تؤد الاضطرابات التي اندلعت في العالم العربي ببداية عام 2011، إلا إحداث تغييرات كبيرة في مكانة إسرائيل الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وفي علاقاتها مع العالم العربي، وخلال هذا المقال ستعرض الرؤية الإسرائيلية للشرق الأوسط قبل اندلاع الاضطرابات وبعدها وتأثيرها على مكانة، وعلاقة إسرائيل مع محيطها العربي.

العلاقات الإسرائيلية-العربية – قوة الجمهور

 

شلومو بروم

ترجمة عليان الهندي

تؤد الاضطرابات التي اندلعت في العالم العربي ببداية عام 2011، إلا إحداث تغييرات كبيرة في مكانة إسرائيل الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وفي علاقاتها مع العالم العربي، وخلال هذا المقال ستعرض الرؤية الإسرائيلية للشرق الأوسط قبل اندلاع الاضطرابات وبعدها وتأثيرها على مكانة، وعلاقة إسرائيل مع محيطها العربي.

 

الشرق الأوسط قبل الربيع العربي

مع انفجار الربيع العربي ،ساد في إسرائيل رؤية ثنائية للشرق الأوسط. وحسب هذه الرؤية، يشارك في الصراع على المنطقة محورين سياسيين وإستراتيجيتين هما: الأول، يضم الدول والحركات الراديكالية بقيادة إيران، وفيه سوريا وحزب الله وحماس، وسمت هذه الدول نفسها بتيار المقاومة أو الممانعة. ويتميز هذا التيار بمعارضته للوضع القائم، إن كان بمكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، أو بمكانة الولايات المتحدة والغرب وتدخلهم في المنطقة، وضد علاقات الدول العربية بهذه القوى. ويحرض التيار المذكور على إسرائيل والغرب، وعلى الأنظمة العربية “المتعاونة” معها. وتعتبر المقاومة النهج المفضل لتغيير الوضع القائم. أما المحور الثاني، فمكون من الدول المعتدلة بقيادة مصر والعربية السعودية، التي يشك باستمرار نظامها في أعقاب الربيع العربي، وترغب بالمحافظة على الوضع القائم ومنع التيار المقاومة من تعزيز مكانته على حساب محور دول الاعتدال، ويضم هذا التيار معظم الدول العربية.

وتطلعت إسرائيل إلى المحافظة وتقوية اتفاقيات السلام التي وقعتها مع بعض الدول التابعة لمحور الاعتدال، وتطوير علاقات وتعاون إستراتيجي مع الدول الأخرى التابعة للمحور المذكور. وهو التعاون الذي يركز على إضعاف تيار المقاومة وتحييده، خاصة إيران، التي تعتبر التهديد الأكبر لإسرائيل بسبب مشاريعها النووية.

وفي عام 2010، وبدرجة معينة قبل السنوات من هذا التاريخ، بدا واضحا أن الصورة سطحية بدرجة كبيرة، وأن هناك أطراف ليست قليلة في الشرق ترفض ملائمة نفسها مع وجهة النظر المذكورة، أو تجد صعوبة بملائمة نفسها مع الرؤية المذكورة بسبب ميزات مركزية يؤمنون بها. فدول مثل سوريا المحسوبة على محور المقاومة، وتعتبر حليفا إستراتيجيا وأساسيا لإيران، تدير سياسات متعاقبة لإجراء مفاوضات مع إسرائيل بهدف التوصل لاتفاق معها، ووافقت على مبادرة السلام العربية التي تعترف بدولة إسرائيل، وحاولت تحسين علاقتها مع الولايات المتحدة. ومن الواضح أن لسوريا مصالح مشتركة مع إيران تدفعها لتعاون واسع النطاق يشمل حزب الله في لبنان وحماس ومنظمات الرفض الأخرى العاملة في الساحة الفلسطينية، ضد إسرائيل والغرب ،من وجهة نظر سورية. ومع ذلك، لا يعتبر النظام السوري نفسه في “جيب إيران” وهو معنى بالتعاون مع كل الأطراف، أو مواجهتها بما يتناسب ومصالحها المباشرة.

وفي الشرق الأوسط هناك طرف أساسي أخر (تركيا) لم يعد يعتبر نفسه في السنوات الأخيرة تابعا لأحد المعسكرات. فمن جهة تعتبر تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي، واعتبرت نفسها تقليديا جزءا من المعسكر المؤيد للغرب. وفي هذا السياق، ’دمجت تركيا بالاقتصاد العالمي بشكل كامل وتقيم علاقات دبلوماسية واقتصادية متنامية مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، تتبنى حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان سياسة مستقلة بشكل كلي، حيث تتطلع السياسة المذكورة للعب دور مركزي عند الجميع. ومن أجل ذلك حسنت علاقتها بشكل جوهري مع معسكر المقاومة، وتجري اتصالات جيدة مع سوريا وإيران وحماس. ولا تتعاون أو تشارك وهي غير راغبة –بشكل علني- بنشاطات هدفها التصدي لتيار المقاومة (مثل مشاركتها في تطبيق قرار مجلس الأمن الأخير بفرض عقوبات على إيران).

وهناك طرف آخر، أصغر بكثير من تركيا، يدير سياسة ذات طابع مشابه للسياسة التركية وهي قطر. حيث حاولت القيام بدور الوسيط بين دول تيار الممانعة وبين دول التيار المعتدل، وكأنها ليست محسوبة على طرف، رغم أن هذا الدور كبير على مقاسها. وفي هذا الإطار استخدمت بشكل فعال شبكة الجزيرة التي تملكها، والتي مكنتها من التعبير عن دعمها لتيار المقاومة، وفي نفس الوقت حافظت على علاقات جيدة مع الدول المعتدلة. وفي السنوات الأخيرة، واجهت قطر صعوبة في إدارة السياسة المذكورة بنجاح، لأنها دخلت في صراعات مع دول مركزية في محور الاعتدال مثل مصر والعربية السعودية اللتان لم تكن مستعدتان لتقبل مراهناتها، وحسب رؤيتهما بالوقاحة الكامنة في السياسة القطرية.

وبالنسبة لحكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو فإن الأهداف المركزية لإسرائيل من وراء علاقاتها مع الدول العربية هي في مجالان هما: مقاومة دول محور المقاومة، والدور الذي تلعبه دول الاعتدال في مسيرة السلام، خاصة أمام الفلسطينيين. وأدى انهيار مسيرة أوسلو والبرودة في العلاقات مع العالم العربي، بالتفكير الإسرائيلي إلى إعطاء أفضليات أقل كثيرا للأبعاد الأخرى في علاقاتها المتنوعة مع الدول العربية. وعلى سبيل المثال، لم تعط الحكومة الإسرائيلية قيمة كبيرة لعلاقات اقتصادية مع العالم العربي، ووجهتها الاقتصادية كانت دائما نحو الأسواق الواقعة خارج الشرق الأوسط.

وأعطت حكومة إسرائيل أولوية لمواجهة المحور الذي تقوده إيران، مركزة فيه على مواجهة المشروع النووي الإيراني. ويبدو أنها دفعت بغير رغبتها إلى المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، الذي جاء نتيجة ضغط جهات دولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة عليها. وفي بداية الحوار بين إدارة اوباما ورئيس الحكومة نتنياهو، حاول الأخير إقناع الإدارة الأمريكية اشتراط حل القضية الفلسطينية بشكل خاص ومع العالم العربي بشكل عام بايجاد حل للمشروع النووي الإيراني. لكن نتنياهو اضطر للموافقة على موقف الإدارة الأمريكية الذي عبر عنه في خطاب جامعة بار إيلان، وباستعداد إسرائيل لتجميد الاستيطان لفترة محدودة من أجل العودة لطاولة المفاوضات مع الفلسطينيين. ومن الناحية العملية، لم تكف هذه الجهود من أجل التغلب على عدم الثقة المتبادلة، وظلت المفاوضات مع الفلسطينيين مجمدة.

 وفي العام الأخير لم يحدث أي تطور على المسار السوري، رغم تبادل الرسائل بين الطرفين بهدف بحث إمكانية تجدد المفاوضات بين الطرفين. ورغم التقييمات السابقة التي ذكرت أن من المريح لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو التفاوض في المسار الإسرائيلي–السوري، لأنه أقل تعقيدا من المسار الإسرائيلي-الفلسطيني، ولأن أجهزة الأمن الإسرائيلية المختلفة تدعم هذا التوجه بسبب القيمة الاستراتيجية الكبيرة لإسرائيل من وراء التوصل لتسوية على المسار السوري. لكن لم يحدث تحول حتى في هذا المجال. وربما يعود الجمود في المسار السوري إلى عدم رغبة بنيامين نتنياهو دفع ثمن اتفاق مع سوريا –انسحاب كامل من الجولان. وطرح مستشار بنيامين نتنياهو في فترة حكمه الثانية مئير دغان أفكارا لاتفاق مع سوريا، يتم في إطارها انسحابا إسرائيليا من جزء من هضبة الجولان، وفي نفس الوقت تعرب عن استعدادها لتبادل أراض ستبقيها تحت سيطرتها. وفي وقت متأخر، طرحت أفكار بخصوص تسوية مرحلية مع سوريا تتضمن انسحابا جزئيا من هضبة الجولان، مقابل سلام أقل مع إسرائيل. ويعتقد أن ترفض سوريا هذه الأفكار في حال نقلها إليها، لأنها تتعارض كليا مع نظريتها بخصوص شروط السلام مع إسرائيل. وعليه، لم يكن بالامكان تجديد المفاوضات على الأسس المذكورة. وربما فشلت محاولات إحياء مسار التسوية لسبب معقول وهو أن تركيبة الحكومة الإسرائيلية لا تسمح لها بالانسحاب من هضبة الجولان. ويعتقد أن تقديرات نتنياهو تتحدث عن حل ائتلافه الحكومة في حال دخل بمفاوضات جدية مع سوريا، وبالتالي سقوط حكومته.

النتيجة من كل ذلك هي أن العام الأخير شهد جمودا كاملا لمسيرة السلام في المسارين السوري والفلسطيني، مع انعكاسات سلبية على علاقة إسرائيل بالعالم العربي.

ويجري نقاش داخل إسرائيل حول مدى تأثير مسيرة السلام ،خاصة مع الفلسطينيين، على العلاقات المتنوعة مع مختلف الدول العربية. والادعاء الأساسي هو أن الأنظمة العربية تدفع ضريبة شفوية فقط في المسار الفلسطيني، وهي لا تعنيهم، حيث تركز هذه الأنظمة على مصالحها ومصالح دولها كما يفهمونها. والتسريبات في ويكيليكس بخصوص المفاوضات التي أجراها دبلوماسيين أمريكان مع جهات حاكمة مع دول الخليج، تثبت صحة وجهة نظر نتنياهو، وذكرت الوثائق الصادرة عن ويكيليكس أن الجانب العربي ركز على التهديدات الإيرانية لدول الخليج، وممارسة الضغط على الولايات المتحدة للقيام بما هو مطلوب منها، بما في ذلك استخدام الوسائل العسكرية بهدف وقف المشروع النووي الإيراني.

ولا يوجد تجديد في الادعاء الإسرائيلي الأساسي، بان الأنظمة والدول بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص تعمل بالأساس من أجل مصالحها، لكن مسألة العلاقة مع إسرائيل هو أمر مختلف لسببين هما: الأول، لأي درجة تستطيع الأنظمة العربية العمل على تقديم مصالحها في ظل الوضع القائم في النزاع الإسرائيلي العربي ؟. وثانيا، هل تستطيع هذه الدول التعاون في ظل مثل هذا الوضع من أجل مصالحها المشتركة ؟.

لكن، تصرفات الأنظمة العربية في السنوات الأخيرة تشير إلى غير ذلك. فالجمود السياسي مع إسرائيل والمواجهات العنيفة التي كانت طرفا فيها وضعت عقبات كبيرة للتعاون ضد دول محور الممانعة، كما تقتضي مصلحة دول الاعتدال. ولأن مثل هذا التعاون لا يتمتع بشعبية في هذه الدول، حيث تتعاطف جماهير الدول المعتدلة مع دول محور الممانعة، وكذلك واجهت هذه الدول صعوبات للتعاون مع إسرائيل في هذا الجو.

وكانت مواجهة نظام الحكم في مصر لحماس في قطاع غزة نموذج للصعوبات المذكورة. ورغم تعامل نظام مبارك مع حماس كعدو يهدد نظامه لأنه فرع من الإخوان المسلمين، إلا أنه وجد صعوبات في تبني سياسة فعالة معادية لحماس، أو تعاون مع إسرائيل ضدها، بسبب عدم تعاطف الشعب المصري مع مثل هذه السياسة. وتعرض للنقض العام عندما أدار سياسة اعتبرت من قبل المصريين على أنه تعاون مع إسرائيل، في حين كانت بالنسبة لمبارك خدمة للمصالح المصرية ،المتناقضة مع المصلحة الإسرائيلية. فعلى سبيل المثال، التعاون في الحصار على قطاع غزة لم ينبع من الرغبة بالتعاون مع إسرائيل، بل يعود ذلك بدرجة كبيرة إلى الشك العميق بنوايا إسرائيل الطامعة بدفع قطاع غزة لأحضان مصر. وحسب وجهة نظر مبارك، فإن مثل هذه الخطوة تتعارض مع مصلحة مصر، وإغلاق معبر رفح مع قطاع غزة يهدف لمنع تحقيق الهدف الإسرائيلي. والتصدي لذلك يبرر تجاهل الرأي العام.

الجو العام في الشارع العربي أوجد صعوبات في إقامة علاقات متنوعة وأساسية بين إسرائيل والدول العربية، التي أقامت إسرائيل معها علاقات رسمية، ومع الدول التي أقامت معها علاقات غير رسمية. وأصدق تعبير على تدهور علاقات إسرائيل مع الأردن، التي أصبحت العلاقات معها مشحونة وعدائية، وكذلك مع مصر التي لم يتحول أبدا السلام “البارد” لساخن.

 

 

انعكاسات الربيع العربي

طرح الربيع العربي إشكالية العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي، لأن ما حدث قلص الفارق بين مواقف الأنظمة العربية ومواقف الجمهور العربي.

وقيل في إسرائيل أن حركة انبعاث الشارع العربي المهدد للأنظمة الحالية في الدول العربية غير مرتبطة بالصراع الإسرائيلي-العربي، وإنها نابعة من مشاكل داخلية للأنظمة والمجتمعات العربية. ورغم أن هذا الإدعاء صحيح من حيث المبدأ، إلا أنه يتجاهل ميزات الاحتجاجات في العالم العربي. وخرج المتظاهرين ضد ديكتاتورية الأنظمة العربية، لأنها لم تأخذ مصالح هذه الجماهير بعين الاعتبار، ولم تقدم خدمات لهم، بل خدمت نخب صغيرة وفاسدة، ولم يقم الجمهور بأي دور في الحكومات أو التأثير على قراراتها بالمواضيع المهمة له مثل محاولة مبارك نقل السلطة لابنه جمال، أو في القضايا الاجتماعية-الاقتصادية وتوزيع الموارد، أو في السياسة الخارجية بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل.

غير أن الحكومات الجديدة في العالم العربي ستأخد بعين الاعتبار مواقف جماهيرها في القضايا المذكورة أعلاه. والرأي العام العربي أصبح أكثر عدائية لإسرائيل منذ انهيار مسيرة السلام. وبعد سنوات من الكشف عن الصور المفزعة للانتفاضة الثانية وحرب لبنان عام 2006، وحرب غزة، والتحريض الشديد على إسرائيل في وسائل الإعلام العربية. وعلى ضوء صور المظاهرات ضد إسرائيل، التي جرت في الدول العربية بمناسبة ذكرى النكبة في 15 أيار عام 2011، من الصعب الاستمرار بالقول أنه لا توجد علاقة بين احتجاجات الجمهور في الدول العربية وبين النزاع الإسرائيلي العربي، لأن المتظاهرين ضد إسرائيل الذين شوهدوا على شاشات التلفزة، جاءوا من نفس الجمهور الذين يتظاهر ضد الأنظمة.

وحتى هذه المرحلة، من غير الواضح بعد ما هي الأنظمة الجديدة، ومن سيحل مكان الأنظمة التي سقطت. سيناريوهات مختلفة يمكن لها أن تحقق، بدءا من سيطرة جهات إسلامية على دول مثل سوريا ومصر أو عن طريق حكومات ضعيفة وغير مستقرة لأحزاب علمانية متنوعة، وانتهاءا بأنظمة عسكرية ذات تأثير أو تدخل مختلف للجيش في شئون الدولة. ويمكن القول بكل تأكيد، أن كل الحكومات الجديدة ستصغي جيدا لرغبات جماهيرها. وهي أول خلاصة من طابع الاحتجاجات في العالم العربي. أما الأنظمة التي ستواجه العاصفة وستبقى في سدة الحكم مثل نظام بشار الاسد، فإن المجال الأسهل له هو في تفريغ الكبت الجماهيري نحو إسرائيل.

 

نموذج الامتحان المصري

تعتبر مصر نموذجا مهما ،لأنه يمكن الأن تمييز سير الأحداث فيها. حيث تخضع مصر لحكم العسكر الذين سيسلمون السلطة لجهات مدنية بعد إجراء انتخابات في نهاية عام 2011، وللرئاسة فيما بعد. ومن الصعب التقدير أين ستسير الأمور ؟. ومن غير الواضح كيف ستكون نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية ؟. وما هو شكل الحكومة القادمة ؟. والسؤال المركزي في هذا الإطار هو: ما هي قوة الإخوان المسلمين مقابل قوة الأحزاب العلمانية ؟. كل الأسئلة مطروحة تستحق الإجابة. وفي المقابل، يمكن استشعار الرياح الهابة اتجاه إسرائيل. وفي السياق المذكور ألقى رئيس الحكومة المدنية المؤقتة العاملة تحت سلطة الجيش، ووزير خارجيته ووزراء أخرين بتصريحات معادية لإسرائيل، وقدمت وعود باتباع سياسات متعنتة تجاه إسرائيل خاصة في موضوع الغاز. وفي هذا الإطار أمر رئيس الحكومة الجديد بدراسة مستفيضة للصفقة، حيث صرح وزير الاقتصاد أن مصر ملتزمة باتفاق السلام مع إسرائيل، غير أنها غير ملتزمة ببيعها الغاز. أما نائب رئيس الحكومة فقد اتهم إسرائيل بالاعتداء على مصر اقتصاديا، وبرفع نسبة التضخم فيها.

وبخصوص التصريحات التي صدرت عن المرشحين لمنصب الرئيس، فهي تشير إلى النية بإدارة سياسية متعنتة اتجاه إسرائيل. وفي السياق المذكور صرح عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية السابق، والمرشح الأوفر حظا لصحيفة واشنطن بوست، عندما سئل عن المشروع النووي الإيراني: “الموضوع النووي في الشرق الأوسط معناه أولا إسرائيل، ومن ثم إيران، ولمصر الكثير كي تكسبه من العلاقات مع إيران. وفي لقاءات أخرى صرح موسى أن مبارك أخطأ بقرار التعاون مع إسرائيل وفرض الحصار على غزة. وأضاف، أنه وخلال توليه وزارة الخارجية كانت له خلافات مع مبارك بخصوص العلاقة مع إسرائيل. ويطالب موسى بإتباع خطوات ضد إسرائيل أكثر وضوحا. أما المرشح أيمن نور ،زعيم المعارضة الديمقراطية الليبرالية، فقد صرح أن اتفاقيات كامب ديفد انتهى سريانها، لأن الحديث يدور عن اتفاق قديم يجب تحسين شروطه بشكل يتلاءم مع مصالح مصر. أما المرشح الثالث محمود البرادعي، فقد اقتبس عنه بقوله أنه إذا هاجمت إسرائيل غزة، فان مصر ستعلن الحرب على العدو الصهيوني.

ويبدو أن التقييمات، بأن الأنظمة الجديدة التي ستقام، أو القديمة التي لن تنهار، ستركز على المشاكل الداخلية لدولها، وبدرجة أقل على سياستها الخارجية، غير معتمدة. ومن الصعب على شخصية مثل عمرو موسى أو محمد البرادعي اللذان يملكان خلفية غنية في السياسة الخارجية أن يمتنعوا عن التركيز على القضايا الخارجية. والعكس يبدوا منطقيا أكثر. وعلى سبيل المثال، في حالة انتخاب عمرو موسى للرئاسة فإنه سيهتم بمؤتمر إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل المخطط عقده في عام 2012، وهو لا يخشى مواجهة إسرائيل في هذا الموضوع. ويعتقد أن الحكومات العربية ستجد صعوبات بمواجهة المشاكل الداخلية، خاصة اقتصادها الضعيف، حينها ستفضل هذه الحكومات اكتساب شعبيتها من خلال تحقيق إنجازات في السياسة الخارجية.

 

انعكاسات إمكانية إلغاء اتفاقيات السلام 

ربما ستكون هناك مستويات مختلفة من السياسات المعادية لإسرائيل. وبالنسبة لدولة إسرائيل فان السؤال المركزي هو: هل سيمس اتفاق السلام مع مصر ؟. حتى الأن تصرح معظم الجهات في مصر، بما في ذلك الذين يخططون لخوض الانتخابات القريبة أنهم سيحترمون الاتفاق. لكن تصدر تصريحات ضد الاتفاق عن بعضهم بين الفنية والأخرى، ويبدو أن الهدف من وراء ذلك خدمة لمصالحهم الانتخابية. إلى ذلك، نضيف معطيات متناقضة من استطلاعات الرأي العام المصري التي تزيد عن حالة عدم الوضوح. حيث أظهر استطلاع أجراه معهد PEW في شهر أيار عام 2011 أن 45% من الجمهور المصري يؤيد إلغاء اتفاق السلام. في حين أشار استطلاع أجر في شهر أذار عام 2011 أن 63% سيصوتون لحزب يحافظ على اتفاق السلام مع إسرائيل، وأشار 37% أنهم سينتخبون حزبا يعد بإلغاء الاتفاق.

وحتى الان، تشير التصريحات الواردة من الجهات المختلفة في الساحة السياسية المصرية المتبلورة، أن احتمال المس باتفاق السلام مع إسرائيل منخفضة. ومع ذلك، وضعت التغييرات في مصر، اتفاق السلام على جدول الأعمال اليومي العام. وإذا مس اتفاق السلام مع مصر ،ضمن سيناريوهات معينة، ربما سيمس اتفاق السلام مع الأردن. الأمر الذي سيكون له انعكاسات بعيدة المدى على إسرائيل. فاتفاق السلام مع مصر عام 1979 أخرجها من دائرة الدول التي يمكن أن تشارك في حرب مع إسرائيل. وقلص الاتفاق المذكور بدرجة كبيرة إمكانية تشكيل ائتلاف من الدول العربية لشن حرب على إسرائيل، وحول سيناريو شن حرب ضدها من جبهتين إلى سيناريو ضعيف التحقق. ونتيجة للاتفاق مع مصر بني الاستعداد الإستراتيجي الإسرائيلي، وترتيب قواتها ووضع الخطط العسكرية، وفق افتراض أن الحرب ستكون على جبهة واحدة. كما مكن اتفاق كامب ديفيد تركيز الاستعدادات العسكرية في جبهات أخرى ووفر بالموارد ،وإذا توصلت إسرائيل لاستنتاج أن حرب عربية شاملة ستشن عليها فإنها تحتاج لتغيير تقييماتها الاستراتيجية بطريقة مذهلة.

ونتيجة ذلك، وضعت إسرائيل مخططاتها العسكرية على افتراض أن الحرب التي ستشن عليها ستكون من جبهة واحدة. وفي حال وقعت تغييرات استراتيجية في مصر و/أو الأردن، فإن ذلك يحتاج لوقت طويل لترجمة ذلك إلى تهديدات موجهة لها. ذلك أن الطرف الأخر هو أيضا يتطلب إجراء تغييرات إستراتيجية في سياسته. ومع ذلك، فإن تغيير استراتيجية إسرائيل يتطلب وقتا ليس قليلا، بسبب الحاجة إلى إنشاء ألوية جديدة وتدربيها والتزود بالذخائر والأسلحة، وتغيير الخطط الحربية لها. والمعنى النابع من ذلك هو أن على إسرائيل إعطاء أهمية كبيرة جدا للموعد الذي ستحدث فيه تغييرات استراتيجية في الجانب العربي.

ويضع ما يجري في العالم العربي إسرائيل أمام مشكلة معقدة حول اختيار طرق عملها في عالم عربي غير واضح. وللاستعدادات العسكرية في بعض الأحيان، مضمون نبوءة تحقق ذاتها، فربما يفسر الطرف الثاني ذلك على أنه نوايا هجومية. وإذا بدأت إسرائيل بالاستعداد المبكر لامكانية انهيار اتفاق السلام مع مصر، فإنها ستتعرض للخطر. وإذا بدأت ذلك في وقت متأخر من انهيار السلام مع مصر، فإنها ستكون غير مستعدة لمواجهة التغييرات في مصر.

ولانهيار اتفاق السلام مع الأردن ،انعكاسات استراتيجية هي أيضا خطيرة على إسرائيل وذلك بسبب موقع الأردن المطل على الخاصرة الضيقة على إسرائيل وعدم وجود فصل جغرافي بينهما يقوم بالدور الذي تلعبه شبه جزيرة سيناء أمام مصر .ومع ذلك، يجب التوضيح أن نظام الحكم الأردني حافظ حتى الان على الاستقرار. وانضمامه المتوقع لمنظومة دول التعاون الخليجي تساهم هي أيضا بالاستقرار وفي القدرة على تجاوز الربيع العربي بسلام.

 

تأثير التغييرات العربية على مسيرة السلام

مسألة أخرى سيكون لها تأثير ممكن في مواقف الأنظمة الجديد والقديمة التي تقاوم من أجل بقائها في سدة الحكم هي، علاقات هذه الأنظمة بالمسيرة السلمية. وتشير الصورة الحالية أن الأنظمة الجديدة في العالم العربي ستواصل دعم المسيرة السلمية، ومبادرة السلام العربية. لكنهم سيتبعون سياسة ترفض الموافقة على التقسيم الإسرائيلي للفلسطينيين بين طيب وشرير، و’يعتقد أنهم سيتبنون سياسة مشابهة لسياسة تركيا، التي تتطلع لمشاركة جميع الأطراف بالمسير السلمية.

وكان أول تعبير عن التوجه الجديد، هو نجاح مصر بالوساطة والتوقيع على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس. يذكر أن نظام مبارك اعتبر حماس عدوا له. أما النظام الجديد، فيعتبر حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية شرعية، ويرى بحماس طرفا أساسيا شرعيا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار بنفس المستوى الذي تؤخذ به قيادة م.ت.ف والسلطة الفلسطينية. ولهذا السبب وعد النظام الجديد في مصر بوقف الحصار على قطاع غزة.

ويتوقع إسرائيليا، وبعد التطورات في العالم العربي، صعوبة إيجاد جهات في العالم العربي للمساعدة في رسن الجهات الفلسطينية وغيرها الذين تعتبرهم مخربين للمسيرة السلمية، كما يصعب تجنيد الأنظمة الجديدة لممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية الرسمية لاتخاذ خطوات، تعتبرها إسرائيل مساعدة للمفاوضات. وكانت الأهداف المذكورة صعبة قبل الربيع العربي ،لكنها كانت في بعض الأوقات ممكنة، مثل السياسيات اتجاه حماس في قطاع غزة.  الان وعلى ضوء التطورات في العالم العربي، يتوقع تراجع الضغوطات بصورة كبيرة.

وفي سياق منفصل، من الصعب معرفة تأثير الأحداث في العالم العربي بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، على المسار الإسرائيلي-السوري. وفي الوقت الحاضر تعارض إسرائيل المفاوضات والتوصل لاتفاق مع سوريا بدعوى أن التطورات هناك تردع إسرائيل من الدخول في مفاوضات، وبالتأكيد التوصل لاتفاق مع سوريا، لاعتقادها أن مفاوضها السوري سيختفي عن الساحة. وفي المقابل، يصرح المؤيدين للمفاوضات مع سوريا -صوتهم لا يسمع جيدا- أنه لو كان لإسرائيل اتفاق سلام مع سوريا، فإن قدرتها على مواجهة التطورات هناك أفضل.

والأسئلة المركزية في هذا المجال هي :ما هو تأثير الأحداث على النظام في سوريا ؟. وهل نظام البعث سيبقى ؟، وهو احتمال معقول نظرا لصورة الوضع الحالية. وهل توجه بشار الاسد للدخول في المفاوضات مع إسرائيل يعزز موقعه أم لا ؟. يبدو أن الأمر متعلق بتقدير بشار الاسد نفسه بالفائدة من المفاوضات مع إسرائيل على استقرار نظام حكمه، فإذا قرر أن الجمهور السوري يؤيد بمعظمه المفاوضات وسيعيد الجولان للسيادة السورية، يعتقد أنه سيقرر التمسك بسياسته الساعية لمثل هذه المفاوضات، وربما تعزيزها. وإذا قرر أن الرأي العام المعادي لإسرائيل يعارض هذه الخطوة، هناك احتمال معقول بأن يتنازل عن المفاوضات. ولمعرفة موقف الاسد من هذا الموضوع يمكن الإطلاع عليه من اللقاء الذي أجراه مع جريدة “وول ستريت جورنال” في 31 كانون أول عام 2011 عندما صرح أن نظامه لا يواجه خطر مثل بقية الأنظمة لأنه لا يعارض الشعب في معاداته لإسرائيل. وتصرفات النظام السوري فيما يتعلق بمحاولات لاجئين فلسطينيين التوجه بمسيرة تجاه الحدود في هضبة الجولان بذكرى النكبة ونكسة حزيران، تعزز التقدير المذكور لبشار، الذي يفيد بأن احتكاك معين مع إسرائيل يعتبر خدمة للنظام ويساهم في استقراره.

وسيجد المراقبين عن بعد، صعوبة أكيدة في التعرف على الرأي العام المغلق بسوريا، وكيف سيكون موقف هذا الجمهور من المفاوضات مع إسرائيل. لكن، وبعيدا عن صورة عدم الوضوح الحالية بسوريا، لا يمكن لإسرائيل وسوريا العودة لطاولة المفاوضات في الأونة القريبة، ما لم تستقر الأوضاع هناك. وإذا تغير النظام في سوريا سيكون من الصعب التقدير كيف ستكون سياسة النظام الجديد من المفاوضات مع إسرائيل، خاصة أنه لا توجد تقديرات واضحة حول قوة الإخوان المسلمين في النظام القادم.

ومقابل ذلك، لا يوجد أي جديد في العلاقة مع لبنان، فالتوقعات بنجاح حزب الله وحلفائه بتشكيل حكومة جديدة موالية لسوريا ،بعد إسقاط حكومة الحريري، بكل بساطة لم تتحقق، حيث وضعت صعوبات كبيرة أمام تشكيل الحكومة التي أقيمت بعد أشهر طويلة، وضعف سوريا في أعقاب موجة الاحتجاجات ضد نظام الحكم فيها لم تسهل تشكيلها. ومعنى ذلك، أن العلاقات الإسرائيلية-اللبنانية لن تتغير في أعقاب الأحداث الأخيرة إلى الأسوء ولا إلى الأفضل ويبدو أن الطرفين يحرصان على الهدوء القائم بحدودها المشتركة، خاصة بسبب الردع المتبادل.

 

خلاصة

خلطت الأوراق من جديد. والشرق الأوسط الذي يتشكل أمامنا سيكون معقدا أكثر من الماضي، ومن غير الممكن بعد، منح وصف للأنظمة العربية وفق المنطق القديم (دول تابعة لإيران ودول تابعة لمحور الاعتدال). ويتوقع أن تدير الكثير من الحكومات العربية سياسات خارجية مستقلة، مع اهتمام أقل من الماضي بمواقف الولايات المتحدة والغرب بشكل عام وبالتأكيد إسرائيل. وستصغي الحكومات الجديدة أكثر من السابق للرأي العام في دولهم. إذا، لا يبشر المستقبل بالخير لإسرائيل، خاصة أن المسيرة السياسية “عالقة”، وربما تحدث أزمة في الشأن الفلسطيني بعد التوجه للأمم المتحدة عام 2011.

ومع ذلك، يضع الوضع الجديد مشاكل كثيرة أمام إسرائيل، لكنه يخلق أمامها فرص جديدة، تستطيع من خلالها مساعدة الأنظمة الجديدة ،المنزعجة من الشئون الداخلية، بأن تزيل من جدول أعمالها الصراع معها والمسألة الفلسطينية. وإذا عملت بإصرار على إحياء مسيرة السلام. والمناورة بين المعسكرات المختلفة، مع استغلال انهيار الحدود بين محور الممانعة ومحور الاعتدال، وتحسين العلاقات مع الدول المعنية بعلاقات مع إسرائيل يتطلب منها تبني سياسة أكثر حكمة، تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الوضع الجديد والمتشكل في الشرق الأوسط.  

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash