أكتوبر
31
في 31-10-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة

 

أمل جمعة
لئيمة هي الأماكن عندما تحاول استعادة الزمن، كي لا تفشل تحدثه سراباً، تتمادى في تفاصيله فلا هو لامع لندركه، ولا باهت لنشيح عنه، تفرشه بوقاحة (سرابها) على شاكلة مساء يَتكرر، تلك خديعة الأمكنة !
 هي لا تُغير أحوالها كثيراً، تتمسك بجغرافيا واحدة كحرزٍ من التقدم بالسن وغياب أصحابها، من يملك الآخر يا ترى؟ ومن يصنع الحكاية؟ المكان أم عاشقه؟
تحافظ الأماكن على تفاصيلها بشجر وعشب  وثبات صخر على حاله، تميل  دائماً لذات الاتجاه، الظل يأتي بذات الدرجة من اللون، لا فرق بين الرمادي والأخضر هنا إذا رحل الضوء،  ولا بين  جذع الشجرة اليابس من العطش والآخر الهرم ( الجفاف واحد) تماماً كجوع رضيع  وجدّه لغياب الأرملة الشابة ذات ظهيرة (البكاء أيضاً واحد هنا)، لا فرق يذكر حتى لو توارى الجد باكياً في ظلمة الليل، وانفجر الرضيع صراخاً في أوج الظهيرة، الملح ذاته يتكرر في حموضة  الدموع، ذات السلسلة الجينيّة وفجيعة الفقدان.
من يملك الآخر ومن يبكي أكثر عند الرحيل؟
 تبكي الأماكن، وتفجع بالغياب وتصاب بالكآبة، ويشيب منها الشعر تماماً، وتحب زماناً وتكره أخر، وتمكر وتتزين وتكشر كثيراً وتضحك وتعبث بنا، تسقط ذات يوم ولكنها (لئيمة جداً) لا تمنحنا (نحن المُلاك الصغار) الفرصة للتعرف على مفرداتها ولغتها وشهقة النهاية، من شهد منكم مكاناً يموت فليصفه لي، ومن شهد منكم مكاناً يشيب ليخبرني هل يتحول أيضا للّون أبيض؟
الأماكن تختار مقابرها أيضاً كما تختار عشاقها، وتطرد من لا تحبهم، وتختار النهايات. الزمن على خفته وانعدام تكراره عابر فيها وقليل الحيلة وشديد الغرور. هو سيف قاطع وهي جسد مثخن بالجراح.
الأماكن، نساء مقتدرات وطيبات، ودائماً في عمر الصبا.
ثلاث مقاعد أو أربعة أو أكثر أو أقل تتناوب على ذات المكان، وجوه وأقدام وأصابع ونملُ كثير يتصارع على صخر قلبه/ تحمي الأمكنة ذاتها بفقدان الذاكرة كل يوم وقلة الاشتياق، لا تحنُ الأماكن لأحد، تمارس أحياناً هذه اللعبة عندما تحافظ لنا على مشهد دائم ولكنها (لئيمة) تمنح هذه الشعور لكل العابرين وبلا ثمن.
لا تتذكر الأماكن كثيراً من صاغها للمرة الأولى ولا تحفل إن تغير الملاك والعابرين والمقيمين والعشاق، وجاهزة دوماً للصور، لا ترفض ما نكتبه عنها ولا تقبله، تلبسه وتلبس فوقه ألف ثوب ولا تتغير.
تماما كنا نحن الثلاثة في ذات المكان نتبارى في وصف سيرته الأخاذة وحصته من دمنا ولهاثنا وخيبتنا، كان صراعنا كبيراً أودى بكل ما جمعناه هنا (في هذا المكان اللئيم) وما حملناه عنوة لها، الأمكنة براء من صراعنا.
فقط تغير شيء واحد: لم نجلس على ذات المقاعد. طفلُ شقي بدل في لعبة الكراسي مواقعنا. صار الصامت متكلماً، وصار المتكلم عابساً، وصار العابس ضاحكاً، وصار الضاحك صامتاً. صرخنا الثلاثة مرة واحدة: أين ذهب المكان الذي أحببناه؟ وأعلنا نحن الثلاثة: لقد تغير المكان !
الأماكن تختار ترابها كما تختار عشاقها وتختار قبورها أيضاً، لئيمة جداً هي الأمكنة وماكرة عندما تموت.