يناير
23

أمام مؤتمر المنظمات اليهودية “أيباك” المنعقد في الثاني والعشرين من شهر أيار عام 2011، ألقى الرئيس الأمريكي براك أوباما خطابه التقليدي الذي قال فيه “لا يمكن النقاش حول التزامنا بأمن إسرائيل ونعارض بشد كل محاولة لنزع الشرعية عن إسرائيل.

حملة عدم شرعية إسرائيل

جذوره ومظاهره ومقاومته

 

يهودا بن مئير وايفان الترمان

أمام مؤتمر المنظمات اليهودية “أيباك” المنعقد في الثاني والعشرين من شهر أيار عام 2011، ألقى الرئيس الأمريكي براك أوباما خطابه التقليدي الذي قال فيه “لا يمكن النقاش حول التزامنا بأمن إسرائيل ونعارض بشد كل محاولة لنزع الشرعية عن إسرائيل. وفي خطابه أمام الجمعية العمومية قال :”أن جهود تدمير شرعية إسرائيل في الأمم المتحدة ستصطدم بمعارضة شديدة من الولايات المتحدة”. وقبل ثلاثة أيام ألقى أوباما خطاب مركزي بخصوص الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بقوله إن الجهود الفلسطينيين بفرض عدم الشرعية على إسرائيل محكومة بالفشل”.

وإذا كانت محاولات فرض عدم شرعية على دولة إسرائيل مهم لرئيس الولايات المتحدة، فإنها موضوع تستحق النقاش نظرا لمسها بالأمن القومي لدولة إسرائيل. وهدف هذا المقال هو وصف التهديد بعدم الشرعية وتحليله. وعلى ضوء هذا الهدف ستبحث هذه المقالة في جذور عدم الشرعية في هذا الوقت، المتمثلة Boycott Divestment and Sanctions) BDS) بالمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات والحرب القضائية. كما سيهتم هذا المقال بالأضرار التي تتسبب لإسرائيل والتهديد الذي يوضع أمامها من وراء هذه الجهود. وسنبحث بعض الوسائل التي يمكن لإسرائيل إتباعها في مواجهة هذه الحملة.

 

جذور عدم الشرعية

محاولات عدم منح شرعية لوجود الدولة اليهودية بدأت قبل قيام دولة إسرائيل واستمرت دون توقف حتى اليوم. وللتوضيح نبعت حملة عدم الشرعية لأن تأسيس دولة إسرائيل تم وفق قرار المجتمع الدولي، وبدعم كامل من المجتمع المتنور في العالم. وعلى ضوء المعارضة الشديدة للدول المجاورة، ورفض العالم العربي بشدة لقرار تقسيم فلسطين لدولتين (عربية ويهودية).

وأعلن المجتمع العربي في فلسطين رفضه للقرار، وعن نيته استخدام السلاح لمقاومة ومنع تطبيق القرار. ومنذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم تقف إسرائيل أمام ثلاث تحديات أساسية هي: الحرب التقليدية، والإرهاب، والمحاولات غير المتوقفة لنزاع شرعية (ومن ضمنها مقاطعة دبلوماسية واقتصادية) عنها. وهناك رابط بين التهديدات الثلاث المذكورة فعندما يضعف أحد العناصر الثلاثة، فان العنصرين المتبقيين يقويان. وكما صرح كلاوزفيتس “الحرب هي استمرار الدبلوماسية بطرق أخرى، وعدم الشرعية هو استمرار الحرب بوسائل أخرى.

وفي أعقاب الهزيمة العربية في حرب الاستقلال عام 1948 والتوقيع على اتفاقات الهدنة عام 1949 أعلنت الجامعة العربية عن فرض مقاطعة اقتصادية على إسرائيل، التي لم تقتصر عليها، بل امتدت لمقاطعة الشركات الدولية التي تتعامل معها. ووصلت هذه الحملة لذروتها بقرار الجمعية العمومية الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية عام 1975، الذي ألغي عام 1991. وكانت حرب عام 1967 التي هزمت فيها إسرائيل الدول العربية واحتلت الضفة الغربية وقطاع غزة، العنصر المركزي في توجهات عدم شرعية إسرائيل. نظرا لوجود ثلاثة ملايين فلسطيني لا يعيشون في دولة مستقلة خاصة بهم، ويخضعون لسيطرة عسكرية. وإن كان الأمر مبررا أم لا، فقد تحول الاحتلال لشعار يوحد معظم العاملين في حملة عدم شرعية إسرائيل.

وفي العقد الأخير من القرن العشرين شهدنا تراجعا حادا في جهود المبذولة لعزل إسرائيل نظرا: لانهيار الاتحاد السوفييتي الداعم الأساسي، وعقد مؤتمر مدريد، والتوقيع على اتفاقية أوسلو التي اعتبرت السلام على وشك التحقيق. لكن، ومع بداية القرن الواحد والعشرين تغيرت الأجواء مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 عندما اتضح أن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عاد لمراحله الدموية. مما دفع الجهات المعادية لإسرائيل لتجديد جهودها لعزل إسرائيل ومنحها عدم الشرعية. وعززت هذه الجهود، وتحولت لحرب تزايدت قوتها طول العقد الماضي، ووصلت لذروتها بمؤتمر “ديربن الأول” الذي عقدته الأمم المتحدة بجنوب إفريقيا عام 2001. وفي العقد الأول من القرن الحالي، نضجت جهود عدم الشرعية، وأصبحت تشكل تهديدا جديا لدولة إسرائيل.

 

ما هي عدم الشرعية

صرح طوني بلير أن كثيرا من الذين يعملون في حملة عدم شرعية إسرائيل سينفون بشدة أنهم ضد إسرائيل. وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق يقصد الأشخاص أو المجموعات التي توجه انتقادات شرعية ضد إسرائيل وأعمالها، نظرا لتناقض هذه الأعمال مع القانون الدولي. وهي بالنسبة لهم خرق حقوق الإنسان الأساسية التي تستحق الشجب الأخلاقي من جميع جوانبه. وعليه، السؤال المطروح هو: متى كان الرأي أو الأعمال تخضع لعدم شرعية ؟، ومتى يدور الحديث عن انتقاد شرعي لأعمال أو تصرفات لحكومة إسرائيل ومؤسساتها وجيشها ؟. وفي كل ما يتعلق بمعايير التمييز بين الوضعين قدمت اقتراحات متنوعة. وفي السياق المذكور، اقترح ناتان شيرانسكي التالي: إذا كان الانتقاد الموجه لإسرائيل هدفه رفض وجود إسرائيل، أو موجه وفق معايير ثنائية، حينها يدور الحديث عن حملة حقيقية بعدم شرعية إسرائيل. حينها لا يوجد فرق إذا كان النقد الموجه مبدئيا، أو للتشكيك بوجود إسرائيل.

ومثل مجالات كثيرة، هناك حملات ملموسة، وهناك حملات ضبابية موجهة ضد إسرائيل، ذات مستويات مختلفة من عدم الوضوح. ونفي حق إسرائيل بالوجود كدولة يهودية (كما وردت بوثيقة الاستقلال، وفي قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة)، وتوجيه انتقادات جارفة حول طابع الدولة هي نماذج واضحة لعدم الشرعية. أما انتقاد حكومات أو منظمات على أعمال معينة للسلطات في إسرائيل، مثل انتقادات بناء المستوطنات، فهي نماذج انتقاد شرعية وغير مشمولة بهذا المقال. وتعرض المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات والحرب القضائية ،كما ستطرح أدناه، إسرائيل لتهديد خطير جدا.

حتى هذا اليوم تسمع أصوات كثيرة في العالمين العربي والإسلامي -خاصة في إيران وحماس وحزب الله- الذين ينفون حق إسرائيل بالوجود كدولة. ومثل هذه الأصوات في العالم الغربي ضعيفة ولا تمثل مجموعات. لكن، لا يمكن القول أنها غير موجودة. والتصريحات المعادية لإسرائيل ليست نادرة في الجامعات وفي أوساط جهات معنية من الليبراليين في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وفي حالات كثيرة تضمنت التصريحات جملة “إقامة دولة إسرائيل خطأ تاريخي”. ومن غرائب الأمور أن بعض من صرح بمثل هذه التصريحات هم من اليهود. والنموذج الأبرز للعداء المبدئي لإسرائيل ،في أوساط معينة، عبر عنه بتصريحات سفير بريطانيا في فرنسا الذي قال في وجبة غداء خاصة “إسرائيل الدولة الصغيرة والمخربة”.

وفي كل الأحوال، دولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكن إيجاد مكونات لمجرد وجودها. والتهديد والتحدي الخطير لعدم شرعيتها ليس في مجال حقها بالوجود فأحداث الثلاثة عقود الأخيرة صعبت حتى على أعداء إسرائيل التشكيك بشرعيتها، أو دعم الأصوات المطالبة بإبادتها، لكن ما زالت هذه الأصوات تسمع. ولإسرائيل اتفاقيات سلام وعلاقات دبلوماسية مع دولتين مجاورتين -مصر والأردن. وطرح في مبادرة السلام العربية عام 2002 (المدعومة من كل الدول الإسلامية) الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها. واعترفت م.ت.ف ،الممثل المعروف للشعب الفلسطيني، بعد التوقيع على إعلان المبادئ من قبل قائدها التاريخي ياسر عرفات، بحق إسرائيل بالعيش بسلام وأمن. وتقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية مع 120 دولة، ومن ضمنها علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية ضخمة. وإسرائيل دولة ذات مكانة معترف بها في الأمم المتحدة وفي بقية المنظمات التابعة لها. وفي الآونة الأخيرة تم قبولها كعضو كامل في منظمة OECD .

حملة عدم شرعية دولة إسرائيل هو من نوع أخر. والهدف الذي وضعه قادة حملة عدم شرعية إسرائيل هو عرضها على أنها دولة تخرق القانون الدولي بشكل متواصل. وكدولة متهمة بممارسة التمييز العنصري وبجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بهدف عزل إسرائيل في كل العالم بشكل مطلق. وجوهر حملة عدم الشرعية تم تفصيلها بصورة واضحة جدا في البيان الختامي لتجمع المنظمات غير الحكومية الذي عقد في جنوب إفريقيا في مؤتمر “ديربن الأول” الذين طالبوا قادة دولهم بإتباع سياسة تهدف لعزل إسرائيل بالكامل لأنها دولة تمييز عنصري وفرض العقوبات عليها ومقاطعتها مقاطعة شاملة هو واجب الدول وقطع العلاقات معها. وهذه الأهداف ما زالت بعيدة جدا على التحقيق، لكن الجمعيات والنشطاء يبذلون جهودا لتحقيقها.

وهنا يطرح السؤال، لماذا إسرائيل لوحدها هي الموضوع والهدف لحملة عدم الشرعية المقيتة. هناك من يقول إنه نتيجة الاحتلال الذي بدء عام 1967 عندما لم يمنح ملايين الفلسطينيين حق تقرير المصير. وعليه، اعتبر الاحتلال الشعار الموحد لكل العاملين في حملة عدم شرعية دولة إسرائيل. ويدعى غيرهم أن عدم شرعية إسرائيل تنبع من عنصريتها منذ سنوات طويلة -معاداة للسامية من قبل المسلمين ومعادة للسامية من قبل جهات مسيحية سرية. وحسب هذه النظرية، فإن الهجمات التي تشن على إسرائيل هي نوع جديد وساري المفعول سياسيا من المعادين التقليديين للسامية. وهناك من يقول أن الحملة هي استمرار للرفض العربي منذ عام 1948 وقبل ذلك عدم التسليم بوجود دولة يهودية في الشرق الأوسط. وحسب هذه النظرية، يقوم الفلسطينيون وبمساعدة من العالم العربي والإسلامي باستغلال حقوق الإنسان التي تدغدغ مشاعر الأوساط الليبرالية في أوروبا الغربية والدول التي تنتمي للأنجلو-ساكسون.

وعليه لا يمكن نفي وجود أجواء من عدم شرعية إسرائيل. لكن الجهات المذكورة تضع إسرائيل على سلم أولياتها، وتوجه نشاطاتها وأعمالها ومراقبة كل ما تقوم به من أعمال. الأمر الذي بات يشكل مصدر قلق لها. والمعركة التي تشن ضد إسرائيل تجري في مسارين هما: الأول BDS. والثاني، في الساحة القضائية.

 

BDS

جهود الـ BDS (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات) هي مجال واسع وشامل وتتضمن محاولات لفرض المقاطعة على إسرائيل بالمجالات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية والفنية. وفي السياق المذكور، صدر تقرير عن صحيفة دير شبيغل الألمانية بتاريخ 10/5/2011 ذكرت فيه أن شركة القطارات الوطنية الألمانية (دويتشيه بان) قررت إنهاء شراكتها في مشروع القطار السريع الذي يربط تل أبيب بالقدس بحجة أن القطار يمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو ما اعتبر خرقا للقانون الدولي من قبل الشركة. ومن المعلوم أن الشركة مملوكة بالكامل للدولة، الأمر الذي يعني أن القرار صادر عن الحكومة الألمانية التي تعتبر من أهم الدول الداعمة لدولة إسرائيل.

واتخذ القرار بعض الضغط الذي مارسته جهات ألمانية وفلسطينية وإسرائيلية وفي مقدمتها تحالف النساء من أجل السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. كذلك جرت محاولات لمقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتجة في الضفة الغربية لكنها لم تحقق النجاح المطلوب. كما شنت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حملة غير ناجحة لمقاطعة شركة كتربلر لإجبارها على وقف مبيعاتها لإسرائيل. وكانت هناك محاولة حققت نجاحا محدودا في بلجيكا عام 2009 لمقاطعة أحد البنوك في بلجيكا بسبب علاقاته التجارية مع إسرائيل.

وجرت محاولات واسعة لدعوة الشركات والدول لسحب استثماراتها من إسرائيل مثل دعوات لبيع الأسهم المملوكة لهذه الشركات والدول في الشركات الإسرائيلية. ووجهت هذه الدعوات للجامعات والمنظمات المسيحية ونقابات العمال وصناديق التقاعد. وفي هذا السياق قام تحالف “نساء من أجل السلام” الكشف عن الشركات والجهات التي تحقق أرباحا من الاحتلال، حيث نجحت بإقناع صناديق التقاعد الرسمية في النرويج والسويد بسحب استثماراتها من شركة “ألبيت” للصناعات الأمنية في إسرائيل.

وامتدت محاولات المقاطعة إلى الجامعات حيث قرر مجلس أمناء جامعة جوهانسبورغ وقف المشاريع الأكاديمية مع جامعة بن غوريون بالنقب. وفي نهاية أيار عام 2011 تبنى الاتحاد الوطني لطلاب بريطانيا اقتراح يصف إسرائيل بنظام التمييز العنصري، وطلب من الطلاب التوجه لغزة المحاصرة. كما طالب اتحاد طلاب لندن بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها. أما اتحاد الأكاديميين البريطانيين الذي يضم بصفوفه 120 ألف أكاديمي فقد تبنى في حزيران عام 2011 قرارا يطالب فيه بفرض المقاطعة علمية وثقافية على إسرائيل، كما طالب بسحب الاستثمارات البريطانية من هذا البلد، وفرض عقوبات على إسرائيل، وقطع العلاقات مع نقابة الأكاديميين المهنيين في دولة إسرائيل.

ويقف على رأس هذه الحملات منظمات أهلية تسمى NGOZ من أهمها أمنستي وهيومن رايتس ووتش. ويبلغ عدد هذه المنظمات المنتشرة في كل أنحاء العالم 4000 منظمة. وهناك نوعين من هذه المنظمات هما: الأول، العاملة في الشأن الفلسطيني مثل الحق والميزان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومنظمات إسرائيلية غير حكومية مثل تحالف النساء من أجل السلام، ويساندهم عدد كبير من المنظمات الأهلية في المنطقة وأوروبا (خاصة بريطانيا) والولايات المتحدة التي تتركز في ولاية سان فرانسيسكو. والنوع الثاني مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي. ويتم العمل في حملة عدم الشرعية إسرائيل في معظم الحالات من النوع الأول من المنظمات الأهلية، في حين يقدم النوع الثاني الدعم والمساعدات.

وعلاوة على دعوات المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل، ’تشن على إسرائيل حملات عدائية تصفها بأنها دولة فاشية وعنصرية وديكتاتورية ودولة تمييز عنصري. وتعمل هذه التنظيمات في الأوساط الدبلوماسية والأكاديمية والاقتصادية وفي الجامعات والمعاهد المختلفة المنتشرة في أنحاء العالم. كما يعقد أسبوع التمييز العنصري بعدد من الجامعات الأوروبية، لكن هذه الحملة لم تلقى نجاحا كبيرا، لكنها في تصاعد مستمر.

والحالة الناجحة والأبرز لهذه المنظمات هو بمشاركتها بجمع المعطيات وصياغة تقرير غولدستون الذي اتهم إسرائيل بجرائم حرب تصل في مستواها لجرائم ضد الإنسانية. وشكل هذا الإنجاز ذروة حملة عدم شرعية إسرائيل، وكان له انعكاسات بعيدة المدى على إسرائيل وجيشها.

 

الحرب القضائية

شن الفلسطينيين ومؤيديهم في العقد الأخير حملة دعاية يصفها الكثيرون في إسرائيل بالحرب القضائية. وابرز إنجاز حقق بهذه الحرب، هو الرأي القانوني لمحكمة العدل الدولية في لاهاي بخصوص الجدار بالضفة الغربية، واستخدام القوانين الدولية ضد الجنود وكبار مسئولي إسرائيل، التي اعتبرها الفلسطينيون ومؤيديهم فرصة لتشويه ونزع شرعية دولة إسرائيل.

واعتبر الرأي القانوني الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي نصرا كبيرا للفلسطينيين ولمؤيديهم، تأملوا من خلاله فرض المزيد من العقوبات على إسرائيل. والأهم بالإنجاز الذي تحقق هو مقارنة القرار بخصوص الجدار، بالقرار الذي صدر عام 1971 ضد رئيس جنوب إفريقيا في ناميبيا. وبذلك تم الربط في أوساط الرأي العام بين إسرائيل وبين جنوب أفريقيا العنصرية.

وفي سنوات الانتفاضة الثانية، استخدم الفلسطينيين ومؤيديهم الجهاز القضائي الأوروبي الذي يسمح باعتقال ومحاكمة مجرمي الحرب بغض النظر عن جنسيتهم، حيث قدمت شكاوى ضد الضباط والمسئولين الإسرائيليين. ولعل أهم هذه الشكاوى هي أمر اعتقال رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون من قبل محكمة بلجيكية. الأمر الذي دفع بعض كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وبعض المسئولين السياسيين إلى الامتناع عن زيارة أوروبا، خاصة بريطانيا، خشية اعتقالهم.

وفي النهاية خطت السلطة الفلسطينية خطوة إضافية بهدف تقديم دعاوى قضائية ضد إسرائيليين، في محاولة منها لمنح صلاحيات للمحكمة الجنائية الدولية. ولأن المحكمة تضم في عضويتها الدول فقط، ولكون إسرائيل ليست عضوا فيها، طالبت السلطة بفرض صلاحيات المحكمة بشكل إقليمي أو فرضها على الضفة الغربية وقطاع غزة على الأقل. ومن أجل تحقيق هذا الهدف قدمت السلطة طلبا للأمم المتحدة للاعتراف بها كدولة، نظرا لأن محكمة الجنايات الدولية لا تقبل بعضويتها سوى الدول. وإذا تمت الموافقة على الطلب الفلسطيني ،خاصة في أعقاب صدور قرار عن الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة بخصوص الاعتراف بهم كدولة –الذي ما زال يبحث- حينها تستطيع السلطة تقديم شكاوى ضد جنود ومستوطنين أمام المحكمة الجنائية الدولية. ولمثل هذا التطور انعكاسات سلبية جدا على إسرائيل بالساحتين الدبلوماسية والعامة. وسيدفع لعدم سفر بعض الإسرائيليين خوفا من تقديم شكاوى ضدهم واعتقالهم. ومع ذلك، وفي حال قرر مدعي عام محكمة الجنايات الدولية، أن للمحكمة صلاحيات على الضفة الغربية والقطاع، تستطيع إسرائيل طرح سلسلة من الادعاءات القانونية لمنع حدوث السيناريو السيئ.

وعلى أية حال، على أصحاب القرار بإسرائيل التوصل لاتفاق في بعض القضايا الاستراتيجية الأساسية المتعلقة بمواجهة تحدي الحرب القضائية المستخدم ضدها. وفي السياق المذكور، هناك خلافات في الرأي بين شخصيات حكومية وأكاديمية ووسائل إعلام بطرق مواجهة الحرب القضائية، وهل تتعاون مع التحقيقات التي تجريها المؤسسات القضائية ولجان التحقيق الدولية، أم لا. وستكون المسائل المذكورة ذات أهمية خاصة في السنوات القادمة، خاصة إذا تم قبول السلطة الفلسطينية دولة في الأمم المتحدة، حينها ستقر السلطة المواثيق الدولية وتصبح عضوا بالمؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة. الأمر الذي سيمنحها الحق بالتوجه المباشر للمؤسسات الدولية خاصة محكمة الجنائية الدولية.

 

تقدير أضرار

تقرير الأضرار الناتجة عن حملة عدم شرعية إسرائيل مهمة ليست بسيطة في المجالين الاقتصادي والعملي، ويبدو أنها لم تؤثر كثيرا على النمو الاقتصادي الإسرائيلي في السنوات الماضية الذي بلغ بالمتوسط 4%، ويتوقع له الارتفاع عام 2011 إلى 5%. ووصلت السياحة لذورتها حين زار إسرائيل 3 ملايين سائح، وازدادت الصادرات الإسرائيلية لمختلف دول العالم بما في ذلك تركيا التي تقود حملة عدم شرعية إسرائيل في الآونة الأخيرة إثر أحداث سفينة مرمرة، حيث ازداد التصدير إليها بنسبة 73% وأصبحت السوق الثالث لإسرائيل بعد الولايات المتحدة وهولندا. ورغم المعطيات المذكورة، يشتكي رجال الأعمال الإسرائيليين من صعوبات في التوقيع على صفقات تجارية خاصة مع أوروبا الغربية الأمر الذي يبشر بأوقات اقتصادية صعبة. 

وفي المجال الاقتصادي، يعتبر استخدام الأجهزة القضائية الدولية ضد إسرائيليين مصدر قلق جدي ويخلق صعوبات أمامهم. وترد إسرائيل على هذه الإجراءات بمنع سفر كبار ضباطها وقياداتها السياسية في السابق والحاضر والمستقبل لبعض دول أوروبا خشية الاعتقال. وما امتناع رئيسة المعارضة تسيفي ليبني والجنرال يوحنان لوكر رئيس أركان سلاح الجو السابق والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سوى دليل على العقبات المستقبلية التي ستواجهها إسرائيل.

وبناءا على ذلك، هناك حالة من عدم الإحساس بالمسئولية إذا لم يتم التعامل مع حملة عدم شرعية إسرائيل أو تجاهلها. ومن غير الممكن تقدير حجم الأضرار التي ستتعرض لها مستقبلا إن كان في المجال الدبلوماسي أو في الرأي العام. وأصدق مثال على ذلك، تأثير الحملة المذكورة على إسرائيل هو في صورتها السلبية في أوروبا، وتراجع التأييد فيها. وإذا لم يثر هذا الموضوع الاهتمام في إسرائيل ستتعرض مصالحها الاستراتيجية لأضرار مستقبلية يصعب تقييمها، خاصة أن الحملة لعدم شرعية دولة إسرائيل تتزايد في أنحاء العالم.

 

الرد الإسرائيلي

لا بد من القول أن الرد الإسرائيلي على حملة عدم شرعيتها، يتطلب أولا وقبل أي شيء الاعتراف بخطورة المشكلة وبإمكانية إحداث أضرارا لإسرائيل. ومن الصعب القول، أن هناك اهتمام كافي لمواجهة حملة عدم الشرعية الموجهة ضدها. ولا يحتل الموضوع مكانا مهما في النقاش العام ولا في أوساط النخب الإسرائيلية. ومن غير الواضح مستوى الاهتمام الذي تبديه السلطات الإسرائيلية لمواجهة التهديد المذكور. وليس غريبا أن كل المعلومات الواردة هنا، لم تأت من جهات رسمية، بل زودتنا بها من منظمات أهلية غير حكومية وفي مقدمتها “مركز ريئوت” العامل على مواجهة المنظمات الفلسطينية الأهلية ومؤيديها. وعلى المستوى الرسمي تحسن الاهتمام الحكومي لمواجهة التهديد المذكور من حيث الحجم والعمق وفي الرد المهني والمنسق من وزارة الخارجية ومكتب رئيس الحكومة والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات المختلفة. لكن الجهود المذكورة لم ترتقى لمستوى التهديد الذي تتعرض له الدولة.

وفي السياق المذكور، لا بد من الإشارة أن الجيش الإسرائيلي هو من استبق كل مؤسسات الدولة لمواجهة التحدي الخطير الذي تواجهه، الذي يقيد حرية عمل الجيش في ساحة المعركة، ويتخذ الخطوات اللازمة لمواجهة حملة عدم الشرعية التي تواجهها إسرائيل، من قبل الفلسطينيين ومؤيديهم. ومن أجل ذلك، خصص الكثير من الموارد المالية والبشرية المتنوعة لمواجهة أية اتهامات دولية بخصوص خرقها للقانون الدولي. كما وسع الجيش دائرة الادعاء العسكري ومنحه أهمية كبيرة في اتخاذ القرارات العسكرية. وفي الأونة الأخيرة درب ضباط ارتباط لتقديم استشارات لقادة الألوية والكتائب بخصوص التصرفات مع المدنيين والشئون المدنية في مناطق الحرب، وتنسيق الجهود لمنع نشوء أزمات إنسانية

ويمكن التصدي للمنظمات الأهلية العاملة في حملة عدم شرعية إسرائيل، بمنظمات أهلية إسرائيلية، وتجنيد الجاليات اليهودية المنتشرة في أنحاء العالم، والاستعانة بجهود المؤيدين لإسرائيل في مختلف دول العالم نفسها. كذلك، يجب بذل جهود ضد المؤسسات الأساسية العاملة في حملة عدم شرعية إسرائيل، وتخصيص الموارد والميزانيات والسلك الدبلوماسي والعام والعلاقات العامة لمواجهة الحملة المذكورة.

كما يجدر دراسة سن قانون وطني لمنع المقاطعة والحرب القضائية ضد إسرائيل، ومعاقبة كل جهة تعمل في الحملة ضد إسرائيل. وعدم التعاون أو عدم السماح لأية منظمة أهلية بالعمل داخل إسرائيل إذا اشتركت في أية حملة ضدها. وعلى إسرائيل محاولة إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سن قوانين لمحاربة الجهات المؤيدة لحملة عدم شرعية إسرائيل.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash