يناير
18

يعتبر عام 2010 ذروة النشاط التركي، وفق الكثير من المفاهيم. حيث عززت قضية السفن المتوجهة لغزة والسيطرة عليها بالقوة من قبل إسرائيل موقع تركيا في الرأي العام العربي، خاصة مكانة رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان الذي تحول إلى الزعيم الأكثر شعبية في المنطقة.

 

تركيا والشرق الأوسط

بين النموذج وبين النهوض

 ترجمة عليان الهندي

غاليا ليندنشتراوس

يعتبر عام 2010 ذروة النشاط التركي، وفق الكثير من المفاهيم. حيث عززت قضية السفن المتوجهة لغزة والسيطرة عليها بالقوة من قبل إسرائيل موقع تركيا في الرأي العام العربي، خاصة مكانة رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان الذي تحول إلى الزعيم الأكثر شعبية في المنطقة. وتواصل تحسن العلاقات التركية مع العراق وإيران وسوريا. واستمرت المحاولات التركية للتوسط في الأزمات التي تمر بها المنطقة. ورغم عدم تحقيقها أي نجاح يؤد لتغييرات جوهرية، اعتبرت تركيا طرفا مهما يجب التشاور معه. لكن، ومع انتهاء عام 2010 بدأت مرحلة التصدي للتوجه التركي بشكله الحالي، خاصة أن موجة الثورات والاحتجاجات بالعالم العربي، التي بدأت بشهر تشرين الثاني عام 2010، وعدم الاستقرار الذي لف المنطقة، خلق صعوبات لتركيا لاستمرار نهجها الذي اتبعته، بالإضافة لبعض ردود أفعال الغرب المعارضة للسياسة التركية الخارجية.

وتتناقض الثورات في العالم العربي ،بشكل كلي، على المدى القصير على الأقل، مع الحلم التركي الداعي للاستقرار والازدهار الاقتصادي. وتأثير الثورات سيدفع تركيا بالضرورة إلى إعادة تنظيم سياستها، مع الوضع الحالي الحساس، الذي يحمل في طياته محاولات مرتفعة لاندلاع العنف، التي سيرافقها تباطؤ اقتصادي. وفي تصريحات نادرة متعلقة بالسياسة التركية الخارجية، صرح أحمد داوود أوغلو في شهر أيار عام 2011 أن تركيا تشعر بالتوتر النابع من تطلعها للمحافظة على علاقات جيدة مع الشعوب بالدول المجاورة لها، وكذلك مع قادة الأنظمة فيها. ومن التوقعات التي خلقت من وراء سياسة تركيا أنها تساعد الأنظمة التي لها علاقات جيدة معها، وفي نفس ستصغي بعناية لرغبات جماهير هذه الدول.

ويبدو أن حلم “الإتحاد الشرق أوسطي” الذي امتنع القادة الأتراك عن استخدامه، لكنه فكرت لطرح مثل لأفكار، وضع على الرف في الوقت الحاضر. وحاولت تركيا في السنوات الأخيرة طرح مبادرات اقتصادية، لم تكن بعيدة عن الأفكار التي طرحها رئيس الدولة شمعون بيرس بخصوص الشرق الأوسط الجديد، لكن هذه المرة من دون إسرائيل. وعلى سبيل المثال، حاولت تركيا في السنوات الأخيرة توسيع اتفاقيات التجارة الحرة المتنوعة بين تركيا من جهة وبين سوريا والأردن ولبنان من جهة أخرى. وحاولت التوصل لاتفاق يتضمن إقامة منطقة تجارة حرة بين الدول الأربع. وفي السياق المذكور، وقعت تركيا اتفاقيات مع سوريا ولبنان والأردن، تلغي بموجبها هذه الدول تأشيرة الدخول بينها. كذلك كان هناك، مخطط تركي يسمح بالتنقل الحر بين شعوب الدول الأربعة، بما يشبه المتبع في الاتحاد الأوروبي.

البعد الاقتصادي كان شرحا لجزء من التطورات في السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الماضية لإعادة “اكتشاف مجدد” للشرق الأوسط. ويحتل الاقتصاد التركي المكانة السابعة عشر عالميا، وتتطلع تركيا لأن تصبح –بمناسبة احتفال مرور مائة عام على إنشاء الجمهورية التركية عام 2032- الاقتصاد العاشر عالميا. ونظرا لمساحة تركيا الكبيرة ونسبة النمو التي وصلت في عام 2010 إلى 8.9% (الثانية بعد الصين)، فإنها تحتاج لمزيد من موارد الطاقة، التي ترافق نسبة النمو، والحاجة لفتح أسواق جديدة لها.

توسع المصالح الاقتصادية التركية في الشرق الأوسط، يعتبر عامل دفع لتركيا للتدخل السياسي في المنطقة، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير. لكن وجود هذه المصالح يضع صعوبات أمام تركيا عندما تقرر اتخاذ موقف من النزاعات بالمنطقة. وفي المقابل، فإن وجود هذه المصالح سيدفعها إلى تأييد الوضع القائم. وبرز هذا التوجه عندما وضعت سياستها حول ما يجري في سوريا وليبيا. ففي ليبيا، توجد لتركيا مصالح اقتصادية كثيرة وعقود موقعة مع نظام معمر القذافي، كما تنتشر في ليبيا شركات بناء تركية كثيرة التي وقعت عقود واسعة، ويعمل فيها 25 ألف تركي، لكنها اضطرت إلى إخلائهم مع بداية المظاهرات هناك. وتوضح المصالح الاقتصادية المذكورة، لماذا عارضت تركيا بشدة ،في بداية الأزمة الليبية، التدخل الدولي في النزاع الداخلي الدائر هناك، والمصالح المذكورة تفسر لماذا مرت ثلاثة أشهر قبل أن يصرح أردوغان بشكل علني بضرورة إسقاط القذافي.

ومن وجهة نظر تركية، يشكل ما يحدث في سوريا، تحديا أكبر لها، وبمفاهيم معينة عبرت العلاقة مع سوريا عن سياسة “صفر مشاكل” التركية، التي حاولت تسويقها مع جيرانها. وشهدت العلاقات بين الجانبين تحسنا كبيرا، فمن وضع وصلت إليه سوريا وتركيا لشفير الحرب عام 1998 إلى اتفاق وتعاون عسكري عام 2009. وفي بداية عام 2011 عبرت تركيا عن استعدادها لتدريب الجيش السوري، وتعتبر تركيا أهم شريك اقتصادي لسوريا.

ومع انتشار المظاهرات في سوريا، طلبت تركيا من الرئيس بشار الاسد إحداث إصلاحات قبل فترة طويلة من اندلاع أحداث الربيع العربي. وذكر أردوغان أنه أجرى محادثات مطولة مع الاسد، أكد له فيها على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ في سوريا والإفراج عن السجناء السياسيين، وتغيير طريقة الحكم وتفعيل سياسات تتضمن تعدد الأحزاب. وما يشبه التغييرات في السياسة التركية اتجاه ليبيا، حدث تحول تركي تجاه ما يحدث في سوريا -من وضع يتصل فيه أردوغان ببشار الأسد يوميا في بداية المظاهرات، إلى تدهور كبير في العلاقات، دفعت برئيس الوزراء التركي إلى استخدام مصطلح “البربرية” في وصف أعمال الجيش السوري. وفي أعقاب قمع المظاهرات في مدينة حماة بعنف،ومقتل عشرات المواطنين، صرح وزير الخارجية التركي أن بلاده لا تستبعد إمكانية التدخل العسكري الدولي في سوريا حيث قال: لا يستطيع أي شخص البقاء غير مكترث لما يحدث، عندما يقتل مائة شخص في يوم واحد.

ودفع وجود حدود مشتركة بطول 800 كم، والخوف التركي المتزايد من تدفق اللاجئين السوريين إليها، بالسياسة التركية إلى إتباع الحذر، وفي أحيان أخرى التحريض على نظام الأسد. وسبق أن اعتبرت تركيا تطوير العلاقات مع سوريا على أنه أمر إستراتيجي بالنسبة لها، وغير مرتبط بالضرورة بنظام الحكم فيها. ومع ذلك، يبدو أن القضايا التي اعتبرت محلولة في إطار “شهر العسل” مع سوريا مثل قضية لواء الاسكندرون وقضية المياه والنشاطات الكردية المتطرفة في منطقة الحدود بين الدولتين، من شأنها أن تبرز مرة أخرى إذا سقط بشار الاسد. ويعبر سماح تركيا للمعارضين بعقد مؤتمر لهم في تركيا عن سيناريوهات مختلفة متعلقة بمستقبل النظام في سوريا.

وبشكل عام يمكن القول، أن السياسة التركية الخارجية تعمل بالسنوات الأخيرة في اتجاهين. ففي مسألة هل على تركيا العمل من أجل تقدم الليبرالية ومسيرة الدمقرطة في الدول الأخرى. حيث أكدت تركيا أن الانتخابات التي جرت لاختيار مجلس تشريعي فلسطيني هي انتخابات ديمقراطية يجب احترامها، لكنها في نفس الوقت حسنت من علاقاتها مع إيران والسودان (برئاسة عمر البشير) اللتان تخترقان حقوق الإنسان بشكل واسع. والأمل التركي أو على الأقل أمل وزير خارجيتها، هو أن على تركيا دعم الدول الأخرى للتوجه نحو الديمقراطية، وأن تكون مسيرة بطيئة وتدريجية. لكن الربيع العربي غير الأمور، فالمنتفضين في الدول العربية المختلفة غير مستعدين لتغييرات تدريجية، بل يطالبون بتغييرات جوهرية وفورية. وعليه، طلب من تركيا تحديد موقف واضح مع أو ضد نظام حكم معين. وفي حالة مصر، كان الموقف التركي مما يحصل في مصر محل إشكال، لأن العلاقات مع مصر في عهد حسني مبارك كانت متوترة، وفي حالة ليبيا وسوريا وإيران كان الموقف من هذه الدول أكثر تعقيدا. وعلى سبيل المثال، يوجد عدم ارتياح تركي من زيارة رئيسها عبدالله غول إلى طهران في شهر شباط عام 2011، في الوقت الذي قمع فيه النظام مظاهرات معارضيه. وخلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، صرح غول بالعموميات حول ضرورة الاستماع لصوت الشعوب.

ويبدو أن الموقف من “الربيع العربي” سيحسن صورة تركيا في الرأي العام العربي، في الوقت الذي يطرح فيه وبأماكن كثيرة مسالة “النموذج التركي” الناجح الذي ربط بين الإسلام والديمقراطية، ليكون نموذجا قابلا للتطبيق في دول المنطقة، وهو الأمر الذي سيصور تركيا على أنها الرابحة من الربيع العربي.

 

التطورات في الساحة التركية الداخلية

السعي التركي لتقدم الليبرالية في الدول الأخرى ينبع من موقف حزب العدالة والتنمية تجاه الليبرالية في تركيا نفسها، حيث تميز قيادة الحزب للحكومة بإجراء إصلاحات ليبرالية كثيرة في تركيا. لكن هناك انتقادات متزايدة حول خروقات حرية التعبير في الدولة، خاصة بعد اعتقال تسعة صحفيين وأدباء في شهر أذار عام 2010 بتهمة الانتماء لمنظمة “أرغنقون” وهو تنظيم يميني وطني سري، قيل أنه يخطط لتنفيذ سلسلة هجمات واغتيالات في تركيا، من أجل خلق حالة من عدم الاستقرار، وبالتالي إسقاط حزب العدالة والتنمية من سدة الحكم. وعلاوة على الشكوك بجدية علاقة المعتقلين بالتنظيم، اعتبر اعتقال صحفيين وأدباء خطوة متطرفة. وبالإضافة لذلك، نظر الكثيرون من منتقدي الإصلاحات الليبرالية التي بادر إليها وطورها حزب العدالة والتنمية، آداة لتطوير جدول أعمال ديني، فيما صور أردوغان على أنه صاحب توجهات دينية متطرفة.

وفي الانتخابات التي أجريت بشهر حزيران عام 2011 حصل حزب العدالة والتنمية على نتائج مذهلة مكنته من تشكيل حكومة من دون شركاء. ومقارنة مع الانتخابات السابقة، ازدادت نسبة المصوتين للحزب (47% في انتخابات 2007  إلى 50% تقريبا في انتخابات عام 2011)، وزادت نسبة المصوتين لحزب الشعب الجمهوري من 21% في انتخابات عام 2007 إلى 26% في انتخابات عام 2011، أما الحزب القومي فقد تراجعت نسبة التأييد له بـ 1% حيث حصل على 13% في انتخابات عام 2011. كذلك نجح المرشحين الأكراد المستقلين بتعزيز قوتهم من 5% إلى 7%.

ورغم ارتفاع نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية، حدث تراجع في عدد المقاعد التي حصل عليها حزب من 331 مقعد من أصل 550 في انتخابات عام 2007 إلى 326 مقعد في الانتخابات الأخيرة، وتعود نسبة التراجع إلى طريقة الانتخابات. ومع ذلك، يؤد تقليص عدد المقاعد إلى خلق صعوبات أمام أردوغان في البرلمان كي يقر دستور جديد وتغيير طريقة الحكم من برلماني لرئاسي. وهذا التغيير مطلوب لأردوغان نظرا لالتزامه باعتزال الحياة البرلمانية، وتطلعه لرئاسة الدولة، نظرا لعدم وجود قيادات من حزبه تملك شعبيته.

قوة أردوغان تعززت إثر قرار كبار قادة الجيش التركي (رئيس الأركان وقادة الأسلحة البحرية والبرية) الاعتزال المبكر بشهر تموز عام 2011. وبذلك استكمل تحييد الجيش الذي لعب دورا مهما في الحياة السياسة التركية. وما جرى في تركيا يعتبر ثورة هادئة، جاء في مقدمتها تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم منذ عام 2002. الربط بين النجاح بصناديق الاقتراع واعتقال عشرات ضباط الجيش في السنوات الأخيرة بتهمة التآمر لإسقاط الحكم، أدى لتراجع كبير بمكانة الجيش الذي اعتبر حامي العلمانية.

ومن المبكر القول أن نتائج انتخابات عام 2011، وضعف مكانة الجيش كلاعب أساسي في السياسة التركية الداخلية، ستدفع بحزب العدالة والتنمية إلى إتباع سياسات غير وسطية، أو تناور من أجل إحداث إصلاحات مهمة ومطلوبة، خاصة المتعلقة بحل المشاكل مع الأقلية الكردية. ومع ذلك، فإن تصريحات أردوغان التي قال فيها أنه لا يرى بوجود مشكلة كردية، بل هناك مشاكل لمواطنين أتراك ينتمون للأكراد، -ربما- اعتبرت دعاية انتخابية غير ناجحة هدفها، إفشال الحزب القومي وعدم حصوله على نسبة حسم كافية لدخول البرلمان، أو كان يهيئ الأتراك بضرورة التوصل لحلول وسط للمشكلة الكردية. وبالإضافة لذلك، فإن المشاكل مع الأقلية الكردية ليست متعلقة بمنطقة جنوب شرق تركيا حيث يعيش الأتراك فقط، بل  لتحول ،نتيجة لهجرة داخلية، مدينة اسطنبول لأكبر مدينة في العالم يتواجد فيها أكراد. وفي حالة تجدد أعمال العنف من قبل الأكراد مرة أخرى، سينتشر العنف في كل أنحاء تركيا. وفي هذا المجال نشير أن تركيا عبرت عن قلقها من اندلاع العنف عندما صرحت إحدى كبار القيادات النسوية الكردية في 11 أيار عام 2011 إنها تتوقع حدوث أمور سيئة. ولا يتوقف القلق التركي على العنف الكردي الداخلي، بل يتوقع له أن يمتد إلى الدول المجاورة حيث الأقليات الكردية، مما يخلق تعقيدات بنية الولايات المتحدة الانسحاب من العراق.

 

العلاقات مع الغرب ومع الولايات المتحدة

أثر على السياسة التركية ردود الأفعال الغربية، لما اعتبره الغرب تغيير في التوجهات التركية، رغم النفي المتكرر من القيادات التركية المختلفة. لكن الغرب تعامل بشك كبير مع هذه التصريحات. وسبق لتركيا أن اتخذت عدة خطوات تشير إلى تراجعها عن محاولات تصويرها على أنها تتجه للشرق، نظرا لاعتراض تركيا على تولي حلف شمال الأطلسي قيادة العمليات ضد نظام معمر القذافي في شهر اذار عام 2011. ولتأكيد التزامها نحو الغرب شاركت في قيادة التدخل الدولي في ليبيا، بهدف تعزيز ثقة شركائها الأطلسيين بها.

تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة على خلفية الثورات وعدم الهدوء في الشرق الأوسط، عبر عنه بالمشاورات الهاتفية المتكررة بين قيادات الدولتين، وهو ما يشير أن تركيا ما زالت بعيدة عن إدارة ظهرها لشركائها الغربيين. وفي السياق المذكور، ’ذكر أن رئيس السي أي إيه زار تركيا عدة مرات سرا من أجل بحث المستجدات الإقليمية، خاصة ما يحدث في سوريا. وفسر الغرب بشكل إيجابي إجبار طائرتي شحن إيرانيتين كانتا متوجهتين إلى سوريا على الهبوط في المطارات التركية ومصادرة حمولة إحداها. كما عبرت تركيا عن ارتياحها لمقتل أسامة بن لادن على يد القوات الأمريكية، حتى أن الرئيس التركي عبدالله غول بارك الخطوة بقوله أن مقتله رسالة تحذير لمجموعات الإرهاب الأخرى. وبهذا التصريح عادت تركيا التأكيد على سياستها بمحاربة الإرهاب، والاعتراف بأن العمليات الإرهابية في تركيا لا تختلف عن المواجهة العالمية للإرهاب العالمي. وكانت هذه هي السياسة التركية المتبعة قبل تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم، وهي اليوم، أساس العلاقات التركية الغربية. وإلى جانب ذلك، يقلل انتهاء فترة عضوية تركيا في مجلس الأمن، من التوترات بينها وبين الغرب، نظرا لتصويت تركيا في قضايا اعتبرها الغرب مثيرة للخلاف.

وعلى أية حال، لا تعتبر التغييرات في العالم العربي، وتحسن علاقات تركيا بالغرب تطورات منفصلة عن بعضها البعض. ففي أعقاب الأحداث في العالم العربي، أصبحت تركيا الدولة الأساسية التي تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد عليها في الشرق الأوسط، ولا يعود الأمر إلى تراجع حدة الخلافات بين الجانبين، بل إلى الضعف الكبير لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة و/أو مرور هذه الدول بتغييرات غير مضمونة العواقب. وفي الوضع الحالي، وعلى ضوء تراجع النفوذ الأمريكي، وضعف العالم العربي، فإن شريكا “مستقلا” مثل تركيا هو الخيار الأفضل للولايات المتحدة في الوقت الحاضر.

 

العلاقات مع إسرائيل

تحسن علاقات تركيا مع الغرب، خاصة مع الولايات المتحدة ليس دافعا بحد ذاته، لتحسين العلاقات مع إسرائيل، فالعلاقات بين الدولتين ما زالت في أدنى مستوياتها. ورغم عدم قطع العلاقات بين الدولتين وعدم وجود سفير تركي في إسرائيل، وخشية إسرائيل من عدم موافقة تركيا على تعيين سفير جديد محل السفير الحالي، يضع علامة استفهام كبيرة حول مستقبل العلاقات بين الدولتين، إثر أحداث سفينة مرمرة التركية عام 2010، خاصة أن الطرفين يواجهان صعوبة في التوصل لحل وسط في هذه المشكلة. وسبق أن جرت عدة محاولات للمصالحة، عبرت في إحداها إسرائيل عن استعدادها للاعتذار المشروط، الذي يركز على العيوب الفنية في الأحداث التي وقعت على ظهر السفينة، ودفع تعويضات لعائلات الضحايا  من خلال إنشاء صندوق لخدمة هذا الهدف. ومع ذلك، عبرت التأجيلات المتكررة في نشر تقرير لجنة التحقيق التي عينها السكرتير العام برئاسة رئيس وزراء نيوزيلندا جيفري بلمار، عن الصعوبات التي تثقل عودة العلاقات بين البلدين. وعلاوة على ذلك، استمرار إحياء ذكرى أحداث سفينة مرمرة ستعيق سير العلاقات المستقبلية بين الدولتين. وحدث تطور مهم في العلاقات بين الجانبين، عندما أعلنت لجنة الإغاثة التركية أن سفينة “مافي مرمرة” لن تبحر لغزة في حزيران عام 2011 بسبب خلل تقني، مما أدى لإفشال الجولة الثانية لما يسمى بفك الحصار عن قطاع غزة. ولأن الحديث لا يدور عن مبادرة حكومية أعلن وزير الخارجية التركي في بداية شهر حزيران عام 2011 أنه يفضل أن ننتظر انعكاسات فتح معبر رفح من قبل الحكومة المصرية، وإقامة حكومة وحدة وطنية بين فتح وحماس، قبل أن تتوجه سفن أخرى لقطاع غزة.

ورغم تدهور العلاقات بين الدولتين، عادت العلاقات التجارية بينهما لسابق عهدها –في عام 2008. ولا بد من الإشارة أن تراجع التبادل التجاري بين الدولتين يعود بالأساس إلى الأزمة الاقتصادية العالمية وليس لاعتبار أخر. وتشير المعطيات ربع السنوية في عام 2011 أن تركيا تحولت للسوق الثالثة لإسرائيل، بعد أن وصلت للمركز التاسع عام 2010. ومن بين الإشارات الضعيفة على تحسن العلاقات بين الدولتين نشير إلى المساعدة التركية لإسرائيل خلال الحريق الذي اندلع في جبل الكرمل عام 2010، وشجب تركيا لعمليتي إيتمار والعبوة الناسفة التي وضعت في حافلة ركاب بالقدس في شهر أذار عام 2010، وتصريح رئيس الوزراء أردوغان، بعد الانتخابات التركية التي جرت في حزيران عام 2011 أن تركيا لا تريد علاقات متوترة مع إسرائيل، وتطمح بتحسنها مستقبلا.

وكما هو الحال في المرات السابقة، يرتبط تحسن العلاقات التركية- الإسرائيلية بمستوى تحسن علاقة إسرائيل بالفلسطينيين ومع الدول المجاورة. وفي السياق المذكور، كتب الرئيس التركي عبدالله غول بصحيفة نيويورك تايمز أن إحداث اختراق في مسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية هو أمر مهم، مثل الثورات العربية التي ستؤدي لمزيد من الديمقراطية في الوطن العربي، أو تأسيس مجدد للديكتاتوريات، وبالتالي عودة الصراعات.

التركيز على مسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية سيدفع بدرجة معينة إلى تحسين العلاقات الإسرائيلية التركية وبالتالي التوصل لحلول وسط في القضايا المختلف عليها بين الجانبين، بينما يؤدي الجمود واندلاع العنف لمزيد من التصريحات التركية المعادية لإسرائيل. وفي سياق منفصل، ورغم الترحيب التركي باتفاق المصالحة الذي وقع بين حركتي فتح وحماس في القاهرة ،حيث كان وزير الخارجية التركي من بين الحضور، إلا أنه يحسب لمصر، وليس لتركيا التي حاولت تسويق نفسها بأنها الوسيط الأساسي في المنطقة.

ومع ذلك، تعتبر تركيا اتفاق المصالحة الفلسطينية، دليلا على عدم القدرة على تجاهل حماس في المسيرة السلمية، كما تتطلع لذلك. وفي السياق ذاته، صرح وزير الخارجية التركي، أن الاتفاق أغلق الباب أمام إسرائيل التي تكرر دوما أنه لا يمكن التوصل لاتفاق طالما ظل الفلسطينيون منقسمون، وعلى الجميع مباركة الاتفاق وتأييده. كما أعلنت تركيا أنها ستكون من الدول الداعمة للفلسطينيين في مطلبهم الاعتراف باستقلالهم بتشرين أول عام 2011.

 


خلاصة

استمرار الموجة الثورية في العالم العربي، خاصة إذا حدثت تغييرات، يضع صعوبات أمام التطلعات التركية التي أملت تركيا بتحقيقها في المنطقة مستقبلا. ونتيجة للأحداث في المنطقة العربية، يتوقع لتركيا أن تعيد دراسة سياستها الخارجية بخصوص الشرق الأوسط. وعليه، يتوقع أن يتراجع التدخل التركي في المنطقة ولو بشكل مؤقت. نظرا لأن الربيع العربي لا يسمح لتركيا بالتوسط بين الأنظمة وشعوبها. وعلى المدى البعيد، يؤد نجاح مصر بالخروج من أزمتها، أن يجعل التنافس على القيادة في الوطن العربي أمرا صعبا على دول مثل تركيا، وربما تكون مصر حاجزا أمام الطموحات والتدخل التركي في المنطقة.

وعلاوة على ذلك، وفي حالة قررت العودة لجهود الوساطة في المنطقة، ستعود المشاكل التي واجهة تركيا مثل: عدم توفر ردود كافية للمبادرات المتنوعة التي طرحها وزير الخارجية التركي، أصبحت الوساطة التركية تثير العديد من شكوك الأطراف بالنوايا التركية، وكأن الحديث يدور عن عودة الإمبريالية العثمانية للمنطقة. وقبل كل ذلك، ورغم وضع تركيا ثقلها في بعض جهود الوساطة، إلا أنها فشلت، مسببة لها غضبا شديدا. وعلى ضوء الصعوبات التي واجهت تركيا في المنطقة، ونظرا للتحديات الحالية، يبدو أن تركيا ستكون حذرة في سياستها الشرق أوسطية المستقبلية.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash