يونيو
09
في 09-06-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة

-1- رتّبت وحدتها على شكل جديلة ثومٍ مدلاة من ساقها لتمكث طويلاً. رشتْ حفنةً من السكر في ثقب مفتاحها وثلاث كلمات كافية لزادٍ طويل، أو هكذا قالت وهي تغلق النافذة وتنظف زجاجها بإتقان تحسد عليه. ضحكت عندما كسرت (بالخطأ) زجاجة العطر، ترطب المكان رغماًً عنها بغيمةٍ لم تقبض حتى الآن على ماذا تكون، هل الرائحة طعمٌ للأذن؟ اعترفت لحائطها العاري تماماً: لا أعرف ما هي الرائحة ولا أخجل من سري الآن؟ هل تعلم أنت؟ كسرت عنه مرآتها كانت ترى صورتها تسقط فتاتاً على الأرض بهدوء وبلا ضجيج وكذا كان مصير الستائر و و و….. لَعقتْ العطر المسكوب مرات ومرات، لذعة في اللسان وحرقة في العيون ولا شيء آخر، أكملت ترتيب وحدتها بتفاصيل لا بد منها، مطرٌ صاخب عليه أن يهطلَ طوال العام، قمرٌ معتزل عليه أن يغيب ولا ضير إن أنار في ركن آخر فقط ليكون قصياً عن نوافذها.. تأكدت أن الفراغ المتبقي بين النافذة والنافذة يصلح لرقصة كاملة ودوران آمن، سدت الثقوب بأجمل شالٍ لديها وبصورتين، ألقت بأحذيتها جميعاً من النافذة ومعطفها وآخر وردة حمراء كانت مغروسة بقبعتها لا حاجة لها بطرائق زينة جديدة أو هكذا قاات….! -2- عليها من الآن وصاعداً أن تعتادَ وظيفتها الجديدة (النسيان) قراءة المزيد »

يونيو
03
في 03-06-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة

هوامش الإصبع  السادسة
      أمل جمعة
حكايات  تكتب بالرصاص
تلك الحكايات على الهامش، دائما تمر ،لكنها تخص شخصا آخر، لا تثير شهية احد.
يقول لي : والقائل مفتوح الإحتمالات،أعطني فكرة أكثر حداثة مهمة الفن أن يفجر أن يكتب عن العازفين خارج اللحن وخارج النص، تلك قصة تقليدية  تتشابه بها عشرات النساء .
لذا كل ما سأقوله في الحكاية التالية بارد وبليد ولا يمتلك بريق الدهشة ولكنه زمن افتراضي لنحلة تدور في فضاء الوردة.
أعود من بريق المدينة الآخاذ (ذاك من ضرورات القصة ) إلى البلدة الصغيرة حيت تكون احتمالية أن ترى ذات الوجوه عالية جدا ، تقترب مني الوجوه ألفة أو فضولا لدرجة الازدحام , وأركز في تأمل الشارع المعبد و قهوة الانترنت المقامة بلونيّن ( ازرق وابيض ) على طرف الشارع  ،الشباب  مزهوّن بأنفسهم لأسباب عادية ، لم تعبث  الأسئلة برأسهم بعد ، زهو الفتوة ربما .
الفتيات يُقلبّن ملابس الشتاء ، تبدو لي منسجمة إلى حد بعيد مع الذوق العام (ميزات الإنتاج المحلي) أخر ما أنتجته دور الأزياء بأكمام طويلة وطول فائض، في الزاوية  محل يعرض تنانير  “ميني جوب”  وقمصان بلا أكمام أخر دفعة من ملابس الصيف.
كانت المدينة منشغلة _عنها وعني_ تستعد لشتاءٍ موحل وجنازات كثيرة وأفراح متأخرة ،مثل عرسها تماما ،على استحياء تختار ملابس نومها وبحياد تام تتناول الألوان الزاهية وكأن ما اختارت لا يخص جسدها بالذات ،وبذات البرود تتعامل صاحبة المتجر فالعروس في الأربعين وكم مشترياتها متواضع_لا بهجة في فاكهة أخر الموسم _ تسألها البائعة عن أي لون تريد وتقول لدي هنا مجموعة من الألوان” الراكزة”_ ذاك مصطلح شعبي للّون الهادئ وهنا قمصان نومٍ أكثر احتشاما ، تضحك العروس من تعبير الاحتشام ،تبدو البائعة ضيقة الروح ولا تحتمل الجدل وتبيع بضاعة لا تنظر إليها بالكثير من الاحترام .
أتطلع في المعروضات شديدة الفتنة وغالية الثمن ، أقول لها مشاكسة أتستحق هذه المعروضات أسعارها الباهظة ، تجيبني ببرود وبشكل آلي :” ذاك جهاز العرائس الغالي للغالية ” .
“العروس” يا الهي كم لها من الإثارة والاشتهاء ، لكنني اشعر دوما بتعاطف غريب مع العروس ، وأحس بحيرتها بين الفرحة والتردد ،وتدمع عيني كلما غادرت عروس بيت اهلها ،فلست احتمل كم الاسى في اغاني الوداع ، تقول لى شقيقتي بعد ان رحلت اميالا واميال من بيتها الجديد ” اتصدقين يا ريت ابوي حلف على اتعشى ” وتلك اغنية دائما ماترددها النساء كلما فاضت عيون عروس بالدمع واقبل اخوتها وابناء عمومتها للوداع تبكي النساء ويسارع الرجال لانهاء الطقس بسرعة ربما كي لا تسقط دموعهم ، ويفسدون طقساً كانوا به دوما اشداء .
لا زلت امتلك مَلكة الأطفال في الرغبة الآسرة برؤية العروس ليلة عرسها ،لي شوق خاص لم أتخلص منه رغم تراكم سنوات عمري لأتجاوز هذا الفرح الطفولي ، لكنني مع العروس الأربعينية شعرت بحزن بطعم حارق ومؤلم، فهي سترحل بعيدا لتكون زوجة ثانية لرجل أصبح جداً منذ سنوات عشر ، ولم يبقى لها من خيار ، تقول لي مبررة :”عِفتُ حياة الوحدة وتقافزُ أبناء الإخوة محملين بلؤم أمهاتهم ، ينظرون إليّ كجيب منتفخ وعمة مسخرة لخدماتهم ، مللت من الإجابة الكاذبة على السؤال السخيف متى تتزوجين ؟ واخترت البعد ففيه رحمة و سترٌ لأحزان تقتل القلب ، جف القلب والأحلام لم تزل أحلام “.
تعبر عروس شابة في السابعة عشرة متوردة وضاحكة كأنها تملك الكون ، تلم العروس الأربعينية قمصان نومها المحتشمة على عجل فالشباب المندفع يذكرها بان زمانها ولّى ، يقبض العريس على أنامل فتاته ويتجهان سوية لقميص نوم اصفر فاقع .  اشعر بذات الأسى نحو الطفلة الصغيرة، وأعبر خارجا ووالدتها تهمس بأذن البائعة “نريد أجود الأنواع وأغلاها “، ابتسامة تعلو وجه البائعة وتدب الحياة في وجهها ، أعود مرة واحدة واسألها كم تتقاضي  أجرا؟ تجيب برتابة تامة فقط ثمانون دينارا .هل للسؤال من مبرر؟
 أتذكر فتاة كانت تسير على الطريق قبل عشرين عاما كنت طفلة وكانت هي في أولى سنواتها الجامعية تزهو بمعطف بني وتضع على كتفيها شالا اصفر ، وتدرس التاريخ كنت ألقاها   كل صباح أنا لمدرستي الإبتدائية وهي لمدينة أخرى ، وكان الزمن جميلا احلم أن اذهب مثلها يوما ما وهي توزع الابتسامات على جيلي الفتي ،
أقول لها ونحن نعبر الشارع المزدحم بفتيان صاخبين :” لكن كان بالإمكان خيار أفضل، تسأل ساخرة لمن؟؟ لي أم للطفلة في المتجر، اشعر بعجز قاتل ترى كيف يشعر العنكبوت عندما ندمر بيته في حمى التنظيف ، نرفعه بكل بساطة وبطرف المكنسة نهشم العنكبوت المفزوع ، هل تبدو حياة بعض البشر بمثل قدر العنكبوت التعس ، تقول :”ما الذي حدث لي أهو سوء الحظ أم سوء التخطيط ؟هل نملك حقا ما يحسب علينا من عمر؟ _تقول بأسى”_ لم يتبقََ ما افعله فلست ذاهبة بحلم بطن ينتفخ وطفل يحبو ،لست اقبل على هذا الزواج ولي  خيالات حب أو افتراضاته لم أرى زوجي إلا في صورة ورقية عبر الانترنت ، تخيلي إنني أزف إلى رجل مزيجاً من صوت عبر جهاز معدني وصورة الكترونية، سأقول لك سراً  كنت قد رتبت حياتي على نحو آخر منذ أن تجاوزت الخامسة والثلاثين واعتقدت انه الحل الأمثل ، كنت أقول لن أتزوج من رجل دون حب ومحال أن أكون زوجة ثانية ، استسغت او أقنعت نفسي ببيت مرفه مع والدتي وسيارة صغيرة وأطلقت شعاري استطيع البقاء دون رجل كنت أكرر هذا على نفسي كل صباح كأنه فرض مقدس، لكن خطف الموت مني أمي ذات صباح وإذ بي وحيدة وأعود للمربع الأول.
المدينة تختفي أشجارها واحدة تلو الأخرى لتفسح المجال لعمارة جديدة ، مراييل الفتيات تقصر وتصبح أشبه بقميص طويل ، الضفائر المزينة بشرائط بيضاء تختفي ويحل مكانها شعر ملون ، أرى كتباً ملقاة في الشارع العام هناك هروب جماعي تنطمه الفتيات لست أعي وجهته ،الشباب الغارقون بحلم الحياة لا يجدون الا الموت أمامهم ، لا .. لا تصدقوا  ذاك إنحباس الدموع لحظة الوداع ،غباش اللحظة فقط .
تغادر الإثنتان  في ذات اليوم بيت الأهل، أما الصغيرة فتكبر عشر سنوات دفعة واحدة ،وأما الأربعينية فتودع الأصدقاء وبقايا الأهل ،تخرج ترافقها عيون أم من السماء. يسجل قاضٍٍ في دفتره الضخم عمر العروس سبعة عشر عاماً وفي الصفحة التالية عمر العروس أربعون ، الغريب لا تشده المفارقة . 
سؤال فلت مني  لماذا لم تتزوج قبل الآن ؟ ولكن سؤال آخر يحتل ذهني ولماذا تتزوج الصغيرة الآن ؟؟  
amalwehda@yahoo.com