نشر بتاريخ: 30/03/2021 ( آخر تحديث: 30/03/2021 الساعة: 11:28 )
شارك

الكاتب: أ.صخر سالم المحاريق

لقد ذاع صيت المهن والحرف المختلفة نظراً لأهميتهافي تكوين اقتصاديات المجتمعات منذ القدم،بحيث سعت البشرية جاهدةًإلى تعلمها وإتقانها، فأصبح لكلِ نشاطٍ اقتصاديٍمجموعةٍ من الحرفِ والمهنِ المرتبطةِ به، فهنالك (المهن الصناعية،والمهن الزراعية، والتجارية،والخدماتية)، كماكان لكل عصر ما يميزه من المهن والحرف المتنوعة،والتي ساهمت في إبراز معالم ذلك العصر، ودوره فيتطور مناحي الحياة المختلفة، بدءً من العصر الحجري، فالبرونزي، فالحديدي، وصولاًإلى العصر الحديث؛ عصر التقنية والتكنولوجيا وما أفرز من تنوع واستحداث في مهنٍ تقنيةٍ جديدةٍ.

الفرق بين التعليم والتدريب “المهني”، والتعليم والتدريب “التقني”…

قد يكون من المفيدِ توضيح بعض المصطلحات المستخدمة في هذا المقال للقارئ الكريم لمزيد من الفهم والترابط، وهي التعليم والتدريب “المهني” من جهة، والتعليم والتدريب “التقني” من جهةأخرى، إضافة إلى المستوياتِ التعليميةِ لكل منهما، مع الإشارة إلى أن عملية “التدريب”؛هي عملية أساسية مرتبطةبعملية التعليم وهامة لكلاهما بوزن نسبي أكبر في العملية التعليمية لكلا النوعين،بحيث يمثل “التعليم” الجانب النظري والمعرفي، في المقابليمثل “التدريب” الجانب العملي والتطبيقي.

يُعرف التعليم أو التدريب “المهني”؛على أنه إعداد الناس لعالم العمل في معناه الواسع. وأما في معناه الضيق فهو “ذلك التعليم الذي يُشجعْ الصفات، والمواقف، والمعرفة، والفهم، والكفاءاتالتي تُشكل الأساس الضروري لعملية التوظيف”، بحيث يُعطى ويكتسب بالتوازي مع التعليم العام خاصة في المدرسة،والمرحلة الثانوية،ومرحلة العمل، والكلية، بينما يُعرفْ التعليم والتدريب “التقني”؛ على أنه “ذلك التعليم المرتبط باكتساب معارف، ومهارات، وكفايات في جوانب فنية أو تقنيةفي مجال متخصص”، وهو على علاقة أكبر بالمجال التقني والتكنولوجي، فمثلاً: في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا يختص التعليم والتدريب “المهني” بحرف ومهن مثل (البناء، والتصنيع،الخِياطة، النِجارة، اللِحام، والمهن التقليدية المعروفة …)، وأما التركيز الأكبر اليوم فهو باتجاه التعليم والتدريب “التقني” المرتبط بحاجة العصر، عصر التقنية والتكنولوجيا والكمبيوتر ومفرزاته.

طريقة وآلية تعلُّمِ المهن واكتسابها في المجتمعات سابقاً …

دعونا نقول بأن تعلّم المهن والحرف المختلفة وتطورها مع مرور الزمن هو من أقدم أشكال التعلُّم والتعليم إن لم يكن أقدامها على الإطلاق، خاصة في جانبه”العملي والتطبيقي”والذي يمزج بين (المعرفة النظرية، والمهارة التطبيقية)، وقد كان يحدث هذا الأمر في المُجتمعات بشكلٍ عفويٍ وتلقائي دونما تخطيطٍأوتنظيمٍ مؤسساتي، حيث كانت عملية التعليمتتم بالتناقل والاكتساب على يد خبير ماأوحرفي أوصنائعي تلازمه في أي مجال من المجالات المطلوبة، وليست في شكلِ تعليمٍ مُنظمٍومُمَنْهجْ.

أضف إلى ذلك “ثقافة تعلم المهن”والتي كانتسائدة في المجتمعاتِ آنذاك،والتي نفتقدها اليوم كأحد أدوات الإرشاد والتوجيه المهني والتي قد تحدث بشكل تلقائي أو مُنظم، بحيث تحولت تلك الثقافة إلى نظرة سلبية ودونية اليوم، ومن أشكال تلك الثقافة:إصرار الآباء على تعليم أبنائِهِم حرفة أو صنعة ما، وتوفر الرغبةِوالاستعدادِ لدى الأبناء ذاتهم للتعلم ذكوراً وإناثاً على حد سواء، بحيث برزت العديد من مسميات العائلاتبأسماء مهن وحرف كانوا يعملون بها في بلادنا العربية:(كالحداد، وسكافي، والنجار، والبغجاتي، …)، وكذلك في العالم أيضاً فمثلاً: في ألمانيا يعتبر اسم “مولر” والذي يعني “الطحان” الاسم الأكثر شيوعاً وقدماً فيها، وكذلك اسم “شنايدر” الذي يعني “الخياط،” واسم “شميدت” ويعني “الحداد”.

تحول المهَّن والحرف لمسارٍ تعليميٍمُنظمٍ وهام فيإحداث التنمية المجتمعية …

مع بزوغ الثورةِ الصناعيةِوبدء عصر التكنولوجيا كامتداد طبيعي لها،كذلك الأمربروز مفهوم التنمية الشاملة والمستدامة،أصبحت المجتمعات أكثر تخطيطاً وتنظيماً ومأسسة في مختلف المجالات، من أجل تحقيق أغراض التنمية ومتطلبات العصر، ومن ضمن القطاعات التي نالت نصيبها من عملية التنظيم والتطوير التعليم “المهني والتقني”،والذي أصبح أكثر تخطيطاً وتنظيماً من ذي قبل،حيث برزت أهمية التعليم “المهني والتقني”كسمار تعليمي رافد لأشكال التنمية وخاصة “الاقتصادية والاجتماعية” منها، لما له من أثر إيجابي على الأفراد والمجتمعات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والتي تنادي بها الدول المتقدمة وتنشُدّها الدول النامية أو تلك الدول التي تمر بمرحلة انتقالية أو مرحلة ما بعد الصراع، فالتعليم “المهني والتقني”أصبح أحد الحلول الناجعةلعلاج مشكلات العصر (كالبطالة، والفقر، والعوز، والتهميش …)، وكذلك لما له من دور كبير في رفد اقتصاديات الدول وحاجتها من العمالة الماهرة في النشاطات الاقتصادية الأربعة: الصناعة، والزراعة، والتجارة، والخدمات، وقد برزت العديد من الدول التي تعتبر نموذجاً يحتذى به في التعليم المهني والتقني،بحيث ساعدها على النهضة والتطور مثل ألمانيا، والسويد، ماليزيا ..وغيرها الكثير.

قضاياهامة في التعليم والتدريب “المهني والتقني”المُعاصر …

تُشيرُ الإحصائيات الصادرة عن جهات مختصة بأن التوجه نحو التعليم في مُجتمعاتنا العربية ومنها فلسطين أصبح معكوساً أو مقلوباً بين الحاجة الفعلية لسوق العمل من جهة، والتوجهالتعليمي العام لأفراد المجتمع من جهة أخرى، حيث يُعد التوجه كبيراً تجاه التعليم “الأكاديمي” في مقابل التعليم والتدريب “المهني والتقني”، رغم أن تلك المُؤشرات تؤكد نسب البطالة العالية جداً لدى الخريجين في النمط التعليمي الأول سابق الذكر، في مقابل الحاجة الماسة لعمالة فنية وتقنية ماهرة في سوق العمل العربي عامة والفلسطيني خاصة، وهذا يتطلب منا نظرة أكثر عمقاً ودقة في خياراتنا بهذا الاتجاه في المستقبل.

لكنّْ ما هي أهم القضايا والتي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في بناء وتكوين منظومة تعليم وتدريب “مهني وتقني”معاصروموازٍ للتعليم العام والأكاديمي،لزيادةتأثيرهودورهفيعملية التنمية، والوفاء بمتطلباتها خاصة “الاقتصادية والاجتماعية” منها؟

إن من أهم القضايا المعاصرة عزيزي القارئ الكريم،والتي يتم تداولها وطرحها كمرتكزات وأركان لبناء منظومة تعليم وتدريب “مهني وتقني”معاصرة تفي بمتطلبات العملية التنموية.هي أولاً:قضية تحديد المجموعات المستهدفة من التعليم والتدريب المهني والتقنيبناءًعلى ميولِ الأفرادِ الملتحقين ورغباتهم وهواياتهم،ثانياً: أهمية القضايا التنظيمية؛ومنها على سبيل المثال لا الحصر – صياغة قوانينتنظم العمل في المهن المختلفة وتعمل على وصفها وتوصيفهابما يضمن واجباتها وحقوق العاملين فيها-،ثالثاً: قضيةالتكوين المهني وأهمية المناهج، والوسائل، والأدوات، المستحدثة وتطويرها باستمرار،رابعاً: قضايا المواقف والاعتماد، خامساً:قضايا روابط التعليم،وأرباب العمل، والتشاركية، والتشبيك بين القطاعات المجتمعية الثلاث العام، والخاص، والأهلي، سادساً: أهمية قضية الثقافة المجتمعية كقاعدة للتوجه نحو المهن، تعود بنا إلى الوراءإلى ذاكرة فطرة تعلم المهن وإكتسابها.

Be Sociable, Share!
أضف تعليقك

You must be logged in to post a comment.