الكتب تستجدي قُرّاءها… والمكتبات مليئة إلا من روادها

يوليو 16th, 2009 by amal

أمل دويكات

على غير المعتاد طوال الفصل الدراسي، تكتظ قاعات المكتبة بالطلاب حتى لا يجد الفرد لنفسه مكاناً للجلوس من أجل مطالعة كتاب أو غيره، وما يلبث أن يدرك بأن تلك هي فترة الامتحانات الجامعية التي عادة ما يبحث الطلبة فيها عن مكان هادئ لمذاكرة دروسهم قبيل تأدية الامتحان، وثمة مكان وحيد في حرم الجامعة يمكن اللجوء إليه، ألا وهي المكتبة.

وفي المكتبة، التي تزخر بما يزيد عن مئتي ألف كتاب، قليلاً ما يلجأ الطلبة إلى المطالعة الخارجية لذاتها، وإنما لبحث معين متعلق بمساق يدرسه الطالب، ويأتي بحثه استكمالاً لمتطلبات المساق المعني، كما يقول سامي زبادي أحد المرشدين في مكتبة جامعة النجاح الوطنية، مضيفاً أن من النادر جلوس الطلبة في قاعات المكتبة للقراءة خلال فترة الإجازة الدراسية.

بينما تزداد نسبة الطلبة الذين يقومون باستعارة الكتب وإرجاعها في الفترة نفسها حسبما تذكر شادية دويكات، الموظفة بقسم الإعارة الإرجاع في المكتبة، في إشارة إلى أن النسبة الكبيرة من الكتب المعارة تتعلق بالموضوعات الأدبية بالدرجة الأولى كالروايات، والقصص، والدواوين الشعرية، وغالباً ما يقوم الطالب باستعارة الكتب المتعلقة ببحث أو نشاط منهجي معين كما تضيف دويكات، وخاصة طلبة كلية الدراسات العليا الذين تنصب معظم دراستهم على البحث واللجوء إلى المراجع.

وفي حين تشكو المكتبة قلة روادها من الطلبة، تذكر السيدة رباب أبو الهدى التي تعمل مرشدة في قاعات المكتبة أنه وعلاوة على ما ذكره زملاؤها من الموظفين، فإن الطلبة غالبيتهم لا يجيدون استخدام المكتبة، والتعامل مع محتوياتها، بمعنى أن الطالب لا يستطيع بمفرده البحث عما يريد من مؤلفات، وتُرجع أبو الهدى ذلك إلى عدم اعتياد الطالب على ارتياد المكتبة، وفضلاً عن ذلك فإن الكثير من الطلاب لا يلتزمون آداب المكتبة كالهدوء على أقل تقدير!

وفي المقابل فهناك من يستثمر وقته بالمطالعة في المكتبة، حسبما تعلّق الطالبة ريم أحمد التي تدخل سنتها الدراسية الرابعة في الجامعة، وتردف بالقول أنها تقرأ في موضوعات شتى من الثقافة العامة، إلى الأدب وصولاً إلى الصحف والمجلات، وعادة ما يكون ذلك في أوقات فراغها، وهذا على النقيض مما ذهب إليه بعض الطلاب من أن أحدهم لا يعلم للمكتبة طريقاً منذ دخوله عتبات الجامعة.

ومن جانبه يعزو د. خليل عودة، عميد كلية الآداب في جامعة النجاح، عزوف أفراد المجتمع عن القراءة وتحديداً الطلبة إلى أسباب عدة من بينها ظاهرة العولمة التي بدأت تفرض نفسها على حياة الأفراد وعاداتهم والتي تندرج ضمنها عادة القراءة وصحبة الكتاب، وأهم مظاهر

هذه العولمة، تلك الفضائيات المنتشرة بكثرة، وشبكة الإنترنت التي تجوب العالم، هذا بالإضافة إلى هموم الواقع التي يعيشها الطالب الفلسطيني بشكل خاص، ولا تدع له الفرصة بالتالي للتفكير في القراءة.  

ويتابع د. عودة بأن السرعة التي صبغت نظام الحياة المعاصرة جعلت الغالبية تفضل الاقتصار على قراءة الموضوعات المختصرة، وخاصة ما تفيض به الشبكة الإلكترونية من وجبات معلوماتية خفيفة جداً.

وينوه د. عودة إلى أن تنشئة فرد قارئ تحتاج إلى تكامل دور الأسرة، التي باتت –وللأسف- تزرع في نفس الطفل عدم احترام الكتاب، وكذلك دور المؤسسات التعليمية في حث الطلبة على الرجوع إلى الكتب غير المقررة، وأخذ المعلومة من منبعها الأصلي وهي الكتاب، عوضاً عن اللجوء إلى المواقع الإلكترونية التي كثيراً ما تفتقر معلوماتها إلى الدقة أو المصداقية الكافية، ويؤكد عودة على ضرورة توفر الوازع الذاتي لدى الفرد للرغبة في القراءة والاستزادة المفيدة. 

بيت أم مازن …. معقل الأسرى

يوليو 8th, 2009 by amal

إلى الجنوب من مدينة نابلس ، وعلى سفح جبل جرزيم المكسو بالأخضر القاتم ، وعبر مسلك وعر ضيق من مسالك قرية كفر قليل ، تقع عين الناظر على عدة بيوت حديثة البناء لم تسكن بعد، ليرى وسطهن بيتا مأهولا بجدران عكّرت سلسلة من الثقوب صفو بياضها الناصع ، ليتضح فيما بعد أنها آثار رصاص كثيف أبى أن يخطئ هذا المنزل ذات مساء وفيه رجل يسير على قدميه .

من منزل تنكشف للواقف على سطحه جبال شرقية على مد البصر ، أطلت علينا امرأة واثقة الخطى ، بعينين تبدوان مرهقتين ، ووجه تخبرنا ملامحه بأنها تناهز الستين من عمرها ، تلك هي الحاجة ربحية قني ( أم مازن ) التي حاولت أن تدوس بابتسامتها على مشاهد فصول الشقاء في حياتها ، فقد انتزع منها أغلى ما يمكن انتزاعه من أم؛ وهم أبناؤها الخمسة القابعين جميعا خلف قضبان السجون الإسرائيلية. وبعد أن تنهدت بعمق مردّدة عبارات الحمد والرضا بالقدر ، راحت تسترجع في ذاكرتها يوما مضت عليه ست سنوات حين طوقت قوات الاحتلال المنزل بحثا عن ولديها سامر وحازم اللذين كانا هناك ، أما سامر فألقي القبض عليه للتو بعد أن هدد ضابط الدورية أمه بقتله أمام عينيها ، وبينما قام بعض الجنود بتدمير محتويات المنزل وتكبيد ساكنيه أكبر قدر من الخسائر المادية ، قام آخرون بتكبيل سامر وتعصيب عينيه ومن ثم نكلوا به وأوسعوه ضربا على مرأى ومسمع من أمه وزوجته وطفليه ، وتم اقتياده بعد ذلك ليحكم عليه بالسجن أربعين عاما ، وأما حازم فقد لاذ بالفرار مؤثرا الهروب على الاستسلام   ولكن إلى أجل غير بعيد؛ لأن ظلم ذوي القربى كان أشد عليه من ظلم أعدائه حينئذ ، إذ قام أحدهم بتسليمه لجنود الاحتلال بعد أن جرده من سلاحه وهاتفه المحمول وما كان بحوزته من مال ، ويقضي حازم منذ ذلك الحين حكما بالسجن مدى الحياة .

بدأت زوجة سامر كلامها والدموع تنهمر من عينيها متحدثة عن آخر لحظات جمعتها بزوجها قبيل اعتقاله . كان زوجها يحدثها عن أمانيه بأن يجعلها أسعد امرأة في الدنيا حينما كانا يجلسان في شرفة المنزل ، وفي اللحظة نفسها كان قلبه يخفق تحسبا لاقتحام المنزل في أية لحظة ، وبعد قليل حدث ما كان في حسبانه ، وعندما اقتيد من المنزل وقف بالباب ونظر في عيني زوجته آخر نظرة تاركا لها طفلين ثالثهما جنينٌ لم يخرج إلى الوجود بعد . وأصبحت الزوجة منذ تلك اللحظة بين نار اعتقال زوجها ونار البعد عن أهلها الذين يقطنون في الخارج ولا تستطيع رؤيتهم إلى الآن ، فهي لا تعتبر مواطنة فلسطينية كونها ولدت وتربت في الخارج ولم تحصل على تصريح ( لم الشمل ) رغم المحاولات التي قامت بها ، وبالتالي لا يمكنها زيارة زوجها الذي لم تره منذ اعتقاله _منذ ست سنوات _ وتضيف الزوجة الشابة أن أكثر ما يدمي القلب هو عندما  ينادي الصغار أباهم ولا يجدونه ، عندها فقط تشعر بعظيم مصيبتها .

أما أم مازن فترثي لحالة ابنها سامر الصحية ، فبعد أن كان شابا مليئا بالقوة والحيوية ، أصبح الآن يعاني من فشل كلوي أثر في صحته بشكل عام ولم يعد كما كان في السابق ، وهذا ماأكدته زوجة سامر عندما تكلمت عن التعذيب الذي تعرض له زوجها خاصة في فترة التحقيق ، وكان من نتائجه أن سامر أصبح يتعرض لغيبوبة تامة يومين متتاليين كل شهر .

وتمضي أم مازن في سرد حديثها معتمدة على ذاكرتها المزدحمة بالأحداث والصور والمواقف، فصورة ابنها الأصغر محمد وهو يُضرب أمام المنزل ويوضع التراب في فمه في اللحظات التي سبقت اعتقاله لا يمكن أن تغيب عن مخيلتها أبدا ، فمنذ حوالي عام ومحمد معتقل ولم تتم محاكمته إلى الآن ، وهذا ما يزيد قلق الأم الحنون على مصير ابنها الذي يقضي أجمل أيام شبابه خلف قضبان قاسية .

وفي كل مرة يعتقل فيها أحد أبنائها لا بد أن يتم التنكيل به أمامها قبل اقتياده ، وهذا ما حدث عند اعتقال ابنها برّاك ، إذ قام أحد جنود الاحتلال بوضع كرسي في زاوية من زوايا المنزل وأمرها بالجلوس عليه بينما كان آخرون يركلون برّاك بكل ما أوتوا من قوة ، لكن الأم حبست دموعها وفي قلبها نار ملتهبة مؤثرة الصمت حرصا على سلامة مَن في المنزل من نساء وأطفال ، ويكتمل المشهد الصعب بجر ولدها بقسوة على الطريق الترابي المحاذي للمنزل وسط ضحك الجنود وتصفيقهم .

اعتقل برّاك وأخوه الأكبر مازن في الفترة نفسها من العام الماضي ولم يحاكما بعد ، وتعليقا على محاكمة أبنائها ، ابتسمت الحاجة ربحية بسخرية قائلة ” نحن لا نقبل إلا بالأحكام العالية ” وتقصد بذلك أنها قد اعتادت على المحكوميات الطويلة الصادرة بحق أبنائها .

وليس أبناؤها فحسب فهناك أسرى كثر من أقاربها وذويها منهم زوجي ابنتيها : يقضي أحدهما حكما بالسجن مدى الحياة وآخر بالسجن المؤبد بعد إطلاق النار عليه وإصابته بست رصاصات في أنحاء متفرقة من جسده ، مكث على أثرها ستة أشهر كاملة في العلاج المتواصل ، إضافة إلى الأسرى من إخوتها وأبنائهم وأبناء أخواتها…..  

لم يعد بمقدور أم مازن أن تحزن أكثر ، بل لم تعد صحتها تحتمل مزيدا من الأحزان بعد إصابتها بمرض السكري هي وزوجها أبو مازن الذي يعاني ضعف النظر .

وتتأمل أم مازن البيت من حولها فلا تجد فيه إلا الذكريات المؤلمة المرتبطة بفلذات كبدها الخمس ، فهي من جهة تحمل على عاتقها الاهتمام بشؤونهم من زيارات وإرسال للأموال والملابس ، ومن جهة أخرى تحمل همّ منزلها الكبير الذي يضم زوجات أبنائها وأحفادها الصغار ، وترعى فيه شؤون الجميع .

ولا تزال أم مازن تذكر ما قاله أحد الضباط لآخر أبنائها اعتقالا ” لم يعد لدى أمك أبناء آخرين كي نعتقلهم ” ، فلم تملك الأم المسكينة إلا أن شعرت بالقهر الشديد ، وتسقط من عينيها دمعتين ساخنتين وهي تذكر لحظة وقوفها في شرفة منزلها ليلة عيد الفطر المنصرم تنادي أبناءها جميعا بأسمائهم وتقول : “يمه … مين رح يدخل على خواتكم بكرة ؟؟ ” وبكت الحاجة ربحية وأبكت من حولها ، ثم تساءلت من لهؤلاء الاطفال يرعاهم ويحنو عليهم ! ، ومن للزوجة المقهورة والأم الملوّعة والأب المسكين الذي ما عاد يجيد إلا البكاء والنحيب .

مازن وسامر وحازم وبرّاك ومحمد كلهم هناك يقاسون عتمة الزنازين ووحشتها ، وغيرهم الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني ، ينتظرون وينتظرون وكلهم أمل أن يعودوا يوما .   

                                                             19/3/2008                                                                                              

الأشغال اليدوية النسائية: أفق جديد في سوق العمل الفلسطيني

يوليو 8th, 2009 by amal

أمل دويكات

لوحات من التراث الشعبي الفلسطيني ترجمت إلى أثواب مطرزة، وأوانٍ مزخرفة بمختلف النقوش، وأعمال يدوية أخرى امتزجت فيها العراقة والإبداع بالكد والعناء، وذلك في معرض الأشغال اليدوية الذي نظمه الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية بالتعاون مع بلدية نابلس مؤخراً تحت عنوان “فن وعراقة”.

وكعادة المرأة الفلسطينية، أبدت النساء المشاركات في المعرض جهوداً متميزة في صناعتهن كل حسب حرفتها، أملاً في فتح نوافذ جديدة لتسويق تلك المعروضات ولو بعد حين.

وفي سياق حديثها عن المشاركة في المعرض، تذكر جملات معالي بينما كانت تشير بيدها إلى معروضاتها التي هي عبارة عن أشكال وتحف مغطاة بخيوط “الخيش” المزين بالألوان، تذكر أن المشغولات اليدوية التي احترفت صناعتها منذ ما يزيد على عامين لم تعدو كونها هواية درجت عليها لأعوام مضت، على الرغم من أنها تدر ربحاً مادياً عند بيعها، سواء كانت للمحلات التجارية أو للأفراد.

وفي المقابل فإن ما تعتبره بعض النساء إنتاجاً فنياً من باب الهواية أو تعبئة وقت الفراغ، قد تعتبره أخريات مصدراً لتحسين الدخل المادي لأسرهن، كما تقول السيدة هدية المصري – الأم لأربعة أبناء- في حين كانت تحيك بصنارتها الصوف الذي ازدحم ركنها الخاص بشتى أشكال الملبوسات المصنوعة منه.

وليست ربات البيوت فحسب، فقد شمل المعرض النساء العاملات أيضاً، وهذا ما تجسده السيدة أم ناجح التي شاركت هي الأخرى بإنتاج من لون مختلف، حيث تبدي رغبتها في تسويق إنتاجها من “الزعتر البلدي” الذي عطرت رائحته أرجاء المعرض، إضافة إلى السمن البلدي، و”اللبنة” التي ساعدتها طبيعتها الريفية على تصنيعها.

وفي حين لم يكن لدى معظم المشاركات في المعرض رأس المال الكافي لافتتاح مشروع خاص بكل منهن، كان لدى البعض هذه المقدرة كما تذكر السيدة فتحية شقو، الموظفة السابقة في جامعة بير زيت، والتي شقت طريقها نحو مشروعها الخاص بافتتاح محل تجاري لبيع مصنوعاتها من الملابس والأواني المطرزة عام 2000،ولكن لم يلبث إلا قليلاً إلى أن اضطرت لإغلاقه، بسبب حصار الاحتلال وإغلاقاته المفروضة على مدينة نابلس منذ ذلك الحين، وضُعف المردود المادي لهذه التجارة.

 

 

وتضيف شقو التي بدأت عملها في التطريز منذ أن كانت تزاول وظيفتها في جامعة بير زيت أنها باتت معروفة لزبائنها على الرغم من انهيار مشروعها الذي حلمت به كثيراً، وأنها ما زالت تشارك في الكثير من المعارض الخاصة بالفنون اليدوية، مناشدة بذلك المؤسسات والجهات المعنية ضرورة رعاية تلك الأعمال النسائية المتميزة من أجل تسويقها.

وتضم النساء المشاركات في المعرض أصواتهن إلى السيدة شقو بضرورة الحصول على الدعم والمساندة من المسؤولين ورجال الأعمال لتسويق منتجاتهن، وذلك بتبني مشروعاتهن الناشئة كي تنمو وتحقق النجاح، وهذا ما تؤكده السيدة أم عمرو الخليلي التي باتت لها خبرة تربو عن الأربعة عقود من الزمن في صناعة المطرزات.

وإضافة إلى أعمال التطريز، برزت في المعرض مصنوعات أخرى من نوع مختلف، وهو ما يرويه ركن السيدة نائلة هندي – خريجة قسم التحاليل المخبرية- والمتخصصة في عمل الخلطات الطبية من الأعشاب الطبيعية، وصناعة “الكريمات” ذات الأغراض والاستخدامات العديدة.

وتشير الهندي إلى أن هناك إقبال جيد على التداوي بالأعشاب والطب البديل في الوقت الراهن، منوّهة إلى أن المشكلة التي يعانيها هذا الحقل تكمن في مزاولة المهنة من قبل غير المتخصصين، ومن الذين لا يتوفر لديهم الحد الأدنى من الأساس العلمي الذي تقوم عليه.

وتذكر الهندي أنها تقوم بعمل الخلطات الطبية بنسب معينة لكافة المواد والأعشاب المستخدمة، في إشارة منها إلى أنها تعمل ومنذ خمس سنوات في هذه الصناعة، وتعاني الهندي – في الوقت ذاته- عدم استجابة المؤسسات الرسمية طلبها للحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة مهنتها بشكل رسمي، على الرغم من سعيها الحثيث للحصول على التصريح الموقع من وزارة الصحة، كباقي أصحاب الصناعات المتعلقة بالجوانب الصحية.

وتطمح النساء المشاركات في المعرض بمزيد من الاهتمام وتسليط الضوء على إنتاجهن الذي يشكل مصدر رزق لهن من ناحية، ويكرس الالتفاف حول التراث الفلسطيني بكل أشكاله وجوانبه من ناحية أخرى.  

في تعدد الزوجات: الأولى تتعذب والثانية تترقب والرجل… هل من مزيد

يونيو 23rd, 2009 by amal

أمل دويكات

لم تكن تعلم ابنة الثمانية عشر ربيعا حين تشبثت بقرار الزواج من رجل متزوج يكبرها بحوالي عشرين عاما، متحدية بذلك قرار أهلها والمجتمع من حولها، لم تكن تعلم حينها أن هناك زوجة ثالثة ستقاسمها الحياة معه بعد فترة من الزمن.

السيدة نور عبد الرحيم (47 عاما) والأم لخمسة أبناء، تشكو حياتها مع رجل بات لها شركاء كُثُر فيه، فزوجته الأولى وبناته السبعة منها من ناحية، ومن الناحية الأخرى ضرتها الصغيرة المقربة منه وبناتها الثلاث، هذا بالإضافة إلى أخوات الزوج ووالدته والأقربون في بيئةٍ كثيراً ما يتدخل الأهل في حياة الشخص الزوجية.

 وزوج السيدة نور واحد من بين كثير من الرجال المُعددين الذين قدِّر لهم أن يشاهدوا حياة الضرائر عن كثب، رغم أن نسبة مُعددي الزوجات غير مرتفعة في المجتمع الفلسطيني.

 

مثنى وثلاث ورباع…

وتستهل السيدة أم أحمد (54 عاما) والأم لستة أبناء حديثها بالقول أن تعدد الزوجات حق للرجل أعطاه الله إياه، وهذا ما يثبته القرآن الكريم، مستذكرة الآية الكريمة ” مثنى وثلاث ورباع”، ولكنها تستدرك بالقول أن العدل مطلوب في هذه الحالة، وليس هذا فحسب فالقدرة المادية للرجل في الإنفاق على أكثر من زوجة مطلوبة أيضا، إذ ليس من المعقول في نظر أم أحمد أن يعدد الفقير غير القادر على إعالة أسرتين، وفضلا عن القدرة المالية لا بد من عذر مقبول للتعدد.

أما أبو أحمد (60 عاما) والذي يعمل في تجارة السيارات، فيؤكد ما ترويه زوجته، مضيفاً أن الرجل إذا خاف على نفسه أن يسلك مسلكاً خاطئاً، فلا غبار على زواجه من أخرى، مشيراً في الوقت ذاته أن لكل مقام مقال بمعنى اختلاف كل حالة زواج عن الأخرى يقتضي تشخيصاً معيناً لها.

ويضرب أبو أحمد مثالا بقوله ” أنا مثلا لست مع القول بالزواج من أخرى، لأن من هم في مثل سني من الظلم أن يتزوج فتاة تصغره بأعوام كثيرة…” لكنه يردف بابتسامة لها معنى أنه لو كان في سن الأربعين مثلاً لما تردد في التفكير الجاد بالزواج من ثانية.

 

 

أيهما أفضل؟

وتتساءل الأخصائية النفسية منار يوسف (25 عاما) بلهجة جادة عن جدوى بقاء الزوج مع زوجته الأولى إذا كان لا يشعر بالسعادة في حياته الزوجية، معقبة بقولها أن الحل لمشكلة غياب السعادة لا يكون بالطلاق الذي سيزيد الأمور تعقيداً، ولا بلجوء الزوج إلى الخطأ الذي تأباه الأخلاق والدين وأعراف المجتمع بأي حال.

 وتتابع أن الحل الأفضل لكلا الطرفين في مثل هذا الوضع زواج الرجل من أخرى مع الإبقاء على زوجته الأولى دون إحراقها بنار الطلاق الذي يرى فيه المجتمع من حولها الذنب غير المغفور التي لا مذنب فيه سواها.

وتضيف منار بينما كانت تضبط وضع نظارتها أثناء متابعتها جهاز حاسوبها الشخصي أن الأعذار الشرعية للتعدد قد لا تكون وحدها الفيصل في قرار الزواج من أخرى، فهناك من الرجال من لا يجد الاستقرار النفسي أو العاطفي مع زوجته التي قد يكون تزوجها لظروف خارجة عن إرادته، وفي الوقت نفسه يريد الحفاظ على حياتهما الزوجية خاصة في ظل وجود أطفال، فأين المشكلة في زواجه من أخرى إذا نُحِّيت جانبا الاعتبارات الأخرى كالغيرة مثلا؟

 

ليُحدِّد لا ليُعدِّد…

ويشير د.محمد الشريدة المحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية إلى أن التعدد له أحكام عدة، وفق اختلاف حالات المعددين، فقد يكون فرضاً في حالة، وحراماً في حالة أخرى، ومستحباً في ثالثة، ومكروهاً في رابعة… منوهاً إلى أن ممارسة البعض الخاطئة في التعدد باسم تطبيق السنة، أساءت كثيراً في النظرة إلى الإسلام وإلى الحكمة البالغة من التعدد كما جاء في السنة النبوية الشريفة.

ويدلل الشريدة على ذلك بقوله أن واقع التعدد حالياً يشير أن المعدد لا يتزوج من تكبره سناً، أو من هي أرملة، أو من فاتها قطار الزواج، منوها في الوقت ذاته إلى دور وسائل الإعلام الفعال في سبيل تغيير النظرة السائدة لمسألة التعدد وعدم الإشارة إليه بصورة نمطية تثير المشكلات الدفينة أصلاً في واقع مجتمعنا، وذلك من خلال دور الخطباء والقائمين على الإعلام في رسم صورة مختلفة لواقع التعدد تساهم في التماسك الاجتماعي، وتحجيم مشكلات التعدد.

 

سيناريو حياة بكر بين الاعتقال والدراسة يطفئ شمعته الخامسة

يونيو 23rd, 2009 by amal

أمل دويكات

لحظات ذوات عدد مرّت بهدوء مقلق على الشاب معصوب العينين ومكبل اليدين، لم يقطع صمتها حينذاك إلا صوت محرك “الجيب” العسكري الإسرائيلي الذي كان يقتاده نحو قرية عتيل (12 كيلو متراً شمال طولكرم)، وما هي إلا برهة من الوقت حتى توقف “الجيب” أمام مدخل القرية، وفتح أحد الجنود بابه الخلفي في وجه امرأة تبدو في خريف العمر، بينما كشف آخر عن عيني الشاب العشريني، وإذا به لا يبصر سوى عيني أمه اللتين اغرورقتا بالدموع لثوان معدودة، كي يُزج به بعد ذلك في السجن وتذبل بداخله أجمل سنيّ عمره.

كانت تلك أولى تجارب الطالب بكر عتيلي المريرة في الأسر، فبدلاً من عودته إلى منزله بعد غياب شهور عدة في سكنه الطلابي بمدينة نابلس، أُلقي به _عوضاً عن ذلك_ في مجاهل سجون الاحتلال، التي لا يعلم نوراً لنهاية أنفاقها الظلماء، دونما ذنب اقترفته يداه.

ويطرق بكر لحظة في محاولة لاستعادة مجريات أولى أيامه الستين التي قضاها برفقة “زنزانة” لا يعلم فيها ليلاً من نهار، وذلك في ما يدعى مركز تحقيق “بيتاح تكفا”، فقسوة جدرانها الخشنة، وضوؤها الأحمر الخافت المتدلي من أعلى جعلانه يسأل نفسه حالما أفاق من غفوته “لماذا أنا هنا؟ وماذا أصنع؟”.

ولكنه يستدرك “ومع هذا كله فإن عندي تسليم كامل بقضاء الله… وأن ما أصابني لم يكن ليخطئني”، ويقضي بكر عامين في الأسر متنقلاً من سجن إلى آخر في تجربته الاعتقالية الأولى والتي لم تكن الأخيرة حتماً.

إلا أن الشاب الذي يتسم بشخصيته الإيجابية منذ نعومة أظفاره، كان يستغل وقته خلال فترة اعتقاله على أكمل وجه، فيقول “دائما كنت أطالع الكتب، وألعب الرياضة، وكذلك تعلمت اللغة العبرية، واشتركت فيما بعد في إحدى الصحف العبرية، لمعرفة ما يكتبون في الجانب الآخر وطريقة تفكيرهم”.

وفضلاً عن ذلك تمتّع بكر الذي خلّف دراسته الجامعية في قسم الصحافة إلى أجل غير مسمى عندئذٍ، تمتّع بروح اجتماعية، وبحب مساعدة الآخرين، ويضيف “كنت لا أجد حرجاً في أن أطبخ لأصحابي بنفسي داخل السجن، وكثيراً ما أمازح هذا وذاك للتخفيف عن النفس والآخرين” معقباً على ذلك أن السمعة الطيبة والسلوك الحسن تكسب الإنسان دائماً أصدقاء جدد، ودون علمه أحياناً.

 

ويبدو أن بكر قد تعلّم الكثير من “مدرسة” الاعتقال التي دخلها مرغماً قبل أن يكمل سنته الجامعية الأولى، ليتخرّج منها بعد حين متبنياً قواعده الخاصة التي يسمّيها القواعد الذهبية في التفكير والتعامل، رغم القسوة الواقعة على الأسير والظلم الذي يشعر به هناك في كل لحظة، ومنها _على سبيل المثال_ ما يصفه بكر بقوله “اجعل المحنة منحة” بمعنى التفكير في الجوانب الإيجابية واستثمارها حتى في الأمور التي يبدو ظاهرها سيئاً.

وهذا ما كان يحاول تطبيقه من خلال قراءاته المستمرة التي لم تقتصر على جانب دون آخر، فمن قراءة كتب الفكر الإسلامي إلى مناقشة الفكر الغربي الرأسمالي، وصولاً إلى الإبحار في كتب الفكر الإلحادي التي كان يمارس معها مناظرات عدة من خلال الرجوع إلى كتب الفكر الإسلامي، وغير ذلك الكثير من المؤلفات التي أكسبت بكر في نهاية المطاف عمقاً في الرؤية ونظرة جديدة للحياة من حوله، وتأملات في خلفيات المواقف لم تكن لديه من قبل.

وعن علاقته مع من حوله من الأسرى داخل المعتقلات، يضع بكر لنفسه قاعدة أخرى تقول “اجعل من صدرك ملعباً للآخرين” واصفاً السجن أنه ضيق بطبيعته، وحتى تكسر حدة مرارته فلا بأس من تحمّل سلوك البعض خاصة أن الجميع هناك يعانون من ظلم بلونٍ ونكهة واحدة لا يعرفها إلا من ذاق طعمها.

أما الدراسة الجامعية التي انتظرت بكر إلى حين عودته إليها بعد انقطاع دام عامين متواصلين، فقد أفسدتها اعتقالاته المتكررة، التي أثرت _وبلا ريب_ على مزاجه العام، وعلى تركيزه من الناحية الأكاديمية، هذا من جهة، ومن ناحية أخرى بات الشاب ذو الأعوام الثلاثة والعشرين يشعر بتعب نفسي جراء تأخره في الجامعة لسنوات أخرى، ويضيف أن ذلك الوضع المرهق لا يؤثر في شخصيته أو ثقته بنفسه بقدر ما يؤثر في والديه اللذين يعتقدان أن مكان ابنهما يجب ألا يكون على مقاعد الدراسة حالياً.

ويستمر بكر في وصف حياته الأكاديمية قائلاً “الأصدقاء يتجددون في كل مرة، ومنذ دخولي عتبات الجامعة وحتى الآن يتبدلون باستمرار، فهناك من يتخرج، وبالمقابل من يدخل” ما أصبح يثير في نفسه عدم الارتياح، وصعوبة التأقلم مع أجواء الجامعة التي يحس فيها أحياناً بغربة من نوع آخر لا يجد له تفسيراً، فضلاً عن تأثر تحصيله الأكاديمي الذي بدا نتيجة طبيعية لكل ذلك.

ويقول بكر “أفضل الجلوس وحيداً في كثير من الأحيان، رغم أني على صلة طيبة بمن حولي، سواء في الجامعة أو البيت”، إلا أن الوقار والاتزان اللذين يتحلى بهما جعلا منه إنساناً صلباً في وجه الظروف الصعبة، ونسيجاً من نوع خاص، ويخلص بقوله “المهم في كل ما أراه أن أبحث عن جديد أتعلمه، والمهم في ذلك الجديد أن يضيف مفيداً إلى رصيدي العلمي والأخلاقي في آن واحد”.

التعليم الجامعي المختلط: دعوة للرجوع إلى الخلف وأخرى للسير قدما…

يونيو 9th, 2009 by amal

أمل دويكات

زُهاء عشرين ألف طالب وطالبة يرتادون يوميا أروقة جامعة النجاح الوطنية، تشكل الطالبات ما نسبته 55% منهم، ويقضون جلّ وقتهم على المقاعد الدراسية في الجامعة. ومع تدفق المزيد من الطلاب والطالبات على الدراسة الجامعية، عاد البعض لطرح تساؤل قديم جديد، يدور حول جدوى اختلاط الجنسين في التعليم، وضرورة الفصل بينهما خاصة أن أعداد الإناث تربو عن نصف العدد الإجمالي للطلبة، إذ أن هذه الزيادة المتسارعة لم تظهر بوضوح إلا في السنوات القليلة الماضية.

ولم يُخف بعض الطلبة تخوفهم _ وتحديدا الطالبات_ من الوضع القائم بشأن الاختلاط، فالطالبة تحرير (20 عاما) من قسم التربية الابتدائية تعارض الاختلاط في التعليم بشكل عام، والتعليم الجامعي بشكل خاص، وترى أن وجود الطلاب الذكور يحد من حريتها في التصرف والتكلم أثناء المحاضرة، واصفة ذلك بالضغط الذي قد يحرمها الاستفادة، لا سيما عند شعورها بالخجل من الاستفسار حول نقطة غير مفهومة بالنسبة لها، مما ينعكس سلبا على فهمها للموضوع. أما آية (20 عاما) الطالبة في قسم الجغرافيا، فتعزو سبب معارضتها التعليم المختلط لما أسمته “المعاكسات” التي يتلفظ بها بعض الشبان على مسامع الفتيات منذ دخول إحداهن حرم الجامعة وحتى خروجها منه، وتضيف أن أجواء المحاضرة “تزيد الطين بلّة”، فشعور الطالبة بالخوف من الخطأ يجعلها لا تحاول مناقشة بعض الأفكار، كي تنأى بنفسها عن سماع بعض “التعليقات” بعض الطلاب الذكور.

إلا أن أحمد (19 عاما) الطالب في كلية القانون، يجد أن التعليم المختلط أمر عادي ولا غبار عليه، لا سيما إذا التزم الطرفان بالانضباط، ويعقب على ذلك أنه من الأفضل جلوس الطلاب الذكور في المقاعد الأمامية، والإناث في المقاعد الخلفية أثناء المحاضرات. وتتساءل الطالبة هبة (22 عاما) من قسم علم النفس ” لماذا يتم الفصل بين الذكور والإناث في سن المدرسة، ولا يتم الفصل في سن الجامعة على الرغم من أنه أولى وأهم!.”  

 

الأكاديميون:

وللأساتذة والمدرسين في الجامعة نظرةٌ قد تختلف نوعا ما عن نظرة الطلبة، من حيث تشخيص المسألة ودواعيها، وذلك لقدرتهم على تحسس الجو العام أثناء المحاضرة، ومواجهتهم

لهذا الواقع بشكل يومي إضافة إلى احتكاكهم بالطلبة ذكورا وإناثا خلا عملهم في التدريس. فمن ناحية يرى د. حسن أبو الرب، المحاضر في قسم اللغة العربية، أن للتعليم المختلط نواح إيجابية تتمثل في كونه باعثا على التنافس بين الطلاب والطالبات في المجال العلمي والبحثي، وفي النشط والتركيز والمناقشة أثناء المحاضرة، بينما يجد _ ومن ناحية أخرى_ أن الرواسب السلبية للاختلاط تتجلى في خروج بعض الطلبة عن الهدف الذي دخل أحدهم الجامعة من أجله، لتجدهم في النهاية قد ذهبوا بعيدا في تكوين علاقات “عاطفية” بعيدا عن الأجواء العلمية التي يفترض أن تكون أساس الحياة الجامعية. ويضيف د. أبو الرب أن الملاحظ من سلوك البعض خارج القاعات الدراسية عن طريق الاستخدام الخاطئ للهاتف النقال، وغيره من المخالفات، تسيء إلى نقاء الجو العلمي وتبعث على الأسف.

في حين أن تأييد أ. سهير عودة، المحاضرة في مركز اللغات، للاختلاط في التعليم الجامعي، يعني بالنسبة لها أن يكون الطلبة في ظل مراقبة مع ضرورة فصل الشبان عن الفتيات في القاعة الدراسية، وتستنتج أ. عودة من خلال عملها في التدريس أن الفتيات أكثر تأثرا _ وبشكل سلبي _ من حيث القدرة على التركيز، بسبب صدور التشويش أحيانا من قبل بعض الشبان، كما أن الخجل الذي يعتري نسبة كبيرة من الفتيات يفقدهن التواصل مع مضمون المحاضرة.

ويستخلص د. أحمد رأفت، رئيس قسم الجغرافيا، من خلال ما يراه في المحاضرات، أن هناك فصلا طبيعيا بين الذكور والإناث بحيث يميل كل منهم إلى التجمع والحديث مع أبناء جنسه قبل المحاضرة، وخلالها، وبعد انتهائها، مما يعني أنه لا وجود “لعلاقات علمية” بين الجنسين، كما لا وجود للعلاقات الاجتماعية الطبيعية بينهما. وبهذا يرى د. رأفت أن الاختلاط عمليا غير موجود _ على الأقل وقت المحاضرة _ مع تسليمه بأن هناك اختلاط خارج “العلاقات العلمية”، واصفا مجتمعنا بأنه لم يصل مرحلة النضج الكافي للتعامل مع واقع الاختلاط بصورة صحية، على الرغم أنه مجتمع يتحلى  بالضوابط الاجتماعية والأخلاقية، والأهم الصبغة الدينية التي يصطبغ بها، مما يستوجب التعامل السليم ويسهل مهمته.

 

نظرة الدين:   

وبما أن صاحب الكلمة الأخيرة في مختلف القضايا داخل المجتمعات الإسلامية هو رأي الشريعة، يحدد الأستاذ الدكتور محمد الشريدة، المحاضر في كلية الشريعة، أن الاختلاط نوعان أحدهما مشروع إذا توفرت شروطه وهي الحجاب الشرعي، وضمان عدم الفتنة، وضرورة التعلم ( وهذه الضرورة تحددها النية والمجتمع )،  والآخر ممنوع وهو على النقيض من الأول.

 

ويعقب الدكتور الشريدة على الحكم الشرعي بطرح نموذج الجامعة الإسلامية في غزة والتي خصصت جامعة للذكور وأخرى للإناث، مضيفا أنه على سبيل المثال تطرح كلية الشريعة مساق الثقافة الإسلامية لطلاب الجامعة في 30 شعبة، “فما المانع أن تكون هناك 20 شعبة خاصة بالإناث، والباقي للذكور” عوضا عن اختلاطها جميعا. 

 

ولكن إذا كانت “الضرورات تبيح المحظورات” كما يقول البعض، فمن الأجدى التعامل مع الواقع القائم وفق الأصول المرعية، وعدم الخروج عن السياق العام، ومراعاة قدسية أماكن العلم وخصوصيتها.

الطلاب “يعبّرون”… على طريقتهم الخاصة

يونيو 9th, 2009 by amal

واحدة في حب الوطن، وأخرى في حب الجنس الآخر، وثالثة في النقد السياسي اللاذع، وهكذا… عبارات لا يجد المرء بدا من الاطلاع عليها أثناء سيره في أروقة العديد من المؤسسات التعليمية في مجتمعنا، فما إن تختفي إحداها عن عين الناظر، حتى تبرز الأخرى “مُزيِّنة” جداراً، أو باباً، أو مقعداً، لتعلن للآخرين عما يفكر به كاتبها أو ما يريدهم التفكير به.

 

ظاهرة قديمة جديدة تلك هي “الخربشات” التي نطالعها هنا وهناك، والتي تبدو في رأي البعض أكثر من مجرد خربشة لتلويث الجدران والأبواب، فالطالبة آية محمد (21 عاما) ترى أن نمط الكتابة هذا يرجع إلى عملية التفريغ النفسي التي يقوم بها الطالب حال تعرضه للكبت بكافة أشكاله، وتضيف بنظرات حذرة أن ضغط الثقافة السائدة المتمثل بالعادات والتقاليد الوضعية يشكل مناخاً خصبا لمثل هذه السلوكيات، فالطالب عادة ما يكتب ليسمع الآخرين رأيه، وليعبر عما بداخله.

وتتابع الطالبة في علم الاجتماع قولها أن المجتمع الذي يعاني القمع السياسي لا بد أن تظهر فيه تصرفات كهذه، فالملاحظ من العبارات المكتوبة أنها غير مقبولة سياسيا وكذلك اجتماعيا، وأن هذه الظاهرة منتشرة في المؤسسات التعليمية كافة.

 

غريب… ومعيب

إلا أن هناك من يخالف الرأي آنف الذكر، وإن كان مقرا لبعض الحقائق على الأرض، فمن جانبها تَمضي الطالبة سلام خلف (20 عاما) في وصف استيائها من تلك الظاهرة مشيرة إلى الأذى الناجم عن تكرار الكتابة على الجدران من حيث عبء تنظيفها أو طلائها مرة أخرى على المؤسسة التعليمية سواء كانت مدرسة أو جامعة، وتردف الطالبة في قسم اللغة الفرنسية، بينما كانت عيناها تتجولان في المكان من حولها، أن الطلاب إنما يفعلون ذلك من أجل التسلية لا أكثر، فالعبارات والمقاطع التي يكتبونها معظمها “غراميّة” هذا بالإضافة إلى كونها منظراً “غير حضاري” بل مخجل أمام ضيوف المؤسسة وزوارها.

ويبدي الطالب محمد مسعود (22 عاما) تعجّبه من ظاهرة الكتابة على المقاعد والجدران خاصة عندما تبدر من طلاب جامعيين يفترض أن يتسموا بالمسؤولية والوعي بموقعهم الأكاديمي، ويضيف الطالب وهو ينفث دخان ما تبقى من سيجارته، أنه عادة ما يكتب البعض _وخاصة الذكور منهم_ كلمات تخدش الحياء والذوق العام، وليس بالكلمات فحسب فكما يقول محمد هناك من يلجأ إلى الرسوم الساخرة أو الإباحية تحديدا في دورات المياه، الأمر الذي ينم عن سوء التصرف.

 

بعيدا عن مقص الرقيب !

ويصف د. عبد الجواد عبد الجواد رئيس قسم الصحافة في جامعة النجاح الوطنية هذه الظاهرة بأنها تفريغ نفسي، يلجأ إليه الطالب ليعبر عما بداخله، وتعد من المنظور الإعلامي نافذة يتجنب الفرد من خلالها “مقص الرقيب الحكومي والرقيب الاجتماعي” على السواء، وذلك لأن العبارات المتداولة من  المؤكد أنها ستحذف فيما لو عرضت للنشر في منابر الإعلام ووسائله، كما أن حق إصدار المنشورات على اختلاف أنواعها يحتاج لترخيص ولو كان النشر لمرة واحدة.

ويستطرد الأكاديمي المحاضر في قسم الصحافة بقوله إن ما يكتب من عبارات يكون بعيدا عن الذوق العام أحيانا، خاصة أن مصدرها مجهول الهوية، ويحاول الطالب التنفيس عن الكثير من المشاعر حول موضوع معين بغض النظر عن طبيعته، مضيفا أن المجتمعات التي تنتشر حيث يكون الكبت، سواء كان الكبت سياسي أو اجتماعي، وبالتالي يكون التفريغ المصاحب مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.

ويتساوى _عادة_ في هذا السلوك الذكور والإناث، فلكل منهم مكانه المفضل “للتعبير عن رأيه” بعيدا عن أنظار المجتمع.

بيع الأبحاث: “سرقة مشروعة”، على شكل خدمة رائجة، محصّلتها تجارة مربحة

يونيو 9th, 2009 by amal

أمل دويكات

بينما كان محدّقاً في شاشة حاسوبه الذي بدا عليه أثر الاستعمال أمداً طويلاً، استدار الشاب محمد عواد نحو محدثته حين سـألته عن المبلغ الإجمالي لمشروع التخرج الخاص بها قائلا “400 شيكل”.
هكذا لخص محمد طبيعة عمله في إحدى مراكز الخدمات الجامعية والإنترنت الواقعة على بعد أمتار من حرم جامعة النجاح الوطنية، إذ تبين أن أكثر من 90% من روّاد مكتبه هم من “مشتري الأبحاث الجاهزة” إن صح التعبير، بدءاً من التقارير والأبحاث القصيرة التي لا تتجاوز بضعة صفحات، وانتهاءً بمشاريع تخرج كاملة “من ألفها إلى يائها” على حد تعبيره.

ويسترسل عواد بشرح المزيد، في حين أخذ زبائنه يتوافدون تباعاً “زبائني هم من طلاب جامعة النجاح والقدس المفتوحة، غير أن أكثرهم من الجامعة المفتوحة نظراً لطبيعة نظام التعليم هناك، والذي لا يتيح للطالب معرفة أسس البحث العلمي أو حتى شكله”، ويضيف أنه بلا شك أن الأكاديميين في الجامعة المذكورة مقصّرين بحق طلابهم في هذا الجانب، الأمر الذي يدفع بالطالب نحو شراء البحث أو مشروع التخرج وبأي ثمن كان، والأدهى من ذلك برأي عواد أن بعض الأساتذة يقّرون ما يفعله الطلاب في هذا الشأن، مُسقطين من حسابهم ضياع الفرصة على طالب العلم لتحصيل المعرفة بالصورة العلمية السليمة.

ولا أدل على ذلك كما يقول عواد مما ترويه طالبة من قسم اللغة العربية في جامعة النجاح أن أحد الأساتذة _وبطلب شخصي منه_ كلفها بإحضار بحث قصير من بضعة صفحات، وتضيف الطالبة التي اتخذت إحدى زوايا المحل لتقف فيه بانتظار استلام أوراقها، أن البحث _باختصار_ هو من أجل طالب في جامعة القدس المفتوحة، يبدو كما تردف الطالبة أنه على معرفة بالأستاذ المذكور، معلّقة على الموقف بابتسامة تزامنت مع قولها “هل يحتسب الأستاذ علامة نشاط لي على هذه الخدمة؟!”
ويبدي محمد عواد استياءه من هذه الخدمة التي يقضي ساعات نهاره الطوال منهمكا فيها، معقّباً “أنا شخصيا لا أشعر بالرضا من هذا العمل، خاصة صياغة مشاريع التخرج التي أقوم بإعدادها بشكل كامل”، وبكلمات أخرى يتابع محمد “أشعر أن الجهد المضني الذي أبذله في سبيل إخراج مثل تلك المشاريع يذهب أدراج الرياح عندما ينضوي تحت اسم شخص آخر، وإن كان جهدي مدفوع الثمن في النهاية!!”.

وفي الوقت ذاته لا ينكر محمد على بعض الأكاديميين تحرّيهم الدقة والأسلوب العلمي في معالجة أعمال الطلاب وأبحاثهم، مشيراً إلى أحد مدرسي قسم الصحافة بجامعة النجاح، إذ كان يبعث إليه بأعمال الطلبة غير مرّة للتحقق من عدم نسخها عن مواقع الإنترنت.

لأنهم لا يقرؤون:
ويفيد مالك “مكتب النور” للتصوير والخدمات الجامعية، أن مكتبه لم يكن في البداية يقّدم أي خدمة ذات صلة ببيع التقارير والأعمال الفصلية الأخرى للطلاب، إلا أنه وبعدما تبين من خلال احتكاكه المباشر بالأساتذة وخبرته في العمل، أن كثيراً منهم نادراً ما يقرؤون أعمال الطلاب، بل إن هذه الأعمال غالباً ما تتحول إلى جزء من العبء الذي تحمله الرفوف في مكاتبهم، الأمر الذي حدا به إلى التساهل في تنسيق الأعمال والتقارير القصيرة وبيعها للطلاب، لأنه وكما يضيف بات على ثقة أنها “لن تقرأ” بل إن الأستاذ لا يجد بداً من طلب هذه الأعمال كي يسد الثغرة في رصد علامة المشاركة والنشاط غير الموجودة فعليا في سلوك الطالب الأكاديمي.
ويؤكد صاحب المكتب، المحاذي لمكاتب أخرى مشابهة والمطلّة جميعا على أبواب جامعة النجاح، يؤكد أن المكتب لا يتعامل بالأبحاث العلمية المخصصة لمساقات البحث أو مشاريع التخرج الكاملة، فهي بنظره تصرّف غير لائق، وإن كانت تدر ربحاً على القائم بها.
وهذا ما أقره نايف الشخشير صاحب مكتب “كوبي لاين” للخدمات الجامعية، مضيفا أنه “ليس من عملنا إعداد أبحاث كاملة مخصصة لحلقات البحث، أو ما شابه ذلك” في حين أنه يقدم في الوقت ذاته خدمة تنسيق الأعمال الفصلية للطلبة، والبحث في مواقع الإنترنت عن المادّة المطلوبة، ففي هذه الحالة وإن لم يكن الطالب قد أشرف بنفسه على العمل إلا أنه يبقى “أهون الضررين”.

… عند قومٍ فوائدُ
ويذكر الشخشير أن مثل هذه الخدمات عادة ما تتركز لديه ولدى غيره من المكاتب والمراكز الجامعية في الفترة الواقعة بين الامتحانات الثانية والامتحانات النهائية خلال كل فصل دراسي، ويرى أن المكاتب الجامعية تنتعش بعض الشيء حينها، لأنها الخدمة الرائجة التي يتم تقديمها عندئذ، إضافة إلى تصوير الأوراق والمواد الدراسية الاستكمالية التي يزدهر العمل فيها هي الأخرى.

ويتعلل الطلبة عادة بضغط الوقت والواجبات الدراسية التي تمنعهم التفرغ لنشاط لا يساوي ثمنه في نظرهم الوقت المبذول من أجله، وأما لجوء كثير منهم لشراء أبحاث التخرج، التي غدت ظاهرة في الوقت الحالي، فهو نتاج قناعة تولّدت عند هؤلاء أنه لا يوجد “بحث علمي” بالمعنى الحقيقي في جامعاتنا، بذريعة تخلّف أساليب التعليم ووسائله التي تتخذ التلقين عنوانا لها بالدرجة الأولى ولا تشجع البحث منذ المراحل الأولى من حياة الطالب الأكاديمية، وكذلك ضُعف النتاج العلمي عموما.

العادات الاجتماعية في جبل النار

مايو 30th, 2009 by amal

أمل دويكات

بين حاراتها وأزقتها، وفوق قبابها ومآذنها العتيقة، وبجوار أضرحتها ومقاماتها الشامخة، وعلى مداخل خاناتها القديمة، يشتم المرء رائحة الماضي الأصيل فتخبره للتو أن تلك هي مدينة نابلس بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

وفضلا عما ذكرته الكتب التاريخية بحق المدينة من عراقة، وعمق حضاري يمتد إلى قرون عدة قبل الميلاد ليشمل الحضارات الكنعانية والرومانية والإسلامية بكافة عهودها وصولا إلى الحكم العثماني، يجد المتأمل في واقعها القديم والحديث صورا من أنماط الحياة الاجتماعية بعاداتها وتقاليدها وأعرافها، لا يملك حيالها سوى القول أن هذا هو المجتمع النابلسي بحق، وتلك هي طباعه الأصيلة.

 

دمشق الصغرى

في زمن الحكم العثماني كانت المدن الفلسطينية الحالية جزءاً من كلٍ كبير يسمى بلاد الشام، وكان هذا المصطلح يشمل بالإضافة إلى فلسطين كل من سوريا، ولبنان، والأردن على اعتبار أنها جميعاً تشكل كياناً جغرافياً واحداً، ولكن مدينة نابلس كما يذكر د. لطفي زغلول، الشاعر والكاتب النابلسي المعروف، تميزت بالتشابه مع دمشق من حيث طبيعتهما الجغرافية، فضلاً عن الكثير من عادات أهلهما وتقاليدهم كاللباس والمأكولات وتقارب لهجة أهالي المدينتين أيضاً.

ويضيف د. زغلول أن دمشق استطاعت حالياً إعادة إحياء تراثها العربي الإسلامي من خلال الأعمال الفنية والمسلسلات التاريخية التي ترسخ في الأذهان صورة دمشق القديمة بعاداتها وتقاليدها الاجتماعية وطقوسها الدينية المختلفة.

 

طرابيش وملايا

ويذكر د. لطفي زغلول أن المجتمع النابلسي اتسم في تلك الفترة بالاحتشام في اللباس الذي كان مستمداً من الشريعة الإسلامية بالأساس، سواء ما كان منه للرجال أو النساء، فالرجال كانوا يعتمرون الطرابيش، وعرفوا أنواع أخرى من اللباس مثل القمباز، والسرّتلي، وغيرها

من الألبسة الخاصة بالرجال، أما النساء فيمكن القول أن الزي الخاص بهن كان موحداً تقريباً، وهو ما عرف حينئذ بِ “الملاية” وهي عبارة عن ثلاث قطع سوداء اللون إحداها لتغطية الرأس والأخرى لتغطية الوجه، والثالثة لستر باقي الجسم.

ويعقب د. زغلول على ذلك بأن المجتمع النابلسي تميّز آنذاك بعدم اختلاط المرأة بالرجال، والتزامها بيت زوجها، ولم تكن إحداهن تخرج إلا بإذن زوجها أو ولي أمرها، ولكن بدأت المرأة تدريجيا تغير نمط لباسها وكذلك الرجل، فعرفت النساء بعد ذلك الفستان مع بقاء غطاء

 الرأس والوجه، وصار الرجال يلبسون “البنطلون” و “الجاكيت” ومع مرور الوقت تخلت النساء عن غطاء الوجه، والبعض منهن تركن غطاء الرأس كلياً.

 

نابلسية… والاسم كنافة

ومن أشهر ما عُرف عن مدينة نابلس من مأكولات حلوى الكنافة، والمعروفة في العواصم العربية باسم “نابلسية” نسبة إلى مسقط رأسها نابلس.

ويشير د. لطفي زغلول، المحاضر السابق في جامعة النجاح الوطنية، أن هناك مأكولات عرفتها نابلس منذ عقود طويلة، ومنها على سبيل المثال طبق العكوب، وهو من الأطباق المرغوبة على الموائد النابلسية، وكذلك المعمول وهو حلوى العيد، والمجدّرة المكونة من الأرز والعدس، وتميزت المدينة أيضاً بصناعة الحلاوة والزلابية، وينوه د. زغلول إلى أن هذه الأخيرة أصلها عراقي واستجلبت إلى نابلس، مردّدا صدر بيت الشعر القائل “رأيته سَحَرَاً يقلي زلابيةً” من قصيدة شاعر عراقي.

ويذكر الأستاذ إحسان النمر في كتابه تاريخ جبل نابلس والبلقاء أنواع أخرى من المأكولات النابلسية في ذلك الحين، ومنها المفتول، والمحاشي، والمخاشي، والثريد (الفتيت)، ومن الحلويات عُرفت أيضاً البقلاوة، والقلاذ الذي غالباً ما يصنع في البيوت، ومن المشروبات السائدة في ذلك الوقت عرق السوس، والخروب، وشراب التوت، والليمون مع العسل، والقهوة السادة المخلوطة مع التوابل والبهارات على الطريقة البدوية، ولم يكن الشاي معروفاً في نابلس وقتذاك.    

 

السوق نازل يا رمضان

يقول الحاج أبو كريم دروزة أحد أبناء المدينة، عما يحضره من ذكريات حول رمضان قديماً، أن النابلسيين مجتمع متدين يستغلون إقبال رمضان في العبادة والتقرب إلى الله بأشكال الطاعات المختلفة، ويبدأ الاستعداد لرمضان منذ شهر شعبان، الذي يشهد هو الآخر طقوساً    اجتماعية محببة في المدينة، كالشعبونية التي تدعى إليها أرحام الرجل في كل أسرة لتناول الطعام، وما زال معمولاً بها إلى الآن.

ويضاف إلى ذلك أن بيوت نابلس تنشغل في تلك الفترة بإعداد أصناف من الطعام والمخللات، والنقوع والمشروبات، استعداداً لاستقبال الشهر الكريم، ويشير دروزة إلى أن رمضان يعد مناسبة جيدة ليصل الرجل أرحامه، فيقوم بزيارة الأخوات والعمات والبنات المتزوجات حاملاً معه ما تيسّر من الطعام أو اللباس وتعرف هذه الزيارة نابلسياً باسم “الفُقدة”.

ويذكر دروزة أن الناس كانوا يضيئون الشوارع ليلاً بقناديل الزيت، وصارت هذه القناديل أو الفوانيس تقليداً رمضانياً حتى يومنا هذا، وتباع في الأسواق للأطفال لإدخال البهجة إلى قلوبهم في أجواء رمضان، ويضيف أن لكل حارة في المدينة “مسحّر” خاص بها يوقظ أهلها قبل الفجر لتناول السحور.

وهناك ما يعرف بالسوق نازل في ليالي رمضان كما يذكر الحاج أبو كريم، وينتشر في شوارع المدينة وتباع فيه أنواع المأكولات والمشروبات التي لا يستطيع الصائم تناولها في نهار رمضان، إضافة إلى بضائع أخرى كثيرة.

 

قصة الشعرات النبوية

وبسبب طبيعة نابلس المتدينة منذ ذلك الوقت، كانت تقام حفلات الذكر على مدار السنة، وتكثر في رمضان بالذات وتحييها عادة الفرق الصوفية الموجودة في المدينة، بصحبة الطبول وآلات أخرى، ويشارك الأهالي هذه الفرق في المديح والذكر الذي لا زالت آثاره باقية حتى يومنا هذا، ويحييه النابلسيون في المساجد خلال شهر رمضان وخاصة في العشر الأواخر منه.

وجرت العادة ومنذ ما يزيد على مئة عام تقريباً أن يحتفي النابلسيون بالشعرات النبوية المحفوظة حالياً داخل خزنة في الجامع الحنبلي يوم السابع والعشرين من رمضان في كل عام، ويروي الشيخ محمد البسطامي – رحمه الله- وهو أحد أعلام المدينة في الشريعة الإسلامية خلال القرن العشرين، قصة هذه الشعرات في أحد مؤلفاته المحفوظة أيضاً في الجامع الحنبلي، ومفادها أن أعيان نابلس وأشرافها تولوا بأنفسهم استجلاب الشعرات النبوية التي كانت موجودة في اسطنبول في ذلك الحين إلى نابلس كواحدة من عدة مدن أخرى حظيت بالحصول على هذه الشعرات ومنها مدينة دمشق، وتولت عائلة البيطار منذ ذلك الحين وحتى اليوم الحفاظ على الشعرات النبوية، وكما يقول د. زغلول نالت عائلة البيطار شرف المسؤولية عنها، مشيراً إلى أنه خُصص لها خزنة ومفتاح تحمله أسرة من آل البيطار، وذلك بعد أن جرت محاولة في إحدى المرات للاعتداء على الشعرات المذكورة.   

 

 

 

أحوال العيد

أما الأطفال فكانت لهم مدائحهم الخاصة، وذلك عند قرب حلول العيد الذي يمتاز بنكهة من نوع آخر في المدينة، ويسترجع الحاج أبو كريم دروزة أيام الطفولة بقوله كانت الأمهات تضع في أعناق أولادهن أكياساً يصنعنها من القماش، ويذهب الطفل بها إلى بيت جدّته وتقوم الجدة بإعطاء حفيدها مما لديها من الحلوى، وكانوا يسمونها في ذلك الوقت “التحويجة”، أما ثياب العيد فكان يفصلها خياطو المدينة للصغار والكبار من الذكور، وعادة ما يشهد هؤلاء أيام عمل شاقة في الليالي القليلة التي تسبق العيد، نظراً لأن كافة أهل المدينة يفضلون شراء ثيابهم الجديدة وخياطتها مع حلول العيد.

ويلخّص د. لطفي زغلول أهم محطات يوم العيد، والتي تتمثل بخروج الرجال لصلاة العيد في المساجد، ومن ثم زيارة القبور وقراءة الفاتحة على أرواح الموتى هناك، والعودة إلى البيت لتناول وجبة الإفطار، يعقب ذلك ذهاب الرجال إلى أرحامهم من النساء للسلام عليهن، وتهنئتهن بالعيد، وإهدائهن ما تيسر من المال، ويسمى ذلك “العيدية”، ولا زالت الكثير من هذه الطقوس قائمة حتى اللحظة. 

 

الحمام التركي واختيار العروس

يقول د. لطفي زغلول أن هذه المرحلة شهدت ازدهاراً للحمامات التركية، فكان الحمام أكثر من مجرد مكان للاستحمام، فهو مكان للاستشفاء أحياناً وللعلاج في أخرى، وكان صاحب الحمام يقوم بأكثر من وظيفة في آن، منها الحلاقة والعلاج الطبيعي، وخصصت أيام للرجال وأخرى للنساء في كل حمام.

وهناك عائلة في المدينة نُسبت إلى مهنة صاحب الحمام، كما يذكر د. أمين أبو بكر، وهي عائلة الحمامي التي يقال أن جدها كان يملك أحد الحمامات في نابلس.  

ويتابع د. زغلول أن النساء استخدمن الحمام في تلك الفترة لمآرب أخرى، كاختيار العروس المناسبة للشاب الذي يريد الزواج، وإذا ما وقع الاختيار على فتاة ما، يتقدم العريس بصحبة أهله لخطبتها، وعند موافقة أهل الفتاة بعد السؤال عن العريس وعائلته، تتم الخطبة بشكل رسمي وهو ما يعرف بالجاهة، التي ما زال معمولاً بها حتى الوقت الراهن، وكلما زاد عدد أفراد الجاهة تلك، كما يقول د. زغلول، تزداد قيمة العريس وأهله في نظر نسائبه ومحيطه الاجتماعي، وللنساء من أهل العريس حفلة خاصة بعد الجاهة تسمى “الشوفة” لرؤية العروس والاحتفاء بها، ويتوج هذه المراسيم كلها حفل الزفاف أو العرس الذي تنتقل فيه العروس لبيت زوجها.

 

هكذا قالوا

ومن ناحية الموروث اللغوي الذي اتسمت به نابلس، تميّز أهلها منذ ذلك الوقت بفصاحة لهجتهم وبيانها، أسوة بسائر لهجات بلاد الشام التي تعد أفصح لهجات العرب إلى اليوم، وهو ما يؤكده الأستاذ إحسان النمر في تاريخ جبل نابلس والبلقاء.

وعن أمثالهم، فقد تناقل النابلسيون أمثالاً عبرت عن أنماط اجتماعية وثقافية معينة، منها قولهم “الغرض مرض” و “العيال سوس المال” و “الشر من شرارة” و “تعب الحر مر” و “عليك بالجار ولو جار”، وقولهم “الرجال محاضر مش مناظر” و “نَفَس الرجال بحيي الرجال”.

 

ومع خضوع المدينة للحكم العثماني ظهرت أمثال أخرى لم تكن موجودة في قاموس الأمثال النابلسية من قبل، وهي من أصل عثماني كما يقول د. أمين أبو بكر، وطرأت على المدينة بفعل تأثرها بالدولة العثمانية، ومن هذه الأمثال “حط راسك بين الروس، وقول يا قطاع الروس” ويقال هذا المثل للدلالة على روح الاستسلام واللامبالاة، ومنها أيضاً “كل سكّرة وإلها مفتاح” بمعنى أن لكل مشكلة حل، وقولهم ” كتبة وانكتبت” بمعنى لا مفر، وقيل هذا المثل في

القرعة التي كانت تجري لتجنيد الشبان في الخدمة العسكرية، ومنها كذلك “اللي بياخذ أمي بناديه عمي” وهو أيضاً دلالة على اللامبالاة بما يحدث، وقولهم ” العم مولّى والخال مخلّى” بمعنى أن أهل الأب أولى بالطفل من أهل الأم، وغيرها الكثير من الأمثال التي لا يتسع المجال لذكرها.

ويشير د. أبو بكر إلى العديد من الكلمات التي وفدت إلى نابلس من اللغة التركية ومنها على سبيل المثال كلمات: (طابو) التي تعني بالعربية محرم على غيرك وهي دائرة تسجيل الأملاك زمن العثمانيين، و(خان) التي تعني بالعربية الفندق الذي ينام فيه التجار، و(سبيطار) وهو بالعربية المستشفى، و(أكزخانة) وتعني صيدلية، و(إسكافي) التي تعني مصلح الأحذية، و(عطار) وتعني بائع الأعشاب ذات الروائح القوية، و(برنجي) أي الرقم واحد، وغيرها الكثير من الكلمات التي أصبحت جزءاً من اللهجة المحكية.

ويذكر د. أبو بكر، المحاضر في جامعة النجاح الوطنية، أن هناك عائلات حملت أسماء تركية في المدينة منها (طبنجة) التي تعني بالتركية المسدّس، و(الكوني) التي تعني العالِم، و(تفكجي) وهو الحارس الذي يحمل البندقية.

 

مدينة مغلقة

وحول طبيعة نابلس المحافِظة والمتديّنة مقارنة بباقي المدن والعواصم العربية، يخلُصُ د. أبو بكر إلى القول إن مدينة نابلس ظلت عبر العصور مدينة مغلقة أي لم تختلط بالعناصر الأجنبية التي دخلت غيرها من المدن، وخاصة المدن الساحلية الواقعة على خطوط التجارة من آسيا إلى أوروبا وبالعكس، وبالتالي لم تتأثر ثقافتها ولغتها وعاداتها المستمد معظمها من الشريعة الإسلامية كونها ذات طبيعة جبلية ساعدتها على الحفاظ على نقاء عاداتها ومعتقداتها.

ولا يزال المرء حتى هذا اليوم يلمس ارتباطاً وثيقاً بين طقوس النابلسيين الاجتماعية وتعاليم الدين الإسلامي، وإن كان بعضها مستحدث لم يرد في الشريعة، إلا أنه بات مستحباً ومقبولاً بينهم.    

 

Hello world!

مايو 27th, 2009 by amal

مرحبا بك في مدونـــــات أميـــــن. هذه هي المقاله الأولى. تستطيع تعديلها أو حذفها, بعد ذلك تستطيع البدء بالتدوين!