يناير
18

حدثت في السنوات الأخيرة تغييرات مهمة في المكانة الإقليمية لإيران، عبر عنها بزيادة النفوذ الإيراني وبالمناطق المؤيدة لها في منطقة الشرق الأوسط، مما ساعدها على تعزيز مكانتها كقوة عظمى إقليمية مركزية وذات مهمة قيادية في العالم الإسلامي.

المكانة الإقليمية لإيران

تأثير متوسع واحتمال الضعف

 

إفرايم قام

ترجمة عليان الهندي

حدثت في السنوات الأخيرة تغييرات مهمة في المكانة الإقليمية لإيران، عبر عنها بزيادة النفوذ الإيراني وبالمناطق المؤيدة لها في منطقة الشرق الأوسط، مما ساعدها على تعزيز مكانتها كقوة عظمى إقليمية مركزية وذات مهمة قيادية في العالم الإسلامي. ويعتمد الطموح الإيراني على كونها دولة أساسية في المنطقة، الواقعة على مفترق جيواستراتيجي مهم، وهي ذات ماضي إمبريالي وثقافة قديمة، وسكانها ومساحتها من أكبر مساحات الدول في الشرق الاوسط، وهي ذات قدرات اقتصادية كبيرة. وتملك قدرة عسكرية كبيرة من ضمنها قوة عسكرية غير تقليدية. وتطلع إيران للسيطرة الاقليمية يدار من خلال نظرية النظام، المتأثرة من مأساة الحرب العراقية-الايرانية، ونتيجة قلقها لضمان ضخ النفط وتصديره، ومن خوفها الخاص من التهديد الأمريكي لقيادتها لمنطقة الخليج، وللمحافظة على مكانتها الإستراتيجية. وعليه، يعتبر الخطر القادم من الولايات المتحدة أساس قلق النظام الايراني. يذكر أن الولايات المتحدة عززت في العقد الاخير من وجودها العسكري في المنطقة، الذي أعتبرته إيران مهددا لاستقرارها ومكانتها الإقليمية. نظرية التهديد المذكورة، وسعي إيران لتصبح القوة الإقليمية الأساسية، ألزمتها ،من وجهة نظرها، بالعمل على زيادة تأثيرها بمحيطها الإستراتيجي غير المستقر، وفي نفس الوقت، تقليص التأثير الأمريكي في المنطقة وطرد قواتها القريبة من الحدود الايرانية.

والسعي الإيراني للسيطرة الإقليمية ليست تطلعا للنظام الإسلامي الحالي فقط، بل هي محاولة إيرانية ،منذ حكم الشاه. لكن، وفي الوقت الذي تطلع فيه الشاه للسيطرة وفق مفاهيم استراتيجية، ينظر إليها النظام الحالي كجزء من بناء إطار إسلامي جديد. ويعتقد النظام الحالي أن بناء إيران كقوة إقليمية أمر مطلوب من أجل تشكيل نظام إسلامي جديد. ويعتقد أن وجود إيران كقوة إقليمية ضروري للدفاع عن العالم الاسلامي، الذي يحتاجه كقوة إقليمية. ومن أجل ذلك، يستخدم النظام الحالي -على خلاف من نظام الشاه- العنصر الاسلامي في سياسته، ومن ضمنها استغلال العنصر الشيعي بالمنطقة. ومع ذلك، وعلى عكس العقد الأول من حكمه، لا يرغب النظام الإيراني تصدير الثورة الإسلامية للدول الأسلامية الأخرى، لأنه فشل بذلك حتى الأن، ولأنه يدرك الخوف الإقليمي والأضرار التي لحقت بإيران نتيجة هذه السياسة.

ونجح النظام الإيراني بتقدم طموحاته الأساسية، نظرا للفرص التي توفرت له بالسنوات الأخيرة في محيطه الإستراتيجي. فمن جهة يمر العالم العربي بحالة من الضعف، لا تمكنه من مواجهة مشاكله الأساسية، من ضمنها التهديد الإيراني، وفي القدرة على التأثير على الأحداث المركزية الاقليمية. وإلى الفراغ المذكور ،دخلت دول غير عربية -إيران وتركيا وبدرجة معينة إسرائيل- للتأثير على جدول أعمال الشرق الأوسط. ويساعد إيران ،الممثلة الأساسية للشيعة في العالم الاسلامي- زيادة قوة الشيعة في المنطقة ،رغم كونهم أقليات في الدول التي يتواجدون فيها، خاصة في أعقاب التطورات بالعراق ولبنان.

وتوفرت فرصة أخرى لإيران عندما اختفى العراق كطرف مركزي بمنطقة الخليج. حيث كان سابقا، القوة الأساسية المقابلة لإيران، ودخلت معه بحرب خسرتها في بداية ثمانينيات القرن الماضي. لكن تغير هذا الوضع كليا في العقد الأخير بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى، وإحتلالها من قبل الولايات المتحدة عام 2003. ونتيجة لذلك فقد العراق قوته العسكرية، وجزء مهم من مكانته وتأثيره السياسي. وفي الوضع الحالي، لا يوجد طرف إقليمي يستطيع التصدي للتوسع والنفوذ الإيراني بالمنطقة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية ودول الخليج الصغيرة، القلقة جدا من النشاط الإيراني، وبالأخص جهودها للحصول على قدرات نووية، وأن تصبح طرف إقليمي موازي، وتطلب من الولايات المتحدة وقف التمدد الإيراني.

وعلاوة على ذلك، تبدي الولايات المتحدة ضعفا في علاجها لمشاكل الشرق الأوسط، وبعد أن برزت كقوة عظمى في تسعينيات القرن الماضي ،بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي، ظهر في العقد الاخير ضعفها بالشرق الأوسط نتيجة ثقل الأعباء المفروضة عليها. وظهرت صعوبات أمام الولايات المتحدة نتيجة غرقها في المستنقعين الافغاني والعراقي، وفشلها حتى الان في إيقاف المشروع النووي الايراني، وبعدم نجاحها بالمساعدة في تقدم المسيرة السياسية الإسرائيلية-الفلسطينية، وبعلاجها المتردد للاضطرابات التي تمر بها الدول العربية في الوقت الحالي.

وأتيحت لإيران فرص إضافية ،ليست بالضرورة بمبادرة منها، لم تتأخر باستغلالها منها: إنهيار الإتحاد السوفييتي الذي رفع عن إيران التهديد الإستراتيجي القديم، وفتح لها فرصة زيادة تأثيرها في دول أسيا الوسطى والقوقاز، والتغيير في سياسة تركيا، وسيطرة حماس على قطاع غزة.

 

العراق وأفغانستان

أثار التدخل الأمريكي في أفغانستان عام 2001 وفي العراق عام 2003 قلقا عميقا في النظام الإيراني ،الذي اعتبر سقوط دولتين إسلاميتين مجاورتين له، ووجود قوات أمريكية كبيرة على حدوده سابقة لعمل عسكري ضدها. وإزداد الشعور الإيراني بالخطر، نتيجة انتشار الدول المؤيدة للولايات المتحدة حول إيران، التي يوجد في بعضها قوات أمريكية كبيرة نسبيا، يمكن أن تكون أساسا لمهاجمة إيران. ونتيجة لهذا الخوف أوقفت ايران وبشكل مؤقت المشروع النووي العسكري حتى تتجاوز الأزمة.

لكن، كلما مر الوقت، اتضح للنظام الإيراني أن الولايات المتحدة، لن تسارع في شن هجوم على إيران، نتيجة المخاطر وعدم الوضوح المرتبط به. لكنها لا تستبعد كليا عدم شن الولايات المتحدة هجوم عليها، حتى أنه يتزايد بين الفينة والأخرى خاصة عندما تصرح الإدارة الأمريكية أن الخيار العسكري ما زال مطروحا. لكن، الانطباع العام هو أن النظام في إيران يعتقد أن احتمال شن الولايات المتحدة هجوما عليها أصبح ضعيفا.

وعلاوة على ذلك، أسرع النظام الإيراني بالتقاط الميزات الكبيرة الكامنة بالوضع في العراق، وفهم أنه أتيحت له فرصة كبيرة جدا. من دولة ،قبل عدة عقود، شكلت التهديد الأخطر لإيران، لدولة خاضعة للتأثير الأكثر أهمية لها، وذلك في أعقاب التغييرات التي مرت على العراق في السنوات الماضية. وعلاوة على كل شيئ، فإن إسقاط نظام صدام حسين، وعملية الدمقرطة التي قادتها الولايات المتحدة، حولت الشيعة للطرف الأقوى بهذا البلد، ومنح إيران فرصة تاريخية لبناء مكانة ومركز نفوذ في العراق. وفي المقابل، ’يمكن ضعف السلطة المركزية في العراق، لصالح المليشيا الطائفية والمسلحة، إيران من استخدام أدوات نفوذها، وتقدم مصالحها هي بالمنطقة

ووضعت إيران أهدافا لها في العراق هي: أولا، وجود حكم شيعي في العراق يكون مقربا منها، ومن أجل ذلك دعمت إيران الشيعة في العراق وتنظيماتهم المشاركة في المسيرة الديمقراطية، التي أشرفت عليها الولايات المتحدة، وشجعتهم على التوحد في كتلة واحدة من أجل قيادة الحكومة. ثانيا،  بقاء العراق دولة ضعيفة من الناحية العسكرية، كي لا تشكل خطرا عسكريا عليها. ورغم ذلك، يهم إيران بقاء العراق دولة موحدة ومستقرة، خوفا من انتقال عدوى الانقسام إليها نظرا للتنوع الإثني في إيران خاصة بأوساط الأقلية الكردية. ثالثا، لإيران أهمية قصوى بخروج القوات الأمريكية من العراق، التي تعتبر وجودها خطرا عليها، وتفضل خروج هذه القوات بهزيمة عسكرية، ومنع إقامة علاقات سياسية واستراتيجية وإقتصادية بعيدة المدى بين العراق والولايات المتحدة بعد سحب قواتها.

ومن أجل تحقيق الأهداف المذكورة، استخدمت إيران أدواتها السياسية، مثل تقديم مساعدات عسكرية للمليشيا الشيعية المسلحة، وتضمنت هذه الأسلحة صواريخ وقذائف متقدمة تستطيع اختراق المدرعات الأمريكية. كما دربت إيران هذه الميلشيا ومولتها. ونقل جزء مهم من المساعدات العسكرية بواسطة قوات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الذي أدخل المئات من عناصره للعراق لتحقيق الهدف المذكور، وجند حزب الله لتقديم المساعدات، وفي نهاية المطاف تسلل الإيرانيين لأجهزة الأمن العراقية. وفي نفس السياق، بذلت إيران جهودا سرية وعلنية من أجل التأثير على نتائج الانتخابات التي أجريت بالعراق عام 2005. وبعد الانتخابات استخدمت كل نفوذها من أجل تشكيل ائتلاف حكومي شيعي عام 2010 بمشاركة كردية. وتبعث إيران ألاف رجال الدين والطلاب للعراق، خاصة للمدن المقدسة، للتأثير أيديولوجيا، وعملت على ربط علماء الدين العراقيين بها. وفي السياق المذكور، تقدم إيران المساعدات الاجتماعية للعراقيين في الأماكن التي لا تستطيع الحكومة العراقية الوصول إليها –خاصة في مناطق الجنوب العراقي- من أجل اكتساب تعاطف هؤلاء. وفي النهاية، تقيم إيران علاقات رسمية واسعة مع الحكومة العراقية وتلعب دورا متزايدا باقتصاد البلاد.

وتعتبر إيران الشريك الاقتصادي الثاني للعراق بعد تركيا، حيث تزودها بالدوات الكهربائية، وتشغل بنوكا فيها. ونتيجة ذلك تحولت العراق إلى دولة متعلقة بإيران في استيراد البضائع.

وتعتبر الطائفة الشيعية مركز الثقل الإيراني، حيث تتمتع بعلاقات مباشرة مع أطراف شيعية كثيرة، تضم في صفوفها مليشيا مسلحة وأحزاب وقيادات سياسية ورجال الدين ورجال أعمال. وأقرب الجهات الشيعية في العراق قربا لإيران هو المجلس الإسلامي العراقي الأعلى ،الذي أسس عام 1982 في إيران، ومليشيا بدر التي دربت من قبل الحرس الثوري، حيث انتقلا للعراق بعد الاحتلال الأمريكي لهذا البلد عام 2003. ويتبع إيران جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر ،المتحالف مع إيران تكتيكيا. ورغم تلقي جيش المهدي المساعدات المالية والأسلحة والدعم اللوجيستي والتدريب، ورغم ذلك، هناك شكوك متبادلة بينهما. إضافة لذلك، علاقة إيران مع جيش المهدي قصيرة، لكن عندما تعرض الصدر للضغوط الأمريكية عام 2007 هرب لإيران، وعاد للعراق عام 2010. وترى إيران بالعلاقة مع مقتدى الصدر مصدر قوة توجه ضد الولايات المتحدة. وفي نفس الوقت، تقيم إيران علاقات وثيقة مع الاحزاب الكرية الكبيرة، وعلاقات مع بعض الجهات السنية.

ورغم النفوذ الإيراني الذي لم يسبق له مثيل بالعراق، فإنجازاتها في هذا البلد مختلطة. وفي الجانب الرسمي هناك نفي لوجود مثل هذا النفوذ. ورغم المساعدات العسكرية والمالية الكبيرة التي تقدمها إيران للتنظيمات الشيعية العراقية، تنفي هذه المنظمات ارتباطها بإيران، واهتمامها منصب على الشئون الداخلية، ولا تساعد إيران في تحقيق مصالحها. وعلاوة على ذلك، توجد خلافات وتوترات كبيرة بين الجهات المؤيدة لإيران في العراق. وفوق كل ذلك، يسود أوساط الشيعة العراقيين العداء والشك بنواياها. وما زالت مأساة الحرب العراقية الإيرانية تثقل على كاهل العلاقات بين الدولتين. وإضافة لذلك، يوجد تنافس ديني بين شيعة العراق وشيعة إيران، حيث يتواجد في العراق أكثر الأماكن قدسية للشيعة –النجف وكربلاء. ويرفض الشيعة العراقيين وعلمائهم مبدأ ولاية الفقيه التي يطرحها رجال الدين الإيرانيين.

ومما لا شك فيه، يشكل الوجود الأمريكي العسكري والسياسي في العراق عائقا مهما أمام النفوذ الإيراني. وفي هذا السياق بذلت إيران جهودا جبارة لمنع التوصل لاتفاق استراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق في شهر تشرين الثاني عام 2008، لكنها فشلت بذلك. ورغم الضغوط الإيرانية على القيادة العراقية وقعت الحكومة العراقية على بند يمنعها من مهاجمة الدول المجاورة للعراق. ويعزز الوجود الأمريكي في العراق، من وجود حكومة مركزية، وبالتالي يضعف النفوذ الإيراني، ويمنح المجموعات المختلفة القوة لمواجهة النفوذ الإيراني.

ويضمن، القرب الجغرافي والعلاقة المذهبية والعلاقات افقتصادية بين العراق وبين إيران، مستوى معقول من النفوذ الإيراني المستقبلي على هذا البلد. ومع ذلك، يتحدد مستواه من عدة عوامل هي: أولا، مستوى العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وبين العراق مستقبلا. لكن خروج القوات الأمريكية من العراق من شأنه أن يزيل حاجزا مهما أمام زياد النفوذ الإيراني. ثانيا، قوة الحكومة العراقية الداخلية، فكلما كانت هذه الحكومة ضعيفة ازداد تعلقها بإيران –والعكس صحيح. ثالثا، استمرار النفوذ الإيراني في العراق متعلق بالوضع الأمني فيها. ومن زاوية معينة، سيلعب تدهور الأوضاع الأمنية لصالح إيران، نظرا لحاجة الأطراف لجهات داعمة لها. وفي جميع الأحوال، زيادة النفوذ الإيراني أو تراجعة متعلق بتوجهات النظام المستقبلية، وكلما قلص علاقة بلاده بالجهات الخارجية واكد على الوطنية العراقية، سيتضرر النفوذ الإيراني بالعراق.

وفيما يتعلق بافغانستان، خلق الاحتلال الأمريكي لهذا البلد فرصا جديدة لإيران لزيادة نفوذها، لكن بحجم اقل بكثير من الفرص التي توفرت لها في العراق. وفي السياق المذكور قدمت الولايات المتحدة خدمة كبرى لإيران عندما اسقطت نظام طالبان المعادي لها. بعد ذلك وضعت إيران هدفين رغبت بتحقيقها في افغانستان هما: أولا، إخراج القوات الأمريكية في أسرع وقت ممكن من أجل إزالة التهديد الموجه لها من قبل هذه القوات. والثاني، زيادة النفوذ الإيراني في كل افغانستان عامة، وفي مناطق الغرب خاصة، حيث تتواجد الأقلية الشيعية ذات العلاقة التقليدية مع إيران. ومن أجل تحقيق ذلك، اتبعت إيران عدة خطوات -تشبه ما اتبعته في العراق- مثل قيام الحرس الثوري تزويد حركة طالبان والفصائل الأخرى بالأسلحة والتدريب. رغم العداء السابق بينهما. وفي المقابل تعزز إيران علاقاتها بنظام كرزاي، وتستثمر مبالغ ضخمة في شق الطرق والتمديدات الكهربائية وفي التعليم والصحة. ومثل العراق، تقيم إيران علاقات شخصية مع كل القيادات السياسية الأفغانية، خاصة مع قيادات الأقلية الشيعية. ونتيجة ذلك، تحولت إيران لطرف مهم في أفغانستان، استعدادا لخروج القوات الأمريكية منها.

 

الأطراف المحيطة بإسرائيل: سوريا ولبنان وقطاع غزة

اتساع المصالح الإيرانية وتطلعها لأن تصبح قوة إقليمية، تدفعها منذ سنوات لبذل جهود متواصلة في أنحاء الشرق الوسط وخارجه لتحقيق الغاية المرجوة. وفي السنوات الأخيرة عززت إيران علاقاتها مع حزب الله في لبنان ومع حماس بقطاع غزة ومع تركيا. وبالإضافة لذلك، نضيف مصالح إيران بالخليج الفارسي والبحر الأسود (لن تبحث في هذا المقال).

لكن، العلاقات المهمة لإيران هي مع سوريا، التي لم يحدث عليها أية تغييرات استراتيجية مهمة. ويعود التحالف بين الدولتين منذ تسلم النظام الإسلامي سدة الحكم  في طهران. ويعتبر التحالف بين الدولتين من أطول التحالفات الموجودة في المنطقة. ورغم ذلك، تبرز بين الفينة والأخرى خلافات بين الدولتين، خاصة في مجال تطلع سوريا للتوصل لتسوية سياسية مع إسرائيل، وخشية إيران من أن تدق هذه التسوية أسفينا في العلاقات بين الدولتين. وتريد إيران الاستعداد لرفض سوري للضغوط الإيرانية في حال تم التوصل لتسوية بالمسار اللإسرائيلي-السوري، بهدف وقف المسيرة السياسية بين الجانبين. كما توجد خلافات بين الدولتين في القضايا العربية ولبنان. لكن وبشكل عام، تتفوق مصالح الجانبين على أية خلافات بينهما، حيث يتعاون الطرفان في قضايا مركزية بالمنطقة، بما في ذلك التعاون العسكري وتسليح حزب الله. وبخصوص توازن القوى بين الدولتين فهو يميل لصالح إيران بسبب الجهود التي بذلتها لتعزيز مكانتها في الشرق الأوسط، ونظرا للضعف الذي أبدته سوريا بعد سحب جيشها من لبنان.

وتعتبر الساحة اللبنانية مركزا دائما ومهما لإيران نظرا: للقوة المتنامية للطائفة الشيعية بالنسيج اللبناني، تأسيس حزب الله وعلاقاته الوثيقة مع إيران، الراغبة بتحويل بتحويل لبنان لخط جبهة متقدم أمام إسرائيل، ورؤية إيران بأن لبنان موقع صراع بين الحضارتين الغربية والاسلامية.

وترى إيران بحزب الله قصة نجاح، لأنه أسس وفق المعايير الإيرانية، ويقوده رجل دين، كما يقف الحزب بالجبهة الأمامية أمام إسرائيل، وبالتالي يخدم مصالح إيران في المنطقة. ومن أجل ذلك، يتلقى حزب الله مساعدات عسكرية ومالية أكثر من أي تنظيم ومليشيا مدعومة من إيران.

ومنذ حرب لبنان الثانية ازداد تعلق حزب الله بإيران، حيث احتاج التنظيم للسلاح والأموال لإعادة قدراته العسكرية أمام إسرائيل، ومن أجل احتياجاته الداخلية. ونتيجة لذلك، أصبحت إيران المزود الأساسي للسلاح لحزب الله ،إلى جانب سوريا. ويتضمن السلاح الذي تزوده إيران لحزب الله عشرات ألاف الصواريخ التي يصل مداها أبعد من الصواريخ التي استخدمت في الحرب. وتحسين قدرة قصف حزب الله للجبهة الداخلية الإسرائيلية لا يخدم فقط التنظيم، بل هو مصلحة إيرانية لايجاد ردع موثوق به أمام إسرائيل، ومن ضمن ذلك الاستعدادا لامكانية شن إسرائيل هجوم على المواقع النووية الإيرانية. ويقدم جزء مهم من المساعدات العسكرية والتدريب والتوجيه من قبل قوة القدس التي تشارك في عمليات التنظيم، وفي اتخاد القرارات. والسؤال المطروح هو، هل يخضع حزب الله لتعليمات إيران بكل الأوضاع، أو أنه ترك لنفسه هامش مناورة معين، خاصة عندما تتعارض مصالح الحزب مع مصالح إيران.

النفوذ الإيراني في لبنان تعمق بالسنوات الأخيرة في أعقاب ازدياد النفوذ الشيعي في لبنان، الذي تبعه تعزيزا للقوة السياسية لحزب الله بالنظام اللبناني. وفي أيار عام 2008 انتهت المواجهة بين حزب الله وحكومة لبنان بالتوقيع على اتفاق الدوحة، الذي منح في إطاره حزب الله وحلفائهم حقائب وزارية تمكنهم من الاعتراض على أي قرار لا يرغبون به. ورغم فشل حزب الله بانتخابات عام 2009 لصالح تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، قلصت قوة الحزب في الحكومة. وبعد استبدال سعد الحريري بنجيب ميقاتي المرشح المريح لحزب الله، ازداد نفوذ حزب الله في الحكومة خاصة أن 18 حقيبة وزارية من أصل 30 يتولاها أعضاء من حزب الله وحلفائهم.

ومقابل زيادة النفوذ الإيراني في لبنان من خلال تعزيز قوة الطائفة الشيعية وحزب الله، بدأت إيران بالعمل على توسيع نفوذها بالدولة، حيث أشارت الزيارة الأولى من نوعها، للرئيس أحمدي نجاد لبنان وجنوبه في تشرين أول عام 2010 إلى الجهود الإيرانية لتوسيع نفوذها من خلال حزب الله والطائفة الشيعية بالنظام السياسي اللبناني، ومن خلال تطوير علاقات متنوعة وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع حكومة لبنان. وفي هذا الإطار ذكرت تقارير أن أحمدي نجاد اقترح على الحكومة اللبنانية تزويد الجيش اللبناني بالأسلحة وتدريبه. وتشن إيران حملة أيديولوجية في لبنان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بواسطة حزب الله من أجل ايجاد مجتمع مقاوم لخوض صراع طويل المدى مع إسرائيل بقيادة حزب الله.

ورغم النجاحات الكثيرة في لبنان ،هناك حدود لنمو النفوذ الإيراني في لبنان، نظرا لمنافسة سوريا لها في النفوذ في لبنان، ووجود مصالح كثيرة لها البلد، ولوجود تيارات كثيرة متحفظة من التدخل الإيراني بهذا البلد.

وعلى مدار سنوات طويلة حاولت إيران التدخل في النظام الفلسطيني، لأن الساحة الفلسطينية هي الجبهة الأساسية في مواجهة إسرائيل، ولإيران مصلحة كبيرة في وقف مسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، وتتطلع للتأثير في الأحداث المهمة في كل الشرق الاوسط. لكن، بشكل عام لم تنجح إيران بايجاد مراكز تأثير بهذه الساحة، لأن السلطة حذرة من إقامة علاقات وثيقة جدا ،باستثناء فترات قصيرة، خوفا من تكرار قضية مثل سفينة السلاح “كارين A”. ويعتبر الجهاد الإسلامي أكثر التنظيمات الفلسطينية قربا من إيران حتى من الناحية الأيديولوجية، في حين فضلت حماس المحافظة على مسافة ما، واقتصرت العلاقة على طلب المساعدة محدود منها.

وتغير هذا الوضع كليا بعد سيطرت حماس على قطاع غزة في حزيران عام 2007، حيث احتاجت حماس للمساعدات الفورية نظرا لتوسع جيشها، وكبر حجم المسئوليات التي أخذتها على نفسها تجاه سكان قطاع غزة، ومن أجل استمرار صراعها ضد اسرائيل، وفي أعقاب مواجهة الحصار الذي فرض على القطاع، وعزلها نسبيا من المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، كانت إيران أكثر من مستعدة لمساعدة حماس، بشكل غير مباشر بواسطة حزب الله، أو بشكل مباشر من خلال مدها بالأموال والتدريبات العسكرية، حيث اعتبرت مصدر السلاح الأساسي لحماس الذي ينقل للقطاع عن طريق البحر، وعبر خطوط برية من السودان ومصر. وبواسطة هذه المساعدات أرادت إيران تشجيع استمرار حماس بمواجهة إسرائيل، وبالتالي تعزيز مكانتها بالقطاع مقابل السلطة الفلسطينية، والتشويش على المسيرة السلمية مع إسرائيل، إذا تقدمت أصلا، وبالتالي توسيع نفوذها في الساحة الفلسطينية.

ومع ذلك، نذكر أن علاقة إيران بحماس تختلف جوهريا عن علاقتها بحزب الله المرتبط بإيران ايديولوجيا وعمليا، حيث أسس الحزب من قبل ايران ومتعلق بها. وفي المقابل تحتاج حماس للمساعدات الإيرانية فقط. وعليه، للطرفين مصلحة مشتركة، لكن حماس غير مرتبطة بإيران وتتطلع للمحافظة على استقلالها. ومن هذه الزاوية لا يمكن اعتبار حماس ذراع إيراني متقدم كما هو حال حزب الله، لكنه يخدم المصالح الايرانية.

 

الصداقة الجديدة مع تركيا

منذ الثورة الإسلامية تميزت العلاقات الإيرانية-التركية بنوع من الشك المتبادل والخلافات والمنافسة. وتوفر هذا الجو نظرا للتناقضات الجوهرية القائمة بين الطرفين المتمثلة بالمشاركة الإيرانية بالإرهاب ومساعدة التنظيمات المتطرفة في تركيا، والتعاون الأمني بين تركيا وإسرائيل، والتنافس بينهما بالبحر الأسود والنشاط العسكري التركي ضد المتمردين الأكراد في شمال العراق. ورغم هذا الشك، كانت العلاقات طبيعية بين الدولتين بشكل عام، رغم طرد السفير الايراني عام 1997 عندما حضر اجتماعا للمعارضة الاسلامية، ووقع الطرفين اتفاقيات اقتصادية مهمة.

وحصل في السنوات الأخيرة، بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، تغيير بالعلاقات بين الطرفين، الذي عبر عنه بتعزيز العلاقات وتبادل الزيارات بين قادة الدولتين، وبتفهم تركي أكثر لمواقف إيران. لكن الموقف الأبرز المعبر لتركيا كان في مسالة المشروع النووي الإيراني، حين عارضت تشديد العقوبات على إيران، وصوتت ضد ذلك في مجلس الأمن. وحاولت مع البرازيل التوسط وتقديم اقتراح في مجال تخصيب اليورانيوم، وهو الاقتراح الذي رفضته حكومات الغرب. مما سهل على إيران التهرب من الضغط الدولي الذي كانت خاضعة له. وتقارب إيران مع تركيا مفهوم، حيث ساعدها ذلك بفك العزلة الدولية الجزئية الذي تتعرض له والتخفيف من خطورة العقوبات عليها.

 والجديد بالسياسة التركية هو الطابع الاسلامي لحكومتها، وسياسة “صفر المشاكل” مع جيرانها التي يحاول وزير خارجيتها داوود أوغلو تسويقها، جاءت لاعتبارات اقتصادية محضة، وحاجتها للطاقة الكبيرة لها وللتعبير عن استيائها من السياسات الأوروبية والأمريكية. ولا يمكن اعتبار التقارب الإيراني-التركي تحالفا حقيقيا، فبين الدولتين تناقضات أساسية كبيرة، إن كانت في طابع النظامين، أو من حيث التوجهات الدولية والإقليمية. ولا يقل عن ذلك، التنافس القائم بين الدولتين للتأثير بأحداث منطقة الشرق الأوسط والبحر الأسود، وكذلك التاثير في العراق. وهناك تناقضات مهمة بسياسة الدولتين من أهمها، عدم تنازل تركيا عن سياستها المبدئية مع الولايات المتحدة والغرب، مقابل التقارب مع إيران، تعارض تركيا وجود إيران كدولة نووية وقلقة من مشروع الصواريخ الذي تبنيه، تؤيد مسيرة السلام بين إسرائيل والعرب. ورغم التناقضات، تخدم السياسات التركية في الوقت الحاضر إيران من أجل توسيع نفوذها بالمنطقة.

 

انعكاسات الاضرابات في الشرق الأوسط على إيران

للاضطرابات الحاصلة في الشرق الأوسط انعكاسات مهمة على المكانة الإقليمية لإيران. وميزان الربح والخسارة معقد. لكن ومن جميع الزوايا، تعتبر إيران من الأطراف الرابحة من الاضطرابات الحالية لأسباب التالية:

أولا: تجد الولايات المتحدة صعوبات في طريقة معالجتها لانعكاسات الاضطرابات، وسياستها منها غير ثابتة. وجهودها بالتسريع في إسقاط حليفها القديم حسني مبارك، مست بمصداقيتها عند حلفائها الأخرين، المنزعجين من إمكانية عدم تلقيهم الدعم الأمريكي في أوقات الضيق، ومن عملية الدمقراطية ،التي ترغب الولايات المتحدة بتطبيقها بالعالم العربي ما زالت في بداياتها، ومن غير الواضح إلى أي مستوى ستتقدم ،إذا تقدمت. وهناك امكانية من استغلال تيارات إسلامية هذا التوجه من أجل احتلال مراكز القرار بالدول العربية، وهذا الأمر يخدم إيران.

ثانيا: يمر العالم العربي بحالة ضعف، وحكامه مهتمين بشئونهم الداخلية، أو يخوضون صراعا من أجل البقاء. ونتيجة ذلك، أصبح هناك فراغا، ’يمكن إيران من التغلغل فيه لتعبئته. ويرى قادة إيران بالاضطرابات الحاصلة بالعالم العربي استمرارا للبعث الإسلامي الذي بدأت فيه الثورة الإيرانية. وفي هذا الاطار مهم لها ما يحدث في مصر، نظرا لقيادة نظام مبارك في السنوات الأخيرة الجهود التي بعض الدول العربية للتصدي للتهديد الإيراني، حيث اعتبر مبارك إيران واتباعها -حزب الله وحماس- تهديدا وعدوا يجب محاربتهم. كما رفضت مصر إعادة العلاقات مع إيران ،التي قطعت من قبل إيران بعد الثورة الإسلامية. الان تغيرت الظروف، حيث تتحدث الحكومة التي شكلت بعد سقوط مبارك عن إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران -رغم أنها لم تسارع لذلك- وعن تغيير التعامل مع حماس. وإذا تسلم الإخوان المسلمين الحكم في مصر مستقبلا فان ذلك يخدم المصالح الإيرانية.

ثالثا: تعتبر إسرائيل من الأطراف الخاسرة من الإضطرابات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تطرح علامات استفهام كثيرة حول مستقبل العلاقات والسلام بين إسرائيل وبين مصر والأردن، ومسيرة السلام مع الفلسطينيين عالقة ومليئة بالمشاكل حتى قبل اضطرابات المنطقة، وفي الآونة الأخيرة، دخلت بحالة جمود عميق، ولا تتعجل إسرائيل من أجل إنقاذ مسيرة السلام نظرا لحالة عدم الوضوح بالمنطقة. وهذا الأمر يخدم المصالح الإيرانية، ويفشل مسيرة السلام.

رابعا: تركيز الانتباه العالمي على اضطرابات العالم العربي، يقلل الرغبات الدولية المطلوبة للاهتمام بالمشروع النووي الإيراني. وبالإضافة لذلك، لم تجر خلال عام 2011 أية مفاوضات مع إيران بخصوص مشروعها النووي، ولم تمارس عليها أية ضغوط حقيقية لوقف مشروعها النووي. ومكن الوضع العربي المذكور إيران من استمرار تطويرها لمشروعها النووي من دون إزعاج تقريبا.

لكن القصة تقريبا لم تنته مع إيران عند النقاط المذكورة. فميزان الربح والخسارة معقد أيضا اتجاه إيران، حيث تحمل الاضطرابات في الشرق الأوسط مخاطر على النفوذ الإيراني بالمنطقة. كما تشهد إيران توترا، قد ينفجر بين الفينة والأخرى، نتيجة عدم رضا جزء كبير من الشعب الإيراني عن نظام الحكم الحالي وقادته. وخرج في إيران نفسها مئات ألاف المتظاهرين للشوارع لنفس الأسباب التي دفعت الجماهير العربية للتظاهر بالعواصم العربية المختلفة مطالبين باسقاط قادة النظام، وايجاد أفق سياسي جديد في الدولة، والسماح بحرية الرأي والتنظيم السياسي، وتقليص القمع، وتحسين الوضع الاقتصادي. وتتعرض قمة النظام لتصدعات خطيرة لم يسبق لها مثيل، حيث انتقد كبار رجال الدين القائد الروحي خامينئي والرئيس أحمدي نجاد، وازدادت الصراعات بين مراكز القوى شدة، وتبادل المعنيين بالأمر الاتهامات المتبادلة والعلنية ،خاصة بين أحمدي نجاد ورئيس البرلمان. كذلك هناك تصدع علني بين علي خامنئي أحمدي نجاد على خلفية إقالة وزراء من الحكومة. والتصدعات المذكورة غير مرتبطة بشكل مباشر بالتوترات الداخلية في إيران بل تزيد منها.

وحتى هذه المرحلة لا يتوقع سقوط نظام الحكم، لأن المظاهرات التي جرت بالمدن الإيرانية في بداية عام 2011 كانت ضيعفة، وبعيدة عن مستوى المظاهرات التي وقعت عام 2009. وتبين مرة أخرى أن القوة المتنوعة التي استخدمها النظام ضد المتظاهرين شكلت لهم حالة ردع في عام 2011. وحتى الان لم تظهر تصدعات في اخلاص حرس الثورة والمليشيا المختلفة “الباسيج” للنظام. لكن امكانية التغيير ما زالت قائمة “ولعبة الدينمو” من شأنها أن تمتد لإيران. ويبدو أن ساعة الحقيقية ستأتي عندما تقرر الجماهير الإيرانية التي ترغب بالتغيير، أنها أكثر إصرارا على تحقيق أهدافها، متأثرة من الأحداث التواقعة الان في سوريا وليبيا، وعندما تتوفر قيادة مناسبة لهم، وتتوسع القاعدة الشعبية. ولا يوجد شك، أن سقوط النظام الإيراني، سيكون أهم نتيجة ومعنى للاضطرابات التي يمر بها الشرق الأوسط.

وإلى تأثير الاضطرابات، نضيف ما يجري في الدولة الصغيرة البحرين، لأن المظاهرات جرت فيها لها انعكاسات مهمة تتجاوز مساحتها الصغيرة. نظرا لأن معظم سكانها من الشيعة، ويخضع بعضهم للتأثير إيران التي تدعم مظاهرات شعب البحرين، و’تذكر بين الفينة والأخرى بعلاقاتها التاريخية معها. والتغيير في البحرين سيؤثر على السعودية، وحتى على المصالح الامريكية فيها التي يوجد على أراضيها قيادة الأسطول الأمريكي الخامس. ودفعت الانعكاسات الإقليمية لمظاهرات البحرين الداعية لإسقاط نظام الحكم فيها، العربية السعودية للتدخل عسكريا في البحرين بهدف مساعدة حكامها بالتغلب على المظاهرات الداخلية. وحتى الان نجحت حكومة البحرين في مواجهة التدهور الحاصل. ويعبر قمع المظاهرات في البحرين عن جهود سنية ناجحة للتصدي للنوذ الإيراني. لكن، لا بد من الإشارة أن الصراع للسيطرة على مملكة البحرين لم ينته بعد. وحتى هذه المرحلة، يعبر ما جرى عن فشل مضاعف لإيران، فمن جهة اعتبرت إيران طرف بالتحريض على النظام، ومن جهة أخرى فشلت بتقديم مساعدات للشيعة فيها.

وعلى أية حال، يتوقع أن يتضرر النظام الايراني في جبهتين إضافيتين هما: ما يواجهه حليفه الإستراتيجي في سوريا، الذي بدأ ينهار أمام الضغط الداخلي. وإذا تغير النظام في سوريا، وحل مكانه نظاما سنيا، فإنه يتقرب من الولايات المتحدة والغرب، وفي نفس الوقت يبتعد عن إيران. وحدوث مثل هذا التطور سيعرض للخطر النفوذ الإيراني في لبنان، وعلى دعم إيران لحزب الله، التي يمر بعضها عن طريق القناة السورية، ونفس الوضع ينطبق على حماس. وبالإضافة لذلك، لن تكون عملية الدمقرطة في العالم العربي ،إذا تحققت، لصالح إيران، التي تعارض الدمقراطية الليبرالية لأسباب أيديولوجية.

 

خلاصة 

يشهد النفوذ الإيراني في النطقة نموا متزايد، ساهم فيه الضعف النسبي لخصومها وعدم نجاحهم بالتصدي لهذا النفوذ، بما في ذلك فشل مواجهة المشروع النووي. كما ساهم بزيادة النفوذ الإيراني قدرتها على استغلال الفرص التي توفرت لها نتيجة حالة الفراغ التي نشأت في دول ضعفت مثل العراق وافغانستان ولبنان، وحاجة التنظيمات المسيطرة في هذه المناطق مثل حزب الله وحماس والمليشيا المسلحة في العراق وافغانستان، للمساعدات الإيرانية. وعليه، وبواسطة أجهزة منظمة فاعلة -ضخت الأموال والأسلحة وبواسطة قوة القدس ورجال الدين- نجحت إيران في ايجاد مراكز قوة لها ومناطق نفوذ مهمة من محيطها القريب حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وتمنح هذه المناطق عمليا للتيار المتطرف الممتد من أفغانستان مرورا بإيران ومنها إلى العراق الشيعية وإلى سوريا ولبنان، حتى تابيعها في قطاع غزة، وإلى التجمعات الشيعية المنتشرة في الخليج. والحصول على سلاح نووي ،إذا تحقق ذلك، سيمنحها قوة إضافية للتأثير، لأنه سيزودها بآداة ضغط حديدة على دول المنطقة كي تسير وفق الركب الإيراني.

وإلى جانب النجاح الإيراني، تحدث أمور يمكن لها أن تقيد هذه الانجازات، مثل سعي بعض الدول الإقليمية المتعاونة مع إيران كالعراق التي لها -في بعض الاوقات- مصالح متناقضة واعتبارات محتلفة، للعمل على تقليص النفوذ الإيراني. وبالاضافة لذلك، هناك جبهة واسعة جدا من الحكومات المختلفة، وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية التي تبذل جهودا للتصدي لإيران -رغم محدودية النجاح. وعلاوة على ذلك، فإن الشرق الأوسط المتغير الذي لم تظهر قوته وتوجهاته غير واضحة حتى الان، تشير إلى مستوى النفوذ الإيراني وإدارته. وبالإضافة لكل ذلك، هناك احتمال كبير لتغيير النظام ،لم يتحقق بعد، مستقبلا.

ورغم نجاحات إيران، لا يوجد شك أنها تخشى من التطورات السلبية التي ستؤثرها عليها -خاصة من احتمال سقوط أنظمة حكم عربية جديدة. الأمر الذي سيشجع من جديد تنظيم مظاهرات ضد النظام، وسقوط النظام السوري سيسقط معه التحالف مع إيران. وإذا وقعت هذه التطورات ستفقد إيران ما كسبته حتى الان من الجهد الذي بذلته في الماضي من الاضطرابات التي يشهدها العالم العربي.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash