يناير
04

خلال عام 2011 وقع المجتمع الدولي خاصة دول حلف شمال الأطلسي وروسيا في أزمة سياسية واقتصادية متزايدة. ومن جانب أخر كان لأحداث ما يسمى بالربيع العربي انعكاسات على الدول المذكورة تطلبت منها ردود في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

 

 

الدول العظمى في الشرق الأوسط

والسير على خيط رفيع

 عوديد عيران وتسفي مغين وشمعون شتاين

ترجمة عليان الهندي

خلال عام 2011 وقع المجتمع الدولي خاصة دول حلف شمال الأطلسي وروسيا في أزمة سياسية واقتصادية متزايدة. ومن جانب أخر كان لأحداث ما يسمى بالربيع العربي انعكاسات على الدول المذكورة تطلبت منها ردود في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وستظل هذه المشاكل تشغل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا في العام القادم، وربما بعد ذلك. وستضع هذه التحديات قدرات تلك الدول في المحك. وعلى الدول المذكورة، إضافة للصين، منع اندلاع أزمات داخلية أخرى واستيعاب الأزمات الناشئة عن الاضطرابات التي تدق بعض الأنظمة العربية المركزية في الشرق الأوسط.

 

التحديات التي تواجه الولايات المتحدة

بدأت في الولايات المتحدة الاستعدادات لإجراء انتخابات رئاسية. وحتى حسم هذا الموضوع تنصب جهود الرئيس أوباما على إعادة انتخابه لولاية ثانية في تشرين الثاني عام 2012. ونتيجة لذلك ستكون قدرات الرئيس أوباما على المناورة السياسية محدودة في المجال الداخلي، ليس لاعتبارات انتخابية فقط، بل بسبب سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب. وتشير حالة الإرباك التي تمر بها الإدارة الأمريكية في معالجتها للاضطرابات وحالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط إلى الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. ومن الأمثلة على حالة الإرباك الأمريكي في حال قرر البيت الأبيض تقديم مساعدات مالية لدول معينة في الشرق الأوسط، فإن ذلك يتطلب اخذ موافقة من مجلس النواب الذي يملك تأثيرا محدودا في السياسة الخارجية. والرئيس الأمريكي الذي لا يرغب في الظهور كـ “مواجه” لمجلس النواب الأمريكي سيحاول منع الجمهوريين من تحقيق إنجاز بتقديمه للجمهور كشخصية فاشلة في معالجته للسياسة الخارجية. كما تواجه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عام 2011 عقبات قوية جدا في كل ما يتعلق بالسياسة الواجب إتباعها في الشرق الأوسط، وهي التي سترافقه في حملته الانتخابية. والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: كيف ستواجه الولايات المتحدة وشركاؤها في اللجنة الرباعية الدولية وفي G 8 تحديات الربيع العربي، مع توقعات بتدهور الأوضاع في الساحة الإسرائيلية-الفلسطينية، وكيفية مواجهة التطورات المستقبلية للمشروع النووي الإيراني.  

ويؤكد النجاح الذي حققته إدارة الرئيس أوباما بالقضاء على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على مزيد من التوتر الشديد في العلاقات الأمريكية الباكستانية، حيث وجد بن لادن ملاذه هناك. ويبدو أن هذه العلاقات لن تتحسن في العام القادم. وفي أفغانستان، تحتاج الولايات المتحدة لقوات كبيرة جدا للمحافظة على نظام الحكم في هذا البلد، وكذلك الأمر بخصوص العراق حيث من المقرر انسحاب هذه القوات الأمريكية منها بنهاية عام 2011. ونتجة لذلك، أبدت إدارة أوباما رغبتها باستمرار وجودها العسكري بالعراق من أجل المحافظة على الاستقرار الذي تحقق. وحتى الان لم تستجب الحكومة العراقية للإشارات الواردة من الولايات المتحدة. وحتى في حالة استجابة العراق للمطلب الأمريكي، فإن ذلك يعني المزيد من الضحايا الأمريكان، حينها ستقرر الولايات المتحدة سحب جنودها من العراق. ويبدو أن جهات شيعية ،إن كان بتوجيهات إيرانية أو من غيرها، تمتنع عن مهاجمة القوات الأمريكية على افتراض أنها ستنسحب بنهاية العام 2011. وتغيير هذه الجهات موقفها من الولايات المتحدة لحالة عداء مطلق سيغير قواعد الاشتباك في العراق. والعبء الاقتصادي المرتبط بوجود قوات كبيرة سيؤثر على قرار الانسحاب. وإضافة إلى الأزمات التي تواجه إدارة الرئيس أوباما، هناك مسألة النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. فالنقاش الذي سيجري بمجلس الأمن حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض “الفيتو” ،في حال عرضه، سيمس بمكانتها بالشرق الأوسط، وسيدفع الجهات المعادية لها لضرب مصالحها ومؤسساتها.

وبعد عامين من الخلافات العلنية العميقة بين الإدارة الأمريكية ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين بخصوص إمكانية العودة لطاولة المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لم يبق أمام الإدارة الأمريكية سوى إحصاء الأضرار التي تتعرض لها، وبذل جهود لمنع تفاقم الوضع على الساحة الإسرائيلية-الفلسطينية. وحول العلاقات بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية، لم يخف محمود عباس خيبة أمله من سياسات الرئيس الأمريكي براك أوباما لعدم قدرته على تحريك المفاوضات. كما تواجه الإدارة الأمريكية الحالية انتقادات حادة من الشارع الفلسطيني لما يعتقده هذا الشارع انحيازا أمريكيا لجانب إسرائيل. وفي هذا الجو الملبد يجد الرئيس الأمريكي صعوبات في التأثير على الرئيس محمود عباس من أجل التخفيف من شروطه للعودة لطاولة المفاوضات. وبالإضافة لذلك، يخلق التقارب بين فتح وحماس صعوبة بتنسيق المواقف الأمريكية مع السلطة الفلسطينية (وبدرجة أقل مع الاتحاد الأوروبي) خاصة في حال تقديم محمود عباس استقالته من رئاسة السلطة. وزعزع ،طرد مبارك من سدة الحكم والدعم الأمريكي لذلك، من ثقة الأردن والمملكة العربية السعودية بالحليف الأمريكي، الأمر الذي ساهم في تقليص قدرة الولايات المتحدة على التأثير بإدارة الأزمات بالمنطقة، بما في ذلك إمكانية حدوث تمرد شعبي فلسطيني، والأخطر حدوث مواجهة عنيفة بين إسرائيل والفلسطينيين.

 


الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط

يواجه الإتحاد الأوروبي في علاقاته مع الشرق الأوسط خاصة مع دول الجنوب نوع من العلاقات المتبادلة في مجالي الأمن والاستقرار. ويعتبر استقرار الشرق الأوسط عاملا أساسيا في الأمن الأوروبي، وخلال العقود الماضية رأت أوروبا بالشرق الأوسط منطقة استقرار نسبي وعزز وجهة النظر تلك الحكام العرب ،الذي ساعدوا دول الاتحاد على تحقيق مصالحهم، ومن ضمن ذلك ضخ النفط والغاز بانتظام والتصدي لانتشار الإسلام المتطرف ومنع ،ولو بطريقة غير فاعلة، التسلل غير الشرعي لأوروبا. ومع مرور الوقت ’وقع بين الاتحاد وبين دول المنطقة اتفاقيات متنوعة وأقيمت أطر حوار مشتركة مثل منتدى برشلونة عام 1995 وسياسات جيران أوروبا عام 2004 واتحاد البحر الأبيض المتوسط عام 2008 ،والخ. وهدف الاتفاقيات الموقعة تقديم مساعدات أوروبية للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في هذه الدول لإيجاد أماكن عمل وإحداث نمو اقتصادي فيها وتشجيع الديمقراطية والتعددية السياسية وحريات الفرد. وجزء من الأهداف التي اتفق عليها لم تتحقق مثل إقامة منطقة تجارة حرة شرق أوسطية للتبادل التجاري والخدمات، التي خطط لإقامتها عام 2010. ودراسة الوثائق التي ’وقعت يشير إلى الالتزام الذي أخذته الأطراف على نفسها في مجالات حقوق الإنسان والاقتصاد والمال. و’منح الاتحاد الأوروبي الحق تجميد التعاون المشترك في حال خرق اللعبة الديمقراطية، لكن الاتحاد لم يستخدم هذا الحق رغم الخروق الواضحة. الأمر الذي دفع الجماهير للخروج للشوارع في عواصم عديدة من الدول العربية. وكل محاولة لدراسة حوار برشلونة وغيرها من الحوارات والمنتديات المشتركة التي جرت بوحي أوروبي توصلنا لنتيجة واحدة وهي أن تحويل جنوب البحر الأبيض لمنطقة ازدهار واستقرار لم تتحقق. وعلاوة عن فشل الرغبة الأوروبية بالإصلاح الاقتصادي لم يحقق ،رغم امتلاكه آليات ذلك، ولو جزء بسيط من جدول أعماله الذي تطلع إليه، حيث سمح للحكام العرب بوضع جدول أعمالهم في أي نقاش يجري مع أوروبا مع تجاهله الكلي لمطالبهم، وذلك بهدف المحافظة على أنظمتهم. ومن هذه الزواية يمكن القول أن الاتحاد الأوروبي لعب دورا في الانهيار الذي حدث بالمنطقة، الذي دفع بالقوى التي أحدثت الربيع العربي للتحرك. ومع بدء المظاهرات في تونس ومصر سارع قادة الاتحاد الأوروبي إلى القول أن هناك حاجة لتغيير سياسات الاتحاد تجاه المنطقة، فيما صرح بعضهم عن الحاجة لتغيير بعيد المدى يتجاوز تقديم المساعدات الطارئة والإنسانية. وفي اجتماع لزعماء الاتحاد عقد في الثالث من آذار عام 2011 تقرر إعادة دراسة شاملة للخطط القائمة للتنسيق مع دول المنطقة، وبلورت تفاهمات مشتركة جديدة مع دول المنطقة هدفها تحقيق الديمقراطية والازدهار الاقتصادي ،كذلك تقرر منح مساعدات ومحفزات للدولة التي تعمل على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية. ومع ذلك، فإن الصعوبات الاقتصادية بدول الاتحاد الأوروبي تضع عقبات على قدرة هذه الدول على تقديم مساعدات لدول الشرق الأوسط، وتوجه حكومة اليونان بطلب جدولة ديونها وضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدا لم يسبق له مثيل. والخيارات الموضوعة أمامه لحل مشاكل ديون اليونان وايرلندا والبرتغال متعلقة أولا وقبل كل شيء باتخاذ قرارات سياسية تدفع بالمجتمع الأوروبي الحالي إلى توجيه انتقادات شديدة خاصة من قبل جماهير الدول الغنية. ويعمل الاتحاد الأوروبي (سبعة عشرة دولة من 27 دولة ) على ايجاد حلول للمشاكل الحالية، ومنع اندلاع أخرى ، لكنهم لا يبدو أنهم يستطيعون منع ذلك. ومقابل موافقة الدول الغنية على ضخ الأموال لمؤسسات الإنقاذ التي أقيمت، التزمت الدول التي تتلقى المساعدات على إجراءات لضبط الاقتصاد وإحداث إصلاحات تؤدي لتحسين وضعها المالي. لكن، إذا وصلت الأزمة لدول مركزية مثل أسبانيا وايطاليا فان دول الاتحاد الغنية ستتقلص قدرتها بصورة هائلة على تقديم المساعدات لغيرها وحينها ستوجه ضربة مميتة للاتحاد الأوروبي نفسه.

وإلى جانب الجهود لمواجهة انعكاسات التغييرات الواقعة بالشرق الأوسط، وتقديم مساعدات للطرف الجنوبي لحوض المتوسط، ملزمة دول الاتحاد على مواجهة تعزز التوجهات القومية في أوروبا نفسها، وهي توجهات يحمل بعضها طابعا عنصريا في دول مثل منطقة اسكندنافيا ،معقل الليبرالية، التي وصلت ذروتها إلى القتل الجماعي الذي قام به نشيط اليمين في النرويج بشهر تموز عام 2011. وما جرى، يشير إلى انتشار أيديولوجيا فاشية-عنصرية. وحصلت أحزاب اليمين المتطرف في دول أخرى على تمثيل برلماني. وعلى هذه الخلفية، تواجه رغبة دول الاتحاد الراغبة بتخصيص مساعدات لدول الشرق الأوسط معارضة داخلية. وحتى هذه المرحلة، لا ’تظهر معظم حركات اليمين المتطرف عداءا لإسرائيل. ومع ذلك، يجب أن لا يغيب عن بالنا أن هذه الحركات تكن الكراهية للغرباء، وأن الموجه الأساسي لأيديولوجية بعض هذه الحركات سيؤخذ شكلا معاديا للسامية مستقبلا، وبالتالي نحو إسرائيل. وتشير طريقة إدارة قادة الاتحاد الأوروبي للازمات السياسية-العسكرية التي تطورت في ليبيا وسوريا، إلى الضعف له في بلورة استراتيجية مشتركة خاصة في مجال تنفيذ سياسة خارجية وأمنية مشتركة. وفي هذا المجال، برزت خلافات في أوساط قادة الاتحاد ،فرنسا وألمانيا من جهة، وبريطانيا التي يقودها كاميرون من جهة أخرى، الذين وضعوا خطط هجومية وقتالية ضد القذافي من دون تنسيق مسبق، إن كان ذلك في إطار الاتحاد أو في إطار حلف الناتو. مقابل ذلك، امتنعت ألمانيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن 1973 بمهاجمة قوات القذافي. وفي الوقت الذي أعاد فيه الاتحاد دراسة علاقاته مع دول جنوب البحر الأبيض -من سابق لأوانه تقرير انعكاسات هذه الاضطرابات على علاقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي. وفي سياق مختلف خيم النزاع الإسرائيلي-العربي والإسرائيلي-الفلسطيني على علاقات إسرائيل بالإتحاد. وكانت المطالبة الأوروبية من إسرائيل باستمرار المسيرة السلمية أحد عناصر الخلاف الأساسية بين الإتحاد وإسرائيل. ومنذ بداية الأحداث في الشرق الأوسط يكرر قادة الاتحاد الأوروبي بالحاجة لمسيرة سلام كعنصر أساسي من أجل الاستقرار الإقليمي. ويعتقد أن تزداد الخلافات بين الطرفين حدة، خاصة أن بعض حكومات الاتحاد غير مرتاحة من سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين خاصة موقفها من بعض المواضيع مثل استمرار البناء في المستوطنات .

واستعدادا للتصويت في الأمم المتحدة يبدو الاتحاد منقسما ومتباعدا في مجالين هما: مبادرة الاستقلال التي طرحها وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه الذي وضع عددا من المبادئ التي على أساسها ستجري المفاوضات بين إسرائيل وبين الفلسطينيين. ويشير الطرح الفرنسي المنفرد على عدم قدرة الاتحاد في بلورة موقف موحد وفرض انضباط على الدول المركزية التي تريد العمل وفق رؤيتها الخاصة. وانقسام دول الاتحاد بخصوص الدولة الفلسطينية هو خير دليل على ذلك. لهذا السبب يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في لعب دور مركزي في اللجنة الرباعية الدولية. ورغم استياء جزء كبير من دول الاتحاد الأوروبي من سياسات إسرائيل الاستيطانية، لكن ذلك لا يعبر عن الموقف الموحد لدول الاتحاد. ولهذا السبب يدعوا الاتحاد الأوروبي استمرار الولايات المتحدة في قيادتها محاولات إحياء مسيرة السلام الفلسطينية-الإسرائيلية. ورغم أن سياسات أوروبا لا تمانع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في التصويت بمجلس الأمن ،حتى لو صوتت جميعها ضد، لكن لها تأثير في مواضيع كثيرة مثل التصويت بالمنظمات الدولية. وصدور قرار من الأمم المتحدة من شأنه ليس فقط تقسيم الصوت الأوروبي، بل أن نية دول أوروبية الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومعاملة الممثليات الفلسطينية كسفارة، والتعاون مع محاولاتهم وضع حقائق تتعلق بالسيادة رغم معرفتهم بنية إسرائيل مواجهة مثل هذه الخطوات.

وإضافة للخلافات بين أوروبا وإسرائيل في المجال الدبلوماسي والرسمي ،تتطور وتتزايد في أوروبا توجهات فرض مقاطعة مدنية على المنتوجات الإسرائيلية حتى تلك غير المنتجة بالمستوطنات. ومستوى هذه الظاهرة غير منتشر كثيرا، لكن لا يمكن الاستهتار بالأضرار التي تسببها ليس فقط بالتصدير المباشر، بل بمواضيع اقتصادية أخرى مثل الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل، وخوض صراع لمقاومة هذه الظاهرة له أوجه قضائية واستخدام وسائل قضائية بالدول التي ينظم فيها مقاطعة منظمة، متعلقة بدرجة كبيرة باستعداد حكومات أوروبا للتصدي لذلك.

ومن الزاوية الإسرائيلية، هناك موضوعان يستحقان الاهتمام هما: مقاومة المشروع النووي الإيراني، ومفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. وبخصوص إيران، تعتبر أوروبا طرفا رئيسيا في الجهود الدولية العاملة لوقف المشروع النووي الإيراني، ويعتقد أنها ستواصل دورها المركزي في هذا المجال مستقبلا. ومقابل ذلك، يؤيد الاتحاد الأوروبي كل ما يتعلق بتحقيق فكرة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل. وعلى هذه الخلفية، ’يعتقد وقوع احتكاك بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل عند عقد مؤتمر لجنة الطاقة الدولية المقرر عقده عام 2012. وسيدفع انضمام تركيا للأطر الغربية، إضافة لعضويتها بحلف شمال الأطلسي “الناتو”، سياسات تركيا الخارجية إلى توازنات تحافظ فيها على الأسلمة والعلمانية. وإيجاد نموذج لعلاقات متنوعة ومتعددة بين تركيا والاتحاد الأوروبي ستشكل دعما مهما لإقامة أنظمة ديمقراطية في الدول التي نجح فيها المتظاهرين في إسقاط الأنظمة، والتوجه نحو النهج المذكور. ومع ذلك، فشل المفاوضات وعدم إيجاد بديل يكون مقبول على تركيا والاتحاد الأوروبي يزيد من حدة التوتر في الشرق الأوسط.

 

روسيا في الشرق الأوسط

تنبع سياسة روسيا في الشرق الأوسط من تنافسها التاريخي مع الولايات المتحدة لمد نفوذها. ووفق ذلك، وإضافة لرغبتها للقيام بدور بالأحداث السياسية في الشرق الأوسط، تسعى روسيا إلى  إقامة كتلة من الدول الداعمة لها، الأمر الذي تطلب منها إقامة علاقات مع المعسكر الرديكالي في المنطقة. ولروسيا قواعد عسكرية في سوريا، وتبيع الأسلحة لكل مشتري، بما في ذلك التعاون مع إيران في مجالات مختلفة ومتنوعة. لكنها حريصة على عدم خرق التوازن العسكري بالمنطقة. وفي العقد الأخير، بذلت روسيا جهود دولية حثيثة، معتمدة في ذلك على قدراتها الاقتصادية التي تحسنت بفضل ارتفاع أسعار النفط، وتحول روسيا لمزود أساسي للطاقة.

وفسرت مبادرة الولايات المتحدة لتحسين علاقاتها مع روسيا، على أنها فرصة جاءت نتيجة  الأزمة الاقتصادية العالمية، مما تتطلب منها تغيير نهجها السياسي، الذي تمثل بزيادة التعاون مع الولايات المتحدة واللجنة الرباعية والجهات الدولية الأخرى. وفي هذا السياق، عمقت روسيا تدخلها من أجل إحياء المفاوضات السياسية في الشرق الأوسط -رغم تصدي الإدارة الأمريكية لهذا التوجه، وانضمت للعقوبات الدولية المفروضة على إيران، رغم إدراكها أن المشاركة الروسية ستضر بعلاقاتها بإيران. الأمر الذي دفع إيران وروسيا للتعبير عن نوايهما بجسر الهوة بالقضايا التي لم يتفقا عليها. لكن الاضطرابات في الشرق الأوسط، وضعت روسيا على مفترق طرق نتيجة الصعوبات الداخلية، التي تلزمها بإحداث تغييرات اقتصادية تؤثر على سياساتها الخارجية. واضطرت روسيا لتحسين علاقاتها بالغرب، مع عدم تنازلها عن تطلعاتها الدولية. ويبدو أن هناك توقعات متزايدة بروسيا بخصوص ضعف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بأعقاب الاضطرابات التي تمر بها المنطقة، وتعتبرها فرصة يجب استغلالها. وربما يحدث تطور أخر ترغب به روسيا من وراء الاضطرابات في المنطقة وهو صعود حاد لأسعار النفط.

وفاجئت المظاهرات الجماهيرية التي وقعت في العالم العربي روسيا، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد من دون خطة عمل متبلورة، لمواجهة خطورة الأحداث على المنجزات التي حققتها في المنطقة خلال العقد الأخير. والأنظمة التي شهدت اضطرابات بالشرق الأوسط، كانت دول مريحة لروسيا، حيث تعاونت مع روسيا للتصدي للمتطرفين في المجالين الاقتصادي والسياسي. ومع ذلك، ردت روسيا على التطورات في الشرق الأوسط بليونة متأملة بتطوير علاقات ايجابية مع الأنظمة المختلفة في المنطقة ،بما في ذلك الجديدة، بهدف إنشاء كتلة جديدة من الدول القريبة منها. وفي السياق المذكور، ناورت روسيا بين إدارة ظهرها للأنظمة المنهارة مثل مصر وليبيا، وانضمت للعقوبات على ليبيا، وبين معارضة استخدام القوة من قبل الناتو ضد جيش القذافي، وفضلت الدفاع عن نظام بشار الاسد. وتشير طريقة إدارة روسيا لسياستها في الشرق الأوسط أنها تبعث رسائل تعبر فيها عن رغبتها بالمحافظة على تأثيرها بالحلبة الدولية، وفي نفس الوقت إرضاء الأطراف الداخلية بروسيا المؤيدة للأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط.

ومع ذلك تخشى روسيا من امتداد ظاهرة التمرد الشعبي من الشرق الأوسط إلى مناطقها وللدول التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وصعود قوى إسلامية متطرفة لسدة الحكم في الدول العربية تزعج روسيا. وحتى الان نجحت روسيا بتحييد التهديدات الداخلية المتطرفة التي تستمد دعمها من الخارج. وتشكيل أنظمة حكم متطرفة في الشرق الأوسط ،إذا أقيمت، سيخرق التوازن المذكور في روسيا نفسها. وعلاوة على ذلك، ومن وجهة نظر روسية ،فان الدمقرطة بالشرق الأوسط ليست السيناريو المفضل. لان تطبيق المعيار الديمقراطي سيدعم تفكيك المعسكر المعادي للغرب في المنطقة بما في ذلك محور الشر، الذي تبني روسيا عليه سياستها الإقليمية. ولا يقل خطورة، هو سيناريو طرد روسيا من المنطقة من قبل جهات أخرى مثل الصين. ويبدو أن روسيا تفضل أن تكون دول الشرق الأوسط ذات أنظمة حكم ديكتاتورية معتدلة، تضم في صفوفها مسلمين غير متطرفين، وأن لا تكون لهم توجهات غربية خالصة.

وفيما يتعلق بالعلاقات الروسية- الإسرائيلية، لا بد من الإشارة أن روسيا تتعامل بود ظاهري مع إسرائيل، مع تأكيدها على قربها مع سكانها والتزامها بأمنهم. وفي المقابل دعم خصوم إسرائيل في المنطقة مع المحافظة على التوازن بالعلاقات مع كل الأطراف. وفي العام الأخير، تحسنت العلاقات المتبادلة، ومن غير الواضح إن كان الأمر نابع من رغبة روسية بأخذ “تصريح” من إسرائيل لتحسين مكانتها في مسيرة السلام، أو لأسباب أخرى. ومن بين الجهات التي أقامت معها روسيا علاقات هي حماس –لم تصر روسيا على مطلب اللجنة الرباعية من حماس كشرط لتفاوض معها- ومفاوضات من دون شرط. وشجعت روسيا عملية المصالحة بين فتح وحماس. لكن التقارب بين التنطيمين، الذي حدث من دون تدخل روسي، اعتبر فشلا لسياستها الخارجية في المجال الإسرائيلي-الفلسطيني. وفيما يتعلق بالتصويت المخطط له في الأمم المتحدة حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، صرحت روسيا أنها ستصوت لصالح الاستقلال الفلسطيني. ولم يتوقف الأمر على ذلك، فهي تعتبر التصويت معبرا عن مواقفها المختلفة عن الولايات المتحدة في مسألة مسيرة السلام بالشرق الأوسط. مما يمنحها تأييدا أكبر في العالم العربي. ومع ذلك، يفترض بروسيا أن تعمل على تقليص التوتر بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة. وعليه، وبعد التصويت لا يتوقع من روسيا أن تتبنى خطوات عملية تؤدي للاعتراف بالاستقلال الفلسطيني الذي سيعلن من طرف واحد.

 

خلاصة

كشف تصرف الدول العظمى خلال الاضطرابات التي انتشرت في الشرق الأوسط، والجمود المتواصل بالمسيرة السياسية الإسرائيلية-الفلسطينية، حدود قوة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا في المنطقة. ومع ذلك، لا يتوقع أن ’تشل كليا، التنافس على الرئاسة في الولايات المتحدة، قدرات إدارة أوباما السياسية. ووقوع تطورت مثل تدهور في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين واندلاع مواجهة عنيفة بينهما، ومحاولة الفلسطينيين خلق حقائق سياسية-إقليمية في ساحة الصراع في أعقاب اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية من أجل تحقيق السيادة، وازدياد الصراع على القيادة الفلسطينية على خلفية صعود نظام جديد للحكم في مصر -لن يكون مثل مبارك يمارس الضغوط على السلطة الفلسطينية لتليين مواقفها. كل ذلك من شأنه إجبار الإدارة الأمريكية على طرح مبادرة. وعلى هذه الخلفية، يتوقع ممارسة الضغط على إسرائيل للقيام بدورها في إحياء المسيرة السياسية. كما أن الاتحاد الأوروبي لم يفقد بالمطلق القدرة على تبني سياسة خارجية وأمنية، تشكل تحديا أمام إسرائيل. وربما على خلفية أزمة اليورو، ورغم التصويت الممكن في الأمم المتحدة ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية (أو الامتناع عن التصويت) سينسق الاتحاد الأوروبي مع الإدارة الأمريكية من أجل الضغط على إسرائيل لتليين مواقفها. وبروح ما ذكر هناك تراجع متواصل في قدرة الدول الصديقة لإسرائيل بالتصدي للمبادرات المعادية لها. وتصاعد حملة عدم الشرعية الممارس بحق إسرائيل، ربما يحقق نتائج، خاصة إذا اندلعت مواجهات عنيفة في الساحة الإسرائيلية-الفلسطينية.

وعلى حكومة إسرائيل أن تأخذ بالحسبان مثل هذه التطورات عندما ترسم سياستها المستقبلية في الساحتين الدولية والإقليمية في أعقاب قرار ممكن من الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية. ويتطلب الاستعداد لذلك تنظيم في المجالين السياسي والإعلامي. والنقاش الذي سيجري في الأمم المتحدة حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية هو فصل جديد بمعركة سياسية متواصلة، تضع إسرائيل أمام تحديات جوهرية. وعلى أعضاء اللجنة الرباعية الدولية، خاصة الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، أن يشكلا توازنا تقليديا وسياسيا ضد الأغلبية العددية التي تستطيع الدول العربية تجنيدها في أي قرار لصالح الفلسطينيين في الأمم المتحدة. وعلى إسرائيل أن تساعد من أجل مواجهة ظاهرة نزع شرعيتها، وطرح حلول خلاقة للتحدي النابع من قوة الشعوب في الشرق الأوسط، وعن استعداد المدنيين للانقضاض على الأنظمة الديكتاتورية وعلى جدران الأمن المنتشرة على حدود إسرائيل بهدف خلق تحدي للنظام الذي سيجد صعوبة لمواجهة شعبه من دون أن يتعرض للانتقاد بسبب مسه بحقوق المدنيين وحقوق الإنسان. 


Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash