فبراير
04

نشر بتاريخ: 03/02/2019 ( آخر تحديث: 03/02/2019 الساعة:

الكاتب: د.محمود الفطافطة

الضمان الاجتماعي حقٌ مقدس لكل إنسان كفلته الشرائع السماوية قبل أن تنص عليه المواثيق والقرارات الدولية. فهذا الحق لا يُمكن له أن يسقط بالتقادم، أو تجاوزه بذرائعٍ واهية، أو مبررات لا تستند إلى المنطق والصواب.
هذا الحق الذي كان يُفترض تجسيده في مفاصل الحياة الفلسطينية منذ زمن طويل يجب أن يقوم على أسسٍ عادلة، ومقومات شفافة، بعيدة عن الاستغلال والإجحاف من قبل الحكومة أو أرباب العمل. فالضمان الاجتماعي هدفه حفظ الحقوق وإبقاء العدل الاجتماعي مُلازماً لشرائح العمال، سيما الفئات المهمشة والفقيرة التي تكتوي بنار الحرمان والجوع والقهر.
فالشعب الفلسطيني الذي يتعرض للمعاناة والظلم بكافة ألوانه ودرجاته من لدى أبشع احتلال عرفته البشرية يتوجب أن يُقدم له ما هو ممكن من حقوق واجبة، ورعاية مستحقة حتى يتم تخفيف هذه المعاناة الشديدة، خاصة في ظل نسب البطالة والفقر العاليتين بين أوساط الشباب والعائلات الفلسطينية عموماً.
إن الأموال التي تُقدر بأكثر من 20 مليار دولار التي تم ضخها لموازنة السلطة وأرصدة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني من قبل الدول والمؤسسات المانحة الأجنبية والعربية على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية كان من المفروض أن تُستغل في التنمية الفلسطينية لا أن تكون أموال ذات أبعاد سياسية وحزبية تخدم ما يُعرف بـفئات “الاستزلام السياسي” القائم على حسابات الحزب والأيديولوجيا والثقة الشخصية والقرابة العائلية، لا على مبدأ الكفاءة والمهنية والمصداقية والشفافية.
هذا المال لم يكن أداة في تحقيق مثل هذه التنمية المفترضة، بل على العكس من ذلك زادت نسب البطالة والفقر في هذا المجتمع إلى نسبٍ خيالية، إلى جانب محدودية الاهتمام بقطاعات مجتمعية مهمة جداً، خاصة تلك القطاعات المتعلقة بالصحة والتعليم والزراعة والثقافة والصناعة. مثل هذه القطاعات، مجتمعة، تحصل على حصة مالية من الموازنة السنوية العامة أقل من الدعم المرصود للقطاع الأمني. وهذا، وللأسف، لم يُساهم في تحقيق أية تنمية منشودة، فعلى العكس من ذلك كان الهدف إغاثي دون أن يتحقق الهدف التنموي.
وعلى هذا الأساس، ووفق هذه الصورة فإن تحقيق مطلب وجود قانون للضمان الاجتماعي في فلسطين لا يُعتبر مطلباً عادياً، بل هو حقٌ يتوجب الإسراع فيه. هذا الحق لا يمكن، مطلقاً، أن يكون أداة لهذه الفئة أو تلك الجهة للعب في بنوده، أو السعي إلى نيل مكاسب فئوية أو شخصية على حساب العاملين الذين تتعرض نسبة ليست بالقليلة منهم إلى تعسفٍ واضطهاد يتمثل بصورٍ وأشكال متعددة، أخطرها الطرد من الوظيفة دون منح العمال مستحقاتهم.
وبعد أن أصدر الرئيس محمود عباس قراره بإيقاف العمل في قانون الضمان الاجتماعي نود التركيز على بعض النقاط التالية:
1. إن عملية التجميد المؤقت، أو التعليق المؤقت لهذا القانون لا يعني إبقاء الحكومة أو السلطة دون إعادة العمل بهذا القانون؛ بعيداً عن مطالب معارضيه في الحسبان. وفي حال تم الإقدام على ذلك، فإنه يتوجب على أصحاب الحراك ومعارضيه العودة مرة أخرى إلى الشارع والميدان لإجهاض هذا السلوك غير السوي… فلا يُمكن الالتفاف على الشعب، أو التطاول على حقوقه وأرزاقه.
2. أظهر عدم تطبيق القانون وتعليقه أن الشعب له القرار الأخير فيما يتعلق بحقوقه وأهدافه وتطلعاته. فالذين قاموا بـ (طُبخ) هذا القانون في ليلٍ؛ دون استشارة كافة المعنيين وأصحاب الشأن، لا سيما المجلس التشريعي (وإن كان مُغيباً ومُعطلاً) سيحسبون للأمر حسابه مستقبلاً في حال أقدموا على إقرار قوانين لا تمت لحقوق الجمهور بصلة.
3. لقد أظهر الحراك ضد القانون التزاماً أخلاقياً ملحوظاً وكبيراً في سلمية السلوك والفعل، فقد كان القائمون عليه نموذجاً للتحضر واتباع القيم السامية، بعيداً عن الإساءة المرفوضة أو التخريب الضار. مثل هذا السلوك يُدلل على وجاهة المطلب وسمو المطالبين.
4. إن الكثير من المكالب والحقوق العادلة أُجهضت في الساحة الفلسطينية بسبب التجاذب السياسي والاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، ولكن في حالة الحراك ضد تطبيق قانون الضمان الاجتماعي كان الأمر عكس ذلك، حيث لم يستطع القائمون على تطبيقه الدخول من هذا المسار، كما أن معظم الأحزاب والحركات الفلسطينية السياسية لم تستطع الولوج إلى هذا المعترك؛ لتسجل أهدافاً فشلت في تسجيلها فيما يتعلق بالأبعاد الوطنية كالفعل المقاوم، أو عبر الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية وسواها.
5. تبين لنا من خلال هذا الحراك قوة المؤسسات الفلسطينية التي في حال تم التنسيق والتعاون بينها على أسسٍ منظمة ومتينة تستطيع أن تجند الكثير من أجل تحقيق مطالبها وأهدافها. فمناصرة القضايا العادلة والهامة تحتاج إلى وعيٍ وإدراك كبيرين، إلى جانب القدرة الواسعة والدائمة في تجنيد وتحشيد أكبر حجم ممكن من أصحاب الحقوق العادلة.
6. كذلك، فقد كانت قوة تضامن البعد الشعبي الواسع مع الحراك ومطالبه ملحوظة، في مقابل تراجع الفعل الحزبي الذي تتصارع أكبر حركتين فيه (حماس وفتح) على السياسة دون الالتفات إلى ما يجري في الوطن وقضايا الشعب.
7. لقد أكد الحراك وما انجزه من (مطلب نصف الطريق) أن القادم قد يكون أكثر تحدياً وصعوبة، وذلك بخصوص التفاوض والنقاش حول بنود التعديل أو التغيير في مواد هذا القانون. فمبادئ (العدالة، والثقة، والشمولية، والشفافية) ستبقى البوصلة التي ينطلق منها ويسير على أساسها قادة الحراك مستقبلاً. فالقانون حق مقدس للجميع، لكن ذلك يجب أن يكون على أسس صحيحة، ومنابت قويمة ذات مرتكزات عادلة ونافعة. فالقانون الذي لم يحقق العدالة فمن شأنه أن يحقق الظلم والقهر والتمرد والتفكك والتباعد الاجتماعي. وهذا ما لا يُمكن تصوره في الحياة الفلسطينية التي تواجه احتلالاً مجرماً، لا يرحم فينا إلاً ولا ذمة.
8. إن ما جرى في ” حادثة أو عملية) هذا القانون يفرض على الحكومة والسلطة عموماً أن تلتفت إلى جملة من الأبعاد، أهمها:
• العمل على الاستثمار في الإنسان، لا أن يبقى المواطن نسياً منسياً، مكانه الهامش، والتهميش. فالفلسطيني الذي لم تتحقق له العدالة الداخلية والدعم المادي والمعنوي سيكون، بالطبع، ضعيفاً أمام أبشع احتلال عرفته البشرية.
• على الحكومة أن تولي العامل التنموي أهمية كبيرة، فلا يصح، إطلاقاً، أن تنهال مليارات الدولارات منذ قيام السلطة دون أن تُقام المشاريع التنموية. فنحن نرى كم هي الأعداد الكبيرة من العمال الفلسطينيين الذين يعملون في المستعمرات الصهيونية، للأسف، والكثير، أيضاً، ممن يعملون في أراضي فلسطين الداخل، إلى جانب النسب الخطيرة والمقلقة فيما يتعلق بالبطالة والفقر. لو كان هنالك استراتيجية للتنمية لما وصلنا إلى هذا المشهد التراجيدي والضار بقضيتنا وسمعتها ومكانتها.
• في إطار ما جرى من أحداث ومجريات متعلقة بقانون الضمان الاجتماعي، فإن مطلب إعادة النظر في الكثير من القوانين التي صدرت بقرار من الرئيس بحاجة إلى إعادة النظر فيها، وهذا حق تشريعي ومطلب دستوري. ففي حال عاد المجلس التشريعي إلى عمله يتوجب عليه القيام بهذه المهمة.
9. القوة تكمن في العدالة والإيمان بها. فلا حق يمكن أن يتجسد على أرض الواقع إلا بحراك أو مناصرة منظمة وموحدة وواعية ومدركة لواقعها ولما يحيط بها من تحديات ومعيقات. قانون الضمان الاجتماعي تم تعليقه، ولا يمكن أن يعود على ما كان عليه طالما هناك نفس قوي وقويم لهذا الحراك.
10. على القائمين على تطبيق القانون أن يعوا أن احترامهم وثقة الشعب لهم لا تتأتى من قوانين تضر بشعبهم، بل على العكس من ذلك، فالقانون الذي يحقق ما يصبوا إليه الشعب من شأنه أن يكون رديفاً داعماً وسنداً قوياً للحكومة، وإلا فلا ثقة في الحكومة، ولا احترام لها إذا بقيت ترى في الشعب عنواناً للنهب، لا أداة للاحترام والدعم.

 

Be Sociable, Share!
أضف تعليقك

You must be logged in to post a comment.