نوفمبر
10
في 10-11-2013
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

كثيراً ما أسألُ نفسي عن حاجتي للكتابة، ولماذا لا أقدر على الصمت، وهل حقّاً أنَ للكتابةِ إلحاحاً غريزياً كالطعام والنوم ؟ماذا لو توقفت عن الكتابة، وصمتُّ هكذا دون أن أكتب حرفاً واحداً.

لقد توقفت عن الرسّم نهائياً منذ عشر سنوات وتوقفت عن الكتابة اليومية، هل كان الرسم والكتابة اليومية عادة فقط تخلصت منها ؟

البارحة كنتُ أتجولُ بشكل اعتباطي بمعرض الكتاب والذي افتتح يشكل رسّمي في مدينة البيرة في أرض المعارض ،وأعترف أنني لا أخطط لشراء الكثير من الكتب ،ولا توجد برأسي عنواين محددة أبحث عنها بلهفة ،ففي مكتبتي الصغيرة عشرات الكتب التي لم أتصفحها بعد ،بل على العكس تمتد يدي دوماً لكتبٍ  بعينها قرأتها أكثر من مرة،وأعترف لا أسباب جوهرية أوردها لذلك سوى الكسل ،وعدم القدرة على البقاء في وضعية واحدة للقراءة لساعات .

توقفتُ عن الكتابة اليومية والرسم فتوقفت القراءة تلقائياً، صارت القراءة عالماً غير مدهش ولا يمنحني السعادة،هل مطلوب من الكتب أن تحققَ ذلك ؟

لماذا توقفت عن القراءة ؟

لماذا توقفت عن أشياء كثيرة أخرى بعدها :المشي والتسكع في الشوارع ،الخروج للمقاهي، الكتابة اليومية ،الرسم ،ومتعة مراقبة وجوه الناس في حراكهم اليومي ،ببساطة توقفت عن الحياة ،ولكنني لم أصمت ،أكتشفت أنني استعيض عن كل ما سبق بالثرثرة وأكتشفت بعد حين أنني غبت عشرة أعوام ،لا أدري كيف مرت ولا كيف كانت ،وكيف سقط هذا الحائط بيني وبين كل البشر وتحجر إلى هذا الحدّ .

أجل هو شأنٌ خاص جداً، أفرزته شؤون عامة، تماماً كما تتراجع السلحفاة منكمشة داخل بيتها الصلب مع اشتداد الخطر.

وبدأ ينتابي الفزع والملل ،لذا كان عليّ أن أجد طرائق أخرى أنفق فيها الوقت الطويل والساعات الثقيلة ،اكتشافي للفيس بوك كان متأخراً نسبياً ،لكنه أعادني بشكل أو بآخر  للكتابة والقراءة وأن كانت بشكلٍ متقطع.

البارحة وأنا أتجول في معرض الكتاب كنت أنظر للكتب بالكثير من الندم والحسَرة ولا أقول الشوق ،أوسوس في نفسي :ربي لماذا لم تتوافر كل هذه الكتب بين يدي وأنا مراهقة ؟

بالطبع  لا أهتم كثيراً بطبعات الكتب الفاخرة وألوانها الجاذبه ،ولكن تحرقني فكرة أنني لم أقرأ هذا الكتاب أو ذاك ،وتعيدني لزمن جميل وغريب كان لي حظّ وعشته .

أول كتابٍ تسلمته في حياتي وأنا في عمر السادسة ،قصة اشتراها لي والدي رحمه الله ،وهو كتاب بسيط جداً وتعليمي ،ولكن بعدها لم أتوقف عن القراءة أبداً ،قرأت في سنين طفولتي كل ما وقع تحت يدي، وعندما لا أجد كتاباً أعود لقراءة كتبي المدرسية ،حتى انتقلت لمدرسة جديدة تحوي مكتبة بدت لي حينها ضخمة وكبيرة جداً كنت في الثانية عشرة من العمر،وخلال ثلاث سنوات كنت وصديقتي قد أتينا على  معظم كتبها ،بتنافسٍ مرحٍ وجميل يصلُّ في حدته أحيانا للغضب الصغير والإفتراق ليوم أو أثنين ثم نعود تجمعنا غرفة المكتبة .

كانت العادة أن نستلم الكتب ظهيرة الخميس ونعيدها صباح الأحد،ثم نستلم الكتب صباح الأحد ونعيدها ظهيرة الخميس،وكان يرافق هذا جلسة تعليمية  يوم مخصص للأفلام وأخر للمكتبة ،وكنّا نخصص دفتراً نلصق عليه طابع مكتبة ،نلخص به الكتاب الذي تمت قراءته ،وكان هذا يحدث كحصة صفية ،بمعنى مطلوب من جميع الطالبات إنجازه ،نجح هذا المنهج في نشوء نادي المكتبة ،وكان الانتساب له طوعياً ويضم طالبات من صفوف مختلفة ،كنت وصديقي نادرة أصغر المنتسبات ،ومع ذلك منحتنا المعلمة فرصة لأمانة المكتبة وترتيبها ،فلقد كان ألأمر دورياً بين الطالبات وبالعادة يمنح لطالبات الصف الثالث الأعدادي أكبر الصفوف في مدرستي الإعدادية،خلال هذه الفترة تعرفنا على معظم الكتب وقرأت وصديقتي بشكل مشترك الكثير من الروايات والشعر،وبالطبع صرت قادرة على أن أستعير كتاباً بشكل يومي.

كانت نادرة تميل بشكل كبير للكتاب المصريين عامة ،ومغرمة بكل ما يخضهم سياسياً ووطنياً وكنت مثلها،وكانت تصرح دائماً أنها وفدية،وكنت أصرح أنني أحب جمال عبد الناصر ،ولكن أختلفنا بعدها ولسنوات فلقد رفضت باكرأً وربما بتأثير من أبي ،فكرة أن أتحمس للوفدين أو غيرهم ،كان أبي يقول:” ميزة جمال عبد الناصر أنه زعيم العرب وليس زعيم مصر” وكان يصرُّ دوماً أن جنازة عبد الناصر هي الأعظم بالتاريخ ،وكان يقول أحياناً هذا الرجل سار في جنازته بشر  أكثر من نبيّ، ولا يتبعه في ذلك إلا عبد الحليم ،وكان أبي يحبُّ الحبيب بورقيبة ويقول أنه أفهم العرب على الاطلاق وأكثرهم فهماً بالسياسة وكنت أؤومن حينها  بما يقول .

اشترى لنا أبي مكتبة من خشب بلون عسليّ خلال هذه الفترة ،كنا نرصّها بالمجلات وما توفر من كتب،وكانت شقيقتي الكبرى تميل للراويات ،أما أنا فكنت أحبُّ الكتب الغريبة،فلقد أحضر أبي مع المكتبة المستعملة،كمّاً هائلاً من كتبٍ ومجلات مستعملة أيضاً وأكثرها ممزق ،أنقذت وشقيقتي ما استطعنا من كتب وقمنا باستحداث أغلفة كرتونية ،ولصق ورق أبيض خلف بعض الأوراق المهترئة ونسخ بعض الأوراق،أبي كان بالكاد يقرأ ويكتب،لكنه كان يحبُّ أن نقرأ له بعض الروايات،قصة الأمير سيف بن ذي يزن  تحديداً  وعنترة.

في بيت جدّي كانت هناك مكتبة تركها أحد أبناء الجيران وسافر لإكمال دارسته في إسبانيا ،كان بيتهم ضيقاً وفوضوياً ،خاف على كتبه ،وبيت جدي لأبي رصيناً جداً وواسعاً ،أعاروه الغرفة الطينية، وتلك أول مكتبه أزورها في حياتي، تحديداً في ساعات الظهيرة بعد أن ينام الجميع ،تسمح لي عمتي بالدخول مع اشارتها الواضحة بضرورة الصمت والتزام الهدوء وعدم تخريب أي شيء ،فجدّي لا يحتمل الصغار ولا يحبّ البنات تحديداً ،حلال ساعات كان عليّ أن أقرأ أقصى ما استطيع ،فلا توجد إعارة أبداً في المكتبة الطينية ،وغير مسموح لي باصطحاب رفيقاتي ،ولكن أنا كانت لي حصة من الشاي وقطعة جبن بيضاء  مع خبز أسود.

أغادر المكتبة حالما يبدأ جدي بالصحو، أتسلسل للحديقة الواسعة وأذهب لعمتي في المطبخ ،نمضي ما تبقى من وقت في الحديث حول ما قرأته ،أساعدها في غسل الأطباق ،وأخرج لأجد كل أولاد حارتي ينتطرون أمام باب جدي الصارم والحديدي ،كانت بوابة بيت جدي لا تغلق أبداً ولكنّها لا تسمح بالدخول بتاتاً للأطفال،نلعبُ كثيراً حتى ساعات المساء وأكرر الوعد لصديقتي حنان بأخذها معي يوماً لبيت جدي،أحكي لها عن ما قرأته في مجلة العربي تحديداً فلقد كانت تشكل معظم المكتبة ،وتكرر ثانية  الطلب بدخول بيت جدي وأكرر الوعد.

أكتوبر
31
في 31-10-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

 

أمل جمعة
لئيمة هي الأماكن عندما تحاول استعادة الزمن، كي لا تفشل تحدثه سراباً، تتمادى في تفاصيله فلا هو لامع لندركه، ولا باهت لنشيح عنه، تفرشه بوقاحة (سرابها) على شاكلة مساء يَتكرر، تلك خديعة الأمكنة !
 هي لا تُغير أحوالها كثيراً، تتمسك بجغرافيا واحدة كحرزٍ من التقدم بالسن وغياب أصحابها، من يملك الآخر يا ترى؟ ومن يصنع الحكاية؟ المكان أم عاشقه؟
تحافظ الأماكن على تفاصيلها بشجر وعشب  وثبات صخر على حاله، تميل  دائماً لذات الاتجاه، الظل يأتي بذات الدرجة من اللون، لا فرق بين الرمادي والأخضر هنا إذا رحل الضوء،  ولا بين  جذع الشجرة اليابس من العطش والآخر الهرم ( الجفاف واحد) تماماً كجوع رضيع  وجدّه لغياب الأرملة الشابة ذات ظهيرة (البكاء أيضاً واحد هنا)، لا فرق يذكر حتى لو توارى الجد باكياً في ظلمة الليل، وانفجر الرضيع صراخاً في أوج الظهيرة، الملح ذاته يتكرر في حموضة  الدموع، ذات السلسلة الجينيّة وفجيعة الفقدان.
من يملك الآخر ومن يبكي أكثر عند الرحيل؟
 تبكي الأماكن، وتفجع بالغياب وتصاب بالكآبة، ويشيب منها الشعر تماماً، وتحب زماناً وتكره أخر، وتمكر وتتزين وتكشر كثيراً وتضحك وتعبث بنا، تسقط ذات يوم ولكنها (لئيمة جداً) لا تمنحنا (نحن المُلاك الصغار) الفرصة للتعرف على مفرداتها ولغتها وشهقة النهاية، من شهد منكم مكاناً يموت فليصفه لي، ومن شهد منكم مكاناً يشيب ليخبرني هل يتحول أيضا للّون أبيض؟
الأماكن تختار مقابرها أيضاً كما تختار عشاقها، وتطرد من لا تحبهم، وتختار النهايات. الزمن على خفته وانعدام تكراره عابر فيها وقليل الحيلة وشديد الغرور. هو سيف قاطع وهي جسد مثخن بالجراح.
الأماكن، نساء مقتدرات وطيبات، ودائماً في عمر الصبا.
ثلاث مقاعد أو أربعة أو أكثر أو أقل تتناوب على ذات المكان، وجوه وأقدام وأصابع ونملُ كثير يتصارع على صخر قلبه/ تحمي الأمكنة ذاتها بفقدان الذاكرة كل يوم وقلة الاشتياق، لا تحنُ الأماكن لأحد، تمارس أحياناً هذه اللعبة عندما تحافظ لنا على مشهد دائم ولكنها (لئيمة) تمنح هذه الشعور لكل العابرين وبلا ثمن.
لا تتذكر الأماكن كثيراً من صاغها للمرة الأولى ولا تحفل إن تغير الملاك والعابرين والمقيمين والعشاق، وجاهزة دوماً للصور، لا ترفض ما نكتبه عنها ولا تقبله، تلبسه وتلبس فوقه ألف ثوب ولا تتغير.
تماما كنا نحن الثلاثة في ذات المكان نتبارى في وصف سيرته الأخاذة وحصته من دمنا ولهاثنا وخيبتنا، كان صراعنا كبيراً أودى بكل ما جمعناه هنا (في هذا المكان اللئيم) وما حملناه عنوة لها، الأمكنة براء من صراعنا.
فقط تغير شيء واحد: لم نجلس على ذات المقاعد. طفلُ شقي بدل في لعبة الكراسي مواقعنا. صار الصامت متكلماً، وصار المتكلم عابساً، وصار العابس ضاحكاً، وصار الضاحك صامتاً. صرخنا الثلاثة مرة واحدة: أين ذهب المكان الذي أحببناه؟ وأعلنا نحن الثلاثة: لقد تغير المكان !
الأماكن تختار ترابها كما تختار عشاقها وتختار قبورها أيضاً، لئيمة جداً هي الأمكنة وماكرة عندما تموت.

يونيو
09
في 09-06-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

-1- رتّبت وحدتها على شكل جديلة ثومٍ مدلاة من ساقها لتمكث طويلاً. رشتْ حفنةً من السكر في ثقب مفتاحها وثلاث كلمات كافية لزادٍ طويل، أو هكذا قالت وهي تغلق النافذة وتنظف زجاجها بإتقان تحسد عليه. ضحكت عندما كسرت (بالخطأ) زجاجة العطر، ترطب المكان رغماًً عنها بغيمةٍ لم تقبض حتى الآن على ماذا تكون، هل الرائحة طعمٌ للأذن؟ اعترفت لحائطها العاري تماماً: لا أعرف ما هي الرائحة ولا أخجل من سري الآن؟ هل تعلم أنت؟ كسرت عنه مرآتها كانت ترى صورتها تسقط فتاتاً على الأرض بهدوء وبلا ضجيج وكذا كان مصير الستائر و و و….. لَعقتْ العطر المسكوب مرات ومرات، لذعة في اللسان وحرقة في العيون ولا شيء آخر، أكملت ترتيب وحدتها بتفاصيل لا بد منها، مطرٌ صاخب عليه أن يهطلَ طوال العام، قمرٌ معتزل عليه أن يغيب ولا ضير إن أنار في ركن آخر فقط ليكون قصياً عن نوافذها.. تأكدت أن الفراغ المتبقي بين النافذة والنافذة يصلح لرقصة كاملة ودوران آمن، سدت الثقوب بأجمل شالٍ لديها وبصورتين، ألقت بأحذيتها جميعاً من النافذة ومعطفها وآخر وردة حمراء كانت مغروسة بقبعتها لا حاجة لها بطرائق زينة جديدة أو هكذا قاات….! -2- عليها من الآن وصاعداً أن تعتادَ وظيفتها الجديدة (النسيان) قراءة المزيد »

يونيو
03
في 03-06-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

هوامش الإصبع  السادسة
      أمل جمعة
حكايات  تكتب بالرصاص
تلك الحكايات على الهامش، دائما تمر ،لكنها تخص شخصا آخر، لا تثير شهية احد.
يقول لي : والقائل مفتوح الإحتمالات،أعطني فكرة أكثر حداثة مهمة الفن أن يفجر أن يكتب عن العازفين خارج اللحن وخارج النص، تلك قصة تقليدية  تتشابه بها عشرات النساء .
لذا كل ما سأقوله في الحكاية التالية بارد وبليد ولا يمتلك بريق الدهشة ولكنه زمن افتراضي لنحلة تدور في فضاء الوردة.
أعود من بريق المدينة الآخاذ (ذاك من ضرورات القصة ) إلى البلدة الصغيرة حيت تكون احتمالية أن ترى ذات الوجوه عالية جدا ، تقترب مني الوجوه ألفة أو فضولا لدرجة الازدحام , وأركز في تأمل الشارع المعبد و قهوة الانترنت المقامة بلونيّن ( ازرق وابيض ) على طرف الشارع  ،الشباب  مزهوّن بأنفسهم لأسباب عادية ، لم تعبث  الأسئلة برأسهم بعد ، زهو الفتوة ربما .
الفتيات يُقلبّن ملابس الشتاء ، تبدو لي منسجمة إلى حد بعيد مع الذوق العام (ميزات الإنتاج المحلي) أخر ما أنتجته دور الأزياء بأكمام طويلة وطول فائض، في الزاوية  محل يعرض تنانير  “ميني جوب”  وقمصان بلا أكمام أخر دفعة من ملابس الصيف.
كانت المدينة منشغلة _عنها وعني_ تستعد لشتاءٍ موحل وجنازات كثيرة وأفراح متأخرة ،مثل عرسها تماما ،على استحياء تختار ملابس نومها وبحياد تام تتناول الألوان الزاهية وكأن ما اختارت لا يخص جسدها بالذات ،وبذات البرود تتعامل صاحبة المتجر فالعروس في الأربعين وكم مشترياتها متواضع_لا بهجة في فاكهة أخر الموسم _ تسألها البائعة عن أي لون تريد وتقول لدي هنا مجموعة من الألوان” الراكزة”_ ذاك مصطلح شعبي للّون الهادئ وهنا قمصان نومٍ أكثر احتشاما ، تضحك العروس من تعبير الاحتشام ،تبدو البائعة ضيقة الروح ولا تحتمل الجدل وتبيع بضاعة لا تنظر إليها بالكثير من الاحترام .
أتطلع في المعروضات شديدة الفتنة وغالية الثمن ، أقول لها مشاكسة أتستحق هذه المعروضات أسعارها الباهظة ، تجيبني ببرود وبشكل آلي :” ذاك جهاز العرائس الغالي للغالية ” .
“العروس” يا الهي كم لها من الإثارة والاشتهاء ، لكنني اشعر دوما بتعاطف غريب مع العروس ، وأحس بحيرتها بين الفرحة والتردد ،وتدمع عيني كلما غادرت عروس بيت اهلها ،فلست احتمل كم الاسى في اغاني الوداع ، تقول لى شقيقتي بعد ان رحلت اميالا واميال من بيتها الجديد ” اتصدقين يا ريت ابوي حلف على اتعشى ” وتلك اغنية دائما ماترددها النساء كلما فاضت عيون عروس بالدمع واقبل اخوتها وابناء عمومتها للوداع تبكي النساء ويسارع الرجال لانهاء الطقس بسرعة ربما كي لا تسقط دموعهم ، ويفسدون طقساً كانوا به دوما اشداء .
لا زلت امتلك مَلكة الأطفال في الرغبة الآسرة برؤية العروس ليلة عرسها ،لي شوق خاص لم أتخلص منه رغم تراكم سنوات عمري لأتجاوز هذا الفرح الطفولي ، لكنني مع العروس الأربعينية شعرت بحزن بطعم حارق ومؤلم، فهي سترحل بعيدا لتكون زوجة ثانية لرجل أصبح جداً منذ سنوات عشر ، ولم يبقى لها من خيار ، تقول لي مبررة :”عِفتُ حياة الوحدة وتقافزُ أبناء الإخوة محملين بلؤم أمهاتهم ، ينظرون إليّ كجيب منتفخ وعمة مسخرة لخدماتهم ، مللت من الإجابة الكاذبة على السؤال السخيف متى تتزوجين ؟ واخترت البعد ففيه رحمة و سترٌ لأحزان تقتل القلب ، جف القلب والأحلام لم تزل أحلام “.
تعبر عروس شابة في السابعة عشرة متوردة وضاحكة كأنها تملك الكون ، تلم العروس الأربعينية قمصان نومها المحتشمة على عجل فالشباب المندفع يذكرها بان زمانها ولّى ، يقبض العريس على أنامل فتاته ويتجهان سوية لقميص نوم اصفر فاقع .  اشعر بذات الأسى نحو الطفلة الصغيرة، وأعبر خارجا ووالدتها تهمس بأذن البائعة “نريد أجود الأنواع وأغلاها “، ابتسامة تعلو وجه البائعة وتدب الحياة في وجهها ، أعود مرة واحدة واسألها كم تتقاضي  أجرا؟ تجيب برتابة تامة فقط ثمانون دينارا .هل للسؤال من مبرر؟
 أتذكر فتاة كانت تسير على الطريق قبل عشرين عاما كنت طفلة وكانت هي في أولى سنواتها الجامعية تزهو بمعطف بني وتضع على كتفيها شالا اصفر ، وتدرس التاريخ كنت ألقاها   كل صباح أنا لمدرستي الإبتدائية وهي لمدينة أخرى ، وكان الزمن جميلا احلم أن اذهب مثلها يوما ما وهي توزع الابتسامات على جيلي الفتي ،
أقول لها ونحن نعبر الشارع المزدحم بفتيان صاخبين :” لكن كان بالإمكان خيار أفضل، تسأل ساخرة لمن؟؟ لي أم للطفلة في المتجر، اشعر بعجز قاتل ترى كيف يشعر العنكبوت عندما ندمر بيته في حمى التنظيف ، نرفعه بكل بساطة وبطرف المكنسة نهشم العنكبوت المفزوع ، هل تبدو حياة بعض البشر بمثل قدر العنكبوت التعس ، تقول :”ما الذي حدث لي أهو سوء الحظ أم سوء التخطيط ؟هل نملك حقا ما يحسب علينا من عمر؟ _تقول بأسى”_ لم يتبقََ ما افعله فلست ذاهبة بحلم بطن ينتفخ وطفل يحبو ،لست اقبل على هذا الزواج ولي  خيالات حب أو افتراضاته لم أرى زوجي إلا في صورة ورقية عبر الانترنت ، تخيلي إنني أزف إلى رجل مزيجاً من صوت عبر جهاز معدني وصورة الكترونية، سأقول لك سراً  كنت قد رتبت حياتي على نحو آخر منذ أن تجاوزت الخامسة والثلاثين واعتقدت انه الحل الأمثل ، كنت أقول لن أتزوج من رجل دون حب ومحال أن أكون زوجة ثانية ، استسغت او أقنعت نفسي ببيت مرفه مع والدتي وسيارة صغيرة وأطلقت شعاري استطيع البقاء دون رجل كنت أكرر هذا على نفسي كل صباح كأنه فرض مقدس، لكن خطف الموت مني أمي ذات صباح وإذ بي وحيدة وأعود للمربع الأول.
المدينة تختفي أشجارها واحدة تلو الأخرى لتفسح المجال لعمارة جديدة ، مراييل الفتيات تقصر وتصبح أشبه بقميص طويل ، الضفائر المزينة بشرائط بيضاء تختفي ويحل مكانها شعر ملون ، أرى كتباً ملقاة في الشارع العام هناك هروب جماعي تنطمه الفتيات لست أعي وجهته ،الشباب الغارقون بحلم الحياة لا يجدون الا الموت أمامهم ، لا .. لا تصدقوا  ذاك إنحباس الدموع لحظة الوداع ،غباش اللحظة فقط .
تغادر الإثنتان  في ذات اليوم بيت الأهل، أما الصغيرة فتكبر عشر سنوات دفعة واحدة ،وأما الأربعينية فتودع الأصدقاء وبقايا الأهل ،تخرج ترافقها عيون أم من السماء. يسجل قاضٍٍ في دفتره الضخم عمر العروس سبعة عشر عاماً وفي الصفحة التالية عمر العروس أربعون ، الغريب لا تشده المفارقة . 
سؤال فلت مني  لماذا لم تتزوج قبل الآن ؟ ولكن سؤال آخر يحتل ذهني ولماذا تتزوج الصغيرة الآن ؟؟  
amalwehda@yahoo.com

مايو
20
في 20-05-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

 

أمل جمعة
1
كالعادة، أصحو على عجل مرّة واحدة قبل أن أستسلـم لغفوة جديدة، أقف في الـمسافة بين سريري والباب والنافذة وست نساء باهتات يدرّن حولي، ثلاث منهن يلبسّن السواد والأخريات غارقات بلّون بنيّ يضعن صلباناً رصاصية البريق، يقفن نصف متخفيات في أرض قاحلة ويرتلن بحزن ترنيمة لا أفهمها، على نافذتي تشرق زهرة بنفسجية تمتد لتغطي الضوء وأكاد أميز صوت العصفور الصغير الـمخنوق وهو يحاول الغناء بنشاز واضح، وعلى الرغم من كل شيء أتساءل لـماذا يصر ويجبر نفسه على الغناء.
لا تكفي حفنات الـماء الباردة لتطرد بقايا الحلـم ولا تفصلني أصوات السيارات الـمصروعة عن ليلي، تضعني عنوة في النهار الساخن.
يأتي هاتفها في اللحظة الـمناسبة حاسماً ومعلناً وضوح صحوتي / ما زلت في منتصف الـمسافة بين الباب والسرير والنافذة / أقول ولكنني دفنتك قبل قليل!
تضحك: “هي حياة جديدة مُنحت لي يا صديقتي فلا تكترثي واستعدي ستزورك الـميتة الآن”.
قراءة المزيد »

التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   
مايو
05
في 05-05-2010
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

جرس منتصف النهار 

 

 

 

 

أمل جمعة

نحن في الدرب الصحيح، قال فتىً لرفيقه، وأكمل بثقة وحيوية: نقتربْ، أتسمع صوت الأجراس باتت قريبة، ودبت في الشارع الـمظلّل حركة سريعة بفعل الفتيان، نبهتْ على الفور عجوز يجرُّ عربته الفارغة، أدرك أنه يقتربُ من هدفه وربما اكتشف انه يسير بعكس الـمرام.
كان الشاب يحدق بها عندما ايقظته كلـمات الفتى، نظر في ساعته وشد الخطو تاركاً ابتسامته معلقة بلا حسم، لاغياً على ما يبدو ايماءة غزلٍ كان ينوي فعلها ــ الاجراس تصدح الان، وتبدو دعوتها شديدة الاغراء ــ لكن لـمن ياترى؟ بالتأكيد ليست لها. قراءة المزيد »

التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   

أين الشرف في الجرائم المرتكبة على خلفية الشرف
 
 
بوابة المرأة /من فلسطين -أمل جمعة*

إذن ينفرج الباب قليلاً وتتخذ قضايا قتل النساء حصتها في وسائل الإعلام كخبر صحفي منقوص، فمنذ بداية العام الحالي 2010 صار خبر مقتل سيدة في ظروف غامضة صادر عن جهاز الشرطة  مألوفاً – إلى حد ما- في الصحف ولكن مبتوراً من التفاصيل والمتابعة ومعرفة ظروف القضية.

ملفات وقضايا قتل النساء تأخذ مجراها الإعتيادي في أروقة النيابة العامة وجهاز الشرطة والمحاكم لكن بلا تغطية متتابعة وتفصيلية من وسائل الإعلام ودون أن تتحول لقضية رأي عام تثير حراك ورفض مجتمعي. قراءة المزيد »

التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   

 

أمل جمعة- رام الله/فلسطين

                                               

البيت هو أول الأمكنة في الذاكرة،  وأكثرها إلحاحا في إشاعة الألفة والأمن.  بالفطرة يدرك الطفل أن هذه الوجوه الأليفة والتي تبتسم وتهش له السد المنيع أمام أي خطر وتلك القاعدة الراسخة في الأذهان، ولكن يحدث أن يخدش هذا التناغم بفعل قاسِ وشاذ من قبل المقربين . وسام السائح أخصائية نفسية /مدربة برامج الصحة النفسية المجتمعية /جمعية الدفاع عن الأسرة

     لنفهم ما يعني سفاح القربى فعلينا أن نميز بينه وبين زنى المحارم أي “حدوث علاقة جنسية بين المحارم _ممن لا يجوز بينهم الزواج شرعا – من الذكور والإناث ( كالأخ والأخت والجد والعم والخال أو الجدة ) وهذا لا ينفي عن الاعتداءات الأخرى والتي تقع  ضمن نطاق الأسرة  كالتحرش الجنسي والاغتصاب والإيذاء صعوبتها وخطورتها ،

 ولكن” سفاح القربى “يطلق على حالة الاعتداء الجنسي  التي تنتج حملا بشكل خاص من احد المحارم للضحية . قراءة المزيد »

أغسطس
22
في 22-08-2009
تحت تصنيف (هوامش الاصبع السادسة) بواسطة أمل جمعة
   

أمل جمعة

فشلت تماماً في إغراء القطة الصغيرة لتشرب بقايا الحليب البارد الـمتموج في صحن أزرق، كانت تنظر إلي بتوجس طفولي غريب وتموء باحتجاج ظاهر، ليلاً زارتني القطة متلفعة بشال أزرق، كبرت ونمت بسرعة فائقة، رمت لي بالشال الأزرق ومضت صامتة.
حاولت طفلة الجيران ــ تلك التي تتوسّد حديد نافذتها كل صباح ــ مناجاة قطتي الغاضبة وعصافير الدوري بمرح، دعتها لتقترب بيدها الـممتدة بقطعة خبز ولكن العصافير تخاف سياج النافذة الحديدي فتبدأ محاولات جنونية وبلهاء لتفوز بالخبز دون جدوى.
تلقي الطفلة سريعاً خبزها وتلحق بصوت أمها وحافلة مدرستها ــ يا إلهي، يزعق بلا توقف ــ لكن الطفلة ترفض الحديث معي وأفشل في انتزاع ابتسامة صغيرة منها، تنسحب بهدوء إذا لـمحتني، بل أكثر تضع كفيها على وجهها حتى لا أراها قراءة المزيد »

يوليو
19
في 19-07-2009
تحت تصنيف (مشهد) بواسطة أمل جمعة
   
YouTube Preview Image