مستقبل السلام بين إسرائيل ومصر

مستقبل السلام بين إسرائيل ومصر

                               

إفرايم قام[1]

 

لم تتبلور سياسة النظام المصري تجاه إسرائيل بعد، ولحين حدوث تغيير ما زالت الطريق طويلة، نظرا  لعدم احتلال الموضوع الإسرائيلي مكاناً مركزياً في الصراع المصري الداخلي. وفي حال تغيرت الظروف، ربما تكون العلاقات المصرية الإسرائيلية مختلفة عما هي عليه اليوم.

 

تنظر دولة إسرائيل إلى اتفاق السلام منذ توقيعه مع مصر بطريقتان هما: الأولى، تعتبر السلام مع مصر ذخر إستراتيجي من الدرجة الأولى، لأنه أخرج مصر من حلبة الصراع مع إسرائيل، وأزال خطر الحرب مع دول عربية أخرى، وأثر إيجاباً على علاقة إسرائيل بالعالم العربي والإسلامي، ومنحها حرية عمل واسعة في المنطقة. ومن جانب آخر، خابت آمال تطلع إسرائيل إلى إقامة علاقات وتطبيع مع مصر. وظل السلام بين الدولتين بارداً، وكذلك الحال بالنسبة للتطبيع، الذي ظل محدودا لرغبة مصر في عدم تطوير العلاقات مع إسرائيل.

الثورة التي حدثت في مصر بعد عام 2011، والتي ما زالت تتشكل ولم تتبلور بعد، تطرح علامات استفهام كثيرة بخصوص مستقبل العلاقات الإسرائيلية المصرية. وتسلم الحكم في مصر تيار ذو قوة كبيرة، وموقفه الأساسي من إسرائيل معادي أيديولوجيا، يطرح شكوك خطيرة بخصوص عناصر السلام الباقية بين الدولتين. هدف المقالة هو دراسة العناصر التي من شأنها أن تؤثر على العلاقات السلمية بين إسرائيل ومصر، وتوجهاتها المستقبلية.

 

 

العلاقات السلمية في عصر مبارك: أساس متين لكنه ضيق

رسمت العلاقات الإسرائيلية-المصرية خلال حكم مبارك. وخلال السنوات الطويلة السابقة تبين أنها مبنية على أساس متين ومستقر. ومنذ التوقيع على اتفاق السلام بين الدولتين حرص الطرفين على عدم اختراقه، حتى في أوقات التوتر والخلافات بينهما، نظرا لمصالح الطرفين الجوهرية باستمراره. ليس فقط إسرائيل، بل مصر رأت بالسلام بين الدولتين ذخر استراتيجي. ونتيجة ذلك، تطور عند الجانبين مستوى من الثقة بإستمرار اتفاق السلام واستقراره، ولم يظهر طرفاً يزعزع مكانته.

لكن تطبيع العلاقات لم يتطور كثيرا بين الدولتين. وتضمن بالأساس اتصالات محدودة بين القيادتين، وفتح سفارتين، وفتح خطوط مواصلات وتحرك المدنيين بين الدولتين، خاصة من إسرائيل إلى مصر. كذلك شهدت العلاقة بعض العلاقات الثقافية. وتمت الاتصالات الرفيعة بين الدولتين، بواسطة مبارك وحاشيته، أما التعاون الأمني فكان يتم بين جيشي الدولتين. ولم يتمكن مندوبي إسرائيل في مصر من إقامة علاقة أو الوصول للمكاتب الحكومية أو للبرلمان أو لوسائل الاعلام المصرية، ولم يثقف الجمهور المصري بما فيه الكفاية لفهم ميزات السلام لمصر والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود. وفي مراحل معينة سمحت مصر بتحسين علاقاتها مع إسرائيل. وخلال حكومة رابين التي أعتبرت في مصر طرف إيجابي نحو القضية الفلسطينية، تعززت العلاقات بين القيادتين، وخففت القوانين في الجانب المصري المقيدة لحركة البشر والبضائع وحدث توسع كبير في التعاون الزراعي بين الدولتين. وفي وقت متأخر، وبعد إستيلاء حماس على قطاع غزة، أعتبرت مصر حماس على أنه مندوبة إيران وجهة معادية ومهددة لها، ما أدى إلى توسع التعاون الأمني بين الدولتين، خاصة فيما يجري بسيناء وقطاع غزة المسيطر عليه من قبل حماس. لكن هذه التحسينات لم تؤثر على شبكة العلاقات الأخرى بين الدولتين، التي ظلت محدودة وباردة. وعلاوة على ذلك، التحسن الجزئي في العلاقات الاقتصادية بين الدولتين توقف :صادرات مصر لإسرائيل ارتفعت في التسعينيات، وهبطت بدرجة كبيرة منذ عام 2000، أما الاستيراد من إسرائيل، فلم يصل في أي مرة من المرات إلى نسب كبيرة.

والقيود التي وضعها مبارك على تطبيع العلاقات الإسرائيلية المصرية عدة أسباب هي : إعاقة مسيرة السلام الإسرائيلية العربية ،خاصة المسار الفلسطيني، الذي له أهمية خاصة في مصر. فمصر كانت ملتزمة بإقامة دولة فلسطينية، ومنذ توقيع اتفاق السلام طلب منها مواجهة الإدعاء بأنها لم تهتم سوى بنفسها فقط، ولم تصر على التوصل لتسوية في الجبهات العربية الأخرى. وبناء على ذلك، أوجدت مصر صعوبات في بناء شبكة علاقات واسعة مع إسرائيل طالما لم يحصل تقدم حقيقي في القنوات الأخرى لمسيرة السلام. وعدم وجود حل للقضية الفلسطينية أزعج مصر التي شعرت أن إسرائيل تخدعها، ولم تقم بدورها في المسار الفلسطيني الذي التزمت فيه في إطار اتفاق كامب ديفيد، الذي وقع بين الطرفين قبل التوقيع على اتفاق السلام. ولهذه الأسباب، استخدمت مصر المسألة الفلسطينية لممارسة ضغط على إسرائيل من أجل التقدم في مسيرة السلام، وبتأكيدها أن تطبيع كامل للعلاقات مع إسرائيل يتم فقط، بعد التوصل لسلام شامل بين إسرائيل والعرب.

اعتبار آخر كان مهما من وجهة نظر المصريين هو الاعتبار الداخلي. ففي قطاعات مهمة في مصر هناك موقف سلبي من السلام مع إسرائيل وتوسيع العلاقات معها. ومن أبرز هذه الفئات الاتحادات المهنية –التي تقودها التيارات الإسلامية واليسارية والناصرية- والجماعات الإسلامية وفي مقدمتهم الأخوان المسلمين وأحزاب المعارضة وبعض المثقفين والطلاب الذين كان للمنظمات الدينية واليسارية تأثير كبير عليهم.

وأسباب تحفظ الجهات المذكورة من السلام مع إسرائيل له اسباب عديدة منها :رفض مبدأي من الجهات الإسلامية وفي مقدمتها الأخوان المسلمين والمؤسسة الدينية، وجود دولة إسرائيل، لأنها رأت بها نبتة غريبة في المنطقة، مدعومة من القوى الإمبريالية والغربية، وقائمة على أرض إسلامية. وبالنسبة للكثيرين في مصر، هناك صعوبة لتقبل إسرائيل كدولة شرعية، رغم اتفاق السلام، أو أنهم خافوا من قوتها العسكرية والتكنولوجية التي اعتبروها تهديداً لمكانة مصر الإقليمية، ما دفعهم لاستمروا التعامل معها كعدو. ولهذه المواقف انضم الإعتبار الفلسطيني، فمشاهد الانتفاضة والمواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين في وسائل الاعلام أثرت على رؤية المصريين سلبا نحو إسرائيل، وزادت من نسبة الغضب الموجه إليها.

وهناك إعتبار مهم هو موقف العالم العربي. حيث دفعت مصر ثمنا في المنطقة العربية عقابا لها على توقيعها اتفاق السلام مع إسرائيل، حيث قوطعت، وأصبحت شبه معزولة لمدة عقد من الزمان. ومنذ ذلك الوقت تغيرت الأمور، فقد انتهت عزلة مصر، ووافق قادة الدول العربية على الموقف المصري الأساسي بضرورة حل الصراع مع إسرائيل بالطرق السياسية وليس العسكرية. ولأن معظم الدول العربية لم تقم علاقات سلمية مع إسرائيل، أصبح ذلك مبررا مهما لمصر في سياساتها المتبعة تجاه سرائيل. ومن وجهة نظر مصرية، استغلت إسرائيل اتفاق السلام من أجل توسيع حرية أعمالها العدائية تجاه العرب مثل شن هجمات عسكرية على الفلسطينيين واللبنانيين، أو توسيع المستوطنات.

ومن الجانب الآخر، هناك الاعتبار الأمريكي. حيث كانت الإدارة الأمريكية طرفاً في اتفاق السلام، وقدمت مساعدات مالية سنوية لمصر، وهناك علاقات وثيقة بين الجانبين، من ضمنها علاقات عسكرية. ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية رغبت بتطبيع وتوسيع العلاقات بين إسرائيل ومصر، لكن تأثيرها في هذا المجال محدود. غير أن الدور الأكبر للإدارة الأمريكية في العلاقات المصرية الإسرائيلية هو في عدم تدهورها. وكثير من الوعود المصرية في عهد مبارك للإدارة الأمريكية بتحسين العلاقات مع إسرائيل لم تنفذ.

وفي النهاية، لعبت المصلحة المصرية دوراً مهما، حيث فهمت أنها تستطيع تحقيق بعض المكاسب من التعاون مع إسرائيل في المجال الاقتصادي، ومن خلال تقديرها لقدراتها التكنولوجية. ولهذا السبب حدث تطبيع اقتصادي-تجاري أكثر من التطبيع في مجالات أخرى. ووجد رجال الأعمال المصريين حاجة إيجابية من إسرائيل والسلام معها. وفي السياق المذكور واصلت مصر تزويد إسرئيل بالنفط الذي التزمت بتزويده لها في إطار اتفاق السلام. وفي عام 2005 وقعت الدولتان على اتفاق توريد الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، وفي شهر ديسمبر عام 2004 وقعت الدولتان على اتفاق تم بموجبه إنشاء مناطق صناعية في مصر، من أجل إنتاج مشترك بين مصر وإسرائيل يتم تصديره للولايات المتحدة، مع منحها تخفيضات جمركية.

 

تأثير التغييرات في مصر على العلاقات السلمية

بشكل عام، ستظل العناصر المذكورة المبلورة للعلاقات السلمية بين مصر وإسرائيل خلال عهد مبارك –وبخاصة تحفظات من التطبيع في مصر مقابل اعتبارات اقتصادية وأمنية ودور الولايات المتحدة- تؤثر إيجابا وسلبا حتى في ظل النظام الجديد. لكن التغييرات التي حدثت في طابع وتركيبة النظام المصري منذ عام 2011 من شأنها أن تؤثر سلباً على العلاقة بين الدولتين. ومع ذلك، يمكن القول أن إعادة التنظيم الداخلي في مصر لم تنته بعد، وتشكل ميزان القوى والعلاقات الداخلية سيستمر لفترة طويلة في ظل صراعات بين قوى مختلفة. لكن النتائج النهائية، وانعكاسات ذلك على العلاقات مع إسرائيل غير واضحة حتى الأن، وربما تكون مختلفة ،باتجاه السلب أو الايجاب، كما هو الحال اليوم.

وهناك ثلاثة تغييرات في مركز التطورات في مصر، وهي التي ستؤثر في الأساس على مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية، وهي:

  1. أصبح الأخوان المسلمين القوة السياسية المركزية في مصر، ويسيطرون اليوم على الحكومة والبرلمان (إلا إذا جاءت الانتخابات القادمة بتركيبة مختلفة عن الحالية) والرئاسة ومؤسساتها. ومع ذلك، فإن حكم الأخوان المسلمين غير مضمون، وهم في صراع دائم مع جهات مهمة، ترفض منح الرئيس قوة زائدة عن اللزوم، كما ترفض هذه القوى أخونة المجتمع المصري.
  2. يعتبر الجيش قوة سياسية مهمة في مصر، وقد فقد بعضا من قوته في أعقاب الانتقادات العامة التي وجهت له. لكن الضعف الأساسي تم بعد أن قام الرئيس مرسي، وبخطوة سريعة وثابتة، بإقالة القيادة العسكرية العليا التي قادت مصر خلال المرحلة الانتقالية بعد سقوط مبارك. ومع ذلك، يظل الجيش الجهة الأكثر أهمية في الدولة المصرية. والصراع بين الأخوان ومنافسيهم من شأنه تعزيز مكانة الجيش.
  3. أصبح الجمهور المصري، الذي كان خلال فترة مبارك سلبي وهادئ، عنصرا أساسيا مهما وخطيرا، بعد أن قرر الخروج للشوارع منذ اندلاع الثورة. ويرى النظام نفسه اليوم منصتا إلى التوجهات العامة السائدة في الشارع، ويعمل أحياناً على تلبيتها. ومع ذلك، قوة الجمهور وتأثيره غير واضحة حتى الآن، بعد أن نجحت التنظيمات الاسلامية في دفع شباب الثورة نحو الزاوية ومنعتهم من بناء قوة سياسية منظمة.

 

الأهم في التغييرات المذكورة هو ظهور “الأخوان المسلمين” كقوة أساسية في الدولة المصرية. وعلاقتهم الأساسية بإسرائيل والسلام سلبية وعدائية. ووصف زعيم الأخوان المسلمين الدكتور محمد بديع إسرائيل والولايات المتحدة عام 2011 بأنهما أعداء مصر الأساسيين، وهاجم المخطط الأمريكي الساعي للسيطرة على المنطقة من أجل إقامة إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد، كما وصف اتفاق كامب ديفيد بأنه اتفاق استسلام، وطالب بوقف التطبيع في العلاقات، وإلغاء الاتفاقيات الاقتصادية مع إسرائيل، وفتح معبر رفح بصورة دائمة. وعاد بديع وكرر تصريحاته المعادية لإسرائيل في أكثر من مناسبة. والأخطر من ذلك، هو بيان لجنة الشؤون العربية في البرلمان المصري، الذي نشر في شهر مارس عام 2012، وأقر من قبل البرلمان، حيث رفض البيان حق إسرائيل بالوجود، وأوصى بأن لا تكون مصر صديقة أو شريكة أو حليفة للكيان الصهيوني، الذي اعتبر العدو الأول لمصر والأمة العربية. وبناءا على ذلك، طالب البيان من مصر إعادة دراسة العلاقات والاتفاقيات مع العدو والتهديد الذي تشكله إسرائيل على الأمن المصري، وطالب البيان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل والوقوف بالكامل إلى جانب الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وإعتبار المقاومة الطريق الاستراتيجي لتحرير الأراضي المحتلة، والتوصية بإعادة سياسة المقاطعة الشاملة لإسرائيل.

ويجب التأكيد أن الحكومة المصرية الحالية لم تتبن مطلقاً التوصيات المتطرفة التي تعني العودة للصراع بصورة غير مباشرة مع إسرائيل. وعلى العكس، فقد حرصت شخصيات مصرية رفيعة المستوى، ومن بينها الرئيس محمد مرسي على التصريح بأن مصر ستحترم الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها. لكن، تكرار مثل هذه التصريحات، سيراكم في التغيير السلبي تجاه إسرائيل والسلام معها. وعلاوة على ذلك، طالبت الكثير من الشخصيات المصرية ،ليست بالضرورة من التنظيمات الإسلامية، بإعادة دراسة اتفاق السلام مع إسرائيل. وإعادة دراسة اتفاق السلام له عدة تفسيرات هي إما :إلغاء الاتفاق، لأن إسرائيل تخرقه، ودراسة ملائمته مع الشريعة، أو عرضه على الاستفتاء العام، أو تعديل بعض بنوده.

كما يوجد للتغييران الإضافيان اللذان وقّعا خلال الثورة المصرية أهمية سلبية فيما يتعلق بالعلاقات السلمية مع إسرائيل. فالقيادة الأمنية المصرية تعطي أهمية خاصة في المحافظة على المصالح الأمنية لمصر، وبحكم هذا الدور، يعتبر الجيش قناة مهمة لتعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالوضع في قطاع غزة وسيناء. وإضعاف مكانة الجيش والانقلاب على القيادة العسكرية القديمة في صيف عام 2012، وتعيين قيادة جديدة أكثر قرباً للرئيس مرسي، من شأنه أن يمس بالعلاقات مع إسرائيل، كما أن تعزيز المكانة السياسية للجمهور المصري كلاعب أساسي من شأنه أن يمس بهذه لعلاقة. ولا بد من الإشارة أن العلاقة مع إسرائيل والسلام معها لم يكن القضية المركزية في المظاهرات والمسيرات التي وقعت في مصر منذ عام 2011، لكن إٍسرائيل طرحت بين الفينة والأخرى. ولكن، ولأن جزء كبير من الجمهور المصري متأثر من الجهات الإسلامية والناصرية، ولم يعرف بقيمة السلام مع إسرائيل على أنه قيمة إيجابية تتطلب الاعتراف بحقها بالوجود، لا تستطيع الجهات الإسرائيلية إقامة علاقة مباشرة معهم، لأن هذا الجمهور أظهر عداءا لإسرائيل.

 

الاعتبارات الممكنة للنظام المصري

مجموعة اعتبارات النظام المصري بخصوص مستقبل العلاقة السلمية مع إسرائيل غير واضحة بعد. وهناك شكوك بأن النظام الجديد بلور موقف بخصوصها، خاصة أنه منزعج بمشاكل أكثر أهمية من اتفاق السلام، تتعلق بالمشاكل الداخلية والاقتصادية. ونتيجة ذلك وضعت المسألة الإسرائيلية في أخر الأولويات المصرية. ومن أجل ذلك، يبدو أن النظام لم يُقدم بعد على إحداث تغييرات جوهرية اتجاه إسرائيل، ومن ضمن ذلك الاتفاق نفسه.

وبناءا على ذلك، يمكن التوقع بوجود اعتبارات تدفع القيادة المصرية للمحافظة على العلاقات السلمية مع إسرائيل وفق الإطار القائم حاليا، وهذه الاعتبارات هي:

أ‌.       الاعتبارات الأساسية التي دفعت مصر للتوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل ما زالت قائمة، وهي: الاعتراف بالميزات الكامنة لمصر من وراء إقامة علاقات سلمية مع إسرائيل، إدراك مصر للتفوق العسكري الإسرائيلي عليها، عدم رغبة مصر بخوض مواجهة عسكرية معها، العلاقات التي كونتها مصر مع الولايات المتحدة منذ عام 1980، والحاجة إلى استثمار الموارد في المجالات الداخلية على حساب المجالات الأمنية.

ب‌.  وفي الإطار المذكور، يعتبر موقف الولايات المتحدة عنصرا مركزيا بالنسبة للنظام المصري. الوضع الاقتصادي في مصر -الذي كان صعبا أيام مبارك أيضا- إزداد خطورة بعد الأزمات الداخلية، واحتاج النظام للمساعدات الأمريكية أكثر من الماضي. وفي المقابل، أوضحت الإدارة الأمريكية في يوليو عام 2012 أنها ملزمة بتقديم كل مساعدة ممكنة من أجل توفير الأمن لمصر وهي تخطوا أو خطواتها نحو الديمقراطية. وفي السياق المذكور، يعارض البيت الأبيض وضع أية شروط من الكونغرس على المساعدات العسكرية لمصر. ويعتقد أن النظام المصري يدرك أن الموقف الأمريكي بالوقوف لجانب النظام يتعلق بالأساس بالتزام مصر باتفاق السلام مع إسرائيل. وتضغط الإدارة الأمريكية على النظام المصري، من أجل عدم المس بالاتفاق، لأن المس به سيؤدي إلى مواجهة غير مرغوبة معها. ومع ذلك، هناك توتر في العلاقات بين الطرفين تتعلق ببعض القضايا الداخلية، ولا يرغب النظام المصري الجديد بأن يكون معلقا بالولايات المتحدة، ويرغب بالتخلص من الصورة بأنه يخدم مصالحها. وأكد أوباما في تشرين أول عام 2012 أن مصر والولايات المتحدة ليستا عدوتين، لكنهما ليستا حليفتين. إذا، من غير الواضح لنظام الاخوان المسلمين أي مستوى من العلاقات مع الولايات المتحدة يريدون، وإلا متى ستظل المزود الأساسي للسلاح، ولأي مستوى تستطيع التدخل في العلاقات المصرية-الإسرائيلية.

ت‌.  لمصر وإسرائيل مصالح مشتركة، من شأنها المساهمة في المحافظة على العلاقات السلمية، وهي :منع تدهور العلاقة الإسرائيلية المصرية في أعقاب العمليات الإرهابية، منع حدث مواجهة عسكرية إضافية بين إسرائيل وحماس في غزة والتوصل لتسوية مستقرة بينهما، المساعدة بالتوصل إلى تسوية إسرائيلية-فلسطينية، منع المخاطر النابعة من الأوضاع في سوريا، موقف مصر من التهديد الإيراني –كانت عنصر مهم في سياسة نظام مبارك- ما زال غير واضح. لكن النظام المصري الجديد لم يحدث انعطافة في سياسته، وربما يستمر تقارب المصالح بين إسرائيل ومصر.

ث‌.  مهم بصورة خاصة الفراغ العميق الذي نشأ في شبه جزيرة سيناء، حيث للطرفين مصلحة بتعزيز السيطرة المصرية على هذه المنطقة. وفهمت مصر أن التعاون مع إسرائيل بخصوص سيناء يعتبر أفضل الطرق لمواجهة البؤر التي أنشئتها الجهات الإرهابية هناك والمهددة للسيادة المصرية على المنطقة.

ج‌.    يعتبر الجيش المصري عنصرا ايجابياً في التعاون مع مصر، لأنه يعتبر الأمين في المحافظة على المصالح الأمنية لمصر، ولأن له علاقة طويلة وتعاون أمني مع إسرائيل، ويفهم جيدا أهمية العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، ما زال الجيش المصري يتحاور ويتعاون مع إسرائيل، وتمكن هذه الحوارات حل المشاكل بصورة إيجابية والتعاون مع إسرائيل. إذا، هناك تنسيق إيجابي بين مستوى التأثير السياسي للجيش، وبين استمرار العلاقة الأمنية مع إسرائيل، والسؤال المطروح هو، ما هو مدى تأثير الجيش بعد أن أضعف مرسي الجيش بقراراته ؟.

 

ومن الجانب الآخر، هنك سلسلة من الاعتبارات والأسباب من شأنها دفع النظام المصري إلى المس بدرجة أو بأخرى بالعلاقات السلمية مع إسرائيل، وهذه الاعتبارات هي:

أ‌.       البعد الأيديولوجي الديني: ذكر أن الأخوان المسلمين يُبدون عداءاً لإسرائيل لأسباب دينية وأيديولوجية. وكثيراً منهم ما زال يرى بإسرائيل عدو وتهديد، ولا حق له بالوجود كدولة، وهناك من عبّر عن ذلك بشكل علني بعد قيام الثورة في مصر. ولو كان الأمر متعلقاً بالموقف المبدئي فقط، لربما ألغي اتفاق السلام، لكن المسألة الأساسية هي أي حل وسط يستطيع الأخوان فيه التعايش بين الأيديولوجيا وبين الواقع ؟.

ب‌.  مركزية الرئيس مرسي: الذي برز خلال فترة قصيرة كشخصية قوية لنظام الحكم. وبعد إسقاط القيادة العسكرية، لا توجد قوة في مصر تستطيع موازنة القوة التي يتمتع بها. وعلى عكس السادات ومبارك، امتنع مرسي حتى الآن من إجراء حوار حقيقي ومباشر مع إسرائيل.

ت‌.  القضية الفلسطينية: عدم وجود تقدم في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، أوجد صعوبات دائمة في العلاقة الإسرائيلية-المصرية، نظراً لالتزام مصر الأساسي ،منذ توقيع اتفاق السلام، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وطالما لم يتحقق هذا الهدف، ستواصل مصر فرض قيود على التطبيع مع إسرائيل. وكانت هذه هي سياسة مبارك، وبالتأكيد ستكون سياسة محمد مرسي. ويتهم الأخوان المسلمين اليوم إسرائيل صراحة بخرق اتفاق السلام، لأنها لم تجد حلا للقضية الفلسطينية. وبذلك هم يفتحون ،على الأقل من ناحية شرعية، الباب لعدم تنفيذ جزئي للاتفاق. ومن جانب آخر، يعتقد أن التعقيدات التي تمر بها القضية الفلسطينية واضحة للنظام الجديد، وانه، ومن أجل التقدم نحو تسوية عليه التفاوض مع إٍسرائيل، والتوسط بين المعسكرات الفلسطينية المختلفة والمتصارعة.

ث‌.  العلاقة مع حماس: الأخوان المسلمين هم الحركة الأم لحماس، وبينهما تقارب أيديولوجي. ووجود هذه العلاقة يحمل في طياته توترا في العلاقات الإسرائيلية-المصرية، من شأنها أن تدفع باتجاه زيادة دعم حماس -على عكس فترة حكم مبارك الذي رأى بحماس تهديد وذراع أمامي لإيران. ومن الجانب الآخر، هناك مجموعة من القيود هي: سلطة حماس في غزة من شأنها خلق مشاكل أمنية لمصر، والجيش المصري لن يسمح لحماس بالمس بأمن وسيادة مصر، قضية الأنفاق بين قطاع غزة وسيناء، ومسألة الانتقال بين مصر وغزة خلقت توترات مع الحكومة المصرية، تعزيز مكانة حماس يأتي على حساب مكانة السلطة الفلسطينية، ولمصر لا توجد مصلحة بإضعافها. وعلاوة على ذلك، النشاط السياسي حول عملية “عامود الدخان” يشير، أن مصر معنية ومستعدة لمواصلة دور الوسيط المركزي بين حماس وإسرائيل، من أجل تقليص المواجهات بين الطرفين. ومن هذه الناحية، العلاقة بين الأخوان وحماس لها أثار إيجابية، لأن ذلك يحول مصر لوسيط يأخذ بعين الإعتبار الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

ج‌.    التأثير العام: سيكون النظام المصري الجديد حساس أكثر من سابقه إتجاه التوجهات الشعبية العامة. ولأن الكثيرين في الشارع المصري يظهرون عداءاً لإسرائيل، سيبحث النظام عن طريقة لإرضائهم من خلال إتخاذ خطوات ضد إسرائيل، إذا رأى ضرورة بذلك.

ح‌.    مكانة مصر في العالم العربي: يتطلع نظام الأخوان المسلمين أكثر من سابقه إلى قيادة العالم العربي بصورة فعالة، مستغلاً بذلك ضعف الدول العربية المركزية مثل العراق وسوريا، وتغير الأجيال الحاكمة في السعودية، مستخدماً في هذه القيادة العنصر الإسلامي. وإذا تطلع لهذه القيادة، فإنه سيستخدم العداء لإسرائيل كوسيلة لتوسيع نفوذه في العالم العربي.

 

ميزات العلاقات المستقبلية بين مصر وإسرائيل

مخرج فهم العلاقات المصرية الإسرائيلية مرهون بفهم مستقبل اتفاق السلام الموقع بينهما. ورغم وجود جهات مصرية تطالب بإلغائه، إلا أن سلسلة طويلة من قادة مصر، وفي مقدمتهم الرئيس محمد مرسي يؤكدون أن مصر تحترم الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها. ومعظمهم لا يذكر الاتفاق مع إسرائيل بالاسم، لكن، يفهم من هذه التصريحات أنهم لا ينوون إلغائها. إذا، يفترض أن الإعتبارات والتوجهات الحالية للنظام المصري، تشير أن الاتفاق لن يلغى للأسباب التالية :عدم وجود الاتفاق على جدول الأعمال المصري، ولا توجد ضغوط داخلية تطالب بإلغائه، الولايات المتحدة تضغط على النظام من اجل عدم إلغاء الاتفاق، وهو يحتاج للمساعدة الاقتصادية اليوم أكثر من أي وقت مضى، على النظام المصري أن يأخذ بعين الاعتبار أن إسرائيل سترد على إلغاء الاتفاق بصورة تمس مصر، وعندما يتطلع النظام إلى بناء مكانته الدولية، إلغاء الاتفاق سيضع النظام في مكان غير مريح دوليا.

وحتى لو قررت مصر عدم إلغاء الاتفاق، فإن عليها إتباع خطوتين يتعلقان به هما :الأولى، هناك توقعات بالمطالبة بتعديل الاتفاق، خاصة البنود المتعلقة بوجود القوات المصرية في سيناء، وهو أمر مهم لمصر، وطلب تعديل الاتفاق أمر شرعي، لأن الاتفاق تضمن بنداً بإمكانية تعديله بعد 15 عاماً من توقيعه. يذكر أن مصر لم ترتاح للقيود المفروضة على سيادتها في سيناء، ورغبت بتقليصها. ومهم للنظام الجديد أن يرى، وكأنه حقق من إسرائيل ما لم يستطع النظام القديم تحقيقه. والأهم بالنسبة لمصر اليوم هو أن زيادة القوات المصرية في سيناء يعتبر بالنسبة لها أمر حيوي من أجل سيطرة النظام على سيناء التي تنتشر فيها المجموعات الإرهابية، ويرغب بوضع ذلك ضمن اتفاق، وليس وفق حسن نوايا إسرائيلية.

الخطوة الثانية المتعلقة بمضمون الاتفاق. يتوقع أن ’يفرغ النظام المصري الاتفاق من مضمونه، خاصة بعض النقاط المتبقية منه، من دون إلغائه. وفي السياق المذكور، أتخذ النظام المصري عدة خطوات مثل :عدم حديث الرئيس مرسي مع القيادات الإسرائيلية بشكل مباشر، لإسرائيل سفير في مصر، لكن لا توجد سفارة فاعلة، حتى لو كان السبب في تلك الصعوبة إيجاد حل أمني يناسب حماية السفارات، وليس قرار من النظام المصري، إلغاء اتفاق الغاز الذي كان أحد التعابير القليلة والمركزية لتطبيع العلاقات المصرية-الإسرائيلية، في نيسان عام 2012. وإذا واصل مرسي عدم الحديث المباشر مع إسرائيل، وأبقى ذلك من صلاحيات الجيش ووزارة الخارجية وجهاز المخابرات، سيعتبر ذلك تراجع آخر في العلاقات بين الدولتين. وفي غضون ذلك، حدث تراجع آخر في الاتصالات بين الجيشين، حيث يشرف على الاتصالات من الجانب المصري، رتب أقل من السابق. ومن الجانب الآخر، لا بد من التأكيد أن مرسي بعث بسفير جديد لإسرائيل، ويجب إعتبار ذلك إشارة واضحة من مرسي بأنه سيحترم اتفاق السلام معها، وهو الأمر الذي دفع بالأردن إلى إرسال سفير جديد بعد تأجيل استمر عامين.

وفي كل الأحوال، حتى لو قررت مصر المس بالعلاقات مع إسرائيل، فإن إحتمال عودتها للحرب تبدو منخفضة. والسبب في ذلك بسيط، وهو رغم وجود جهات في مصر تتحفظ من اتفاق السلام مع إسرائيل، لكن لا يوجد زعيم مصري واحد يقترح العودة إلى المواجهة العسكرية مع إسرائيل حتى قبل التوقيع على اتفاق السلام. وعلى ضوء التقييم المصري لميزان القوى مع إسرائيل والإدراك بالنواقص الشديدة في الطريق إلى الحرب، فإن احتمال العودة لطريق الحرب منخفضة في المستقبل.

وحتى لو لم يكن لمصر أية نوايا ورغبات بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل، فقد نشأ وضع في سيناء، ربما يؤد لتدهور الاوضاع المحلية بطريفة غير مقصودة بين الجانبين. وفي شبه جزيرة سيناء، بنت منظمات الارهاب الجهادية مواقع لها هناك، بهدف شن عمليات إرهابية استراتيجية تؤدي إلى إنهيار اتفاق السلام، في أعقاب دخول قوات إسرائيلية لسيناء من أجل منع هذه العمليات. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل جهات ارهابية فلسطينية في شرق سيناء قادمة من قطاع غزة، وتستخدم المنطقة كممر لتهريب السلاح للقطاع. وخلال فترة حكم مبارك كانت السيطرة المصرية على هذه المنطقة ضعيفة، وإزدادت ضعفاً بعد سقوط مبارك. وفي أعقاب مقتل 16 جندياً مصرياً في عملية إرهابية في سيناء بشهر آب عام 2012، بذلت أجهزة الأمن المصرية جهودا كبيرة لتصفية مراكز الإرهاب. لكن هذا العمليات لا تكفي. ففي الوضع الذي نشأ، ستلزم عملية إرهابية واسعة النطاق، إسرائيل التدخل في سيناء، ما سيؤدي إلى تدهور الأوضاع بين الجيشين، وفي الحالة الأكثر تطرفاً إلى تعريض اتفاق السلام للخطر.

للمواجهة الممكنة بين إسرائيل والجهات الإرهابية بُعد إضافي، فنظام مبارك تعامل بضبط نسبي من المواجهات العسكرية بين إسرائيل وبين الفصائل الفلسطينية وحزب الله. لكن النظام الجديد في مصر سيتخذ موقفاً أشد تجاه إسرائيل خلال المواجهات، خاصة إذا كانت المواجهة مع حماس في غزة. نظرا لعلاقة الاخوان المسلمين الأيديولوجية مع حماس. وعليه، فإن عمل عسكري إسرائيلي واسع في غزة، من شأنه أن يؤدي لرد فعل مصري عنيف، أكثر من السابق، مثل إعادة السفير وتجميد العلاقات مع إسرائيل. ومثل هذا الإجراء سيدفع الأردن إلى القيام بالمثل. ويرجع الرد المصري المعتدل على عملية عامود الغيم -إعادة السفير من إسرائيل لإجراء مشاورات، وبعث رئيس الحكومة إلى غزة- بدرجة كبيرة إلى أن العملية العسكرية محدودة بالزمان، ولم تتطور إلى هجوم بري، وحجم إصابات المدنيين كانت قليلة. وعملية واسعة في المستقبل، إذا وقعت، خاصة إذا تضمنت هجوم بري، ستدفع لرد مصري صعب جداً.

 

خلاصة

علاقات السلام المصرية الإسرائيلية أصبحت مختلفة في عهد نظام الأخوان المسلمين، عما كانت عليه في عهد مبارك. لكن من غير الواضح كم ستكون مختلفة. وقد وقعت عدة تغييرات على هذه العلاقة هي :التعامل مع إسرائيل في النقاش المصري العام أصبح أكثر عداءاً، والرئيس المصري لا يجري مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهناك شك بإمكانية إجراؤها في المستقبل، تعالي الأصوات المطالبة بتعديل اتفاق السلام، وهناك من يطلب بإلغائه، تقلص إمكانية تطبيع العلاقات بين الدولتين إلى درجة أقل من الماضي. وفي المقابل، لم يحدث أي إنقلاب في العلاقات الإسرائيلية-المصرية، فهناك تواصل أكثر منه تغيير، وأُسس اتفاق السلام تمت المحافظة عليه حتى الآن. وفي غضون ذلك، لم يخترق الاتفاق، والمصالح الأمنية المصرية والفراغ داخل سيناء تدفع مصر للتعاون الأمني مع إسرائيل. والمفاوضات بين الجيشين تسمح بحل المشاكل. ولمصر وإسرائيل مصالح مشتركة أخرى، وتضغط الإدارة الأمريكية على مصر من أجل عدم تعريض اتفاق السلام للخطر، وللوضع الاقتصادي الصعب في مصر إنعكاس إيجابي على العلاقات مع إسرائيل، لأن الوضع الاقتصادي في مصر يحتل الأولوية الآن، ما يساعد على زيادة التعلق بالمساعدات الأمريكية.

وتكمن جذور المشكلة في الموقف الأيديولوجي الديني للأخوان المسلمين، الذين يرفضون حق إسرائيل بالوجود ويرون بها عدو وتهديد. لكن النظام المصري الجديد عليه أن يأخذ بعين الإعتبار الواقع والمعايير الأمنية والاقتصادية والسياسية. والسياسة المصرية بشكل عام، والموقف من إسرائيل بشكل خاص محكوم من التوتر الأيديولوجي والقانوني. وحتى الآن، يميل النظام المصري إلى القانون وبدرجة أقل إلى الأيديولوجيا، لأنه لا يملك خياراً آخر. كما أن القضية الإسرائيلية لا تشغل النظام الحالي. والسؤال المطروح هو، هل سيواصل النظام المصري النهج المعتدل المتبع حالياً على طول الوقت ؟. أم أنه يتطلع إلى بناء أساس سياسي وفكري، وفي مرحلة معينة، وعندما يشعر بأنه قوي بما فيه الكفاية لمواجهة العقبات التي تقف في طريقه ومع منافسيه، سيحاول تطبيق مواقفه الأيديولوجية، إتجاه إسرائيل ؟. وإذا توصل النظام إلى هذا الاستنتاج، ستكون ساعة الامتحان في العلاقات المصرية-الإسرائيلية قد حانت.

ويعتقد أن المشكلة الفلسطينية ستكون القضية الأساسية بتحديد التوجهات في العلاقات المصرية الإسرائيلية. وفي مرحلة ما، ستفرغ النظام المصري للإهتمام بهذه المسألة ويحاول التقدم فيها، رغم المشاكل والتعقيدات المرتبطة بها. وتظل المسألة الفلسطينية عائقا أمام أي علاقات إسرائيلية-عربية، إذا لم يحدث فيها اختراق. وطالما تواصل الجمود السياسي الإسرائيلي-الفلسطيني، وحل القضية ظل بعيداً، لن تشهد العلاقات المصرية الإسرائيلية تقدماً، كما أن صراعات مسلحة مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين ستضيف صعوبات إضافية. أو العكس، إذا حصل تقدم، بالتأكيد ستكون مصر مشاركة فيه، فهي تستطيع أن تقرب العلاقات مع إسرائيل من أجل تحسين صورة إسرائيل في أعين المصريين. وإذا حدث الامر، ستكون له أهمية خاصة في العلاقات بين الدولتين. لأنه سيمنح شرعية للأخوان المسلمين.

وتحولت شبه جزيرة سيناء إلى ساحة مهمة في العلاقات المصرية الإسرائيلية، وفي أعقاب عمليات الإرهاب المنطلقة من سيناء، وتحويل سيناء لممر لتهريب السلاح والبشر إلى قطاع غزة. وحتى الآن كان هناك تقارب في المصالح بين إسرائيل ومصر في كل ما يتعلق بسيناء والدولتان معنيتان بتعزيز السيطرة المصرية على سيناء ومنع العمليات ضد إسرائيل، وفي هذا السياق يتوقع أن يطرح المصريين في القريب تعديل الاتفاق الأمني لكي تتمكن مصر من تعزيز سيطرتها على سيناء. وهذا الأمر لا يتناقض بالضرورة مع المصالح الإسرائيلية، وتعديل الاتفاق يتضمن عناصر إيجابية لها. لكن، ولأن هدف الجهات الإرهابية في سيناء هو تدمير العلاقات الإسرائيلية المصرية، بواسطة عمليات عسكرية موجهة ضد إسرائيل، على إسرائيل أن تظهر حساسية وسعة أفق وحذر كي لا تساعد الجهات المذكروة على تحقيق أهدافها.

وفي النهاية فإن صورة، وسياسة النظام المصري لم تتبلور نهائياً، وسيتطلب ذلك وقتاً لحين حدوث التغيير. والتغييرات في نظام الحكم يرافقها صراعات داخلية بين الأخوان ومنافسيهم، مع وجود الجيش في الوسط. ومن أجل ذلك فإن السياسة المستقبلية لمصر تجاه إسرائيل -لا تحتل اليوم مكاناً مركزياً في الصراعات الداخلية- ستتأثر من عملية التغيير، وربما ستكون بصورة أخرى عما هي عليه اليوم في حال تغيرت الأحوال.

 


[1] . زميل باحث، نائب رئيس مركز أبحاث الأمن القومي، مختص بعملية اتخاذ القرار وغيرها من المواضيع.

Be Sociable, Share!


التعليقات

http://astonishingtutors.com/ بتاريخ 12 يوليو, 2013 الساعة 10:04 ص #

Cool! Thank you very much for sharing such informative post!!


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash