مايو
07
التصنيف (غير مصنف) بواسطة almwealh في 07-05-2012    61 مشاهده

د.الأسير أمين أبو وردة – خواطر

أمي الحنونة

عندما دخلت زنزانة رقم (11) في سجن بتاح تكفا باليوم الأول للتحقيق شاهدت عبارة خطها أسرى سبقوني إلى تلك الزنزانة تقول “إذا دخلت هنا لا تفكر بالخارج”
وبالفعل أخذت بهذه النصيحة ولم أعد أتذكر أحداً أو أي مصحلة بالخارج الدراسة العلي.. الكتب.. الزوجة الأبناء… الأصدقاء ولكن اسم وملامح أمي لم أقدر أن أبتعد عنها في كل مراحل الاعتقال.
فكانت أمي التي أفخر أنها علمتني الصلاة قبل بلوغي سن العاشرة وسهرت وكدت من أجل أن نكون أبناء بررة تستحق شهادة لا يوازيها شهادات الجامعات ومراكز التفوق والإبداع.
فإن كان المحقق يشعر أن تذكير الأسير بأسرته قد يؤثر على معنوياته فإن استذكار الأم يعطي للأسير إصراراً وصموداً لا يخطر على بال بشر.. كيف لا وهي مصنع الرجال ومربية الأجيال.
أتذكر بصعوبة عندما لم أتجاوز الثلاث سنوات أنها حملتني من منزلنا القديم في الطرف الجنوبي الشرقي للمخيم إلى عيادة الوكالة وكنت أشعر وقتها بحرارة عالية، ذهاباً إياباً تحملني على رأسها من بين الأزقة، بيد تمسك بي وبيد أخرى تمسك العباءة السوداء تغطي بها جسمها ووجها وكانت من نساء المخيم القلائل التي حافظت على تلك العباءة.
وعند اعتقالي الأول عام 1988 أعلم أنها طاردت من سجن لآخر لرؤيتي مع شقيقي أبو أحمد وكم كانت فرحتها عندما أفرج عني فجأة من سجن مجدو وطرقت باب المنزل ليلاً وأجبتها انا أمين…
وأدرك أنها لم تذق طعم النوم من اعتقالي الأخير كما أشعر في كل يوم إذ نصيبي من دعائها يحوز على القسم الأكبر كيف لا وهي مربية أطفالي إلى جانب أمهم وبخاصة رفيقتها الآن ابنتي سارة…
لك الفخر يا أمي وأنعم ألله عليك بالصحة والعافية.
يكفي دلع … يا عبد الناصر “عبود”
كثيراً ما تأتينا عليك شكاوى يا عبد الناصر …. من الحارة … من المدرسة من أعمامك والكل يقول أن سبب هذا كثرة الدلال!! لكن قناعتي أن الطفل بحاجة إلى دلال وهذا من حقه ولذا كنت أسكت عن كثير من تلك الشكاوى. ولكن يا عبد الناصر هل كلما كبرت بحاجة إلى دلال الطفولة… الجواب قطعياً لا ويجب عليك أن تعفيني من سيلان الشكوى والعتاب فإخوانك الصغار لهم حقوق أيضاً. البعض يقول لي انت اخترت اسمه وانت الذي تدلعه فاحصد ما زرعته يديك. أقول لهم أن “عبود” كثير الغلبة لكنه طيب يريد أن يسبق زمانه ويصبح رجلاً لذا تراه ينهمك في معرفة أخبار الكمبيوتر والانترنت والبرامج الجديدة ويحب الرياضة ومخرجاتها وعندما لا يجد من يرعى مواهبه يحاول إثارة الإنتباه لنفسه لعل أحداً يعبره.
فيا عبود أنت الآن الرجل الثاني في البيت وغيابي عنك يتطلب منك أن تسد الفراغ وتقول لكل من حولك أنا عبود الشامي وستعلمون يوماً من هو عبود وما عليكم سوى متابعة مسلسل رجال العز…
عمر الفخر …. والتفوق
عندما بزغ عمر للحياة كانت فرحة أجداده به كثيراً ليس في مخيم بلاطة لوحده بل في بلدة والدته أيضاً عزون ونال ما نال من الرعاية والدلال منذ سنته الأولى بروضة نور الهدى.
كان عمر متقدماً على أقرانه وشارك في احتفالات نهاية العام التي يحتفظ بصورها، ثم التحق بالمدرسة وكان محل اعتزاز معلميه بأدبه وتفوقه وكان طموحه دوماً أن يكون الأول على صفه وعندما ينازعه أحد على ذلك كان يعلن الحرب ويؤكد دوماً أنه الأول.
وفي الصف الثامن تم اختياره مع ثلاثة من أبناء صفه في برنامج ترعاه مؤسسة إبداع المعلم وأثبت جدارته في كل محطات البرنامج، ولكن هذا سبب لي وجعاً فعمر أصبح الآن ريادياً قائداً لا يقبل أن يُعامل كطفل، لذا ينبغي تغيير قواعد اللعبة معه وجاء الاعتقال فكان عمر ولي العهد يساعد والدته في شراء احتياجات البيت مع شقيقه عبود ويشارك أعمامه في المناسبات الاجتماعية. فبوركت يا زعيم..

زوجتي الفاضلة
لا تكفي عبارات المسامحة والاعتذار أن تقلل من ثقل المسؤولية الملقاه عليك الآن…. خمسة أطفال بحاجة في صبيحة كل يوم إعداد قبل التوجه إلى المدرسة والروضة والحضانة وإعداد لك أيضاً للتوجه إلى عملك في التدريس وتفكير أيضاً بالطبخ بعد الظهر واستقبال العائدين من مدارسهم وثم واجب متابعة كل وظائفهم اليومية وبعدها تحضير دروسك والمتطلبات الإدارية للمدرسة.
أفكار ومتطلبات كنا نتقاسمها معاً وكانت شاقة للاثنين فكيف اليوم وكلها تنصب عليك ساعدك الله.
اعذريني لأنني قررت منذ لحظات اعتقالي أن أنسى هذه الكلمات أدركت أن الزوجة ركن أساسي في البيت بل هي كل البيت فهي التي تصبر على بعد الفراق وزحمة الأعباء ومشقة التربية فهي التي تصنع العزائم والملاحم.
عندما شاهدتك بجانب أمي في محكمة سالم شعرت أن لديّ كنزين وهبهما لي الله أمي وزوجتي وأن كل يوم يمر عليّ يزداد ثمن الكنزين ويرتفع الثمن والمسئولية يوماً بعد يوم.
أعلم أن هذه المرة من الغياب غير معروفة حتى الآن ولكن اللقاء سيكون قريباً وهذا الوعد كان أيضاً عند سفري للدراسة فلم يطل الغياب وبإذن الله هذه المرة لن يطول.
إذا كانت المرأة توصف بأنها نصف المجتمع فكيف وهي تقوم بدور الأم والأب معاً …. أليست تستحق أن تكون المجتمع كله.. بلا وألف بلا فالأوسمة لا تكفي أن تبرهن على ذلك وهي عاجزة عن الوفاء لك.
دوماً تذكري أنك في هذا الخندق في الحياة في طاعة الله في عملك وتربيتك أولادك وتدريسهم ولن يخذلك الله في مسيرة حياتك.
عندما يسطر القلم في هذه الكلمات فإنه لا يأخذ سوى همسات قليلة من القلب الذي يأبى التصريح إلا بالندر اليسير فلكل ميدان فرسانه وصولاته.

رسائل مفتوحة -1-
عذراً …… سارة 10/3/2012
طفلتي الحنونة سارة …. عذراً عذراً

قلتها إليك يوم بزوغك للدنيا… وكنت بعيداً عنك مسافة طيران عشرة ساعات ونصف…. وعدت إليك وأنت بالشهر السابع فسامحيني بعد أن انهالت عليك الهدايا من كل جانب من بلاد الواق واق. وعشت بجانبك 7 أشهر بالتحام كانت كل لحظاتها فرح وانبساط وثقتها بالصورة والفيديو… لكن مشيئة الله قضت أن أُختطف من فراشي وأنت بجانبي ولأكون هذه المرة في الأسر رغماً عني. فأكرر هذه المرة عذراً عذراً عذاراً.
× × ×
وعداً …. أسامة
لقد اعتدت يا أسامة أن ترافقني كثيراً إلى “المخيم” انطلاقاً من بيتنا القريب منه، واعتدت أيضاً ونحن في طريقنا أن تنال نصيباً من الحلوى “الحسنات” و”الحاجات” من بقالة أبو سمير.
ومع وصولنا صيدلية عمك أبو العبد ينالك أيضاً نصيب آخر من “الحسنات” من جارور مكتبه دقائق قليلة حتى تبحث عن الشيكل بالجيب لتشتري أيضاً من دكان “الحمامي” المجاور لصيدلية عمك.
ومع انطلاق المغرب ينالك شرف التوجه لمسجد عباد الرحمن أو المسجد القديم لأداء صلاة المغرب وفي طريق العودة أيضاً ينالك نصيب آخر من تلك الحسنات حتى تصل البيت تعباً، وتغط في نوم عميق دون أن تتناول عشائك مع إخوتك وسرعان إلى أن تدق الساعة السادسة صباحاً موعد إعداد نفسك للتوجه إلى روضة طلائع الأمل.
وقبيل الساعة السابعة بــ20 دقيقة اصطحبك إلى الشارع المحاذي للبيت بانتظار حافلة الروضة التي سرعان ما تحملك إلى المدينة في يوم دراسي يختلط فيه اللعب والعلم.
أعلم يا أسامة أنك الآن تفتقدني في نهارك وليلك، لكن وعدي إليك كما وعدتك يوماً من بلاد الواق واق على برنامج “سكاي بي” أنني سأكون قريباً بجانبك وأوفيت بوعدي وهذه المرة بعيداً عنك ولكن بسبب آخر وهو الأسر لكن مهما طال البعد والفراق فإن وعدي لك ما زال قائماً بإذن الله وعداً..وعداً وعداً.
× × ×
أبقى هادئاً …. يا محمد
بني محمد أعرفك ويعرفك الجميع أنك الابن الأكثر هدوئاً ويكاد هدوءك كثيراً ما يلفت انتباه الكل ويعتبرونه علامة وقار لطفولتك رغم مشاغبات أبناء جيلك ولكن في أحيان نادرة وعندما يمس بعض أشقائك أو زملائك اللعب بأمر حساس يخصك إلى تثور تحصيل المعان لتأخذ حقك وعندما يهدأ بالك.
لا أعتبر ذلك عيباً منك يا محمد أو “حمود” كما أصبحنا نطلق عليك، ولكن حافظ على سمعة الهدوء لديك في الغالب وسامح وتسامح فجمالك في وقارة هدوءك تعطيك ميزة يفتقدها الكثيرون.
لم أحلم في أيام التحقيق الـــ 43 في أي إنسان إلا فيك، حيث استقظيت على حلم أنك تحاول النوم بجانبي فرفعت غطاء الفراش لأعرف من هذا الذي يزاحمني فراشي فرأيت وجهك وابتسامتك وسألت نفسي ما قصة محمد هذه الليلة.

Be Sociable, Share!
أضف تعليقك
أسمك:
ايميلك:
موقعك:
تعليقات:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash