في دربها فضول

لا أدعي نسيانَهْ

سلخت فيه عمراً

مناجيا شيطانَهْ

يحملني بعيداً

في رحلة سكرانَهْ

أرى بها بلادي

دروبها ظمآنَهْ

وإذ يتذكَّر مجزرة دير ياسين يقول بأسى ومرارة:

دير ياسين والدماء الغوالي

لم يزل في العروق منها شقاء

والضحايا الأطفال كل صغير

بين جفنيَّ دمعة خرساء

فلذات تصيح عبر خيالي

وتنادي بأننا أبرياء

كل يوم…ضحية وشهيد

عربي وطعنة واعتداء

لكنه يقول حين يحاور الحبيب، في لحظة حزن ومرارة وفشل:

سأنسى بأني حملتك طفلاً

جميلاً شهيا

سأنساك في موجة الذكريات

وأخنق في الصدر كل نداء

كمال ناصر، «ضمير الثورة الفلسطينية» كما وصفه أبو النضال، كان «يتميّز بأوسع أفق ديموقراطي بين القادة الفلسطينيين آنذاك» أي أنه كان يتقبل الرأي الثوري المعارض لتوجهات القيادة، وكان معجباً بحماسة الشباب، ما جعله من أبرز عناصر التعبئة الثورية بوجه إسرائيل. ويفسّر ذلك وضعه على أعلى لائحة المستهدفين.

Be Sociable, Share!

رد واحد على “كمال ناصر ضمير الثورة الفلسطينية”

  1. الهام کاظمی قال:

    سلام علیکم
    ببخشید من دنبال غزل های کمال ناصر میگردم اگر شما دیوان یا عزلیات کمال را دارید برای من بفرستید

اترك رد

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash