نوفمبر
10
في 10-11-2013
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة

كثيراً ما أسألُ نفسي عن حاجتي للكتابة، ولماذا لا أقدر على الصمت، وهل حقّاً أنَ للكتابةِ إلحاحاً غريزياً كالطعام والنوم ؟ماذا لو توقفت عن الكتابة، وصمتُّ هكذا دون أن أكتب حرفاً واحداً.

لقد توقفت عن الرسّم نهائياً منذ عشر سنوات وتوقفت عن الكتابة اليومية، هل كان الرسم والكتابة اليومية عادة فقط تخلصت منها ؟

البارحة كنتُ أتجولُ بشكل اعتباطي بمعرض الكتاب والذي افتتح يشكل رسّمي في مدينة البيرة في أرض المعارض ،وأعترف أنني لا أخطط لشراء الكثير من الكتب ،ولا توجد برأسي عنواين محددة أبحث عنها بلهفة ،ففي مكتبتي الصغيرة عشرات الكتب التي لم أتصفحها بعد ،بل على العكس تمتد يدي دوماً لكتبٍ  بعينها قرأتها أكثر من مرة،وأعترف لا أسباب جوهرية أوردها لذلك سوى الكسل ،وعدم القدرة على البقاء في وضعية واحدة للقراءة لساعات .

توقفتُ عن الكتابة اليومية والرسم فتوقفت القراءة تلقائياً، صارت القراءة عالماً غير مدهش ولا يمنحني السعادة،هل مطلوب من الكتب أن تحققَ ذلك ؟

لماذا توقفت عن القراءة ؟

لماذا توقفت عن أشياء كثيرة أخرى بعدها :المشي والتسكع في الشوارع ،الخروج للمقاهي، الكتابة اليومية ،الرسم ،ومتعة مراقبة وجوه الناس في حراكهم اليومي ،ببساطة توقفت عن الحياة ،ولكنني لم أصمت ،أكتشفت أنني استعيض عن كل ما سبق بالثرثرة وأكتشفت بعد حين أنني غبت عشرة أعوام ،لا أدري كيف مرت ولا كيف كانت ،وكيف سقط هذا الحائط بيني وبين كل البشر وتحجر إلى هذا الحدّ .

أجل هو شأنٌ خاص جداً، أفرزته شؤون عامة، تماماً كما تتراجع السلحفاة منكمشة داخل بيتها الصلب مع اشتداد الخطر.

وبدأ ينتابي الفزع والملل ،لذا كان عليّ أن أجد طرائق أخرى أنفق فيها الوقت الطويل والساعات الثقيلة ،اكتشافي للفيس بوك كان متأخراً نسبياً ،لكنه أعادني بشكل أو بآخر  للكتابة والقراءة وأن كانت بشكلٍ متقطع.

البارحة وأنا أتجول في معرض الكتاب كنت أنظر للكتب بالكثير من الندم والحسَرة ولا أقول الشوق ،أوسوس في نفسي :ربي لماذا لم تتوافر كل هذه الكتب بين يدي وأنا مراهقة ؟

بالطبع  لا أهتم كثيراً بطبعات الكتب الفاخرة وألوانها الجاذبه ،ولكن تحرقني فكرة أنني لم أقرأ هذا الكتاب أو ذاك ،وتعيدني لزمن جميل وغريب كان لي حظّ وعشته .

أول كتابٍ تسلمته في حياتي وأنا في عمر السادسة ،قصة اشتراها لي والدي رحمه الله ،وهو كتاب بسيط جداً وتعليمي ،ولكن بعدها لم أتوقف عن القراءة أبداً ،قرأت في سنين طفولتي كل ما وقع تحت يدي، وعندما لا أجد كتاباً أعود لقراءة كتبي المدرسية ،حتى انتقلت لمدرسة جديدة تحوي مكتبة بدت لي حينها ضخمة وكبيرة جداً كنت في الثانية عشرة من العمر،وخلال ثلاث سنوات كنت وصديقتي قد أتينا على  معظم كتبها ،بتنافسٍ مرحٍ وجميل يصلُّ في حدته أحيانا للغضب الصغير والإفتراق ليوم أو أثنين ثم نعود تجمعنا غرفة المكتبة .

كانت العادة أن نستلم الكتب ظهيرة الخميس ونعيدها صباح الأحد،ثم نستلم الكتب صباح الأحد ونعيدها ظهيرة الخميس،وكان يرافق هذا جلسة تعليمية  يوم مخصص للأفلام وأخر للمكتبة ،وكنّا نخصص دفتراً نلصق عليه طابع مكتبة ،نلخص به الكتاب الذي تمت قراءته ،وكان هذا يحدث كحصة صفية ،بمعنى مطلوب من جميع الطالبات إنجازه ،نجح هذا المنهج في نشوء نادي المكتبة ،وكان الانتساب له طوعياً ويضم طالبات من صفوف مختلفة ،كنت وصديقي نادرة أصغر المنتسبات ،ومع ذلك منحتنا المعلمة فرصة لأمانة المكتبة وترتيبها ،فلقد كان ألأمر دورياً بين الطالبات وبالعادة يمنح لطالبات الصف الثالث الأعدادي أكبر الصفوف في مدرستي الإعدادية،خلال هذه الفترة تعرفنا على معظم الكتب وقرأت وصديقتي بشكل مشترك الكثير من الروايات والشعر،وبالطبع صرت قادرة على أن أستعير كتاباً بشكل يومي.

كانت نادرة تميل بشكل كبير للكتاب المصريين عامة ،ومغرمة بكل ما يخضهم سياسياً ووطنياً وكنت مثلها،وكانت تصرح دائماً أنها وفدية،وكنت أصرح أنني أحب جمال عبد الناصر ،ولكن أختلفنا بعدها ولسنوات فلقد رفضت باكرأً وربما بتأثير من أبي ،فكرة أن أتحمس للوفدين أو غيرهم ،كان أبي يقول:” ميزة جمال عبد الناصر أنه زعيم العرب وليس زعيم مصر” وكان يصرُّ دوماً أن جنازة عبد الناصر هي الأعظم بالتاريخ ،وكان يقول أحياناً هذا الرجل سار في جنازته بشر  أكثر من نبيّ، ولا يتبعه في ذلك إلا عبد الحليم ،وكان أبي يحبُّ الحبيب بورقيبة ويقول أنه أفهم العرب على الاطلاق وأكثرهم فهماً بالسياسة وكنت أؤومن حينها  بما يقول .

اشترى لنا أبي مكتبة من خشب بلون عسليّ خلال هذه الفترة ،كنا نرصّها بالمجلات وما توفر من كتب،وكانت شقيقتي الكبرى تميل للراويات ،أما أنا فكنت أحبُّ الكتب الغريبة،فلقد أحضر أبي مع المكتبة المستعملة،كمّاً هائلاً من كتبٍ ومجلات مستعملة أيضاً وأكثرها ممزق ،أنقذت وشقيقتي ما استطعنا من كتب وقمنا باستحداث أغلفة كرتونية ،ولصق ورق أبيض خلف بعض الأوراق المهترئة ونسخ بعض الأوراق،أبي كان بالكاد يقرأ ويكتب،لكنه كان يحبُّ أن نقرأ له بعض الروايات،قصة الأمير سيف بن ذي يزن  تحديداً  وعنترة.

في بيت جدّي كانت هناك مكتبة تركها أحد أبناء الجيران وسافر لإكمال دارسته في إسبانيا ،كان بيتهم ضيقاً وفوضوياً ،خاف على كتبه ،وبيت جدي لأبي رصيناً جداً وواسعاً ،أعاروه الغرفة الطينية، وتلك أول مكتبه أزورها في حياتي، تحديداً في ساعات الظهيرة بعد أن ينام الجميع ،تسمح لي عمتي بالدخول مع اشارتها الواضحة بضرورة الصمت والتزام الهدوء وعدم تخريب أي شيء ،فجدّي لا يحتمل الصغار ولا يحبّ البنات تحديداً ،حلال ساعات كان عليّ أن أقرأ أقصى ما استطيع ،فلا توجد إعارة أبداً في المكتبة الطينية ،وغير مسموح لي باصطحاب رفيقاتي ،ولكن أنا كانت لي حصة من الشاي وقطعة جبن بيضاء  مع خبز أسود.

أغادر المكتبة حالما يبدأ جدي بالصحو، أتسلسل للحديقة الواسعة وأذهب لعمتي في المطبخ ،نمضي ما تبقى من وقت في الحديث حول ما قرأته ،أساعدها في غسل الأطباق ،وأخرج لأجد كل أولاد حارتي ينتطرون أمام باب جدي الصارم والحديدي ،كانت بوابة بيت جدي لا تغلق أبداً ولكنّها لا تسمح بالدخول بتاتاً للأطفال،نلعبُ كثيراً حتى ساعات المساء وأكرر الوعد لصديقتي حنان بأخذها معي يوماً لبيت جدي،أحكي لها عن ما قرأته في مجلة العربي تحديداً فلقد كانت تشكل معظم المكتبة ،وتكرر ثانية  الطلب بدخول بيت جدي وأكرر الوعد.