الربيع العربي وصعود الإسلام السياسي

 

الربيع العربي وصعود الإسلام السياسي

بنداته بريت·

 

عندما خرجت الجماهير التونسية لشوارع سيدي بوزيد، للتظاهر ضد الفساد الذي تمارسه الحكومة وعنف الشرطة، لم يتوقع أن تمتد المظاهرات لباقي الدولة، وتنتشر في كل المنطقة. تأثير وحجم المظاهرات التي بدأت ضد زين العابدين بن علي، امتدت إلى كل الشرق الأوسط، ووضعت علامات استفهام أمام التحليلات المقبولة، وزعزعة التوجهات التي ميزت سكان المنطقة.

استمرت في العام الماضي موجة الاحتجاجات السياسية والاجتماعية التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت بعض دول المنطقة ثورات كاملة، وبعضها ما زال في ذروة غضب داخلي. وبشكل عام، لم تعد أي دولة عربية محصنة كلياً أمام التغيير الإقليمي الشامل. ومن وجهة نظر إسرائيلية، يضع الربيع العربي تحديات نابعة من عدم الاستقرار الإقليمي. والخوف الأساسي لإسرائيل هو وجود قلق بعد انقشاع غبار الثورات العربية يتضح منه أن التيار الي تعاظمت قوته هو الإسلام السياسي. وترى إسرائيل بذلك الصعود مشكلة نظراً للطابع الأيديولوجي المتطرف لهذه التنظيمات، المرفق بمشاعر معادية للإسرائيليين والتي من شأنها أن تعبر عن عدم الاستعداد للموافقة عليها في المنطقة. وفي المقابل، أثيرت الآمال في إسرائيل، أنه ومع الوقت، وبعدما يتحول الشرق الأوسط لمنطقة حرة وديمقراطية، سوف يتحسن المحيط الاستراتيجي لإسرائيل.

يبحث هذا المقال صعود الإسلام السياسي، مع محاولة لعرض تقييم غير متآلف للجهات الإسلامية المختلفة ومصالحها. ويركز التحليل على التغييرات التي حدثت في مجال الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية والسياسات في الدول المختلفة منذ أن تحولت التيارات الإسلامية إلى التيار المركزي في الساحة السياسية في الدول العربية. كذلك يبحث المقال في الحوار الجاري بإسرائيل حول الربيع العربي وصعود الإسلام السياسي. وفي النهاية سيعرض ميزان التهديدات والفرص لإسرائيل، نتيجة صعود تيارات الإسلام السياسي في المنطقة.

 

الإسلام السياسي قبل وبعد الربيع العربي

تعود حركات الإسلام السني، في جذورها إلى التطلع إلى إحياء الإسلام والإصلاحات في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. الأمر الذي زاد تدريجيا من نشاطها في الشرق الأوسط، خاصة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، كحركات شعبية، تنمو من الأسفل. والوصف المشترك لهذه الحركات وكأنها تنتمي إلى تيار موحد مسمى بالإسلام السياسي، هو مهمة معقدة، لأن الإسلام لم يشهد حركة إسلامية موحدة في الشرق الأوسط. ورغم أن الحركات الإسلامية تتقاسم هدف مشترك –الرغبة برؤية المجتمعات الموجودة في المنطقة تعود للحياة وفق الشريعة- إلا أن كل مجموعة لها أولوياتها وطرقها المختلفة لتحقيق أهدافها المعلنة.

يعتبر تنظيم الأخوان المسلمين أهم التنظيمات الإسلامية في الشرق الأوسط، رغم أن الإسلام أشمل وأوسع من أن يمثله الأخوان المسلمين لوحدهم. وحتى في أوساط الأخوان المسلمين نمت تيارات مختلفة في العقود الأخيرة (في الأردن سوريا وقطاع غزة)، متأثرة بالمحيط الداخلي الذي يعملون فيه. وعلى ضوء ذلك، من الخطأ القول أن هناك حركة إسلامية سياسة واحدة. ويعتبر تحديد الأخوان المسلمين وكأنهم الإسلام السياسي، قيد مركزي أولي في إطار محاولة فهم الحركات الإسلامية المختلفة التي ازدهرت بعد الربيع العربي.

الفوارق المحلية بين الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط، دفعتها للعب كل حركة دوراً مختلفاً في تشجيع ودفع موجات الاحتجاج المحلية. وعلى سبيل المثال، لم تشارك حركة النهضة في الثورة التي اندلعت في تونس كون معظم قادتها في المنفى أو في السجون أو في العمل السري. كما لم يكن الأخوان المسلمين أول من نظم المظاهرات في ميدان التحرير، ولم يشاركون بيوم الغضب في 25 يناير عام 2011، التي أشعلت من الناحية العملية الثورة، لكن أعضاء الأخوان المسلمين انضموا بعد عدة أيام إلى المظاهرات، وساهموا بدورهم في إسقاط نظام مبارك. أما بقية دول المنطقة، الأردن وسوريا وليبيا، فقد شاركت الحركات الإسلامية بدور في المظاهرات ضد الأنظمة، لكنهم لم يكونوا اللاعبين الوحيدين فيها ووظيفتهم ووضعهم تتغير من حالة إلى أخرى.

ولم يكن الربيع العربي لصالح كل الحركات الإسلامية في المنطقة، حيث ظل حزب الله اللبناني على هامش المسيرة، وخسر الثقة السياسية التي تمتع بها، وتراجعت شعبيته بعد تأييده لنظام بشار الأسد. ومع ذلك، ورغم أن الربيع العربي لم يبدأ في أعقاب تجند إسلامي إقليمي، ورغم أن الدول التي حدث فيها تغيير في أنظمة الحكم، نجحت الحركات الإسلامية بركوب الموجة الثورية وتحسين مكنتها ودورها.

وبعض الأسباب توضح التوجه الاقليمي، وهي :أولا، الحركات الإسلامية خاصة الموجودة في مصر منظمة جيداً أكثر من الأحزاب العلمانية، وذلك نتيجة منع الأنظمة الديكتاتورية تطور مجتمع مدني نشط من ناحية سياسية، أو بلورة سياسة مستقلة. ساعد النشاط الدعوي والإجتماعي الحركات الإسلامية على تعزيز مكانتها وقوتها داخل المجتمع العاملة فيه. ثانياً، الأحزاب الإسلامية طرحت نفسها على أنها حركات مستقيمة ومحترمة، ترفض الحلول الوسط مع النظام القديم، وقدمت نفسها على أنها حركات نظيفة ونقية وبعيدة عن فساد السلطة. ثالثاً، صعود السلام هو ليس فقط نتيجة لنجاحه، بل دليل على فشل الأحزاب العلمانية التي فشلت في تنظيم نفسها.

وعلى هذه الخلفية، برز في العام السابق توجه تعاظم قوة الحركات الإسلامية في أنحاء المنطقة، ففي حالة تونس، حصل حزب النهضة على أغلبية الأصوات في المجلس التشريعي في 2011، ومنذ ذلك الحين يحكم تونس من دون منازع فيس الساحة السياسية التونسية. وفي المقابل تعززت في تونس قوة الحركة السلفية، رغم أن هذه المجموعة هامشية من ناحية عددية وضعيفة سياسياً مقابل حزب النهضة، إلا أن مكانتها تشهد تحسناً ملحوظا في فترة ما بعد الثورة.

أما مصر فقد حصل الأخوان المسلمين على 47% من المقاعد، والكتلة الإسلامية بقيادة المجموعات السلفية، وفي مقدمتها حزب النور على 25% من المقاعد. وكانت النتائج التي حصل عليها الحزبان أعلى في انتخابات مجلس الشورى. وبعد عدة أشهر فاز مرشح الأخوان المسلمين محمد مرسي بالرئاسة المصرية بأغلبية بسيطة، أمام منافسه الجنرال أحمد شفيق المقرب من مبارك.

ورغم تراجع قوة الأخوان المسلمين في الفترة الواقعة بين شباط وحزيران عام 2012، إلا أن الأخوان المسلمين يسيطرون على الحياة السياسية المصرية، خاصة بعد نجاح مرسي في تقليل قوة الجيش السياسية، بعندما أقال بعض الشخصيات المركزية فيه، مثل محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري الأعلى، وإلغاء بعض القوانين التي سنها المجلس العسكري التي أعدت لتقييد تحركات مرسي. وعززت الضربة الوقائية لمرسي في آب عام 2012 قوة الرئيس بصورة كبيرة، وقللت بصورة كبيرة من قوة النخب العسكرية التي سيطرت من ناحية عملية على الدولة منذ إسقاط مبارك.

ورغم فوز الحركات الإسلامية في الانتخابات داخل هذه الدول، إلا أنه من السابق لأوانه الحديث عن كيف ستدير هذه الحركات للسياسة الداخلية والخارجية. ومن أجل تقييم قدرتها، يجب تحليل قدرة هذه الأحزاب على البقاء في السلطة، وقدرتها على تقديم نموذج إسلامي متعلق بنجاحها بتحقيق الوعود التي قدمتها للناخب العربي. ولهذا السبب تحاول الحركات الإسلامية التعاون مع الجهات السياسية، والاهتمام بالشؤون الداخلية، في حين أن مواضيع الخارجية والأمن، وخاصة المتعلقة بإسرائيل موضوعة جانباً، للعلم أن الأيديولوجية من دون حكم سليم مهمتها الفشل.

ومع تمأسس الثورات، شهدت الحركات الإسلامية خلافات داخلية، ما أثار الانتباه بعدم وحدة الإسلام السياسي. ومع ذلك، وعلى ضوء تطلع تيارات الإسلام السياسي للحصول على الشرعية والشعبية والقوة، هناك أهمية لدراسة كيف تحاول كل مجموعة وعلى إنفراد خلق توازن بين الأيديولوجيا والواقعية.

 

نظر من إسرائيل – ردود على صعود الإسلام السياسي

راقبت إسرائيل عن كثب التطورات الشرق الأوسطية، مبدية تفهما بأن التغيير السياسي الواسع، من شأنه أن يؤثر على علاقات إسرائيل بجاراتها العربيات، وعلى ميزان القوى العام في المنطقة. وتميزت السياسة الإسرائيلية الرسمية بالامتناع المقصود عن اتخاذ موقف. ومع ذلك، يشير التقييم الإسرائيلي الأولي أن التغيير السياسي السريع وغير المراقب يتعارض مع المصالح الإسرائيلية. ومنذ بداية الربيع العربي تراقب إسرائيل التغييرات في المنطقة، وهي متخوفة على استمرار الاستقرار بشكل عام، وعلى اتفاقيتا السلام مع مصر والأردن بشكل خاص. ويوضح هذا التوجه لماذا كان النقاش حول التغييرات السياسية في تونس -دولة ريفية- والتي جمدت علاقاتها بإسرائيل مع اندلاع الانتفاضة الثانية -كانت ثانوية نسبيا. في حين أشير للتغيير في مصر أنه ذات أهمية مصيرية بالنسبة لإسرائيل.

وعلى ضوء لك، وعندما اندلعت موجة المظاهرات في تونس والقاهرة دعمت إسرائيل بهدوء استمرار الوضع القائم. وفي حالة تونس، صرح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأنه يأمل بعودة الاستقرار إليها. وصدرت تصريحات مشابهة تباعاً عندما انفجرت الأوضاع في مصر، حيث صرح رئيس الأركان ووزير الدفاع السابق شاؤول موفاز أن إسرائيل تتطلع إلى استمرار الوضع القائم، وتتمنى بنجاح النظام من السيطرة على الأوضاع. ورغم أن حكومة إسرائيل لم تدعم بشكل رسمي النظام أو المعارضة في مصر، فقد ذكرت تقارير أن جهات إسرائيلية رسمية شجعت من وراء الكواليس حلفائها الأمريكان والغرب على ضبط انتقادتها الموجهة لنظام مبارك.

وأولت إسرائيل اهتمام خاص بالاحتجاجات الجارفة في سوريا، بسبب الحدود المشتركة التي تتقاسمها إسرائيل وسوريا، والدور الذي تلعبه سوريا في النزاع العربي الإسرائيلي. ويبدو، أن محللي السياسات وأصحاب القرار في إسرائيل، منقسمين بخصوص مسألة، أي وضع في سوريا أفضل لإسرائيل ؟. وهناك من يقول أن قدرة بشار الأسد في المحافظة على الهدوء جعلته جديراً بالدعم، خاصة أن انهيار النظام سيؤدي إلى تسليم الحكم في سوريا لتنظيمات متطرفة أكثر في المجتمع السوري. ومن جانب آخر، بدأت تتصاعد أصوات أخرى في إسرائيل دعم تغيير الوضع القائم، بقولها أن سقوط الأسد يعتبر ضربة قاصمة لإيران، ويدفع باتجاه تحسن فوري للوضع الأمني الإسرائيلي. في حين أن المعسكر المؤيد للوضع القائم قدم تقييماً سائداً في الأشهر الأولى من الانتفاضة السورية. وكلما أشتد وانتشر العنف في سوريا، بدأ في إسرائيل توجه تدريجي نحو الموقف الثاني الي يميل لمعارضة استمرار الوضع القائم.

وظلت إسرائيل تتعامل بحذر في علاقاتها مع الربيع العربي، نظراً للطابع المتقلب والطاقة الكامنة فيه المشجعة لعدم الاستقرار في المنطقة. والخوف الإسرائيلي الشديد من أن يؤدي التحريض إلى إلغاء اتفاق السلام مع مصر، الذي يعتبر بالنسبة لها ذو أهمية حاسمة لأمنها ومكانتها الإقليمية. وفي فبراير عام 2011 صرح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: “التاريخ القريب يشير إلى حالات كثير في الشرق الأوسط الذي استغلت فيه الجهات الإسلامية قواعد اللعبة الديمقراطية، من أجل الحصول على الدعم، وفرض نظم غير ديمقراطية..”. الخوف الذي عبّر عنه نتنياهو كان ثنائياً، فمن جهة، ستحاول إيران استخدام الثورات في العالم العربي لتعزيز قوتها ومكانتها في المنطقة، كما صرح بذلك عندما تطرق إلى أهداف إيران من التحولات المصرية. واضاف أن النظام الإيراني غير معني برؤية مصر تدافع عن حقوق الفرد والنساء والأقليات، وهي غير معنية بأن تكون مصر متقدمة نحو القرن الواحد العشرين…  والنظام الإيراني معني بأن تتحول مصر إلى غزة ثانية، وتقاد من قبل قوى متطرفة تعارض كل ما يرفعه العالم الديمقراطي. ثانياً، عبّر نتنياهو عن قلقه من الدور والتأثير الذي تلعبه التنظيمات الإسلامية في الشرق الأوسط بعد الثورات. وفي خطاب ألقاه في نيسان عام 2011، عبّر عن مخاوفه بقوله أن إسرائيل كانت تريد أن ترى الربيع الأوروبي الذي حدث عام 1989 يقع في المنطقة، لكن وبدلاً من ذلك شاهدنا شتاء إيراني. وحسب أقواله، فإن التنظيمات الإسلامية ستستغل التحريض في المنطقة، وتحاول السيطرة عليه تدريجيا. وفي نوفمبر عام 2011 توقع رئيس الحكومة بأن الاحتمالات هي أن نرى موجة إسلامية شاملة تعم الدول العربية، وهي موجة غير مؤيدة للغرب، وليست ديمقراطية.

الرؤية المتشائمة لبنيامين نتنياهو حول العصر المتوقع لما بعد الثورات في العالم العربي يعتمد على التقييم بأن المنظمات الإسلامية حققت نجاحات في الربيع العربي. لكن هذا غير مقبول على الكثيرين في إسرائيل، فهناك من يؤكدون على الطابع غير الموحد للإسلام السياسي والمبررات التي ستطرحها المجموعات الإسلامية للعمل بصورة واقعية، نظراً للمشاكل الاقتصادية الشديدة التي يمر بها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتقد أن الجهات الإسلامية التي ستحصل على مكانة وقوة في مراكز القرار والدولة ستهتم أولاً بمشاكلها الداخلية، وستضع بشكل مؤقت الملف الإسرائيلي على الرف.

وامتد الخوف من الربيع العربي إلى الشارع الإسرائيلي، حيث أشارت الاستطلاعات التي أجريت مع نهاية عام 2011، أن 51% من الإسرائيليين يرون بالربيع العربي مضرا لهم (مقابل 15% و 12% قالوا أن الوضع لن يتغير أو سيتغير للأحسن). لكن الاستطلاع عبر عما يصرح به قادة إسرائيل بأن مكانتها ستتحسن في المنطقة، نتيجة السقوط الممكن لنظام الأسد في سوريا، وإضعاف مكانة وقوة إيران وحزب الله في المنطقة. واستعداد مجدد من حماس للعمل بعيداً عن طهران، وبالطاقة الكامنة بعملية الدمقرطة بعيدة المدى.

وعلى ضوء عدم الوضوح الحالي للهبات الإقليمية، لا غرابة أن تركز إسرائيل على أمنها وتستثمر فيه. وفي المقابل تبذل الجهود للمحافظة على اتفاقات السلام مع مصر والأردن. والاستثناء الوحيد هنا هو سوريا، التي تميل إسرائيل اليوم إلى إسقاط النظام فيها.

 

صعود الإسلام السياسي وتأُثيره على مكانة إسرائيل

في المنطقة وعلى العلاقات مع جيرانها

عندما ينظر إلى عملية الاستقرار في عصر ما بعد الثورات في تونس ومصر، يمكن الإدعاء أن الخوف الإسرائيلي من صعود الإسلام السياسي كجهة مسيطرة في بلورة التغيير تحقق بدرجة معينة، وذلك كتعبير عن الهوية والعلاقة المحلية مع الدول المختلفة.

واتجهت تونس نحو الديمقراطية، رغم أنها معوجة قليلاً، وأظهر الحزب الإسلامي الرئيسي “النهضة” قدرة على التعامل مع الجهات السياسية المختلفة، ومع الأحزاب الليبرالية والعلمانية المركزية في الدولة. وفي المقابل، يحاول الحزب جسر الهوة بين الهوية الدينية والعلمانية لتونس. ورغم ذلك، لم يمتنع الحزب عن تمرير بعض القوانين المثيرة للخلاف، من بينها القانون الذي يفتح الساحة العامة أمام السلفيين، وإتخاذ وسائل ضد وسائل الإعلام المستقلة. وتشهد الساحة التونسية تصاعدا في قوة التيار السلفي المتطرف، ونالت بعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة على الانتباه الدولي في تشرين أول عام 2011، عندما شنت هجمات عنيفة على السفارة الأمريكية في تونس، وذلك للرد على الفيلم الذي نشر في الولايات المتحدة الذي سخر من الإسلام والنبي محمد.

التغيير السياسي المتواصل في تونس لم يثر الاهتمام الإسرائيلي، نظراً لعدم وجود علاقات بين الدولتين، والتأثير التونسي على السياسات الإسرائيلية ضعيف. ومع ذلك، من شأن العلاقات أن تتدهور أكثر إذ أقر مجلس النواب في تونس البند في الدستور الذي يمنع إقامة أية علاقة مع إسرائيل وإلى تطبيع للعلاقات مع الصهاينة، وهو البند الذي قدم بالأساس من الأحزاب العربية الوطنية إلى جانب اليسار، الذي يقوده حزب العمل الشيوعي التونسي. كما أن حزب النهضة تبنى الاقتراح، الذي أعتبره يتماشى مع مواقف الحزب التقليدية، التي تعارض تطوير وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وعلى الرغم من ذلك، ومنذ النقاش في الموضوع تراجعت حركة النهضة عن موقفها عندما أعلن وزير الخارجية الذي ينتمي لحركة النهضة، أنه ضد مأسسة عدم التطبيع مع إسرائيل. ومن هنا فإن القانون لن يسن في الدستور الذي يمنع أية علاقة مع إسرائيل، ولا يتوقع أن تتحسن العلاقات الرسمية بين إسرائيل وتونس.

ومنذ انهيار نظام بن علي ازداد التدخل التونسي في الموضوع الفلسطيني، كما أن مكانة تونس في هذا المجال ظلت ثانوية. وفي يناير عام 2011 وصل زعيم حماس في قطاع غزة إسماعيل هنية إلى تونس لزيارتها، بناءً على دعوة من حزب النهضة. كما لعبت تونس دوراً في تنظيم مؤتمر بموضوع الأسرى العرب والفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وانضمت هذه التطورات مع الخشية، التي عبّرت عنها إسرائيل، من التأثير المتزايد للسلفيين المتطرفين داخل المجتمع التونسي، خوفاً على الأقلية اليهودية الصغيرة في تونس. ومنذ سقوط بن علي، عبرت المجموعات السلفية عن موقفا سلبيا تجاه الأقلية اليهودية في الدولة تونس. وخلال زيارة هنية لتونس نظم السلفيين مظاهرات معادية للسامية ولدولة إسرائيل طرحت فيها شعارات “اقتلوا اليهود”. وعاد حزب النهضة الذي شجب هذه الشعارات إلى تأكيده بالدفاع عن مواطني تونس بغض النظر عن دينهم. ورغم ذلك، اتهم الحزب بأنه يتعامل بليونة مع السلفيين، وانه لم يأخذ بالجدية المناسبة التهديد الذي يشكله السلفيين على المجتمع التونسي وعلى الأقليات الموجودة فيه.

ورغم صعود الجهات السياسية الجديدة مثل حزب النهضة الإسلامي، تؤثر على الحوار السائد في تونس حول إسرائيل، لكن يجب عدم المبالغة بأهمية هذا التوجه. وعلى سبيل المثال، فإن المبادرة السياسية الحقيقية والوحيدة التي من شأنها التأثير سلباً على العلاقات بين الدولتين –البند ضد التطبيع في الدستور- الذي قدم بالأساس من قبل الأحزاب العلمانية. وهذه الحقيقة تضعف الإدعاء بأن صعود الإسلام السياسي، يزيد من خطورة مكانة إسرائيل في المنطقة. وهو يشير بكل تأكيد إلى الموقف السلبي السائد في الشارع العربي تجاه إسرائيل وسياستها.

الصعوبات في العلاقات التونسية-الإسرائيلية في عصر ما بعد اليقظة العربية، لا تقاس مقارنة مع الوضع الذي ميز العلاقات الإسرائيلية-المصرية بعد انهيار نظام مبارك. وكما في الحالة التونسية، فإن المشاعر المعادية لإسرائيل، ليست فقط امتياز للإسلام السياسي في مصر فقط، ولا يعتبر توجه جديد في عصر ما بعد الثورة هناك، وانتخاب محمد مرسي رجل الأخوان المسلمين للرئاسة. العكس هو صحيح، ورغم أن الرئيس المخلوع حسني مبارك كان شريكاً مخلصاً في المحافظة على السلام بين الدولتين، لكنه لم يحاول ابداً تحويل السلام من ورق إلى سلام على الأرض. كما أن مبارك غذى وساعد الأجواء المعادية لإسرائيل في المجتمع المصري، بهدف حرف انتباه الشعب إلى انتقاد إسرائيل، بدلاً من انتقاد نظامه. إذا، الشاعر المعادية لإسرائيل في مصر لم تأت نتيجة سقوط حسني مبارك أو الربيع العربي، بل هي استمرار لمشاعر ما قبل اندلاع الربيع العربي. وفي استطلاع أجري في نيسان عام 2011، قال 54% ممن شملهم الاستطلاع أنهم يؤيدون قيام مصر بإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل. كما أن المصريين الذين لا يتفقون مع الإسلاميين عبّروا عن موقف مشابه، حيث عبّر 48% منهم عن دعمهم إلغاء الاتفاق. إذاً يتبين أن معظم المصريين يعارضون إقامة علاقة مع إسرائيل (85% من الذين سئلوا يحملون موقفاً سلبياً تجاه إسرائيل، وفق استطلاع متأخر). وعلى الرغم من ذلك، بدى أن معظمهم لا يرون بالعلاقة مع إسرائيل قضية على سلم الأولويات. وتعزز هذه المعطيات التقييم، بأن التركيز على السياسة الداخلية والأزمة الاقتصادية يضعف مبررات ترجمة الخطاب المعادي لإسرائيل إلى سياسة عملية.

مصر قلق إضافي لإسرائيل هو عدم قدرة مصر على السيطرة على شبه جزيرة سيناء منذ سقوط نظام مبارك، وهو الوضع الذي أنشأ تهديدا أمنيا مباشرا لإسرائيل وعلى اتفاق السلام بين الدولتين. وأهمية هذا التحدي أتضحت في آب عام 2011، في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي نفذه مسلحين فلسطينيين دخلوا إلى إسرائيل من سيناء. وبالإضافة لكونه إثبات على التهديد الأمني المباشر، كنتيجة من عدم قدرة مصر لحراسة المنطقة، كان لهذا الحادث أهمية لسبب إضافي هو :ملاحقة الجيش الإسرائيلي المعتدين، ونتيجة لتبادل إطلاق النار في الحدود قتل 5 ضباط أمن مصريين. وتسبب الحادث بوقوع أزمة دبلوماسية بين الدولتين، دفعت مصر إلى التهديد بإعادة السفير، كما انتشرت المظاهرات في أنحاء الدولة. وأنتهت الأزمة باعتذار إسرائيلي معين، لكن الشارع ظل يغلي، إلى أن هوجمت السفارة الإسرائيلية في القاهرة. السفارة أخليت، ومنذ ذلك الوقت لم تعد إلى طبيعة عملها. منطقة سيناء أصبحت منذ صيف عام 2011 منطقة حساسة من ناحية أمنية إسرائيلية. وشن هجوم آخر في شهر آب من سيناء، عندما هاجم إرهابيين مركز حراسة مصرية، وقتلوا 16 جندياً مصرياً، وبعد ذلك حاولوا تجاوز الحدود إلى إسرائيل بسيارات مصرية مسروقة. ودلت الأحداث على خطورة عدم الاستقرار في سيناء، ليس فقط على أمن إسرائيل، بل على العلاقات الشاملة مع مصر.

مشاكل الأمن الإسرائيلية في سيناء تكشف عن واقع معقد تمر به المنطقة في السنوات الأخيرة. فمن جانب، وبعد انهيار نظام مبارك، استمر التعاون الأمني بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري. وظل التنسيق بينهما على حاله. ووافقت إسرائيل على نشر مصر لقوات بشكل ثابت في سيناء، للعمل عسكرياً ضد أعمال العنف التي تحدث في منطقتها. ومن جانب آخر، ورغم التعاون الأمني المتواصل، تكرر إسرائيل إدعاءاتها بأن مصر لا تعمل بما فيه الكفاية من أجل معالجة المشاكل الأمنية القادمة من شبه جزيرة سيناء.

وتخشى إسرائيل من استمرار المس بالتعاون المشترك مع مصر في كل المجالات. وحسب الرؤية الإسرائيلية، مصر بعد عصر مبارك منقسمة إلى قوتين أساسيتين مركزيتين هما: المجلس العسكري المؤقت، وهو القوة المواجهة للإخوان المسلمين، وفي مراحل مبكرة من فترة ما بعد سقوط مبارك، أدار الدولة المجلس العسكري المؤقت، ورأت إسرائيل بذلك حكم إيجابي لها بسبب الطرح المحافظ والدعم استمرار للوضع القائم، بما في ذلك العلاقات التي أدارها الجيش مع إسرائيل. لكن قوة الجيش تراجعت بسرعة، خاصة بعد الحادث الذي وقع بسيناء في شهر آب. وفي المقابل، تعززت مكانة الرئيس محمد مرسي.

 وكان الخوف الأساسي إلغاء الاتفاق. لكن صدر عن الأخوان المسلمين تصريحات متناقضة تضمن بعضها “إعلان حرب”، وتوجيه تهديدات بإلغاء الاتفاق، وبعد ذلك صدرت تصريحات تطالب بإجراء استفتاء لاستمرار اتفاق السلام. غير أن الأخوان المسلمين بدءوا تراجعاً تدريجياً عن التصريحات المؤيدة لإلغاء الاتفاق. ومنذ ذلك الوقت، الموقف المعلن للإخوان هو المحافظة على اتفاق السلام، مع إجراء بعض التغييرات على بنوده، خاصة البند الذي يقيد انتشار الجيش لمصري في سيناء، وهو الأمر الذي يشكل قلقاً واسعاً لإسرائيل. ومصدر آخر مرفق للقلق هو التشابه في المواقف بين الأخوان المسلمين وحزب النور السلفي.

التوقع بقيام الجهات المذكورة بإلغاء اتفاق السلام يعد أمراً ضعيفاً، غير أن إمكانية المطالبة بتعديل بعض بنوده هي ذات احتمال معقول أكثر، وعلى إسرائيل الاستعداد لذلك. وعلاوة على ذلك، ورغم أن موقف الأخوان المسلمين بخصوص التعامل مع اتفاق السلام والتعاون الأمني مع إسرائيل يعبر عن مواقف واقعيى، إلا أن ذلك لا يعتبر مدخلاً لتحسين العلاقات مع إسرائيل، بل لتوجهها نحو المزيد من البرودة نتيجة الخلفية الأيديولوجية المعادية للصهيونية عند الأخوان المسلمين، إضافة للعداء للجمهور المصري لإسرائيل. وإشارات ذلك، يمكن تلمسها من امتناع الرئيس محمد مرسي عن ذكر اسم إسرائيل في تصريحاته المباشرة، وفي مواصلة استخدام الخطاب المعادي لإسرائيل. ووجه الأخوان المسلمين الاتهامات للموساد الإسرائيلي بأنه المسؤول عن الهجوم الذي وقع في سيناء في شهر آب عام 2011. ويعد الوضع في سيناء أخطر تهديد للعلاقات الإسرائيلية المصرية. لكن حرب إسرائيلية مصرية غير متوقعة، غير أن عدم قدرة مصر على مواجهة المجموعات المسلحة في سيناء سيكون له انعكاسات ثمنها كبير على الطرفين.

إضافة إلى التصعيد في الخطاب المعادي، وبتراجع العلاقات بين مصر وإسرائيل على المستوى السياسي والاقتصادي، وعلى ما يبدو العسكري، يبدو أن صعود الإسلام السياسي في مصر يثير للمشاكل بسبب الرغبة بالمصالحة مع إيران وحماس التي عززت مكانتها كتنظيم. ورغم ذلك، يبدو أن الواقع يساعد في تقليل بمستوى معين من حجم الخوف الإسرائيلي في القضيتين المذكورتين.

وعبّرت إسرائيل في أكثر من مناسبة عن قلقها من المصالحة المستقبلية بين مصر وإيران، كما صرّح مسؤوليها في فبراير عام 2011، عندما صدرت تصريحات للرد على السفينتين اللتان عبرتا قناة السويس لأول مرة منذ ندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. وفي السياق المذكور، صرح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن هذه المعلومات تعبّر عن عدم الاستقرار في المنطقة، ما يجعل إيران تحاول استغلال ذلك من أجل زيادة تأثيرها، وعبّر عن قلقه العميق من إرسال سفينتين حربيتين للعبور عبر قناة السويس.

رغم تحسن الأجواء في العلاقات المصرية الإسرائيلية، يبدو أن مصر غير معنية ببناء شراكة حقيقية مع إيران. ونموذج ذلك هو زيارة محمد مرسي إلى طهران في آب عام 2012، في إطار مؤتمر دول عدم الإنحياز، الذي تم خلاله نقل الرئاسة إلى إيران (في إطار التبادلية). ورغم أن الزيارة تاريخية –الزيارة الأولى منذ عام 1979، الذي تدوس فيه قدم رئيس مصري أرض إيران- فقد كان مرسي بعيداً عن الأجواء التصالحية أو قدم اشارت بإمكانية التحالف معها. واستغل مرسي المنصة التي منحت له ليوجه انتقادات شديدة لحليف إيران في المنطقة –النظام العلوي في سوريا ورئيسها بشار الاسد. وأثارت تصريحات انتقادات إيرانية عنيفة، لدرجة اتهم مرسي بالتسرع وبعدم النمو السياسي. وعملياً، عبر مرسي عن رغبته برؤية مصر تصعد من جديد كقوة إقليمية في المنطقة، وبنيته إدارة علاقات مع كل القوى الإقليمية في المنطقة، بما في ذلك إيران والسعودية. وعليه، ورغم أن مصر أقرب لإيران اليوم أكثر من الماضي، لكن ذلك لا يعني رؤية مصر تنضم لدول محور الشر.

وفيما يتعلق بحماس، يتضح أن الأخوان المسلمين لم ينجحوا حتى الآن إلى الدفع بتطرف إضافي للتنظيم. ورغم أن الأخوان المسلمين ذو تأثير كبير على حماس، وحدث تقارب من مصر مع التنظيم في غزة، كجزء من الابتعاد عن سياسة مبارك (الذي أيّد بصورة علنية حركة فتح). لكن، من الخطأ الافتراض أن هذا لتقارب سيؤدي إلى ضخ السلاح بحرية من مصر إلى القطاع، أو يعتبر ذلك تشجيع مصري لحماس لأحداث تصعيد في النضال ضد إسرائيل. وواضح لمصر، وعلى ضوء الهجمات التي شنها فلسطينيون من غزة عن طريق مصر، أن الأمن القومي المصري مهدد من أعمال من هذا النوع. وعليه، لمصر اهتمام جدي بالتدخل في حوار جدي مع حماس، تطالب خلاله بأن تتوقف كل الفصائل الفلسطينية عن دعم الخلايا المتطرفة العاملة في سيناء. وسبق لحماس أن تعاونت مع لمصر بعد الهجمات الأخيرة من سيناء، من خلال العمل ضد الجهات السلفية في قطاع غزة، واقترحت حماس تقديم مساعدة في حراسة الحدود، واتخذت إجراءات ضد الانفاق، مقابل فتح المعابر الحدودية مع مصر. من جانبها، لم تفتح مصر الحدود كلياً بينها وبين قطاع غزة في أعقاب مشاكل الحراسة، وأكتشفت أن لها إهتمام كبير بالعمل ضد الأنفاق. ويشار أن أيّاً من العملين لم سيكن لصالح حماس. ويبدو أن مصر تستطيع لعب دور في إقناع حماس بالعمل ضد الخلايا الجهادية المحلية. وجهود القاهرة لبلورة اتفاق لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، خلال المواجهة في قطاع غزة في شهر نوفمبر عام 2012، سارت في نفس السياسة. وعليه، يبدو أن الأخوان المسلمين غير معنيين بإضافة الزيت إلى نار المواجهة الإسرائيلية-الفلسطينية، ودفع متحدثو الأخوان إلى الاعتراف العملي لحماس بالتعايش مع إسرائيل، ضمن شروط تتضمن إقامة دولة داخل حدود عام 1967 وبسيادة مطلقة على الجو والبر والبحر.

ومع ذلك، وعندما تبحث مجموع التطورات في العلاقات المصرية-الإسرائيلية، فإن الميزان المقبول هو ميزان سلبي. ولا يوجد شك بأن القوة المتعاظمة للإسلاميين، وبدعم من رأي عام معادي، سيؤثر بصورة سلبية أكثر من الماضي على العلاقات المتبادلة بين الدولتين وستؤدي إلى سلام أكثر “برودة”. كل ذلك على خلفية الخطاب المعادي لإسرائيل الذي تستخدمه أحزاب أخرى في مصر بهدف تجنيد الشرعية والمؤيدين.

صعود الإسلام السياسي – ما هو الرد الإسرائيلي

عززت الاضرابات التي سادت الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، من قوة التيارات الإسلامية في أنحاء المنطقة. ومع ذلك، لا توجد حركة إسلامية مسيطرة وموحدة. الهويات المحلية، وبعض الجهات التنظيمية والسياسية، ساهمت كثيراً في رسم سياسة مستقلة لكل تنظيم إسلامي. ومن هنا على إسرائيل أن تمتنع عن اتخاذ سياسة موحدة تجاه هذه التنظيمات، والتركيز على وسائل فهم توجهاتها ومصالحها المختلفة. وعلاوة على ذلك، فإن الصعود الحالي للأحزاب الإسلامية لا يبشر بالضرورة إلى وضع سيتمر طويلا، وإذا لم تثبت الأحزاب الإسلامية قدرتها على الحكم السليم، فإن شرعيتها وشعبيتها ستتراجعان.

على المدى القصير، وفي جميع الأحوال، التغييرات السياسية المسجلة في المنطقة ليست إيجابية من ناحية إسرائيل. ورغم ذلك، يجب أن لا نستثنى بالمطلق إمكانية أن تقوم جهات إسلامية بالموافقة على نوع من العلاقة مع إسرائيل. وفي العقدين السابقين، أجرت إسرائيل من الناحية العملية علاقات غير رسمية وحوار مع دول إسلامية، مثل المملكة العربية السعودية. وفي بلورة علاقات مع هذه الدول، لعبت السياسة (بأكثر دقة السياسة الإسرائيلية تجاه النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني) دوراً أهم وأكبر من الأيديولوجيا. والأكثر من ذلك، تصاعد الشعور المعادي لإسرائيل، غير مرتبط بصعود التيارات والأحزاب الإسلامية، بل بحقيقة أن الرأي العام العربي يملك موقف سلبي من إسرائيل وسياساتها، خاصة ما يتعلق بالعلاقة مع القضية الفلسطينية. وأجرت إسرائيل في السابق حوارات مع النخب المصرية العليا، وتجاهلت كلياً الرأي العام المصري. اليوم تلزم اليقظة العربية إسرائيل بتغيير سياستها. ومع ذلك، وعلى ضوء زيادة التهديدات الداخلية التي تواجه الدول العربية التي مرت بثورات، لا يعتقد أن المعارضة لإسرائيل تتصاعد لتصل لمستوى تعتبره إسرائيل  تهديداً استراتيجياً لها.

التهديد الثاني على إسرائيل مواجهته هو إمكانية أن تعرض العلاقات المصرية الإسرائيلية لجمود إضافي، فوق الجمود الدبلوماسي والسياسي والاقتصادية. وحتى الأونة الأخيرة، كانت إسرائيل تعتمد على تعاون عسكري وثيق معها، لكن الخوف هو، أن تزداد العلاقة برودة، بعد أن عزز مرسي ورجاله من سلطتهم. المشاكل الأمنية في سيناء ومطالبة الأخوان المسلمين بتغيير اتفاقية السلام تشير إلى المشكلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل.

ومع ذلك، التغييرات الإقليمية المتواصلة تحمل معها ليس فقط تهديدات جديدة، بل أيضاً فرص جديدة، نابعة من احتمال سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. لأن سقوطه سيضعف إيران وحزب الله، ويعطي حماس المبرر إلى القطع مع “محور المقاومة”. وعلى أية حال يطرح السؤال نفسه :كيف تستغل إسرائيل استغلال التطورات الإقليمية لصالحها ؟. الإمكانيات المتوفرة لإسرائيل غير كثيرة، ومحكومة من التأثيرات المباشرة لما يجري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي تأثيرات محدودة جداً.

وبنظرة إلى الأمام، على إسرائيل أن تستثمر أكثر من الماضي، الوقت والجهد من أجل المحافظة على التعاون والتنسيق مع مصر. وعليها أن تؤكد وباستمرار للمصريين، معتمدين في ذلك على مساعدة الولايات المتحدة، على الأهمية الكبيرة للاهتمام بالفراغ الأمني في سيناء. وعلى إسرائيل أن تحرص على منع التصعيد وعلى ضرورة التنسيق مع مصر رداً على أي هجوم من سيناء على إسرائيل. وفي المقابل، يفضل أن تدرس إسرائيل إمكانية إجراء تعديل معين على شروط السلام مع مصر. وتستطيع إسرائيل استغلال هذه الفرصة للعودة إلى المفاوضات حول عدد من البنود تضمن مصالح إسرائيل ومصر، وذلك يحول الأخوان المسلمين إلى طرف ملتزم بالمحافظة على السلام.

وفق مصطلحات المكانة الإقليمية لإسرائيل واحتمال تحسين علاقاتها مع مختلف الجهات في المنطقة، عليها أن تلفت الانتباه إلى مسألة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، في محاولة منها لايجاد حل للصراع معهم. ورغم أن الربيع العربي لم يركز على الحقوق الفلسطينية، من الواضح أن سياسة إسرائيل بخصوص قطاع غزة والضفة الغربية تواجه بمعارضة شديدة في المنطقة. وفي العصر الذي تتزايد فيه أهمية الرأي العام في الشرق الأوسط، يجب التوقع بأن الحكومات الجديدة في المنطقة ستأخذ بعين الإعتبار هذه المسألة عند دراستها العلاقات مع إسرائيل. وعل ضوء ذلك، عدم الاهتمام بالنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، ومن ضمن ذلك قضية المستوطنات في الضفة الغربية ورفض الحديث مع حماس وتشجيع المصالحة الفلسطينية الداخلية، من شأنها أن تخرب بصورة لا يمكن منعها جهود تحسين العلاقات الدبلوماسية والسياسية لإسرائيل في المنطقة. بكلمات أخرى مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، ظلت مرتبطة بشكل جوهري بسياستها في مسألة النزاع. وعدم وجود مسيرة سلمية جدية يعزز المشاعر السلبية في الشارع العربي نحوها، وعلى ضوء التحديات والآليات الجديدة في المنطقة، فإن القضايا المعروفة والقديمة ستواصل تأثيرها على مكانة ووضع إسرائيل فيها.

 


  • ·  الدكتور بنداته برتي: باحثة في مركز أبحاث الأمن القومي، مختصة بالدمقرطة والاستقرار السياسي. 
Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash