الأزمة في سوريا: تهديدات وفرص لإسرائيل

الأزمة في سوريا: تهديدات وفرص لإسرائيل

 

إيـيـال زيسار·

 

يخلص المقال إلى القول أن سقوط النظام السوري يخدم إسرائيل، لأنه يفكك المحور الذي تقوده إيران في المنطقة والذي تعتبره معاديا لها. ويطالب باستغلال الصراع من أجل عقد تحالفات جديدة في المنطقة هدفها تعطيل المشروع النووي الإيراني.

 

وصل ربيع الشعوب العربية الذي اندلع في أنحاء الشرق الأوسط في شتاء 2011 إلى سوريا. ووصلت المظاهرات التي اندلعت في درعا جنوب الدولة، لعدد من المدن الساحلية الشمالية، وانتشرت بسرعة في كل أنحاء سوريا، انتهاءا بالمدن الكبيرة، خاصة العاصمة دمشق وحلب.

وأدى فشل النظام السوري في محاولاته قمع الانتفاضة، أو على الأقل احتوائها، إلى انتشار وتعمق وتجذر الانتفاضة في كل مناطق الدولة السورية. وفي المقابل، فشل معارضي النظام طوال الفترة السابقة في توحيد صفوفهم، وفرز قيادة موحدة وفعالة متفق عليها، تشكل بديل عن النظام السوري المحافظ على وحدته وسيطرته على مراكز القوى الأساسية والتقليدية في المجتمع السوري -أبناء الأقليات والطبقة الوسطى والغنية في المدن الكبيرة.

وغرقت سوريا في مستنقع من الصراع العنيف والدموي، الذي لم يحسم بعد. وفي ظل هذا الصراع، اتجهت الدولة، خاصة المجتمع السوري إلى التفكك والعودة إلى عناصرها الأساسية -طوائف وقبائل وعائلات. وحل مكان النظام الذي حكم بواسطة أجهزة الأمن والرعب (بغرض فرض حكم على مدار العقود الأربعة الماضية) الفوضى والخوف اللذان انتشرا في مناطق واسعة من سوريا. وبسرعة، انتشر في مختلف أنحاء الدولة التوتر الطائفي والإقليمي والإجتماعي، الذي تم استيعابه وضبطه حتى ذلك الوقت. ووجدت سوريا نفسها غارقة في آتون حرب أهلية. والأسوأ من ذلك، تحولت سوريا إلى ساحة جهاد، تدفق إليها المتطوعين الشباب من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي من أجل محاربة نظام الكفر العلوي الحاكم في دمشق.

وبشرت الثورة في سوريا بنهاية عصر طويل ظهرت فيه الدولة بقيادة عائلة الأسد استقرار وقوة وقامت بدور نشط ومركزي في محيطها –لبنان، وأمام إسرائيل والساحة الفلسطينية، وحتى في العراق. وفي لحظة عابرة  أُرسلت سوريا لواقع عدم الاستقرار والوضوح، ’عبّر عنه بالصراع على سوريا نفسها -صراع داخلي للسيطرة على الدولة، وصراع خارجي للسيطرة والتأثير- بين القوى الإقليمية المختلفة بالمنطقة، وفي مقدمتها إيران وحزب الله من جهة، والمحور العربي-السني من جهة أخرى، الذي يضم دول عربية معتدلة مثل المملكة العربية السعودية وتركيا. ويعني الواقع المذكور بالنسبة لسوريا عودة للمربع الأول من القرن الماضي، الذي تميز بضعف وعدم استقرار سياسي وانقلابات على السلطة بين الفينة والأخرى، بمساعدة أجنبية.

الوضع الذي وصلت إليه سوريا في أعقاب الانتفاضات وضع سلسلة من المعضلات غير البسيطة أمام إسرائيل. ورغم رؤية إسرائيل للنظام الحاكم في سوريا أنه نظام معادي وخطير ،بسبب قربه من محور الشر الإقليمي المكون من إيران وحزب الله وحماس، لكنها لا تستطيع تجاهل حقيقة أن سوريا حافظت على هدوء مطلق على طول الحدود المشتركة بين الدولتين في هضبة الجولان، وتصرفت بضبط النفس مع الهجمات الإسرائيلية التي وجهت ضد سوريا، مثل عدم الرد على تفجير المفاعل النووي السوري في تشرين أول عام 2007، وهو رد لو حدث لأدى لتدهور الوضع بين الدولتين، لمواجهة مباشرة تصل لدرجة الحرب الشاملة.

سقوط نظام بشار الأسد من شأنه أن يوجه ضربة قاصمة لإيران وحزب الله. لكن هذا السقوط يمكن القوى الإرهابية العاملة بوحي من القاعدة من تعزيز مكانتها على طول الحدود بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان، وتحويل هذه المنطقة الهادئة إلى “توأم” لشبه جزيرة سيناء، غير خاضعة لأية سيطرة مركزية، وتعتبر دفيئة للمنظمات الإرهابية. وبالإضافة لذلك، يخشون في إسرئيل من إنزلاق السلاح السوري المتقدم وربما غير التقليدي ، إلى مجموعات إرهابية، وربما لحزب الله، في حال سقط النظام.

يرسهم المقال التالي خطوط شكل الثورة السورية بعد عامها الأول، ويبحث في الإنعكاسات –مخاطر واحتمالات- حول ما يجري في سوريا على إسرائيل.

 

 

إسرائيل والصراع على سوريا

يبدأ تاريخ سوريا الحديث بعدما نالت استقلالها في شهر إبريل عام 1946. ومنذ ذلك الوقت خاضت سوريا صراع متواصل للسيطرة عليها وعلى نهجها وهويتها، وعلى مجرد وجودها. ويسمى جذور هذا الصراع في الأدب البحثي “الصراع على سوريا”، وفيه مغروزة مكونات الضعف الداخلي والخارجي من بينها :ضعف مؤسسة الدولة، وبالتالي صعوبة السيطرة من أجل إقامة مؤسسات سلطة قادرة على بسط السيطرة على السكان، وانقسام عميق في أوساط المجتمع السوري على خلفية طائفية ودينية وإقليمية وإجتماعية-إقتصادية، وحتى أيديولوجية. ويزداد هذا الفارق بين المراكز المدنية وبين المناطق القروية والريفية، وغير ذلك.

ودفع الواقع المذكور كل أنظمة الحكم السورية إلى تركيز قوتها حول ما يجري في الداخل، الأمر الذي منعها من القدرة على لعب دورا قائد ومركزي في الساحة الإقليمية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، وأدى صعود حزب البعث للسلطة عام 1963 إلى تغيير معين في هذا الواقع، وإلى اتباع سياسة متطرفة دفعت إلى رفع حدة التوتر على الحدود بين سوريا وإسرائيل، وفي نهاية الأمر إلى اندلاع حرب الأيام الستة. ورغم ذلك، وحتى عشية الحرب وخلالها، لم تعتبر سوريا من قبل أصحاب القرار في إسرائيل تهديد عسكري مثل التهديد الذي شكلته مصر، والعلاقة مع سوريا كانت وفق شهادة وزير الدفاع ديان تشبه الدولة “المزعجة”.

وأحدث تولي حافظ الأسد السلطة في دمشق بشهر نوفمبر عام 1970 تغيير أساسي في الواقع السوري، وبدا أن “الصراع على سوريا” انتهى. ومنح الأسد الأب سوريا استقراراً سياسياً لم تشهده في السابق، وبفضل هذا الاستقرار تحولت سوريا لدولة إقليمية قوية فرضت ظلها على كل المنطقة المحيطة بها. وتحت قيادة حافظ الأسد تحولت سوريا من لاعب سلبي غير فعال، إلى لاعب أساسي في الصراع مع إسرائيل. ومع ذلك، وباستثناء حرب يوم الغفران، الذي بادرت فيها مصر وسوريا مهاجمة إسرائيل بصورة مشتركة، حرصت دمشق (وربما كعبرة من هذه الحرب) إلى عدم الانجرار لمواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل وحافظت على هدوء مطلق على طول جبهة هضبة الجولان. وحتى المواجهة التي وقعت بين الدولتين عام 1982 لم تكن بمبادرة من سوريا، بل بادرت إليها إسرائيل التي وجهت هذه الضربة رغبة منها إخراج سوريا من لبنان. لكن سوريا أمتنعت عن كل مواجهة مباشرة مع إسرائيل، واستخدمت مندوبيها من أجل تحقيق مصالحها وحل شؤونها بواسطة تنظيمات فلسطينية ولبنانية شنت هجمات على إسرائيل من الساحتين اللبنانية والفلسطينية.

بعد الثمانينيات القرن العشرين، وفي أعقاب عملية سلامة الجليل (حرب لبنان الأولى) التي هاجمت خلالها إسرائيل القوات السورية في لبنان، تبنت سوريا سياسة التوازن الاستراتيجي، التي هدفت إلى تحويل الجيش السوري، بمساعدة سوفيتية، إلى خصم ذو قدرة تمكنه من مواجهة الجيش الإسرائيلي. لكن إنهيار الاتحاد السوفييتي أواخر الثمانينيات، دفع سوريا إلى التخلي عن هذه الاستراتيجية. وبالإضافة لذلك، فضل حافظ الأسد الإنضمام لمسيرة السلام الإسرائيلية-العربية، التي بدأت في بداية عقد التسعينيات، وأجرى مفاوضات مباشرة مع مندوبي إسرائيل، بهدف التوصل إلى تسوية سلمية بين الدولتين. لكن استعداد الأسد للتوصل لتسوية سلمية بين الدولتين كانت محدودة، خاصة بسبب الخطوط الحمراء، وكذلك بالنسبة لإسرائيل، وفي نهاية الأمر فشلت الدولتين في جهودهما للتوصل إلى اتفاق سلام بينهما.

وفي شهر حزيران عام 2000 توفى الأسد، وحل مكانه إبنه بشار. ورافق صعود بشار سدة الحكم شكوك كثيرة حول قدرته على الحلول مكان والده والاستمرار بنهجه. لكن، وكلما مرت السنوات بدا أن بشار عزز من مكانته وسلطته داخل سوريا وخارجها. وبهذه السيطرة والتصرف واصل سياسة والده تجاه إسرائيل. لكنه أدارها بحذر وإتزان أقل من والده. غير أنه واصل إلتزامه بمسيرة السلام مع إسرائيل واستعد لإجراء مفاوضات معها ،وعلى سبيل المثال، وخلال الأشهر الأولى من حكم إيهود أولمرط عام 2008 عبر عن استعداده لإجراء مفاوضات مع إسرائيل والتوصل إلى اتفاق سلام معها. كما حرص على عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وواصل المحافظة على الهدوء على طول الحدود المشتركة في هضبة الجولان. ومع ذلك، عمّق بشار كثيراً من علاقات سوريا مع إيران وحزب الله، وسمح بتزويد الحزب بأسلحة متطورة، جزءاً منها كان من المصانع السورية. كما أن قراره بإقامة مفاعل نووي بمساعدة كوريا الشمالية في منطقة دير الزور شمال سوريا، لا تدل بالضرورة على توازن ونضج سياسي. ومع ذلك، عندما هاجمت إسرائيل المفاعل ودمرته في شهر سبتمبر عام 2007 امتنع بشار عن أي رد.

 

عقد بشار (2000-2010)

في نهاية عام 2010 -مر عقد من الوقت بعد أن حل مكان والده- بدا أن نظام بشار الأسد مستقر أكثر من أي وقت مضى. وأعتبر بشار وكأنه نجح بالحلول مكان والده وفرض سيطرته على النظام في سوريا، وفي مقدمة ذلك أجهزة الحزب والحكم والجيش وقوى الأمن. وبالإضافة إلى ذلك، نجح في بعض المجالات –نجاح محدود ومقلص- لكنها كانت ذو آثار متصاعدة، ساعدت على تطوير وتوسيع وإنتشار الإقتصاد السوري، وتشجيع عمل القطاع الخاص على حساب القطاع العام المسيطر عليه من حزب البعث والحكومة السورية. ووفرت هذه الخطوات لبشار دعماً من قبل الطبقة الوسطى والنخب الإقتصادية السنية في المدن الكبيرة وفي مقدمتها دمشق وحلب.

وأبرز نجاح حققه بشار ،كما والده في السابق، كان في مجال السياسة الخارجية، حيث أبدى منذ تسلمه الحكم تشدداً تجاه الولايات المتحدة، وعمل على تخريب خطواتها ومخططاتها في المنطقة. ووضع نفسه على رأس المعسكر المتطرف في العالم العربي، وارتبط مع إيران وحزب الله وحماس كشريك أساسي ونشط في محور معادي لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وفي البداية، بدا وكأن هذه التحالفات متسرعة وخطيرة ومدمرة لبشار ونظامه. ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى توجيه إنتقادات علنية شديدة ضد سوريا، وتوجيه تهديدات بعزل سوريا دولياً إذا لم تنسحب من لبنان، مع عدم إخفاء الرغبة الأمريكية بتغيير النظام في دمشق. ودفعت هذه الإجراءات والتهديدات بشار إلى الإعتقاد أن سوريا بقيادته تتعرض لمخاطر قومية تهدد استقرار واستقلال البلد من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي يقودها جورج بوش.

ومن الناحية العملية، سجل لبشار الأسد النصر في هذه المواجهة، نظراً لغياب إصرار وقوة ورغبة، وربما قدرة عملية على مهاجمة سوريا وتغيير النظام الحاكم فيها. ونتيجة ذلك، لم يكن غريبا أن تتحسن مكانة سوريا الدولية خلال العقد الأخير. تمكنت خلالها الخروج من العزلة التي فرضها عليها الرئيس الأمريكي جورج بوش، والعودة للعب دور مركزي في المنطقة، خاصة في الساحات اللبنانية والفلسطينية والعراقية.

وكانت إسرائيل بقيادة رئيس الحكومة إيهود اولمرت، أول من خرج على العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا، حيث أجرت عام 2008 مفاوضات مع سوريا. بعدها، بدأت دول الإتحاد الأوروبي تسخين علاقاتها بدمشق. وخلال تلك الفترة، حرصت سوريا وتركيا على تعزيز علاقاتهما المشتركة التي وصلت لمستوى التحالف، وذلك بفضل الصداقة الشخصية والعميقة التي تراكمت بين رئيس الحكومة التركي، رجب طيب أردوغان وبشار الأسد، ومع دول عربية خليجية مثل السعودية، ومع دول في شمال أفريقيا. وبشر انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة في شهر نوفمبر عام 2008، نهاية المعركة الأمريكية ضد النظام السوري، وبداية لجهود أمريكية لفتح صفحة جديدة وايجابية في العلاقات بين الدولتين.

وطوال فترة متواصلة، وحتى إندلاع الثورات العربية بداية عام 2011 ساد رأيا حتى في أوساط سورية كثيرة، أنه لا يوجد بديل لنظام بشار حتى الآن، لكن هذا الرأي سرعان ما تغير.

 

 

الربيع العربي يصل سوريا

اندلع في شهر ديمسبر عام 2010 الربيع العربي في تونس، وأمتد لمصر وليبيا واليمن. لكن، في الأشهر الأولى للتقلبات الشرق أوسطية، ظلت سوريا تشاهد ما يجري، وبدا أن الربيع العربي يمتد إليها.

وقبل عدة أيام من سقوط نظام مبارك بمصر، في يناير عام 2011 -كان واضحاً أن مصير مبارك حسم وباتت أيامه معدودة- قال بشار الأسد في مقابلة مع صحيفة أمريكية (وول جورنال ستريت) أن سوريا ليست مصر، التي تلقت مساعدات أمريكية، أما نحن فواقعون في عزلة دولية، ومع ذلك لم يخرج الناس للشوارع من أجل التظاهر، لأن فكرة خروج الناس إلى الشوارع ليست متعلقة بمطلب الإصلاح أو حل المشاكل الإقتصادية، بل لم يخرجوا لإعتبارات أيديولوجية.

وحافظت وسائل الإعلام السورية، خلال الأزمة في مصر على ضبط النفس، وسارت حذو رئيسها بالقول أن سقوط حسني مبارك جاء بسبب اتفاق السلام مع إسرائيل، وأن العلاقة مع إسرائيل هي التي أخرجت الجماهير لشوارع القاهرة، في حين تقف سوريا لجانب مشروع المقاومة في المنطقة، التي تضمن بقاء الأسد بكرسي الحكم. وعلى سبيل المثال، كتبت صحيفة تشرين الناطقة بإسم حزب البعث بسوريا في 13 مارس 2011 :”أسقط الشعب المصري السلطة، ومعها كامب ديفيد، وأُسقط النظام الذي سرق لقمة عيش الشعب”.

واكتشف بشار الأسد بسرعة، أن مسألة النزاع العربي الإسرائيلي لم تعد تحتل مكاناً مركزياً في جدول أعمال الجماهير العربية، وأنه لا يمكن خداعهم بعد الآن، كما حدث في الماضي (منذ بداية العقد الأول من القرن الذي شهد الإنتفاضة الفلسطينية والحرب على لبنان الثانية وعملية الرصاص المنصهر).

ومع نهاية الصلوات أيام الجمع في المساجد بتاريخ 18 مارس 2011، وقعت مظاهرات في عدد من المدن السورية في الشمال والوسط، من ضمنها حماة وحلب وبانياس ودرعا جنوب البلاد. حيث وقعت هناك مظاهرة ضخمة شارك فيها آلاف الأشخاص، غير أن هذه المظاهرات خرجت بسرعة عن نطاق السيطرة، وبدأ المتظاهرين بإحراق الأماكن العامة والمؤسسات الحكومية، وخلال المصادمات مع قوات الأمن السورية قتل متظاهران، وفي صبيحة اليوم التالي قتل ثلاثة أشخاص خلال جنازات قتلى اليوم الأول من المظاهرات. ومنذ تلك اللحظة لم تعرف سوريا الهدوء حتى هذا اليوم.

 

 

من الاحتجاج إلى الثورة

على عكس الدول العربية الأخرى، مثل تونس أو مصر اللتان حسمت فيهما المعركة فورا بعد إندلاع الموجة الأولى من المظاهرات في ميادين المدن الكبيرة، وعلى عكس ليبيا واليمن، التي أنتشرت فيها المظاهرات بسرعة وأمتدت لكل أنحاء الدولة، دار الحديث في سوريا عن مسيرة تدريجية شهدت صعوداً وهبوطاً، وجرت على الدولة وسكانها صراع مرير متواصل ودمويا. وعليه، من الصعب الإشارة لحادث دراماتيكي واحد يبشر أو يشير إلى إنعطاف في مسيرة الإنتفاضة السورية، أو الإنتقال من مرحلة إلى أخرى. ويدور الحديث عن الغرق البطيء والمتواصل داخل المستنقع، الذي ستجد سوريا صعوبة الخروج منه. وبهذه الطريقة تحولت المظاهرات المتقطعة والمحسوبة والمهمة، إلى احتجاجات شعبية، وإلا صراع عنيف، لا حلول وسط لها بين النظام ومعارضيه، إلى أن وجد السوريين أنفسهم منغمسين في حرب أهلية دموية.

ومنذ اللحظة الأولى، استخدم النظام السوري القوة ضد المتظاهرين على أمل إحتواء وقمع المظاهرات ضده. وفي وقت متأخر، وعندما لم تنجح قوات الشرطة والأمن بقمع المتظاهرين، رغم عشرات القتلى كل أسبوع، أُدخل الجيش السوري في أوساط نيسان عام 2011 لقلب المعركة. وفي 22 نيسان دخلت قوات الجيش إلى درعا، وبعد ذلك انتقلت لمراكز التوتر الأخرى المنتشرة في سوريا، مستخدمة المدرعات والمدفعية وحتى المروحيات والطائرات التابعة لسلاح الجو السوري. لكن، إرسال الجيش لقمع المتظاهرين والمتمردين لم يجد نفعاً، بل على العكس، فقد تم التصدي لعنف الجيش، بعنف مقابل من المنتفضين. وكانت النتيجة تغيير وجه سوريا من احتجاجات ومظاهرات هادئة بمعظمها في نهايات الأسبوع، إلى مواجهات يومية بين قوى الأمن والجيش وبين المجموعات المسلحة.

وفي ظل هذا الوضع، دب التسرب بالجيش السوري، وتعزز مع مرور الوقت. وتوحدت المجموعات المتسربة من الجيش في يوليو عام 2011 مشكّلة الجيش السوري الحر بقيادة رائد الأسعد –وهو جسم يعمل قادته من تركيا- ويسيطرون بصورة غير قوية على جزء من المجموعات المسلحة التي لا تنتمي إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة أو مؤيدي القاعدة الذين تسللوا إلى سوريا. ويعتبر هذا الجسم قناة مساعدة عسكرية ومادية من الدول العربية وتركيا وربما من الولايات المتحدة، للمتمردين السوريين.

وفشل المنتفضون بسوريا في محاولاتهم تشكيل حركة وقيادة موحدة ومتفق عليها. وعبر عن هذا الفشل بالإنقسام والتشتت الذي ميّز المجتمع السوري منذ وجوده. فعلى سبيل المثال، المجلس الوطني، وهو جسم أنشأه معارضي النظام السوري بدعم عربي وغربي في تشرين أول عام 2011 في اسطنبول، تحول لجسم أجوف لم ينجح بفرض سيطرته وتوحيد المجموعات المعارضة المختلفة حوله داخل سوريا وخارجها. وفي شهر نوفمبر عام 2012، أعلن بالعاصمة القطرية الدوحة وبتشجيع من الولايات المتحدة ودول الخليج عن إقامة جسم معارضة جديد، التحالف الوطني، الذي تقرر له أن يحل مكان المجلس الوطني، كجسم يركز نشاط المتمردين ضد النظام السوري.

وما زال الصراع في سوريا مستمر، يحصد أرواح عشرات ألاف الضحايا ونهايته ليست واضحة للعيان، حيث سجل فشل النظام السوري في قمع المتمردين، الذين تعمقت جذورهم. وفي نفس الوقت ظل النظام واقفاً على قدميه ،مثخنا بالجراح وضعيف، يشن الهجمات المختلفة وإلى جانبه قوى مهمة في المجتمع السوري، وفي مقدمتهم أبناء الأقليات. والنتيجة هي، غرق سوريا في بحر من الفوضى والدم المتدفق.

وفي بداية المظاهرات اعتمد النظام السوري على الدعم القوي لتحالف الأقليات في سوريا، وعلى دعم الطبقة الوسطى والنخب في المدن الكبيرة وعلى الجيش وأجهزة الأمن والبيروقراطيا الحكومية. وفي هذا الواقع، بدأت تحدث التصدعات، ورغم أن الأقليات ظلت داعمة للنظام وفي مقدمتهم العلويين وإلى جانبهم المسيحيين والدروز، وحتى السكان الأكراد في شمال الدولة الذين حافظوا على ضبط النفس. وفي المدن الكبيرة ساد الهدوء النسبي وواصل الجيش وأجهزة الحكم العمل ومساعدة النظام في محاربته لمعارضيه. لكن، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الجيش وأجهزة الأمن ضعفت نتيجة التوجه المتزايد للهروب من صفوفها. كما أن دعم الأغلبية الصامتة من أبناء الطبقة الوسطى والعليا في المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب تراجع. وسبق لهذه الجهات أن دعمت النظام لأنها خافت من أن يدفع سقوطه سوريا نحو الفوضى كما هو الحال في العراق. غير أن الرأي العام في أوساط الطبقة الوسطى والرفيعة، بدأ يحدث فيه تطور هو: رغم أن مزيدا من السوريين يخافون من انتشار الفوضى جراء سقوط نظام بشار الأسد، فإن سقوطه أصبح بالنسبة لهم أفضل من الحرب الدموية. وأدى تدهور الوضع الاقتصادي وعدم وجود الأمن الشخصي، وصول الفئات المذكورة لنتيجة مهمة، وهي إذا لم يوفر الرئيس الأمن وينهي النزاع، وأن بقائه سببا للحرب، فمن الأفضل له الرحيل.

ووقعت أحد أهم حالات التدهور الذي شهدتها سوريا، بالتفجيرات التي وقعت في 18 يوليو عام 2012 بمكان انعقاد “مجلس الأمن القومي” (قدس أقداس الجهاز الأمني السوري) وأدت لمقتل كبار مسؤولي الأجهزة العسكرية السورية مثل وزير الدفاع داود راجحة، وحسن تركماني نائب وزير الدفاع، وصهر الرئيس أصف شوكت. وجرح في العملية رئيس “مكتب الأمن القومي” هشام اختيار، الذي توفي بعد يومين من التفجير، وكذلك وزير الداخلية محمد الشعار الوحيد الذي نجا من الحادث.

ورافق المس بقادة النظام السوري هجوما من المجموعات المسلحة التي ينتمي بعضها إلى الجيش الحر على دمشق، حيث نجح المسلحين بالسيطرة على عدد من أحياء المدينة، ومن ضمنها حي الميدان، وحصل انطباع بأن دمشق سوف تسقط خلال ساعات أو أيام بأيدي المتمردين. وبعد عدة أيام من ذلك الهجوم، شن المتمردين هجوم على حلب، ثاني أهم مدينة بالدولة، ونجحوا بالسيطرة على أجزاء كبيرة منها. وفي المقابل، نجح المتمردين بالسيطرة على بعض المعابر الحدودية بين تركيا والعراق. كذلك صدرت تقارير بأن السكان الأكراد في شمال وشرق سوريا (10% من السكان) تخلو عن النظام، لكنهم لم ينضموا للمتمردين بعد.

جائت التطورات المذكورة على خلفية زيادة ظاهرة الإنشقاق المتزايد عن النظام –إن كان من الجيش أو من أجهزة الحكم الأخرى- حيث انشق مناف طلاس ابن وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس قائد لواء في الحرس الجمهوري ومن المقربين من الأسد، حيث توجه لباريس مع بعض أقاربه، كما انشق سفراء سوريا في العراق والإمارات وقبرص وأعلنوا أنهم لم يعودوا يمثلون دولهم.

وما كان في بداية الثورة إنشقاق ضعيف وغير مهم، أصبح فيما بعد ضخم، يحاول فيه الجميع إنقاذ أنفسهم من السفينة الغارقة، ولا يوجد شك أن الإنتفاضة دخلت مرحلة من شأنها أن تتضح على أنها حاسمة في الحرب على سوريا، المتروكة من شهر مارس 2011.

 

سوريا ساحة إقليمية ودولية

تحت حكم حافظ الأسد، تحولت سوريا إلى دولة إقليمية مهمة، ذات مكانة ووزن في المنطقة وخارجها. وأعاد اندلاع الثورة عام 2011 سوريا عشرات السنوات إلى الوراء، لبداية أيامها كدولة مستقلة، كساحة للهجوم عليها، وحلبة للصراعات الداخلية بين القوى الإقليمية والدولية التي رغبت بالحصول على مكان وسيطرة وتأثير في هذا البلد.

وكان رد المجتمع الدولي على الأحداث بسوريا ضعيف ومشكك في البداية. والأهم أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أُعتبرت غير جاهزة للتعامل مع موجة العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط، ووجدت هذه الدول نفسها غارقة حتى الرقبة في واقع مأزوم، بدأ يتشكل في مصر وليبيا واليمن والبحرين. ومع ذلك، الخوف من التدخل والوقوع في أزمة صراع إضافية، احتمالات النجاح فيها غير واعدة، دفعت هذه الدول إلى تفضيل، في الأشهر الأولى من المظاهرات في سوريا، “الجلوس على الجدار” ومشاهدة ما يجري، وحتى منح غطاء لبشار الأسد في جهوده لفرض الاستقرار وتهدئة الأجواء العاصفة في الدولة. ولهذا الموقف ساهم أيضاً الطابع المحدود لحجم المظاهرات السورية، والتقييمات بأن دمشق تستطيع مواجهتها، والخوف من من أن بديل النظام هو فوضى تنتقل للبنان وللساحات الإسرائيلية-الفلسطينية والاردنية، وحتى العراقية. كما كان هناك خوف من التيارات الإسلامية التي لبست الثورات في مصر وتونس وليبيا، رغم أن قوتها في سوريا كانت ضعيفة دائما بسبب البنية السكانية للدولة (أبناء طوائف الأقلية الذين يشكلون 40% من السكان)، وبسبب التقليد العلماني القوي والمتجذر في أوساط الطبقة الوسطى السنية في المدن الكبيرة.

وكلما مرت الأسابيع والأشهر، ولم تقمع الاحتجاجات السورية، بل تزايدت وتعاظمت بدء يحصل التغيير، الذي تحول إلى دراماتيكي، في مواقف الشارع العربي، وفي مواقف الدول العربية والمجتمع الدولي بخصوص ما يجري في سوريا، خاصة ضد ما يقوم به نظام بشار الأسد. ونبع هذا التغيير، أولاً وقبل أي شيء، من التقييمات المتزايدة بأن إنهيار النظام السوري على وشك الحدوث كما جرى بالأنظمة في تونس ومصر وليبيا، ومن اكتشاف العالم، خاصة الشارع العربي الذي تحول لقوة مهمة في الدول العربية، القمع الشامل والعنيف وقتل المتظاهرين في سوريا الذي يصل كل يوم لعشرات القتلى.

وقادت المملكة العربية السعودية الدول العربية، مفترضة أن سوريا أصبحت ساحة صراع بين إيران الشيعية والعالم العربي السني، من أجل حسم الصراع وإسقاط نظام بشار الأسد. وتعزز هذا الموقف على ضوء ضعف وعدم قدرة الولايات المتحدة على التدخل في علاج مشاكل المنطقة. وشارك هذا الرأي تركيا، التي لها ولزعمائها مصالح إضافية بجارتهم الجوبية، المرتبطة بتطلعاتهم في رؤية تركيا تلعب دور قائد في العالم العربي السني. ولهذا السبب وقفت تركيا وراء الأخوان المسلمين السوريين، ومنحت ملجأً وحماية ومساعدة للجيش السوري الحر، الذي وضع مقرات قيادته في الأراضي التركية. أما السعودية فقد تكفلت بتمويل سخي للمتمردين على النظام السوري خاصة الجهات الإسلامية العاملة داخل سوريا، وكذلك قطر التي لم تجند قناة الجزيرة فقط ضد النظام، بل قدمت دعماً ومساعدة مالية للمجموعات المتمردة المختلفة (ويبدو أن للسعودية وقطر كل على حدة مجموعات مؤيدة لها).

ورغم الضغط العربي، الذي انضمت إليه مصر، بعد انتخاب محمد مرسي في شهر حزيران 2012، وجد المجتمع الدولي صعوبة في إيجاد علاج للأزمة السورية. ولم تخف الولايات المتحدة والدول الغربية مخاوفها من التدخل فيما يجري، ليس فقط بسبب المعارضة الروسية، بل بسبب الخوف من تحويل سوريا لمستنقع ’مغرق مثل أفغانستان والعراق، الذي سيغرق فيه كل من يتدخل نظراً لامتلاك الجيش السوري قدرات دفاع جوية وصاروخية، من شأنها أن تحول أي تدخل أجنبي في هذا البلد إلى مغامرة غالية وكثيرة الإصابات. إذاً، لا عجب أن الولايات المتحدة والدول الغربية، أكتفت بتقديم مساعدة لوجستية وغير ذلك للمتمردين، على أمل أن يقوموا هم بمهمة الغرب.

ونتيجة ذلك، وبعد أن كانت سوريا خلال العقود الماضية دولة عظمى إقليمياً، عادت نتيجة الثورة إلى دولة يحاول الجميع التدخل بشؤونها وقلب نظام الحكم فيها، وساحة للصراع الإقليمي والدولي، حيث تقف إيران وحزب الله من جانب، وتركيا والسعودية وبقية الدول العربية في الجانب الآخر من الصراع. وفي مقابل الولايات المتحدة والغرب، تقف وروسيا. وبدأت إيران وحزب الله مساعدة سوريا من أجل البقاء، وربما أرسلت رجال للمشاركة في القتال، لكن الجهد الأساسي كان في تجنيد أبناء الطائفة العلوية للقتال لصالح النظام، أما روسيا فواصلت تقديم المساعدات الإقتصادية والسلاح لسوريا، كقوة موازنة للولايات المتحدة، كذلك دعمت النظام في سوريا معتبرة إياه قلعتها الأخيرة في الشرق الأوسط أمام امتداد الإسلام المتطرف الذي من شأنه أن يهدد روسيا أيضاً.

 

انعكاسات على إسرائيل

عندما اندلعت المظاهرات في سوريا بشهر مارس عام 2011، لم يخف كثيرا من الإسرائيليين مخاوفهم من سقوط نظام بشار الأسد وزعزعة الاستقرار على طول الحدود الإسرائيلية-السورية، وربما في كل المنطقة. وكان بشار بالنسبة للكثير من الإسرائيليين “الشيطان المقبول والمعروف” وشريك مريح لحكومات إسرائيل في جهود المحافظة على واقع اللاحرب واللاسلم، بمعنى أدق المحافظة على الوضع القائم بين الدولتين. وكانت المحافظة على الوضع القائم هو هدف كل حكومات إسرائيل، التي خشيت من التقدم باتجاه السلام، لكنها تطلعت في نفس الوقت إلى استمرار الهدوء على طول الحدود مع هضبة الجولان. وفي هذا المجال يجب التذكير باللقاء الذي منحه مقرب من عائلة بشار الأسد، ورجل الأعمال السوري رامي مخلوف، الذي قال فيه :”إذا لم يكون استقرار في سوريا، فلن يكون استقرار في إسرائيل، ولا يوجد من يضمن ماذا سيحصل إذا جرى شيء للنظام السوري، أنا لا أقول أنها ستندلع الحرب، لكنني أنصح بعدم دفع بشار إلى الزاوية”.

وفي المقابل، هناك في إسرائيل من يحاول إيجاد معالم مستقبلية لما سيحدث على طول الحدود الإسرائيلية-السورية مقارنة مع ما حدث في يوم النكبة (1 أيار عام 2011) ويوم النكسة (5 حزيران عام 2011)، حين حاول مئات وربما آلاف اللاجئين الفلسطينيين اختراق الحدود والتوجه لدولة إسرائيل من هضبة الجولان في منطقة عين التينة، قرب مجدل شمس وعلى الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، في منطقة بوابة فاطمة. الأحداث التي تطورت على الجدار خلفت ورائها قتلى وجرحى. وكان من الصعب تحديد ما إذا وقف النظام السوري وراء ذلك أم لا، بهدف “تفريغ الضغط”، ولفت الإنتباه عما يجري في سوريا، وربما إرسال رسائل لإسرائيل، أو أن الحديث يدور عن فقدان السيطرة، كتعبير عن ضعف نظام الأسد وعدم قدرته على السيطرة على الحدود. كما وصلوا في إسرائيل لنتيجة أن مصير بشار الأسد قد حسم. ومن هنا زادت تصريحات كبار المسؤولين في إسرائيل –على سبيل المثال تصريحات وزير الدفاع إيهود باراك في يناير 2012، التي قال فيها أن أيام الأسد معدودة، أما رئيس الأركان الإسرائيلي بيني غانتس، فقد نسب إليه أنه صرح أن إسرائيل تستعد لاستقبال لاجئين علويين، سيهربون إلى هضبة الجولان في حال سقط النظام السوري.

ولا يوجد شك بأن إسرائيل أنزعجت من التدخل المتزايد لإيران وحزب الله في جهود مساعدة بشار الأسد. وفي السياق المذكور صرح قائد المنطقة الشمالية، يئير غولان في نيسان 2012:

“إيران تزود السلاح لسوريا طوال الوقت، وهذه جهود دائمة وثابتة. الإيرانيون يقولون للأسد: اسمع أنت مهما لنا، وعلينا دعمك بقوة. وجزء من المواقف النظام السوري، نابعة من وجود دعم له من المحيط القريب، ومن بعض الدول العظمى. بمعنى أن الأسد ينظر للخارج ويقول: يوجد لي حزب الله، وهو يساعد، وهناك الإيرانيين وهم داعمون، وعلى المدى البعيد هناك الصين وروسيا… إيران وحزب الله متدخلتان في النزاع بعمق. وعندما نتحدث عن محور الشر، يدور الحديث عن عناصر حزب الله الذين يقاتلون هناك ويوجهون ويعلمون ويقاتلون.

وكلما مر الوقت، فإن المزعج لإسرائيل ليس مشكلة قدوم أو عدم قدوم لاجئين من سوريا، الذي يزعجها هو الأسلحة المتطورة التي يملكها النظام السوري، التي ربما تسقط في أيدي معادية، لجهات إرهابية مثل القاعدة أو الثوار، أو في الحالة الأسوأ بالنسبة إلى إسرائيل ذهابها لحزب الله، الذي سيحاول استغلال علاقاته بالنظام السوري، ويحاول تهريبها في ظل الفوضى السورية إلى لبنان. وفي السياق المذكور، حرصت جهات إسرائيلية غير معلومة، وبعد ذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إيهود براك على القول أنه إذا أتضح لإسرائيل أن أيام الأسد أصبحت معدودة، وأن السلاح الكيماوي سوف يذهب لحزب الله وغيره من التنظيمات المتطرفة، ستدمر إسرائيل مخازن السلاح الكيماوي لمنع سقوطه بأيد التنظيمات المذكورة.

وكانت الإدارة الأمريكية شريكة بالقلق الإسرائيلي، وصدرت عنها تصريحات شديدة ضد النظام السوري، وأعتبرته مسؤولاً عن الأسلحة الكيماوية التي بحوزته، وحذرت من استخدامها أو نقلها لأيدي غريبة. لكن، النظام نفى نيته استخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء شعبه. لكن المتحدث بإسم وزارة الخارجية السورية جهاد مقدسي أعترف لأول مرة بوجود أسلح كيماوية هدفها الدفاع عن سوريا من التهديدات الخارجية.

الأصوات الإسرائيلية المطالبة بالإمتناع عن التدخل فيما يجري بسوريا، وحتى الأصوات التي تتمنى بقاء الأسد على كرسيه تغيرت، إلى موقف يقول أن الأفضل بالنسبة لإسرائيل وحلفائها الولايات المتحدة والغرب، أن يترك النظام غارقاً في بحر الدم أو حتى إسقاطه، لأن ذلك سيضعف قوة محور التطرف في الشرق الأوسط، الأمر الذي يخدم إسرائيل. وأقترح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور فيلدمان في أواسط مارس 2012 أن تكون إسرائيل على رأس الداعين إلى أزاحة الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة، وتشجيع حلفائها على القيام بذلك. وطالب وزير الدفاع باراك، خلال زيارة له في واشنطن، ببداية نيسان عام 2012، اتباع سياسة فعالة تجاه سوريا، هدفها إسقاط بشار الأسد. ومع ذلك، ذكر كثير من المسؤولين الإسرائيليين، الذين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم أن الوضع الحالي في سوريا هو الحالة الأمثل لإسرائيل، أي أن النظام الحالي هو الأفضل لنا نظراً للهدوء القائم على طول الحدود السورية-الإسرائيلية، وعلى إسرائيل العمل على عدم إسقاط النظام، وتسليم السلطة للأنظمة الإسلامية المتطرفة، وأعتبر هؤلاء أن ما يجري في سوريا جيد لإسرائيل خاصة أنها تدفع النظام إلى عدم الانتباه لما يجري حوله من أحداث، ما يبقي سوريا مقيدة وضعيفة، التي تعتبرها إسرائيل عدوا لها. وعلى هذه التقييمات، أثقلت بعض الحوادث الحدودية، التي تمثلت بإطلاق نار متقطع بعد شهر نوفمبر عام 2012 وصاعدا، مصدرها فقدان النظام السوري السيطرة على المنطقة الحدودية، وكذلك إطلاق نار بين الجيش السوري والتمردين، التي وصل بعضها لإسرائيل.

وفي المقابل، تعالت أصوات في إسرائيل تطالب باستغلال الأزمة الإقليمية من أجل التقدم بتفاهمات جديدة مع تركيا ،أداة الضغط المركزية الدولية على سوريا، وعلاقاتها مع النظام وصلت لأزمة، وحتى إلى مواجهة عسكرية. وصعدت تركيا من لهجتها ضد النظام السوري، وبدأت بتقديم مساعدات للجيش السوري الحر وللاجئين السوريين. وفي يوليو عام 2012، وفي أعقاب إسقاط الطائرة الحربية التركية من قبل الجيش السوري، وبعد أن بدأ أكراد سوريا بالعمل على إقامة كونفدرالية كردية في الشمال السوري على الحدود مع تركيا، بدأت تركيا تركيز جيشها على الحدود المشتركة مع سوريا. وكان القلق لما يجري، وما هو متوقع لسوريا يعتبر حاجة مشتركة ربما تجمع تركيا وإسرائيل. ورغم ذلك لم تنجح الدولتين باستغلال هذا القلق للتغلب على الخلافات بينهما والعودة إلى الحوار الستراتيجي، الذي قطع في أعقاب حادثة السفينة التركية المتوجهة لقطاع غزة في عام 2010.

 

 

خلاصة

مهما يكن مستقبل النظام السوري، ظل قائما معتمدا على حراب الجيش أو سقط، وحل مكانه نظام سياسي جديد، يبدو أن سوريا لن تعود بسرعة إلى لعب دور مركزي في السياسة الإقليمية. وعلاوة على ذلك، يفترض في المستقبل المنظور، سيجد أي نظام في دمشق صعوبة في فرض سيطرته وهيبته على مختلف أنحاء الدولة، وربما يعود الوضع إلى ما كانت عليه بعد الاستقلال. ويبدو، أن سوريا المستقبل ستتحول لنشاطات مجموعات الإرهاب الإسلامي المتطرف مثل القاعدة، وسيكون الأخوان المسلمين أحد القوى الأساسية بالدولة.

ومنذ ما يقارب العامين، ومنذ اندلاع الأزمة السورية، تراقب إسرائيل وعن كثب وحذر وخوف ما يجري في سوريا. وتتأمل ليس فقط المحافظة على الوضع القائم على طول الحدود بين الدولتين، بل أن يؤدي سقوط نظام الأسد إلى توجيه ضربة قاصمة لمكانة إيران في المنطقة، وضربة موجعة لحزب الله. ومع ذلك، وإلى جانب الآمال بالتغيير في سوريا، توجد في إسرائيل خشية بأن الهدوء في هضبة الجولان يتم استبداله بفوضى وإرهاب، كالذي تواجهه إسرائيل في شبه جزيرة سيناء. كما أن مستقبل الأسلحة الكيماوية والمتقدمة في سوريا يشكل ازعاجاً كبيراً لأصحاب القرار في إسرائيل.

الواقع السوري يفتح أمام إسرائيل نافذة فرص، يمكن استغلالها مع قوى إقليمية ودولية للمشاركة في رسم مستقبل سوريا. ويلزم هذا الوضع إسرائيل “بالنزول عن الجدار”، بمعنى أن على إسرائيل أن تتحول لعامل فعال، تشارك في التحالف الدولي الإقليمي الهادف لإسقاط نظام بشار الأسد وضمان الاستقرار بسوريا في فترة ما بعد إسقاط النظام في سوريا.

ونافذة الفرص المفتوحة أمام إسرائيل، تتضمن على سبيل المثال، الإمكانيات التالية:

  1. فتح حوار مع تركيا، ومع الدول العربية المعتدلة –الأردن، العربية السعودية، دول الخليج، وحتى مصر- بخصوص مستقبل سوريا.
  2. العمل على إجراء حوار مع المعارضة السورية من خلال الدول العربية، أو خلال الدول الغربية، خاصة مع التيارات المعارضة، غير المحسوبة على التيارات الإسلامية المتطرفة، وهي لا تعتمد على الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا.
  3. إجراء حوار مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، وإظهار أن إسرائيل دولة نشطة وفعالة وقادرة على المساهمة في عملية إتخاذ القرارات مع الدول المذكورة في الشأن السوري، وذلك بفضل فهمها الجيد لما يحدث هناك.

غير أن على إسرائيل الاستعداد لمواجهة انعكاسات ممكنة لما يجري في سوريا عليها، من ضمنها إنهيار النظام السوري، وعلى ما يجري في الأردن ولبنان، وهما حلبتان مهمتان لإسرائيل. ففي الأردن يواجه النظام الهاشمي احتجاجات عامة ومتواصلة من شأنها أن تتزايد في حال سقط النظام السوري. وفي لبنان تقف إسرائيل أمام وضع قائم، خاصة على الحدود المشركة منذ عام 2006. والوضع القائم سيتصدع في أعقاب التقلبات في سوريا، وزحف الثورة من سوريا إلى لبنان، سيحدث توتر بين السنة والشيعة وتمس بالاستقرار وبقدرة الدولة، وبحزب الله، على حفظ الهدوء على طول الحدود الإسرائيلية-اللبنانية.

والسؤال هو، هل تستطيع إسرائيل مواجهة التحديات الأمنية لسقوط نظام بشار الأسد، وتعرف كيف تستغل ذلك لخدمة مصالحها الاستراتيجية أمام تركيا والدول العربية المعتدلة، مثل السعودية، وحتى مع سوريا المستقبلية. كل ذلك متعلق بالسياسة الإسرائيلية الشاملة بخصوص علاقاتها مع محيطها :مع مصر والفلسطينيين. وهي سياسات ستحدد إذا ما كان “الربيع السوري” سيتحول إلى “شتاء” دائم بين دمشق والقدس، أم يشير إلى تغير المناخ –بما في ذلك السياسي- بين الدولتين.

 


  • ·  البروفيسور إييال زيسار : رئيس مركز ديان للدراسات الأفروأسيوية في جامعة تل أبيب. محاضر في جامعة تل أبيب، ومن أهم المختصين في الشأن السوري في إسرائيل.

 

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash