تحمل ابنها الشهيد على كتفيها وتجوب به شوارع مدينة جنين.. إم أشرف خنساء من خنسا وات فلسطين

أضيفت من قبل anashoshia في Uncategorized 
لا ردود 

545 views

جنين – من أنس حوشية و لينا أبو الرُب

الصحفية لينا أبو الرب أثناء إجراء اللقاء مع إم أشرف

بدموع تملأ عيونها وبسمة رقيقة رُسمت على  شفتيها تتحدث إلينا عن لحظات تلقيها نبأ إصابة  نجلها ” محمد ” إصابة حرجة ومكوثه في المستشفى. وبقوة وفخر وعزيمة تتحدث عن نفسها، وقوة إرادتها وثباتها.

جميلة حسين أبو الهيجاء 54 عاما من مخيم جنين، تعود أصولها إلى قرية زرعين المحتلة عام 1948 قضاء حيفا. هذه الأم الفلسطينية ليست كأي أم عربية، وما يُميزها عزيمتها وعنفوانها وتضحيتها.

إم أشرف وهي تحمل نجلها محمد

تبدأ قصة هذه المرأة الفلسطينية عندما تهجرت وعائلتها من قريتها ” زرعين ” إلى مخيم جنين وترعرعت هناك. وتزوجت وأنجبت 3 أبناء و5 من البنات. عشقت الأرض والقضية وزرعتها في أفئدة عائلتها، وما لبثت أن تستقر في المخيم فإذا بشبح النزوح يلاحقها لتنتقل إلى الأردن عام 67 وهي في 12 من عمرها لتجد شلال الدماء ينتظرها في مخيم الوحدات حيث حرب الفدائيين لتبدأ مشوارها النضالي الذي رضعته من صدر أمها في فلسطين.

تقول ” كنت اطبخ  الطعام  للفدائيين ونوصله لهم مع نساء المخيم، وهناك تعرفت على  مسيرة الشهيد ياسر عرفات النضالية “.

وتضيف ” كنت أمر بين أشلاء الفدائيين في مخيم الوحدات وكانت مناظر تقشعر لها الأبدان. وفي حينها كان لا يُعفى حتى الطفل  والنساء من الرصاص “.

انتقلت وأهلها إلى سوريا و مكثت سنة لتعود وعائلتها إلى فلسطين كزيارة لمدة شهر، وقبل انتهاء مدة الزيارة صدر لهم شمل العائلة الذي جمعها مع عُمر أبو الهيجاء وهي في سن العشرين.

مشوارها النضالي

في 26 من عمرها كانت تجمع الملثمين من الفهد الأسود في الانتفاضة الأولى في بيتها وتقدم لهم الطعام والشراب وتغسل لهم ملابسهم وتراقب لهم المكان حتى يعود زوجها من عمله ليلا.

وتضيف ” كنت أوجههم من سطح المنزل لأماكن وجود الجيش لينجوا من الاعتقال أو الإصابة، وأنقل الرسائل من مكان لآخر وابني على صدري لعدم وجود وسائل اتصال “.

ويروي لنا زوجها أبو أشرف أنه وفي لحظة وجود المطاردين في المنزل كانت سلطات الاحتلال تداهم المنزل على غفلة كانت تقوم بإخفاء آثار المطاردين قبل وصول الجيش للغرفة.

وتقديرا لها تسلمت بدله باللون الأسود من الفهد الأسود من بين 12 بدله جاءت في حينها لمنطقة جنين ووضعوا لها وسام عليه علم فلسطين لتمييزها وإشارة للمطاردين.

استشهاد نجلها

بعد أن أنجبت 3 من الصبية و5 من البنات ربتهم وأرضعتهم حب فلسطين والوفاء والتضحية لأجلها، لكنً سُنة الحياة كتبت عليها أن تفارق مهجة قلبها ” محمد ” على حد تعبيرها.

دقائق معدودة وبغمضة عين خُطف محمد من بين يديها، تقول ” أغمضت عيوني لأخذ قسطا من الراحة لكي ألاقيه وأعد له العشاء، لأستيقظ على خبر إصابته إصابة خطيرة وأنه في المستشفى، وبعد أن وصلت المستشفى وبعد مرور ساعتين اتضح لي الأمر بأن محمد قد استشهد “.

وتضيف ” بعد أن كان يملأ علي حياتي ودنيتي، ولم أكن أتخيل أن أتقبل موضوع استشهاده، كان استقبالي لنبأ استشهاده أمر طبيعي جدا ولم أصدق بأنني أنا! صبر وتحمل وجلد “.

الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان:

لكل قصة بطل، وكل بطل له مذكراته وسيرته، تحدثنا أم أشرف عن نجلها ” محمد “

كنت أنتظره حتى يغفوا وأخبئ سلاحه وجواله لكي لا يتصل عليه أحد ويزعجه، وأقوم بخلع جواربه وحذائه وهو نائم “.

تضيف كنت أشتري علبة العسل و أضعها بمكان خاص له وأقول لوالده ” الحلو للحلو ” وعندما يستيقظ كنت أحضر له الفطور وأقلي له الجبنة وهي الأكلة المفضلة له والعسل.

وعندما كنت أطبخ طبخة تعبجه، كنت أخبئ له حصته حتى يعود لللبيت وأتناول العشاء له “.

ليلة الاستشهاد:

تروي أم أشرف تفاصيل الليلة الأخيرة من حياة محمد وتقول ” كنت أجهز له ولرفاقه العشاء وأغلي لهم الشاي فكان يوصلهم البيت ويخرج وعلى مدار يومين تابعته فإذا هو يتوجه للجبل ويطلق النار لكي يتفحص الجبل ويؤمن على رفاقه وكان يقول لي دائما ” أموت أنا لحالي ولا نموت كلنا “.

وتضيف: كنت عندما اسمع صوت رصاص أقول لوالده رن على محمد اطمئن عليه ويرد علي بأنه من الخطر أن أتصل به في مثل هذا الوقت.

وتمضي في حديثها ويداها ترجف ” كل ليلة كنت أقضيها على الشباك وفي ليلة مظلمة سمعت صوت رصاصة وقلت أروح أنام أتريح لبين ما يوصل محمد وأصحابه واجهزله العشاء وراحت عليه نومه “. وعلى صلاة الفجر وصل أخوي علاء وصحاني من النوم وقلتله يا حبيبي يخوي جاي تصحيني بدك تسافر؟ فرد يختي حمودة تصاوب! ورديت عليه لأ بقدرش أشوفه مريض ولا مصاب ما تقول هيك، وقال لي إصابته خفيفة ولبست ثيابي وتوجهنا إلى المستشفى.

تُكمل حديثها ” ولحظة وصولي تفاجئت بأن الأطباء منعوا من إخباري، وسالت عن محمد قالوا بأنه في غرفة العمليات وانتظرت مدة نصف ساعة على مدخل الطوارئ وبعدها صرت أحس نار في قلبي.

محمد الذي ولد بتاريخ 21\1\1984 واستشهد 2/7/2007 وهو في ألـ 23 سنة، اعتقل لمدة 18 شهرا لدى جيش الاحتلال وأفرج عنه في  عملية افراجات للسلطة.

عدت إلى الطوارئ لأسأل عنه والدكاترة ساكتين وجاء زوجي وإخوتي ووالدي وقالوا لي نامي ارتاحي وخلي الدكتور يعطيك إبرة ترتاحي  قلتلهم أنا مش مريضة ليش أنام؟ ومش تعبانة.

بعدها خرجت إلى الشارع لانتظر خروج محمد من العملية ولحق بي شقيقي جميل وعلاء وامسكوني بيدي وقالوا لي تعالي نفرجيكي محمد ومشيت معهم وإذا بهم يتوجهون بي إلى ثلاجة الموتى وفي الطريق التقيت أصدقائه ووقتها شعرت بأنه استشهد.

يقول أبو أشرف زوجها بأنها بدأت تتحدث مع نفسها وتقول بقدرش أعيش من غيره ونرد عليها هينا موجودين وولادك وبناتك .

تعود أم أشرف للحديث  ” ولحظة دخولي للثلاجة وجدت أصدقائه ينظرون لبعضهم البعض وغير قادرين على الاقتراب مني، وعندما فتحوا باب الثلاجة لم اصدق ما يحصل نزل علي الصبر من الله وصرت امسح له الدم عن وجهه وامسح له جسمه، ووجهه مثل البدر ورأيت الرصاصة التي دخلت من وجنتيه وخرجت من أذنيه وجسمه مرصع بالرصاص. وأدعو له بأن يحتسبه الله شهيد “.

بعدها توجهت من المستشفى أنا وبنتي إلى البيت وتوضأت وصليت ركعتين شكر لله بأن اصطفاه شهيد. و أحضروه إلى البيت وقلت للنساء قبل وصوله لا تبكين على استشهاد ابني محمد وادعين له وبس وزغردن.

ولحظة وصوله البيت وضعوه على باب الغرفة وطلبت علبة العطر الذي كان يستخدمه وقمت برشها عليه كاملة.

حملوه وأخرجوه لكي يواري الثرا وطلبت بأن أحمله على كتفي مع الشباب وفعلت.

أبكت الجميع من حولها وهي تخاطب أبنها الشهيد وهي تودعه ولم تنزل لها  دمعة  وتقول ” يا حبيب أمه يا حمادة الله يرضى عليك “.

وتُكمل حديثها وهي تدعي له ” وصلنا باب المستشفى ومن هناك جابت المسيرة شوارع جنين وهو على كتفي مع الشباب وأنا امسح له دمه الذي ينزف. ووصلنا المقبرة وبقيت فوق رؤوسهم حتى أنزلوا عليه التراب و كان دمه سائل ينقط وكأنه مستشهد في حينها “.

ويختم أبو أشرف حديثه معنا بقوله ” من حق الشعب أن يدافع عن نفسه في ظل وجود الاحتلال ويجب أن تبقى المقاومة حية وموجودة حتى النصر “.

Be Sociable, Share!
 


فضلا اكتب ردك هنا:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash