أكتوبر
17
في 17-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    70 مشاهده

 كيف عمل وأدار الجيش الإسرائيلي الانتفاضة

عقد على الانتفاضة

 

 

 

الجيش الإسرائيلي

نتائج وعبر

 

 

غيورا أييلاند

 

 

الحلقة الثانية


 الجيش الإسرائيلي

نتائج وعبر

 

غيورا أييلاند· 

مدخل

الانتفاضة الثانية هي صراع مسلح (armed conflict short of war) بدأ في 29 أيلول من عام 2000، لكن من غير الواضح متى انتهت. وعمليا، يدور الحديث عن صراع بدأ بموجة غضب ووصل لذروته في شهر نيسان عام 2002. ومنذ ذلك الوقت تراجع لدرجة أن الواقع الأمني اليوم لا يختلف جوهريا عن الوضع الأمني الذي سبق سنوات الانتفاضة.

وفي هذا المقال أحلل طرق مواجهة الجيش الإسرائيلي (وبقية أجهزة الأمن) لهذه الأحداث الخاصة. وسوف أقسم طرق مواجهة الجيش الإسرائيلي على فترتين هما: الأولى، حتى عملية السور الواقي (نيسان 2002). والثانية، ما بعد عملية السور الواقي. مع التأكيد على الفترة الواقعة من 2002-2005.

كما سأتطرق للأبعاد العسكرية المحضة، وإلى التعقيدات النابعة من ضرورة إجراء حوار شامل بين المستوى السياسي وبين المستوى العسكري، الذي شهد أكثر من مرة توترات حادة. وسأركز على نشاطات الجيش الإسرائيلي في يهودا والسامرة وعلى الحرب في غزة، وضد غزة بعد الانفصال التي تطلبت منطقا أخر، وهي الحرب التي تحتاج لمقال منفصل.

ولا يجيب المقال عن السؤال الاستراتيجي، وهو هل كان بالإمكان منع اندلاع الانتفاضة، وهل كان بالإمكان إنهائها بالسرعة الممكنة من اللحظة التي اندلعت فيها. ومحاولة الإجابة على هذا السؤال المهم يتطلب بحثا أكثر عمقا في الجانب السياسي، وهو الأمر الذي يشذ عن أهداف هذا المقال.

 

الفترة الأولى: أيلول 2000 حتى نيسان 2002

تفاجأ الجيش الإسرائيلي بوقت وطريقة بداية المظاهرات في نهاية أيلول 2000. حتى أن الجنرال عاموس غلعاد، رئيس قسم الأبحاث في الجيش الإسرائيلي بذلك الوقت أوصى بعدم زيارة أريئيل شارون لهار هبيت في 28 أيلول عام 2000، بسبب التوتر الذي سيطر على الأرض. ومع ذلك، اعتقد الجيش الإسرائيلي أن عام 2000 سيكون عام الحسم. حيث ساد اعتقاد في الجيش أن انتهاء الخمس سنوات التي وضعت للتوصل لتسوية نهائية في شهر أيار عام 1999 سوف تجعل مسألة اندلاع العنف مسألة وقت فقط .

ووقع حدثان عززا الاعتقاد السابق هما: الأول، أحداث النكبة الـ 51 في شهر أيار عام 2000، حيث شهد هذا اليوم هجمات عنيفة من الجمهور الفلسطيني (بعضه مسلح) على مواقع الجيش الإسرائيلي قرب رام الله. لكن توفر تحذيرات خطيرة للجيش الإسرائيلي بخصوص هذه المناسبة، جعله على أهبة الاستعداد. ونتيجة للمواجهات مع قوات الجيش قتل عشرون فلسطينيا. ونتيجة لذلك، سادت حالة من الذهول في مكتب ياسر عرفات. وإلى جانب الردع الذي خلفته المواجهة، نمت في صفوف الفلسطينيين رغبة قوية بالانتقام . والثاني، أزال فشل مفاوضات كامب ديفيد (تموز 2000) الحاجز الأخير أمام اندلاع أعمال العنف. وكما ذكر اعد الجيش الإسرائيلي نفسه لمواجهة كبيرة في عام 2000.

واعد الجيش الإسرائيلي برئاسة رئيس الأركان شاؤول موفاز الخطط التنفيذية لكل السيناريوهات، حيث صفح الكثير من السيارات المضادة للرصاص، وأجرى تدريبات خاصة للجيش الإسرائيلي، بما في ذلك قوات الاحتياط. وكان الاعتقاد السائد بالجيش أن الصراع القادم سيكون صراعا مسلحا، لأن الطرف الثاني سيستخدم السلاح، معتمدين في ذلك على العبر الصعبة التي نتجت عن أحداث التي رافقت فتح النفق عام 1996 التي أوضحت بشكل لا يقبل التأويل أن هناك نوايا بالقتل، كي يوضح للجميع من هو الطرف الأقوى.

وعندما اندلعت المظاهرات اتضح أنها أوجدت تحديا معقدا جدا أكثر مما هو متوقع. حيث اتضح أن استعداد الجيش لهذا الوضع هو استعداد جزئي فقط. وتعود أسباب التعقيدات إلى الدمج بين الأسباب الخمسة التالية: أولا، اتضح لنا أن المظاهرات اعتبرت مبررة في الرأي العام في كثير من الدول، وهو ما شكل مفاجأة لنا. وبذلك غطت وسائل الإعلام الدولية الأحداث واعتبرتها صراعا عادلا ضد الاحتلال. ثانيا، اعتبر كل رد من جانب إسرائيل على أنه استخدام مبالغ فيه للقوة العسكرية ضد المدنيين. مع الإشارة أن الجيش الإسرائيلي لم يهتم مسبقا بالتزود بما يكفي من الوسائل غير القاتلة. وعليه، اضطر في أحيان إلى استخدام الرصاص الحي نظرا لعدم وجود طريقة أخرى. ثالثا، كانت هناك معضلة على المستوى السياسي. ونظرا للجهود المضنية لوقف العنف (مؤتمر شرم الشيخ برئاسة بيل كلينتون في 4 تشرين أول عام 2000) طلب المستوى السياسي من الجيش التصرف بضبط النفس. وعليه فإن العمليات العسكرية التي نفذت قبل نصف عام، أيار 2000، لا يمكن إتباعها ثانية. رابعا، وجدت مشاكل تكتيكية في أعقاب استخدام الفلسطينيين الأولاد الذين أحضروا لمواقع الاحتكاك. خامسا، حجم المظاهرات وانتشارها الواسع في كل منطقة يهودا والسامرة وكل قطاع غزة (وكذلك في أوساط عرب إسرائيل)، خلق صعوبات في تخصيص قوات مدربة ومزودة بما فيه الكفاية لكل المناطق.

ونتيجة لذلك، وجد الجيش الإسرائيلي نفسه في حالة دفاعية إن كان ذلك بالمفاهيم العملية، أو في مجال شرح خطواته وطرق عمله. وأفضل نموذج على ذلك الوضع المربك في فرض الحصار على مستوطنة نتساريم لمدة أسبوع كامل في تشرين أول عام 2000، حيث كانت المستوطنة والمعسكر الذي يقع قربه محاصران. وكانت الطريقة الوحيدة لتزويد المستوطنة بإمدادات تتم عن طريق طائرات السمتية. كذلك، كان لإتباع الفلسطينيين تكتيك الربط بين المظاهرات وإطلاق النار من وسطها وسيلة خلقت صعوبات كبيرة أمام الجيش الإسرائيلي، أي إلقاء الحجارة مع استخدام الرصاص الحي من المظاهرات. وبالإضافة على ذلك، وقعت عمليات إرهابية على مستوى رفيع من المهنية حيث أطلق الرصاص من الكمائن ووضعت سيارات مفخخة، وازدادت العمليات انتحارية.

وفي العام الأول من الانتفاضة، وجد الجيش الإسرائيلي نفسه في حالة دفاعية إن كان في حربه ضد الفلسطينيين، أو في مواجهة وسائل الإعلام الأجنبية، وكذلك بالشعار الذي رفع “دعوا الجيش ينتصر”. 

وأوجدت مواجهة وسائل الإعلام الغربية تحديات للجيش الإسرائيلي لم يستعد لها مسبقا بما فيه الكفاية. ومنذ البداية، هناك توجها يدعوا لإعطاء الجيش الإسرائيلي شرح عملياته العسكرية، فيما تمنح الجهات المدنية (خاصة وزارة الخارجية) شرح الجانب المدني. وكان هذا الوضع سليما كلما لم تكن هناك مواجهات أمنية مهمة، وطالما أن وسائل الإعلام الغربية مهتمة بالأساس بالمواضيع السياسية. وعندما اندلعت المظاهرات في أيلول عام 2000 لفتت  النشاطات العسكرية وسائل الإعلام. ولم يرغب الصحافيين الأجانب الاستماع إلى توضيحات من السياسيين أو من الناطقين الرسميين، بل رغبوا بالتحدث مع القائد العسكري الميداني والسماع منه جوابا حول سؤال هو لماذا تقوم قواتنا بما تقوم به في الميدان. ولم يكن الجيش مستعدا لذلك، إن كان ذلك في مجال الانفتاح على وسائل الإعلام، أو في مجال الاستعداد المهني للضباط الميدانيين (خاصة إذا كان اللقاء باللغة الانجليزية)، أو في مجال الخبرة المطلوبة في كل ما يتعلق بالسيطرة عل وسائل الإعلام. وعلاوة على ذلك، ومن الناحية النظرية أدرك قادة الجيش الإسرائيلي أن المعركة على الإعلام مهمة، لكنهم في لحظات الحقيقة رفضوا طلبات (أحيانا إلحاح) المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الحديث لوسائل الإعلام.

وجاء التغيير الأول نتيجة حدث خارجي هو: الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة بتاريخ 11 سبتمبر. وصادف الهجوم، انتهاء اجتماع في المجلس الوزاري المصغر نوقشت فيه الإستراتيجية في الموضوع الفلسطيني. حيث كان هذا الاجتماع هو الأول من نوعه بمناسبة مرور عام على الأحداث التي يحاول فيها المجلس الوزاري المصغر مواجهة المسألة الأساسية، وهي كيف يمكن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وحتى ذلك الوقت تركزت النقاشات داخل المجلس الوزاري المصغر بالاستماع إلى تقارير أجهزة المخابرات وإقرار الأعمال العسكرية التكتيكية المختلفة.

تأثير الحدث على ساحة المناورة الإسرائيلية- الفلسطينية كان فوريا. ففجأة أصبحت هناك شرعية “لمحاربة الإرهاب” وأصبحت التصفيات الانتقائية –التي شجبت من كل أنحاء العالم- شكل مواجهة شرعي. أما عرفات الذي تمتع حتى 11 سبتمبر بدعم دولي واسع في حربه ضد الاحتلال، فقد تلقى رسائل واضحة، ليس فقط من الولايات المتحدة، بوقف الإرهاب. وتدريجيا أصبح هناك واقع لوقف جزئي لإطلاق النار. وقلصت إسرائيل تدريجيا العمليات العسكرية، وفي نفس الوقت حدث تراجع في عدد العمليات. وحاول قادة أجهزة الأمن خاصة محمد دحلان وجبريل الرجوب استغلال هذه الفترة من أجل تعزيز مكانتهم في أوساط الأمريكان وعند نظرائهم الإسرائيليين، وفي الشارع الفلسطيني.

وفي هذه الفترة جاء إلى المنطقة الجنرال الأمريكي الثاني أنطوني زيني وطرح إمكانية التوصل لترتيبات أمنية بين الجانبين. لكن الهدوء النسبي الذي توصل إليه الطرفين في نهاية عام 2001 وبداية 2002 خرق بسرعة، حيث اتضح أن شيطان الإرهاب الذي حرره ياسر عرفات قبل عام ما زال قويا ومستقل كثيرا، حيث انضم نشطاء حركة فتح للجهات الإرهابية مثل حماس والجهاد الإسلامي، وأصبحوا قوة مسيطرة لدرجة أن قوات الأمن التابعة لعرفات لم تستطع مواجهتهم.

كذلك ساهمت إسرائيل في عملية التصعيد من خلال مواصلتها عمليات التصفية، وبادرت إلى شن حرب داخل مخيمات اللاجئين في نابلس وجنين. والحدث الذي يستحق الذكر هنا هو تصفية رائد الكرمي، أحد نشطاء حركة فتح بطولكرم في شهر كانون الثاني عام 2002. وقبل تصفيته جمدت إسرائيل بصورة أحادية الجانب ولمدة شهرين هذه التصفيات. أما حالة الكرمي فقد تمت تصفيته في أعقاب تقييمات لجهاز المخابرات تفيد بأن الكرمي يقود عمليات عسكرية ضد إسرائيل في ذلك الوقت، حينها تقرر تصفيته. واعتبر الأمر من قبل الفلسطينيين خرقا إسرائيليا لتفاهمات غير مكتوبة بخصوص الامتناع عن هذه النشاطات مقابل جهود تبذلها أجهزة الأمن من أجل تقليل حجم العنف. وعلاوة على ذلك، ضغط رئيس هيئة الأركان موفاز من أجل العمل بإصرار ضد المسلحين الفلسطينيين مهما كانت هويتهم. كما أن التمييز الحساس بين مختلف المسلحين لم يحافظ عليه دائما من قبل الجيش الإسرائيلي. وعلاوة على ذلك، لم يهتم رئيس الحكومة أريئيل شارون بإعادة التنسيق الأمني كما أراده الأمريكان وكما طالب به بعض الفلسطينيين (محمد دحلان وجبريل الرجوب).

تأثير أحداث 11 سبتمر مر بسرعة. ومستوى العمليات اشتد ووصل لذروته في شهر آذار عام 2002 حيث قتل في هذا الشهر 135 إسرائيلي في 17 عملية انتحارية معظمها وقعت في الخط الأخضر. وكانت العملية الانتحارية من قبل انتحاري من حماس بفندق بارك في نتانيا ،في الليلة التي تسبق العيد عند اليهود، التي أدت إلى مقتل 30 إسرائيليا، هي القشة التي قسمت ظهر البعير في المواجهة مع الفلسطينيين.

وأصبح واضحا حينها أن الجزء الأول من الانتفاضة، الذي استمر عام ونصف انتهى من دون نجاح. وتحدث رئيس جهاز المخابرات حينها آفي ديختر في مؤتمر هيرتسليا طالبا العفو من الجمهور الإسرائيلي لأن أجهزة الأمن فشلت ولم تنجح في الدفاع عنهم.

 

الفترة الثانية: نيسان 2002-2010

عقد في أعقاب العملية الانتحارية التي سبقت ليلة العيد في 2003 اجتماع ضم وزير الدفاع بنيامين (فوؤاد) بن اليعازر اجتماعا مستعجلا في المساء مع رئيس الأركان شاؤول موفاز ونائبه موشيه (بوغي) يعلون. ولأن العملية نفذتها حماس قال وزير الدفاع أن الوقت قد حان لضرب حماس بأقصى حد. أما رئيس الأركان ونائبه فقد أصرا على أن هذه ليست هي الطريقة لمواجهة ما يجري. وحسب قولهما، من غير الممكن إدارة معركة ناجحة ضد الإرهاب ونحن لا نسيطر سيطرة كاملة على الأرض. والطريقة الوحيدة لتغيير الواقع تتطلب إعادة احتلال كل مناطق السلطة الفلسطينية، وإخضاعها لسيطرة معلوماتية وتنفيذية، لأن ذلك يعتبر أمرا حيويا بالنسبة للجيش الإسرائيلي.

وفي المرحلة الأولى، يجب السيطرة بالقوة على مراكز الإرهاب في غزة ويهودا والسامرة، وبعد ذلك السيطرة على الأرض والبقاء فيها. وفي نفس الاجتماع صرح رئيس الأركان أن الحد الأدنى من الوقت المطلوب لذلك هو شهرين مع منح الجيش حرية العمل العسكري، حيث نسيطر في الشهر الأول على كل الأراضي، وفي أقل من الشهر الثاني نقضي على مراكز الإرهاب وعلى بناه التحتية. ومع نهاية الاجتماع وافق وزير الدفاع على موقف الجيش، وقدمت عملية السور الواقي للحكومة لإقرارها.

وجلسة الحكومة بخصوص الرد على أحداث آذار 2002 والقرارات التي اتخذت كانت نموذجا إيجابيا للطبيعة السليمة للبحث في مثل هذه المواضيع . وفي هذا المجال لا بد من الذكر أن هناك أربعة أمور ايجابية حصلت وهي: الأول، إجراء نقاش هادئ وفي توقيت مكن قبل أي شيء أجهزة الأمن من إعداد خطة مرتبة وعرضها على الحكومة . ثانيا، كانت القرارات سليمة وعميقة من ناحية تاريخية. ثالثا، كانت القرارات واضحة. رابعا، أدركت الحكومة أن القرارات التي ستتخذها ستثير خلافا مع الولايات المتحدة. وبناءا على ذلك، اتفق مسبقا من سيتحدث مع الأمريكان، وأي الحلول الوسط التي يجب التوصل معهم.

ومن اللحظة التي تمت فيها الموافقة على العملية العسكرية (لم تتضمن احتلال غزة) تغير الوضع الأمني بسرعة. واحتلت معظم المدن بسرعة كبيرة نسبيا باستثناء معركة مخيم جنين، حيث أجلت المعركة تكرارا، وعندما نفذت قتل 13 جنديا إسرائيليا.

واتضح أن إدخال قوات كبيرة مع قوة نار ضخمة وتحصين العربات المسلحة وتحصين الجنود، وعندما تكون العملية العسكرية مرفقة بمعلومات استخبارية جيدة يتم التزود بها عند الحاجة إليها من قبل طائرات الاستطلاع ومن قبل أجهزة التصنت الجيدة، تضمن تحقيق انجازات سريعة وبثمن قليل نسبيا. والأهم من ذلك، كانت القدرة على استغلال السيطرة السريعة مقدمة لمواصلة السيطرة المفيدة على الأرض. ومن دون شك، كان ذلك النجاح ينسب للجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام منذ نيسان عام 2002.

ويكفي أن نقارن ما جرى للأمريكان في العراق، بما جرى لنا في يهودا والسامرة. حيث نجح الأمريكان بالسيطرة على العراق بسرعة البرق، بما في ذلك المناطق المبنية في بغداد والمدن العراقية الأخرى، لكنهم لم ينجحوا باستغلال الفترة الأولى من أجل السيطرة بفاعلية على الأرض، لكن الجيش الإسرائيلي نجح في ذلك.

ومنذ نيسان 2002 وحتى أيلول 2010 تحسن الوضع الأمني باستمرار في يهودا والسامرة وداخل الخط الأخضر. وانخفض عدد القتلى (من جنود ومدنيين) من مئات إلى أرقام من عدد واحد فقط. كما تراجع بشكل كبير عدد الجرحى. وتحسن كثيرا ،الإحساس بالأمن والوضع الاقتصادي.

وهناك ثلاثة أسباب ساعدت في التحسن بالوضع الأمني وهي: أولا، بناء الجدار الفاصل، الذي ُأجل بناؤه مرارا وتكرارا لأسباب سياسية ومالية، لكنه أثبت نفسه كوسيلة فعالة، حيث اتضح أنه لم يساهم في تراجع حجم الإصابات في صفوف الإسرائيليين فقط، بل ساهم في تقليل الإصابات التي تقع في صفوف الفلسطينيين أيضا. وتوضيح ذلك بسيط، فعلى سبيل المثال لو وصلنا تحذير حول عملية انتحارية خارجة من جنين نحو الخط الأخضر. فإن الطريق الوحيدة لمنعها هو القيام بعملية عسكرية داخل جنين. الأمر الذي يؤدي لوقوع إصابات. ومنذ بناء الجدار الفاصل، أصبح هناك خيارا بين العمل العسكري الهجومي وبين الاستعداد مع قوات الأمن على خط الجدار.

ثانيا، السيطرة على الأرض –ميزة ليس لها أي بديل، حيث وفرت هذه السيطرة معلومات استخبارية تدمج بين فعالية المعلومات وبين التنفيذ، وعلى سبيل المثال في يوم من أيام عام 2005 تلقينا معلومات استخبارية عن انتحاريين هويتهم غير معروفة خرجوا من نابلس بطريقهم إلى رام الله. وهناك سيلتقون مع “مرشد” ليرشدهم حول كيفية التسلل للقدس. ولأن هويتهم غير معروفة لم ينجحوا في اعتقالهم. وفي الطريق إلى رام الله، ومن حسن الحظ، كانت هوية المرشد معروفة لنا. حيث تعقب جهاز الاستخبارات المرشد، واتضح أنه حدد موعد اللقاء مع الشخصين في منطقة مكتظة وسط رام الله. وكانت المعلومات التي تم تلقيها قبل ساعة من موعد اللقاء، كافية لتمكين قوة تنفيذية من التوجه للمكان، واعتقال العناصر الثلاثة، وبذلك منع عملية خطيرة.

ثالثا، لم يعد التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية قائما بعد عملية السور الواقي. ومنذ ذلك الوقت عمل الجانبين على إعادة التنسيق الأمني، بفضل النشاط الأمريكي الحثيث الذي قاده الجنرال الأمريكي دايتون من عام 2006، وإلى قرار رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض القاضي بتحقيق استقرار أمني كشرط أساسي لإقامة الدولة الفلسطينية مستقبلا. والشك الإسرائيلي في فترة شارون-موفاز حل مكانه إعطاء فرصة لمثل هذا التعاون. وعليه كانت النتائج مذهلة .

 

العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري

العلاقات بين المستوى السياسي وبين المستوى العسكري هي أمر معقد لا يتميز (فقط) في مجال الخضوع لمن هو أدنى منك سلطة. والأمور ليست بهذه البساطة، فالمستوى السياسي يقرر “ماذا” والمستوى العسكري يحدد “كيف”.

وسوف أطرح أربعة أحداث تعبر جيدا عن التعقيدات والمواقف بين المستوى السياسي وبين المستوى العسكري في إسرائيل خلال الانتفاضة الثانية وهي :

 

  1. 1.    الأعمال العسكرية كرد فعل في بداية الفترة

شهدت العمليات الإرهابية بين فترة وأخرى ارتفاعا في جرأتها أو في الخسائر التي أوقعتها. وفي كل حالة من هذا النوع من العمليات كان رئيس الوزراء يستدعي بشكل سريع رئيس الأركان ومعه عدة جنرالات من الجيش ومعهم وزير الدفاع إيهود براك. وكان رئيس الحكومة بمزاج ُمعكر. وبشكل عام، أراد أن يتكلم بخلاصة، ورؤية الصور الجوية للأهداف التي أوصى الجيش الإسرائيلي بقصفها كرد فعل. وبعد عدة لقاءات محبطة من هذا النوع غامر رئيس جهاز الاستخبارات في ذلك الوقت عاموس ملكا وقال: “سيدي رئيس الحكومة، ربما تكون المسألة الأساسية ليست أي الأهداف نقصفها بل هي هل نقصف، ربما يجب أن نتبع خطوات أخرى “.

حالة مشابهة حدثت عندما غير شارون براك في آذار عام  2001 عندما مرت أربعة لقاءات حتى أصبح الوقت مناسبا لإجراء نقاش واسع جدا أكثر من النقاشات التي تم فيها تحديد الأهداف المراد قصفها. حيث اتضح أن إغلاق الأورينت هاوس [مقر فيصل الحسيني رحمه الله. من المترجم] في أعقاب عملية مؤلمة، مؤلم جدا للطرف الثاني وعرضنا للنقد بصورة أقل.

 

  1. 2.    في مجال التعامل مع الموفدين الأمريكان

جاء إلى منطقتنا أربعة موفدين أمريكيين من أجل وقف العنف منهم جورج ميتشل الذي ترأس لجنة دولية، أما الأخرين فقد كانوا مبعوثين شخصيين للرئيس أو لوزيرة خارجية الولايات المتحدة.

وخشي المستوى السياسي من تدخل المبعوثين الأمريكان في الشئون الإسرائيلية الداخلية. وعليه، فضل المستوى السياسي أن يقوم الجيش وجهاز المخابرات بتمثيل دولة إسرائيل كون المبعوثين الأمريكان اهتموا ومعهم الحق في أمور تتعلق بشئون نصف سياسية مثل الممر الآمن بين الضفة وغزة أو حقوق حملة بطاقة الشخصيات المهمة وهو الأمر الذي يتطلب تنسيقا يوميا بين رئيس الحكومة وبين المستوى المهني في الجيش. وكانت ذروة ذلك عام 2002 عشية عيد الفصح حيث وافق الجيش على الخطة الأمنية التي عرضها الجنرال أنطوني زيني من أجل ترتيب المواضيع الأمنية بين الجانبين، وحينها تطلب ذلك موافقة رئيس الحكومة. وفي نهاية نقاش عاصف بمكتب رئيس الحكومة شارون أقرت الخطة. لكن العملية التي وقعت بالليلة التي تسبق العيد في ربيع  2002 قلبت الأمور رأسا على عقب. لكن الموافقة على الخطة التي قدمها الجنرال زيني ساعدت إسرائيل كثيرا في الحوار الاستراتيجي مع الأمريكان خلال عملية السور الواقي التي بدأت فورا بعد هذه العملية الخطيرة.

  1. 3.    النقاش لإقرار عملية السور الواقي

عملية السور الواقي أوجدت فرصة لانهيار السلطة الفلسطينية أو على الأقل انهيار الاتفاقات التي نتجت عن مسيرة أوسلو. ولم يكن لشارون أية مشكلة مع هذا التوجه، لكن وزراء حزب العمل كانت لهم مشكلة صعبة مع هذا التوجه. ومرة أخرى طلب من الجيش حضور النقاش وتوضيح “كيف يمكن” العمل مع “لكن”. حينها أصر رئيس الأركان شاؤول موفاز أنه من غير الممكن الامتناع عن عدم المس الكبير بالأجهزة الأمنية الفلسطينية. وفي نهاية النقاش السياسي-الأمني غير البسيط أقرت خطة الجيش كما عرضت.

 

  1. 4.    اللجنة الدولية في أعقاب أحداث جنين

التصريحات الرسمية للفلسطينيين والبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة الرسمية بخصوص “المذبحة” في مخيم اللاجئين جنين دفعت سكرتير عام الأمم المتحدة المبادرة إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في الموضوع. كما أيد هذه اللجنة الأمريكان. وحاول شارون منع وصول مثل هذه اللجنة. وفي النقاش الذي جرى في مكتبه قدم الجيش اقتراح (سياسي) ذكر فيه: نقترح على الأمريكان صفقة، نوافق من خلالها على فك الحصار عن المقاطعة (مقر قيادة عرفات)، وفي المقابل تعارض الولايات المتحدة تشكيل لجنة تحقيق. وهذا ما حصل.

 

النماذج الأربعة المذكورة وعشرات اللقاءات بين الجيش والمستوى السياسي أشارت إلى عدم إمكانية فصل الجيش عن البعد السياسي، حتى عندما تميل الحكومة الجديدة إلى الإعلان أن الجيش سيهتم بشئونه. والنتائج على مدار الوقت أثبتت أن المستوى السياسي –أكثر من الجيش- يطالب أن يتدخل الجيش في مواضيع ليست من اختصاصه.

 

خلاصة

يمكن استخلاص أربعة نتائج أساسية من مواجهة وإدارة الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية وهذه النتائج هي: الحاجة إلى المرونة، حيث أعد الجيش نفسه جيدا لاندلاع الانتفاضة في أيلول عام 2000، لكنه لم يكن مستعدا بما فيه الكفاية لمواجهة وسائل الإعلام والأبعاد السياسة. وفي المجال العسكري المطلق تتطلب الأمر من الجيش القيام بتنسيق سريع من مواجهة مظاهرة مدنية تتحول فيما بعد إلى تهديد إرهابي.

نقطة أخرى لا تقل أهمية وهي التي تطلبت تنسيق هي العلاقة مع قوات الأمن الفلسطينية، ففي مرحلة معينة كانت هذه القوات من حلفاؤنا، وفي أحيان أخرى لم تكن هذه القوات تتدخل، وفي أوقات أخر كانت أعداؤنا. تنسيق العمل الميداني بما في ذلك تعليما إطلاق النار، تطلبت من هيئة الأركان العامة وكبار القادة في المنطقتين الوسطى والجنوبية دراسة ،طوال الوقت، التغييرات بالصورة العامة وليس فقط في العمليات. واعتاد رئيس هيئة الأركان العامة في سنوات 2002-2005 (موشيه بوغي يعلون) على عقد جلسة كل أسبوعين لطاقم تفكير. وتعرض هذا اللقاء ،في أحيان متقاربة، للنقد لأنه كان أقل رسمية من الاجتماعات العسكرية الأخرى. لكن هذا الاجتماع ساعد من الناحية العملية رئيس الأركان بالتعرف على تغييرات صورة الوضع في تلك الفترات.

أهمية الاستخبارات: من اللحظة التي ظهر فيها تهديد الإرهاب، ومن أجل مواجهة فعالة لمثل هذا التهديد فإن توفر معلومات ذات جودة عالية يعتبر شرط أساسي. وعليه، كانت المعلومات متوفرة (ليس فقط بفضل وجود جهاز المخابرات) اعتمادا ،في الأساس، على بنية تحتية إنسانية وعلى تكنولوجيا التصنت والتصوير خاصة من طائرات التصوير والمراقبة والتصنت.

وهناك أمر أخر لا يقل أهمية عن ما ذكر وهو التنسيق الأمني بين المستويات المختلفة الأقل رتبة في الجيش وأجهزة الأمن الأخرى. ونتيجة ذلك سقطت كل الموانع، وتوفرت لقادة الأولوية في الميدان معلومات حساسة جمعها جهاز المخابرات. وكانت النتائج مذهلة.

السيطرة على الأرض: عندما يبحثون كيفية العمل ضد الإرهاب الموجود في منطقة مبنية، كان ذلك يتطلب اتخاذ قرار حول البقاء الدائم في هذه المنطقة أو البقاء خارجها. والمصدر الأساسي الذي يجب أن يؤخذ بالحسبان في هذا المجال هو صدق المعلومات المتوفرة. فإذا كانت المعلومات المتوفرة جيدة حينها تكون الميزات كثيرة للعمل داخل المنطقة المبنية. وإذا كانت المعلومات غير جيدة فإن بقاء القوات في المنطقة المبنية يعرضها لخطر هجمات إرهابية. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي عرف أغلب الأحيان كيف يرد بشكل صحيح على هذه المسألة ، بما في ذلك طبيعة العمل المختلف بين منطقة يهودا والسامرة وبين غزة.

العلاقة مع المستوى السياسي: في مثل هذا النوع من الحروب لكل معركة انعكاسات سياسية، ولكل نشاط سياسي تأثير مباشر على مجال المناورة وعلى حرية العمل العسكري. وفي مثل هذه الحالات ملزم المستوى العسكري والمستوى المدني الرفيع بإجراء حوار دائم ومفتوح في طابعه. والتقاسم بين شيئين يحدد حسبها المستوى السياسي “ماذا” والمستوى العسكري “كيف” غير صحيح. وعلى رئيس الأركان أن يفهم بالسياسة (حتى لو لم يعمل بها). وعليه مع هيئة الأركان العامة طرح موقفهم من الانعكاسات السياسية عندما يأمرون بالقيام بعملية عسكرية هنا أو هناك. والافتراض بأن الجهاز المدني يعرف كيف يصلح الجيش وقت الضرورة ليس صحيحا.


  • ·  الجنرال احتياط غيورا أييلاند: من كبار باحثي مركز أبحاث الأمن القومي. خلال خدمته بالجيش عمل رئيسا لقسم التخطيط، ورئيس مجلس الأمن القومي خلال الانتفاضة الثانية.  
Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash