يونيو
26

يفيد الموقف الإسرائيلي السائد بخصوص العودة لطاولة المفاوضات في المسار الفلسطيني، كما عبر عنها بالتصريحات الرسمية والنقاش العام، بأن الظروف الحالية السائدة في إسرائيل والساحة الفلسطينية، لن تحدث اختراق للتوصل إلى تسوية نهائية. وبعد سنوات من محاولات فاشلة 

إسرائيل والمأزق السياسي مع الفلسطينيين

استعداد لتفكير مجدد

عنات كوارتس وأودي ديكل·

يفيد الموقف الإسرائيلي السائد بخصوص العودة لطاولة المفاوضات في المسار الفلسطيني، كما عبر عنها بالتصريحات الرسمية والنقاش العام، بأن الظروف الحالية السائدة في إسرائيل والساحة الفلسطينية، لن تحدث اختراق للتوصل إلى تسوية نهائية. وبعد سنوات من محاولات فاشلة للتقدم نحو تسوية، تعمقت خلالها الفوارق في المواقف، وزاد على ذلك انعدام الثقة بين الطرفين. وواجهت المسيرة السياسية حاجز إضافي تمثل بالشروط وعدم الرغبة في التوصل لجدول أعمال للمفاوضات. ويؤجل الجمود السياسي، حتى هذه اللحظة المطلب من القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، اتخاذ قرارات ذات أهمية اجتماعية وانتخابية فورية، وانعكاسات أمنية بعيدة المدى. لكن الوضع المذكور، يعتبر أرضية لزيادة التهديدات في البيئة القريبة والبعيدة لإسرائيل، ولا يساعدها في توفير محيط استراتيجي مريح لها. كما أن الواقع في ساحة الصراع يبعد إسرائيل عن تحقيق حلمها بإقامة دولة يهودية وديمقراطية. ومن هنا، تتطلب الضرورة ،وليس الحاجة، التقدم بمبادرة إسرائيلية، من شأنها حتى لو لم يكن هناك مفاوضات، أن تجسد التمسك بحل دولتين لشعبين، أي الانفصال عن معظم أراضي الضفة الغربية وسكانها. وهي مبادرة هدفها تحسين إدارة الصراع بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية. وبالعكس، مبادرة لإعادة الانتشار في الضفة الغربية، التي تصاغ وتنفذ من قبل إسرائيل بطريقة أحادية الجانب، بهدف خدمة الدولة اليهودية الموعودة.

 

مبادرة سياسية – ليس الآن

لإسرائيل والسلطة الفلسطينية أسباب ومبررات كثيرة جدا بالامتناع عن العودة لطاولة المفاوضات. والفوارق في المواقف بين الطرفين متباعدة جدا في القضايا الجوهرية :اللاجئين ومستقبل القدس والاعتراف المتبادل، ومخطط هيكلي للحدود يسهل تطبيق خيار دولتين لشعبين، يستجيب للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، وموافقة فلسطينية على نهاية المطالب. وإلى ذلك أضيفت في السنوات الأخيرة مسألة مستقبل قطاع غزة. وعبر عن عدم الثقة الأساسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بأن كل طرف لم يعد يرى بالآخر شريك “موثوق” به في المفاوضات، وذو قدرة على إتخاذ قرارات صعبة من أجل التقدم نحو التسوية النهائية. ففي الجانب الفلسطيني هناك عدم ثقة بقدرة حكومة إسرائيل على إخلاء مستوطنات، حيث رفضت شرط رئيس السلطة محمود عباس تجميد كلي للبناء في مستوطنات الضفة الغربية وشرقي القدس. ومن جانبها لا تثق حكومة إسرائيل بقدرة السلطة الفلسطينية على رسن الجهات المعارضة المتطرفة الرافضة لأية تسوية نهائية، وفي مقدمتها حركة حماس ومنع نشاط عسكري وإرهابي ضد إسرائيل. كذلك من الصعب إقناع القيادة والجمهور الإسرائيلي بصدق النوايا المعلنة من جانب السلطة بالتوجه نحو الحل النهائي، نظرا لرفضها رسميا الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ولأنها لم ترد بالمرة رداً إيجابياً على مقترحات إيهود اولمرط (رئيس الحكومة السابق). وحصلت المعركة التي تديرها السلطة في الساحة الدولية إلى زعزعة شرعية دولة إسرائيل وتحقيق الاستقلال الفلسطيني بحدود عام 1967، عن طريق غير طريق المفاوضات، على إنجاز تاريخي في شهر ديسمبر عام 2012، عندما أعترفت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بفلسطين ضمن حدود عام 1967 كعضو غير رسمي في الأمم المتحدة ومنحها مكانة مراقب. ودمرت الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة بقية الثقة الإسرائيلية بخصوص التزام السلطة ورئيسها محمود عباس بالمسيرة السلمية.

عدم وجود ضغط داخلي وخارجي للتقدم نحو التسوية أحدث قطع سياسي بين الطرفين، ولم تبذل الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس براك أوباما جهودا لإجبار الطرفين على العودة لطاولة المفاوضات، وإخراج المسيرة السلمية من حالة الجمود التي تمر بها. ونقل السلطة في مصر إلى الأخوان المسلمين في أعقاب انتخابات حزيران 2012، أزالت من على جدول الأعمال إمكانية أن تضغط مصر على السلطة للتراجع عن الشروط التي وضعتها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل. وتشير المعطيات أن الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني يؤيدان إقامة دولتين لشعبين، إلا أنهما يعتقدان أن التوصل لتسوية متفق عليها ليست قابلة للتحقق. ومن هنا عدم الاهتمام بتجديد المسيرة السياسية التي عبّر عنها بعدم وجود ضغط على القيادتين لإحداث اختراق في المأزق الذي تمر فيه مسيرة السلام.

وإلى كل ذلك، يضاف عناصر داخلية، تضعف النوايا المحدودة لإسرائيل للعمل من أجل توفير أجواء لكسر الجمود السياسي. كما أن العلاقات الفلسطينية الداخلية تشكك بقدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ التفاهمات التي سيتم التفاوض حولها في المفاوضات. كما أن العبر المستخلصة من الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005 أوجدت تحفظات كبيرة بإعادة إنتشار أحادي الجانب في الضفة الغربية. وعلى أية حال، تمنع التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط، وتقدم إيران نحو إنتاج قنبلة نووية وحالة عدم الاستقرار التي تمر بها دول المنطقة، صياغة مبادرة جديدة للحوار، وتخلق في نفس الوقت مخاوف من طرح مبادرة أحادية الجانب.

 

الانقسام في الساحة الفلسطينية

يعتبر الانقسام السياسي المؤسسي والجغرافي في الساحة الفلسطينية عنصر رادع في إمكانية تبني سياسة لينة تجاه السلطة الفلسطينية، نظرا لوجود تقييم إسرائيلي يقول بأن حماس لن تسمح بتنفيذ أي حل وسط يتم التوصل إليه، إذا تم التوصل إليه أصلا. كما أن توحيد الصفوف الفلسطينية يثير المخاوف من جر سياسة السلطة للاتجاه المتطرف، وتعبر عن المبادئ الاستراتيجية لحماس، الرافضة لفكرة التوصل إلى حل نهائي.

خلال الانتفاضة الثانية، وفي أعقاب الانقسام الفلسطيني الداخلي، أنقسم الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى ثلاثة جبهات هي :فتح-حماس وإسرائيل والسلطة الفلسطينية بقيادة فتح، وإسرائيل وحماس. ومنذ بداية الصراع الإسرائيلي-العربي اعتبرت مقاومة إسرائيل ،وسيلة المنافسة التنظيمية في الساحة الفلسطينية المنقسمة أصلا، لكسب الرأي العام الفلسطيني، وعلى تسلم القيادة الوطنية. وعلى ضوء تعاظم قوة حماس وسيطرتها على قطاع غزة، تراجعت قدرة السلطة على التقدم باتجاه حل متفق عليه وتنفيذه. ومن الناحية العملية، وحتى خلال فترات المسيرة السياسية الفعالة ساد خوف في إسرائيل من سيطرة حماس على الدولة الفلسطينية التي ستقام، ولا تعتبر حماس نفسها ملزمة بالاتفاقيات التي وقعت عليها إسرائيل مع م.ت.ف والسلطة الفلسطينية. وأكبر دليل على ذلك، هو النشاط العسكري الذي قامت به حماس من أجل إفشال مفاوضات آنابوليس.

واعتبرت سيطرة حماس على قطاع غزة، فرصة لتجدد المفاوضات، لأنها صورت كخط فاصل واضح بين المعسكر الفلسطيني الملتزم بمسيرة السلام بقيادة محمود عباس، وبين معسكر الرفض الذي تقوده حماس. واعتقدت الإدارة الأمريكية أن تجديد المفاوضات وحل النزاع سيفسر في الساحة الفلسطينية على أنه انجاز للسلطة، ما يدفع إلى تعزيز مكانتها، ويضعف بالضرورة حماس في أوساط الجمهور. أما حكومة إسرائيل، فقد رأت بالانقسام الفلسطيني فرصة للتوصل إلى حل مع السلطة، التي أصبحت محررة من أي التزام بسياسة حماس. وقبل سيطرة حماس على قطاع غزة، وبعد الانتصار الذي حققته في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني عام 2006، بلورت إسرائيل سياسة القطع بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان هدف القطع هو منح ميزات اقتصادية للضفة الغربية، تثبت خلالها للجمهور الفلسطيني أن الهدوء أفضل من المقاومة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحياة اليومية للفرد. وهو توجه بروح السلام الاقتصادي الذي طرحه بنيامين نتنياهو، التي لاءمت جيدا تطلع السلطة لتثبت لسكان الضفة والقطاع ميزات الحياة تحت سلطتها، وإشعار السكان في القطاع بالثمن الذي سيدفعونه نتيجة دعمهم لحماس. وفي الوقت الذي بذلت فيه إسرائيل جهودا لدعم السلطة، أظهرت حماس أن مسيرة السلام رهينة عندها، عندما قامت بتسخين جبهة غزة، ما دفع إسرائيل إلى شن العملية العسكرية الرصاص المنصهر. وهي العملية التي استغلها محمود عباس لتجميد المفاوضات، متهربا من الرد على اقتراح التسوية الذي قدمه له إيهود أولمرط.

ولم تذكر مسألة المفاوضات مع إسرائيل والبنية العسكرية لحماس عندما صاغت حماس وفتح اتفاق المصالحة ووقعا عليه، برعاية من المجلس العسكري الأعلى بمصر في 11 أيار عام 2011، الذي ركز على إجراء انتخابات في السلطة الفلسطينية. وإلى حين إجراء انتخابات تشكل حكومة كفاءات، في حين يظل ملف المفاوضات مع إسرائيل من صلاحيات محمود عباس بصفته رئيس السلطة. واعتبر التقاسم المذكور مقبولا على حماس، لكنه لا يكفي لفهم عدم التطرق إلى إسرائيل في اتفاق المصالحة.

وعبر مضمون الاتفاق، عن نقل المفاوضات مع إسرائيل إلى هامش جدول الأعمال الفلسطيني. والمأزق السياسي حث السلطة ومكنها من محاولة توحيد التمزق الفلسطيني من دون أي اهتمام بالمعضلة الإسرائيلية. إضافة إلى ذلك، سعت السلطة إلى تجنيد دعم دولي للاعتراف بالاستقلال الفلسطيني على حدود عام 1967، ملتفة بذلك على مسار المفاوضات. ودفعت المطالبة الفلسطينية ،العامة بإجراء مصالحة بين الفصائل الفلسطينية والخوف من تطور الأوضاع إلى احتجاجات شعبية بوحي من المظاهرات في الدول العربية المجاورة، قيادة حماس والسلطة إلى دراسة إمكانية المصالحة بين الفصيلين. والوعد الذي قدمه المجلس العسكري المصري لحماس بأنه لن يسمح بهجوم إسرئيلي، دفعت قادة حماس للتوقيع على اتفاق المصالحة (لم تعد بتنفيذه). ويعتقد أن هناك سبب آخر لاستجابة حماس للضغط المصري للتوصل إلى اتفاق مع السلطة، وهو زعزعة سلطة بشار الأسد، الذي يستضيف المكتب السياسي لحماس، والإدراك بضرورة تخفيف لتوتر مع مصر كبديل لسوريا، وعمليا من أجل البقاء.

كما أن الوحدة وحل النزاع الفلسطيني الداخلي ضرورة من أجل تجديد المفاوضات والتقدم باتجاه تسوية إسرائيلية-فلسطينية. ومع ذلك، إقامة سلطة فلسطينية مركزية، لن يدفع إسرائيل إلى الاهتمام والثقة بمسيرة سلام مع الفلسطينيين. ومن أجل أن تواجه حكومة إسرائيل الانتقادات العامة وتحاول التقدم باتجاه اتفاق وبضرورة إخلاء مستوطنات من الضفة الغربية، وتحمل مخاطر أمنية، على السلطة الفلسطينية التي ستتفاوض معها، أن يتضمن برنامجها التزاما بالتسوية النهائية. كما أن موافقة الإسرائيلية على أي تسوية يجب أن تتضمن مطلباً بنزع سلاح حماس. وفي المفاوضات التي جرت في آنابوليس، حرصت السلطة الفلسطينية على التأكيد أنه وبعد التوصل لأي اتفاق نهائي سيعرض على الاستفتاء العام، لكن السلطة لم تستطع تقديم وعود بالحصول على دعم عام يحول حماس لغير ذي صلة، أي فاقدة القدرة على إعاقة أي تقدم استعداداً للتوصل إلى تسوية متفق عليها وقابلة لتنفيذ. ويمكن التوقع أن قدرة السلطة على ضمان المذكور أعلاه تراجعت منذ ذلك الوقت، وحماس من جهتها عززت مكانتها أكثر من الساحة الفلسطينية، وفرضت حل “سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد”.

إمكانية تجدد مفاوضات جدية ستزداد، إذا استجابت حماس لمطالب اللجنة الرباعية الدولية كشرط للحوار وهي :التخلي عن النضال العنيف، والاعتراف بإسرائيل، والاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل و م.ت.ف. وتعبر مثل هذه الموافقة عن اكتمال ظروف التوجه إلى المفاوضات. لكن قيادة حماس لم تبدي أي استعداد علني للموافقة على شروط الرباعية، خاصة شرط الاعتراف بإسرائيل. والسلطة وحماس ليستا قريبتان من بلورة تفاهمات بخصوص تقاسم النفوذ والتعاون المؤسسي. وطريقهم إلى اتفاق سياسي تهيئ الأرضية لمفاوضات استعداداً لسلام حقيقي مع إسرائيل، وما زالت طويلة.

 

الانسحاب من قطاع غزة

عبر الانسحاب العسكري وخلاء مستوطنات قطاع غزة عن تراجع قادة إسرائيل عن مبدأين أساسيين، وما زالا جزءا من مجموع الاعتبارات التي تعيق اتخاذ خطوة مشابهة جزئية أو شاملة في الضفة الغربية. وهذان العنصران هما :الامتناع عن الانسحاب من دون التزام فلسطيني بالهدوء الأمني. والثاني، الانسحاب يتم بالتنسيق الكامل مع الجانب الفلسطيني، الذي يضمن الهدوء بعد الانسحاب. وأمام هذين العنصرين، توجد مصلحة إسرائيل مركبة، أساسها الرغبة بالتحرر من العبء الملقى على الوجود الإسرائيلي في قطاع غزة والمسؤولية عما يجري فيه. لكن، وبعد الانسحاب لم يكن هناك هدوء أمني وامتد العنف إلى إسرائيل نفسها. وبالإضافة إلى ذلك، أرادت حكومة إسرائيل الحصول على هدوء سياسي، يخفف الضغوط الدولية الممارسة عليها للخروج من المأزق السياسي، وذلك من خلال إتباع خطوة دراماتيكية، تمكن السلطة الفلسطينية من ممارسة الحكم في المنطقة التي ستنفصل عنها، وتهيئ البنية التحتية لإقامة دولة بعد انسحاب إسرائيل منها.

ويشعر الجمهور الإسرائيلي أن الأهداف التي رغبت إسرائيل بتحقيقها بواسطة الانسحاب من قطاع غزة لم تتحقق. ورغم إخلاء المستوطنات تحقق بسهولة نسبية، غرس في الوعي الإسرائيلي العام أن كل ما جرى هو مأساة، نظرا لاصطدام إعادة بناء حياة المستوطنين خارج قطاع غزة بعقبات كثيرة. كما أن التصعيد في الجبهة الجنوبية كان مصدر إحباط. ولم يتوقف الأمر على عدم الهدوء الأمني، بل بدأت حماس وبقية الفصائل الفلسطينية حملة تسليح وتعزيز للبنية التحتية العسكرية. ورغم انتهاء الأعباء المفروضة على الجيش الإسرائيلي بحماية مستوطنات قطاع غزة، إلا أن هذه المهمة انتقلت لحماية المستوطنات المحيطة بقطاع غزة. ورداً على إطلاق صواريخ على هذه المستوطنات، شنت إسرائيل عام 2012 عملية “عامود الغيم” مدعومة من الغرب. وخلال المواجهة، أطلقت صواريخ بعيدة المدى على مدن تل أبيب والقدس. وبالإضافة إلى ذلك، أبقى عدم وجود اتفاق لتسوية إسرائيلية فلسطينية، إسرائيل مسئولة عن قطاع غزة في المجتمع الدولي. وخلال المواجهة، تفهمت الحكومات الغربية القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، خاصة بعد امتناعها عن شن هجوم بري. لكن القيود الأمنية والمدنية التي فرضتها إسرائيل على المنطقة ظلت مبررا لتوجيه انتقادات دولية لإسرائيل، رغم تقديمها تسهيلات كبيرة خلال الأعوام الماضية.

وعلاوة على ذلك، نفذ الانفصال عن قطاع غزة رغم المعارضة العامة المنظمة. ونظراً لأن التعامل الأيديولوجي-العاطفي مع قطاع غزة أقل من الارتباط بيهودا والسامرة، واتخاذ قرار بخصوص الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية، أو في داخلها وتطبيقه، ستكون مهمة من الصعب تبرير ثمنها الذي لا بد منه -مخاطر أمنية وأزمة شخصية وجماعية، وانتقادات دولية بسبب الرد العسكري على الانتهاكات الفلسطينية. وعلاوة عل ذلك، أظهرت سيطرة حماس على قطاع غزة عجز السلطة، ويفترض أن تسعى حماس لمد نفوذها إلى الضفة الغربية، إذا قرر الجيش الإسرائيلي إعادة الانتشار فيها. ويعتقد أنها ستتحول لجهة قائدة ومسيطرة على السلطة الفلسطينية، لكن عند سيطرتها على الضفة، لن تعمل على مواجهة إسرائيل، لكنها لن تكون شريكاً في المفاوضات حول التسوية النهائية معها. وإلى ذلك نضيف، يتوقع أن يظل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني بندا أساسيا على جدول الأعمال اليومي الإقليمي والدولي، ويسبب لإسرائيل مواجهة تحديات أمنية ودبلوماسية جديدة وانتقادات.

 

الأسباب الإقليمية

تعتمد التقييمات القائلة بأن الظروف الإقليمية، ستردع إسرائيل من التقدم بحل وسط سياسي-إقليمي، على تحديان هما: الأول، فوري ومركزي، وهو التهديد النووي الإيراني. والثاني، انهيار الأنظمة العربية المؤيدة للغرب في المنطقة، وزيادة قوة الصوت الإسلامي بالحياة السياسية في المنطقة.

ويعرض اكتمال المشروع النووي الإيراني إسرائيل لتهديدات عسكرية -إن لم يكن من جانب إيران، فمن جانب التنظيمات المتطرفة المدعومة من إيران، التي تملك القدرة على المس بإسرائيل، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني وحماس والجهاد الإسلامي. وبدعم من المظلة النووية الإيرانية، تملك هذه التنظيمات القدرة على الاحتكاك بإسرائيل، ما يجعل الردع الإسرائيلي أقل أهمية عند الأطراف الأخرى. ويتزايد هذا الاحتمال على ضوء إمكانية أن الرد على المشروع الإيراني في المنطقة سيكون بواسطة سباق تسلح إقليمي تقوده مصر والسعودية وتركيا. وسيتم تأكيد عزلة إسرائيل في الشرق الأوسط، حيث ستفقد خصوصيتها كدولة وحيدة في المنطقة ذات قدرات كبيرة على ردع الأخرين.

كما أن أحداث الربيع العربي في الدول المجاورة لإسرائيل، أضعفت مراكز الحكم فيها وحطمت قدرتها على بسط سيطرتها على مناطقها الحدودية، ما زاد من الإرهاب والتهريب والتسلل إلى إسرائيل. وكشفت هذه التطورات إسرائيل أمام تهديدات أمنية من شبه جزيرة سيناء ولبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، وربما من الأردن. وعليه أضعفت الاضطرابات الاجتماعية-السياسية في الدول المجاورة التزامها بالاتفاقات الأمنية الموقعة مع إسرائيل.

وارتبطت التوترات البنيوية المذكورة بزيادة المظاهرات الشعبية المتزايدة ضد إسرائيل، المعبرة في أحد أوجهها عن تصاعد قوة الأفكار الإسلامية في المنطقة. وصعود الإٍسلام السياسي يهدد مكانة الدول الغربية بشكل عام وإسرائيل بشكل خاص. أما القوى القديمة فسوف تسعى إلى تعزيز مكانتها من خلال رفع سقف النزاع مع إسرائيل. كما أن الدول التي تتقاسم مع إسرائيل مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية، ستجد صعوبة في تعزيز العلاقات معها. كما ستجد إسرائيل صعوبة في إيجاد دولة ضامنة لتنفيذ السلطة الفلسطينية أي اتفاق، والمساعدة بتهدئة المواجهات المسلحة مع الفصائل الفلسطينية، عندما تندلع. ويعزز صعود الإسلام السياسي في المنطقة الفكرة الاستراتيجية لحماس. وعليه، حتى لو حاولت السلطة الفلسطينية تعزيز مكانتها السياسية من خلال إحداث اختراق سياسي مع إسرائيل، ستجد صعوبة في تنفيذ التفاهمات التي سيتم التوصل إليها مع إٍسرائيل.

 

وعلى الرغم من ذلك…

كثيرة هي الإدعاءات الداعية للانتظار ،إلى أن تتضح الأوضاع بصورة معقولة (ما هي معقولة ؟) من أجل طرح مبادرة سياسية وتحمل مخاطر أمنية ترتبط بهذه المبادرة (ما هي المعايير للنضوج ؟). كما أن الفرق في المواقف بين حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية لا يمنح أملً بإحداث اختراق سياسي. ومع ذلك، يمكن وضع سلسلة من الاعتبارات لصالح خطوة إسرائيلية مبادرة، هدفها محاولة العمل في بيئة مريحة أكثر لها. وهذه الاعتبارات لا تتطرق إلى الفوارق بين الوضع القائم في ساحة النزاع وبين تقدم إسرائيل لتحقيق أهدافها الوطنية الجوهرية، ولا إلى ميزان القوى في الساحة الفلسطينية أو حالة الضعف التي تمر بها السلطة، الشريك الطبيعي لإسرائيل في المفاوضات، أو خطر التصعيد ولمواجهة، أو ربط الجمود السياسي بالمكانة الإقليمية والدولية لإسرائيل.

 

أهداف وطنية جوهرية

مبادرة إسرائيل لتغيير الواقع في ساحة الصراع، من شأنها أن تتبلور على ضوء الفوارق المتزايدة بين الأهداف الوطنية وبين الوضع القائم. المسيرة السلمية مجمدة، لكن الوضع أبعد من الجمود والآلية المتكونة لا تشجع من ناحية إسرائيلية، والميزان الديمغرافي بين نهر الأردن والبحر المتوسط يتغير لغير صالحها. وفي ظل عدم حدوث تقدم استعداداً للانفصال عن الفلسطينيين، يتبلور في ساحة النزاع واقع لدولة واحدة الذي يتناقض كلياً مع حلم الدولة اليهودية-الديمقراطية، كما لا يمكن تجاهل الفوارق بين دولة إسرائيل التي تعتبر رافعة أخلاقية وإنسانية، وفي نفس الوقت تسيطر على شعب آخر. وعلاوة على ذلك، تسمع أصوات تنادي بوجود دولة واحدة (ليس لشعبين)، نظرا لعدم اعتراف الفلسطينيين رسميا بأن اليهودية قومية، وذلك للرد على عدم القدرة على التقدم إلى فصل متفق عليه. ويمكن أن لا يكون اليوم بعيدا الذي ستجري فيه محاولة فرض حل الدولة الواحدة على إسرائيل والفلسطينيين من قبل المجتمع الدولي، لأن مثل هذا الحل يلائم الواقع الموجود على الأرض، وهو حل يتناقض مع الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي. كما ان الأعباء النابعة من السيطرة على الضفة الغربية والنشاطات العسكرية المطلوبة من أجل إحباط التهديدات القادمة من المنطقة تخلق لإسرائيل صعوبات في قدرتها على وقف تدهور مكانتها الدولية وتغلق أمامها الفرص السياسية والاقتصادية في المنطقة وخارجها.

 

 

ميزان القوى في الساحة الفلسطينية

جذور الخلاف بين حماس وفتح تنظيمية وحزبية. ولم تضع مسألة علاقة إسرائيل والمسيرة السلمية على رأس جدول أعمال القيادتان في محاولاتهما التوصل لتفاهمات بخصوص تقاسم السلطة والصلاحيات. ومع ذلك، معارضة إسرائيل لمجرد محاولات التوصل لحل وسط بين الفصائل ،التي عبّر عنها بفرض عقوبات على السلطة بسبب محاولتها وضع أسس لمصالحة وطنية فلسطينية، لا يضعف السلطة فقط، بل يتناقض مع المصلحة العليا والمعلنة لإسرائيل بخصوص إقامة كيان فلسطيني موحد. ومن هنا على إسرائيل أن تعيد دراسة معارضتها للوحدة الفلسطينية، وفي إطار ذلك علاقتها بحماس.

ويبدو أن مسألة الاعتراف بحماس ليست مشكلة كبيرة كما يعتقد. فمنذ فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 تركزت السياسة الإسرائيلية تجاه التنظيم بالعمل العسكري بهدف إضعاف قدراته العسكرية. أما الصراع السياسي فتركز على عزل حماس دبلوماسيا لرفضها مطالب اللجنة الرباعية. وعلى ضوء موقف حماس، وكذلك في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة، واختطاف الجندي الإسرائيلي وإبقائه في الأسر سنوات طويلة، تبلورت في إسرائيل سياسة وضع قيود شديدة على نقل البضائع والبشر من قطاع غزة وإليها. المقاطعة السياسية لحماس فرضت أيضاً من قبل أصدقاء إسرائيل في الساحة الدولية، التي عرفتها على أنها تنظيم إرهابي. كما كانت مصر شريكة في القيود على قطاع غزة وحافظت على معبر رفح مغلق، من أجل أن لا تحمل مصر مسؤولية ما يجري في قطاع غزة.

ومن الناحية العملية، بذلت إسرائيل جهود تدل على أنها تسلم بسيطرة حماس على قطاع غزة والاعتراف بأنها المسئول عما يجري في القطاع. وتلاءم السياسة المذكورة الرؤية القائلة بأن صلاحيات حماس في القطاع هي صلاحيات دولة ومسؤوليات حكومة منتخبة، أو جهات تسيطر على الدول المجاورة. وبناء على ذلك، أجرت إسرائيل مفاوضات مع حماس من أجل الإفراج عن الجندي المخطوف، واضطرت للتفاوض معها، بوساطة مصرية، من أجل تخفيف التصعيد في المواجهة، أو عندما تم تجاوز التهدئة التي تم التوصل إليها، وذلك بهدف إنهاء المواجهات الجارفة التي نشأت في المنطقة أواخر عام 2008، وبداية عام 2009، ومرة أخرى في نوفمبر عام 2012. وبالإضافة لذلك، فإن نقل البضائع وتنقل البشر إلى القطاع ومنه تنفذ من قبل إسرائيل أمام موظفين ورجال إدارة حمساويين. كل ذلك يشير إلى اعتراف واقعي بحماس وبحكمها للقطاع. أما الاعتراف الرسمي بحماس فهو ليس مطلوباً في المرحلة القادمة، طالما لم تستجيب لشروط الرباعية. ومع ذلك، فإن تقييم مجدد لميزان الربح والخسارة للسياسة المتبعة تجاه قطاع غزة وميزان القوى في الساحة الفلسطينية يتطلب من إسرائيل دراسة ومحاولة التوصل لتفاهمات مع حماس، على الأقل في المجال الأمني.

التصدعات في استمرار المقاطعة الدولية لحماس توسعت مع الوقت، كلما زاد الجمود السياسي وأزمة سكان القطاع، خاصة تحفظ دول الإتحاد الأوروبي من قيود تنقل البشر والبضائع، الذي فرضته إسرائيل على القطاع، وضغطت عليها لتخفيفه. وأجبرت أحداث السفينة التركية مرمرة إلى القطاع، إسرائيل على تخفيف القيود المفروضة على إدخال البضائع لغزة للحد من الانتقادات الدولية الشديدة عليها. وعلى ضوء الجمود السياسي المتواصل في مسيرة السلام، يبدو أن مقاطعة حماس ستسرع الطلب من إسرائيل تخفيف الأعباء المفروضة على سكان القطاع المدنيين.

وفيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية، فإن التوجهات بفقدانها قوتها الداخلية تتزايد، ويبدو أن التهديدات التي تسمع من وقت لآخر من قبل متحدثين رسميين، بان السلطة ستحل وتنقل مسؤولياتها الإدارية والإقتصادية والأمنية إلى إسرائيل في حال عدم وجود تقدم استعداداً للاستقلال السياسي والسيادي. لكن، المقاومة الشديدة للسلطة لتعزيز مكانتها الدولية، تشير إلى نوايا البقاء في السلطة. لكن من الناحية العملية، السلطة الفلسطينية تنهار، وهي تسير باتجاه الإنهيار المطلق. وخطة رئيس الحكومة سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة انتهت عام 2009، وهي خطوات تستحق التقدير، لكن السلطة اليوم تجد صعوبات في تجنيد الأموال لسير عملها ودفع معاشات الموظفين وخلق أماكن عمل جديدة، ما يسبب تراجع صلاحياتها وقدرتها على الحكم. كما أن إسقاط نظام مبارك وصعود الأخوان المسلمين للحكم منح حماس قوة وأضعفت الدعم السياسي المصري الذي كان على مدار سنوات ماضية العامود الأساسي الإقليمي والدولي الداعم للسلطة. ونتيجة ذلك، تعززت مكانة حماس في الساحة الفلسطينية، وتواصل هذا التعزيز بعد هجمات إسرائيل عليها واعترافها العملي بسيطرتها على القطاع، الذي أعيد تأكيده من جديد بعد انتهاء القتال الذي وقع بين إسرائيل وحماس بشهر نوفمبر.

الخوف من انهيار السلطة، وعلى خلفية الانتقادات الموجهة لإسرائيل لدورها في الجمود السياسي، ساعد في حصول السلطة على دعم  الأغلبية، بما في ذلك دول أوروبا الغربية، بالتصويت بشهر نوفمبر في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بالموافقة على دولة فلسطين كعضو غير رسمي. ويسهل هذا الإنجاز على السلطة محاولتها شن حرب قضائية ضد إسرائيل، وربما يمنحها ميزة في المفاوضات عندما تتجدد المسيرة السلمية. لكن السلطة ستجد صعوبات في تليين المواقف الإسرائيلية بخصوص المفاوضات ونهايتها، خاصة على ضوء توجهاتها الدبلوماسية في الساحة الدولية. وفي ظل وجود عدم اختراق سياسي، ستواصل السلطة الابتعاد عن تنفيذ الفكرة التي أنشأت من أجلها: التقدم بواسطة المفاوضات مع إسرائيل باتجاه دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس. ورغم الإنجاز الذي حققته السلطة في الأمم المتحدة، فإن الواقع على الأرض لم يتغير جوهرياً من دون التنسيق مع إسرائيل، وإذا فرضت إسرائيل عقوبات شديدة تزيد من الوضع المهلهل للسلطة.

 

خطر التصعيد في الصراع

يسود أوساط فئات مختلفة من الشعب الفلسطيني غير المعرفة بأنها متطرفة ومن ضمنها أكاديميين وذوي مهن حرة، عدم راحة من الوضع الإقتصادي، ومن عدم توفر فرص شخصية وتقدم ملموس لتحقيق التطلعات الوطنية. وصعوبة إدارة حماس والسلطة في تزايد مستمر، خاصة في مجال تراجع الميزانيات والفساد، اللذان يزيدان من الإحباط في الضفة الغربية وغزة. وصرح محمود عباس من جهته أن الصراع العنيف لا يخدم المصالح الفلسطينية، لكنه يؤيد نضال شعبي على شكل انتفاضة كتلك التي زعزعت الأنظمة العربية. ويمكن الإشارة إلى ذلك، من خلال المظاهرات التي اندلعت في شهر تشرين الثاني عام 2012، على خلفية الأوضاع الإقتصادية. ومن هنا وحتى انتفاضة شعبية تتطور لعنف ومهاجمة أهداف إسرائيلية خارج الخط الأخضر، الطريق قصيرة. كما أن خطوات غير ديمقراطية، التي اتبعتها السلطة، ومن ضمنها المس بحرية الصحافة، تزيد من التوجهات نحو الانتفاضة. ومثل دائماً، التصعيد يحدث في أعقاب حادث محلي يخرج عن السيطرة الفلسطينية والإسرائيلية ويؤدي إلى إشعال المنطقة.

 

المحيط الإقليمي

المأزق وصعوبة التنقل من وإلى قطاع غزة، أديا إلى تعكير صفو العلاقات الإسرائيلية-التركية. والتوتر القائم بين إسرائيل والدول العربية بسبب العاملين المذكورين أعلاه، يتوقع أن يشتد على خلفية ازدياد الأصوات الإسلامية في الشرق الأوسط، وإمكانية زعزعة مكانة اتفاقات السلام الموقعة بين إسرائيل وبين مصر والأردن. وإلى جانب الاحتجاج الدائم ضد الاحتلال، فإن النشاطات العسكرية الإسرائيلية لضمان الأمن على الحدود مع قطاع غزة تظل محل انتقادات اقليمية ودولية. وفي المقابل، السعي للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع حماس، يوفر على إسرائيل انتقادات خارجية.

وفي شهر آب عام 2012، أثير نزاع شديد بين مصر وحماس، في أعقاب الشك بأن حماس قدمت مساعدات لتنظيم الجهاد العالمي، الذي شن هجوماً عسكرياً على موقع عسكري مصري في شمال سيناء، وفي أعقاب الحادث أغلق معبر رفح واتخذت خطوات لإغلاق الأنفاق بين مصر والقطاع. لكن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد لوقت طويل على توتر العلاقة بين مصر وحماس، كشهادة ضمان أمام التصعيد في جبهة غزة. التصعيد بإطلاق النار الذي وقع في شهر نوفمبر، جسّد نهاية التحمل لحركة حماس، نظراً للتحدي الذي شكلته هذه التنظيمات ضد قيادة حماس ومكانتها كقائدة في الصراع ضد إسرائيل من الهجمات التي بادر إليها الجهاد الإسلامي. والدعم المصري لحماس خلال المواجهة العنيفة مع إسرائيل تركز في المجال السياسي فقط. ومع ذلك، إمكانية قيام حماس والتنظيمات الفلسطينية الأخرى النشطة في قطاع غزة بإطلاق النار المتواصل بهدف جر إسرائيل لرد عسكري، وبالتالي وضع صعوبات أمام التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل، يؤكد على أهمية التوصل إلى تفاهمات للتهدئة بين إسرائيل وحماس.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الربط المقبول في إسرائيل بين النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وبين التحدي الإيراني (إيران أولاً) غير مقبول على جاراتها العربيات. وكما ذكر في مبادرة السلام العربية، فإن التقدم نحو تسوية إسرائيلية-فلسطينية متفق عليها بالنسبة للدول العربية هو شرط لإقامة علاقات مع إسرائيل. والاهتمام المشترك لإسرائيل والدول العربية بوقف البرنامج الإيراني النووي لا يعتبر بالنسبة للعرب سبباً كافياً لإقامة علاقات معها. ومن وجهة نظر إسرائيلية، فإن وقف المشروع النووي الإيراني لا يقلل من العوائق التي تقف أمام القضية الفلسطسينية. كما أن إعاقة مهمة في المشروع النووي الإيراني لا يعفي القيادة الإسرائيلية من الحاجة إلى بلورة حل دائم للنزاع مع الفلسطينيين، أو على الأقل محاولة التخفيف من حدة الصراع. وعلى العكس، يؤكد على حيوية إحداث اختراق للمأزق الذي وصلت إليه مسيرة السلام، وذلك بهدف تثبيت مكانة إسرائيل الإقليمية.

 

انعكاسات سياسية

تراجع مكانة السلطة الفلسطينية وتعزيز مكانة حماس، على خلفية تصاعد قوة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، والاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو بالأمم المتحدة، ومخاطر اندلاع مواجهة إسرائيلية-فلسطينية، والتهديد بتصعيد عنيف تزيد من حدة التوتر بين إسرائيل وجاراتها العربيات، وإمكانية ممارسة ضغوط دولية متزايدة عليها من أجل التوصل لتسوية، تدفع باتجاه إعادة التفكير بطرق للخروج من المأزق الحالي.

ومن أجل إضعاف إمكانية انفجار جولة جديدة من العنف، على إسرائيل أن تدرس من جديد إدارة مشتركة للصراع. ودورها ،للتقدم باتجاه تحقيق هذا الهدف، الذي يعتبر مصلحة مشتركة لإسرائيل والسلطة الفلسطينية، يتمحور بتقديم بوادر حسن النية تقدم للسلطة من دون شروط مثل الإفراج عن الأسرى وتقليص الحواجز وتخفيف مضايقات التنقل، وتقديم مساعدات إقتصادية، بما في ذلك إقامة مشاريع في مناطق C، وحتى نقل أراضي إضافية للسلطة تساعدها في تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية، خاصة إذا ارفقت هذه البوادر برسائل واضحة بخصوص الالتزام بمفاوضات هدفها التوصل لتسوية نهائية متفق عليها. ولم تغب فوائد مثل هذه البوادر عن بال متخذي القرار في إسرائيل. ودفع التوتر في الضفة الغربية بشهر تشرين الثاني عام 2012، حكومة إسرائيل إلى بلورة خطة هدفها منع انهيار السلطة، وكان في سلم أولويات هذه الخطة نقل الأموال والضرائب وإدخال عمال فلسطينيين إلى إسرائيل، ولمشاريع البناء في الضفة. والموافقة على عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، ورغم الصعوبات القانونية والسياسية التي تطورت، تضع إسرائيل أمام تحديات. لكن المنطق يقول، أن التوجه للأمم المتحدة لا يتعارض مع التفكير الإسرائيلي الداعي لعدم إنهيار السلطة.

ومقابل الجهود لتعزيز السلطة إقتصادياً، والعمل على استقرارها سياسيا، يجب دراسة إمكانية بحث الطرق لاستمرار هدوء طويل المدى مع حماس. وفي المقابل، ترفض السلطة بشدة فكرة التسوية المرحلية التي طرحت على جدول الأعمال السياسي والعام في إسرائيل، وسبق لقيادة حماس أن عبرت عن استعدادها لهدنة طويلة المدى. ورغم أن الهدنة قدمت مقابل إنسحاب إسرائيل لحدود عام 1967 -مطلب لم يكن مقبولاً على إسرائيل حتى لو مقابل تسوية نهائية مع السلطة- لكن بالإمكان اعتبار الاقتراح استعداد للتوصل إلى اتفاق، الذي يجب معرفة تفاصيله في مفاوضات لا ترفضها حماس بالمطلق. وعلى ضوء التوتر في ساحة قطاع غزة، علينا التركيز على تنفيذ وقف إطلاق النار، والتوصل لتفاهمات تمكن من استمرار وقف إطلاق النار بروح مبادئ التهدئة.

وربما يدفع التوصل إلى تهدئة مع حماس، السلطة الفلسطينية لأن تدرس بجدية العودة إلى طاولة المفاوضات كمخرج من المأزق الذي يمر فيه مسار المفاوضات مع إسرائيل. وبوادر حسن نية شاملة تقدمها إسرائيل للسلطة من شأنها أن تدفع بالاتجاه المذكور. وعلاوة على ذلك، ربما تتحول التفاهمات مع حماس، مع الوقت، إلى جسر مع التيارات الإسلامية الشعبية والمتقلدة للحكم في المنطقة، الهدوء الأمني في منطقة القطاع سيفيد بالأساس في تخفيف حدة التوتر بين إسرائيل ومصر.

تليين الموافقة الإسرائيلية على إقام حكومة وحدة فلسطينية من شأنه أن يكون جزءاً من السياسة الهادفة إلى إحداث هدوء في ساحة غزة والضفة الغربية. ووقف تراجع التأييد للمعسكر الفلسطيني المؤيد للتوصل إلى حل على أساس المفاوضات، أي السلطة الفلسطينية. ومن أجل التأثير على التطورات في الساحة الفلسطينية باتجاه الوحدة، تستطيع إسرائيل أن تعرض خلال فترة الإعداد للانتخابات على السلطة مطالب متدرجة تعبر عن النية بتجدد المفاوضات استعداداً للتوصل إلى اتفاق. وفي البداية  ُيطلب التزام فلسطيني فصائلي مشترك بوقف النضال العنيف والمحافظة على الاتفاقات القائمة، في حين يؤجل طلب الإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية إلى مرحلة متقدمة من المفاوضات، وهو شرط التوصل إلى اتفاق نهائي. وحتى ذلك الوقت، ومن أجل عدم تخريب إمكانية إقامة حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وإبقاء مدخل للموافقة الرسمية من جانب حماس على وجود دولة إسرائيل، يمكن الاكتفاء بالاعتراف الواقعي بها. وبين حكومة وحدة فلسطينية مشاركة في مسيرة سلمية، وبين استمرار الجمود السياسي، ستكون الحكومة الفلسطينية العنوان لإسرائيل والمجتمع الدولي. وإذا عارضت المفاوضات، استعداداً للتوصل إلى تسوية نهائية، ستفقد إمكانية استمرار تحميل مسئولية الفشل لإسرائيل، لأنها ستكون وحدها مسئولة عن الجمود السياسي.

ويعتبر بذل جهود لإدارة النزاع، وتعزيز المعسكر الفلسطيني الملتزم بالمفاوضات، ذو أهمية محدودة، إذا لم يرفق بخطوات إسرائيلية هدفها الدفع باتجاه إقامة دولة فلسطينية. ومن أجل التأكيد على التمسك بحل دولتين لشعبين، على إسرائيل تغيير سياسة البناء في الضفة الغربية، لأن استمراره يضع صعوبات عملية أمام الفصل السياسي والطبيعي. وفي حال عدم القيام بذلك، ’يعزز الإعتقاد السائد في العالم بأن إسرائيل هي المسئولة عن المأزق في عملية السلام. ومن أجل تعزيز الفصل على إسرائيل أن تخفض كثيراً من البناء في المستوطنات، والاستعداد لإخلاء سكان يوافقون على التعامل وفق خطة مرتبة يتم التوصل إليها. ما يتطلب منها العمل حتى من دون التقدم بالمسيرة السلمية، أو حتى من دون اختراق للمفاوضات، إذا جددت أصلاً.

وتكون تغيير سياسات الاستيطان في الضفة الغربية، جزء من مبادرة مكونة من خيارين يقدما للسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي. الأول، يركز على التقدم بتسوية مرحلية، استعداداً لإقامة دولة فلسطينية، يتم الاتفاق عليها بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وعلى عكس المبدأ الذي وجه جولات المفاوضات السابقة الذي يقول :”لن يتفق على شيء إلا أن يتفق على كل شيء”. فإن كل تفاهم يتم التوصل إليه في هذا الإطار يدخل حيز التنفيذ الفوري. ومقابل إخلاء البؤر والمستوطنات الإسرائيلية المنعزلة في الضفة، تسعى إسرائيل إلى الإعلان عن دولة فلسطينية في حدود مؤقتة وفق صيغة إسرائيلية فلسطينية، والتزام متبادل للتقدم إلى الهدف المشترك بواسطة المفاوضات. الخيار الثاني: يعرض في حال رفضت السلطة الخيار الأول، الذي يركز على قيام إسرائيل بإخلاء مستوطنات من طرف أحادي الجانب، وتعزيز بناء الجدار الأمني من أجل رسم حدود دولة إسرائيل، مع المحافظة على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في كل المنطقة، بما في ذلك المناطق التي ستخلى منها مستوطنات، ومثل هذه الخطة ستنفذ من دون التنسيق أو الموافقة الفلسطينية، وتأتي كرد على الرفض الفلسطيني بالموافقة على تسوية إنتقالية. وفي إطار ذلك تنسحب إسرائيل من أراضي مع دراسة الإنعكاسات الأمنية على كل الصعد.

التفكير بإتخاذ خطوات أحادية الجانب للانفصال عن الضفة الغربية يجب أن يأخذ بالحسبان معارضة دولية لأنها تتعارض مع مبدأ التسوية المتفق عليها. وفي المرحلة الأولى لتنفيذ المخطط. وعليه، فإن خطوات إسرائيلية باتجاه الفصل ربما تدفع السلطة إلى العودة لطاولة المفاوضات على ضوء الضرورة بالتنسيق مع إسرائيل للحصول على الدولة الموعودة. وميزة الحل أحادي الجانب أنه لا يرتبط بموافقة فلسطينية. وبلورته تكون نتاج مفاوضات إسرائيلية داخلية حول مستقبل الدولة وحدودها، والموافقة على قيام دولة فلسطينية وفق الرواية الوطنية الإسرائيلية المتفق عليها.

 

خلاصة

خيار دولتين لشعبين ما زال ساري المفعول. وتفيد التقييمات أن إسرائيل لا تستطيع ضمان مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية، من دون الفصل عن السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتعزز هذا التوجه في  إسرائيل بالسنوات الأخيرة، حتى في أوساط جهات إسرائيلية لم تتعاط مع الأمر بصورة جدية في السنوات السابقة. وفي المقابل، لم يتخل الجمهور الفلسطيني في غالبيته العظمى، عن فكرة الاستقلال والعيش لجانب دولة إسرائيل. ومن جانبها، تتطلع السلطة الفلسطينية إلى الاستقلال السياسي، إن كان بالمفاوضات أو بواسطة اعتراف دولي واسع. كما أن حل الدولتين نتيجة مفاوضات بين إسرائيل والسلطة هو في قلب الرؤية الأمريكية والأوروبية. لكن، وفي ظل الظروف السياسية السائدة في الساحتين الإسرائيلية والفلسطينية، فشلت الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة لإحداث إختراق في مسيرة السلام السياسية، وأدت إلى المأزق الحالي.

عنصر أساسي أخر ساهم في المأزق السياسي هو، الخوف الإسرائيلي من التأثيرات الإقليمية السلبية على الوضع الاستراتيجي لإسرئيل، في حال قررت تغيير الواقع السياسي والإقليمي في الضفة الغربية، ما يعزز التهديدات الأمنية الخارجية والتوترات الأيديولوجية الداخلية. هذا الخوف وجه حكومة إسرائيل إلى تبني سياسة الإنتظار، وهو ما يفسر رفضها تليين مواقفها من أجل تمكين السلطة من العودة لطاولة المفاوضات، إذا أرادت إعفاء نفسها من تحمل مسؤولية الجمود السياسي. ويحرر الإنتظار إسرائيل من الضرورة الفورية لمواجهة إتخاذ قرارات تاريخية، لكن التطورات في بيئتها ومحيطها لا تعمل لصالحها، وتهدد مع الوقت بخلق صعوبات أمام التوصل لتسوية متفق عليها، تستجيب للمصالح الاستراتيجية والفكرية الجوهرية لها.

ويعتقد أن اقتراح إسرائيل بالتقدم نحو تسوية إنتقالية تدريجية استعداداً لإقامة دولة فلسطينية سترفض من قبل السلطة الفلسطينية، لأنه لا يوجد فرق جوهري بين التسوية المقترحة وبين التسوية المرحلية. لكن، بالامكان التقدم بالتسوية الانتقالية، وفي نفس الوقت اتفاق الأطراف على صيغة تحدد مسبقا مخطط الحدود ومساحة الدولة الفلسطينية التي ستقام في إطار التسوية الدائمة. وهنا من الصعب الافتراض، وفي ظل الظروف الراهنة بالساحة السياسية الإسرائيلية، أن تعمل الحكومة بقوة للتقدم بفكرة الفصل أحادي الجانب، إذا تبنت رسميا مثل هذه المبادرة. وطرح مبادرة لتجميد البناء في الضفة الغربية، ستكون محل خلاف داخلي، إن كان ذلك في إطار التوصل لاتفاق على تسوية إنتقالية مع السلطة، أو في مجال طرحها كمبادرة أحادية الجانب. والاختلاف بين الاستجابة لمطالب السلطة (والإدارة الأمريكية) لتجميد البناء في الضفة الغربية وبين الانفصال التدريجي في إطار خطوات إخلاء إحادية الجانب غير مهم. والقيادة التي ستتبنى أحد الخيارات أو الخيارين مع بعضهما، ستضطر لمواجهة احتجاجات تتركز على تفسير بأن الخطوات أحادية الجانب تعتبر تنازلاً للفلسطينيين من دون مقابل سياسي أو ضمانات أمنية، وتؤكد على حرية العمل للجيش الإسرائيلي في المنطقة، من أجل تقليص المخاطر الأمنية.

بمعنى، الامتناع الإسرائيلي عن صياغة خيارات هدفها تغيير الواقع السياسي-الإقليمي في ساحة الصراع، خاصة التحفظ من بلورة خيار أحادي الجانب، يعني أنه منسجم مع المأزق السياسي الحالي، وبالتالي تعريض إسرائيل لمخاطر. حينها، مجموعة المخاطر المقدرة، مقابل المخاطرة من أجل الخروج من المأزق الحالي، من شأنها أن تحقق النبؤات السلبية على إسرائيل.


  • ·  عنات كوارتس وأودي ديكل: من كبار الباحثين في مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب.
Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash