أكتوبر
17
في 17-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    634 مشاهده

كتبت هذه المقالات بعد حرب لبنان الثانية في عام 2006 ، وكان الهدف طباعتها بكتاب، لكن لأسباب لا داعي لذكرها أعيد نشرها اليكترونيا لعلها تفيد الاكاديميين والمختصين.

الأزمة في لبنان ـ خلاصة مرحلية

 

تسفي شتاوبر

      من الضروري البحث في التطورات الممكنة للصراع بين إسرائيل وحزب الله لو حدثت في ظل امتلاك إيران قدرات نووية. وهل سنرد عليها كما نرد اليوم على اختطاف جنود ؟. وهل كانت ستمنحنا الولايات المتحدة حرية التصرف ؟ … والخ. الردود على هذه الأسئلة هي اليوم مجرد تقييمات فقط. ويمكن القول بأن ما يحدث في المواجهة في لبنان اليوم هو أولا وقبل أي شيء “لعبة مسبقة” مقارنة مع المواجهة الكبيرة القادمة (مباشرة و/أو غير مباشرة) بين إسرائيل وبين إيران. وعلينا الاعتراف أن منطقتنا تمر اليوم بتغييرات بعضها نتيجة تطلعات السيطرة لإيران. وبعد البعث الشيعي واختفاء عراق صدام حسين، التي كانت السد المنيع امام طهران بالتوغل في الشرق الأوسط، يمر العالم العربي في أزمة عميقة جدا اهمها غياب زعماء قادرون على ايجاد تحالفات أو “القيام بخطوات كبيرة”. كما ان الدولة العربية الكبيرة ذات السيادة تفقد من قوتها لصالح قطاعات إثنية، ويبرز في المنطقة تغيير في موازين القوى لصالح الشيعة (الذين تولوا السلطة لأول مرة في العراق) على حساب السلطة السنية، التي بدأت تصرخ من التحدي المفروض عليها، كما عبرت عن ذلك السعودية ومصر والاردن.

ومن السابق لاوانه الحديث عن نتائج وتحديد موازين قوى ومن هو الرابح والخاسر في هذا الصراع الذي يمتد إلى قضايا كثيرة مثل المواجهة الشاملة مع التطرف الإسلامي والقضية الفلسطينية، وقضايا أخرى مثل الردع وعملية اتخاذ القرارات في إسرائيل وحصانة جبهتها الداخلية، وكما هو المعلوم البعد العسكري. وعلى الرغم من ذلك يمكن الاشارة إلى بعض الاستنتاجات المرحلية وهي :ـ

1.  المشكلة الأساسية في لبنان هي عدم وجود سلطة قوية تملك القدرة والاستعداد على فرض وجودها. ويدور الحديث عن عائق معقد بسبب التركيبة الطائفية والاغلبية الشيعية، ولا تستطيع اية قوة دولية أن تكون بديلا حقيقياً للسلطات الحاكمة في هذا البلد، وبالمناسبة فإن خروج السوريين، الذين كانوا رافعة إسرائيلية تقليدية أساسية لضبط حزب الله، قد زادت من هذه المشكلة. وأصبحت لبنان (أكثر صعوبة) والفلسطينيون الحلبة الأساسية لإسرائيل وهناك مصلحة عليا لها في إيجاد عنوان تستطيع التوجه له.

2.  في لبنان كما هو الحال في “الملعب” الفلسطيني، نشعر مرة أخرى بالفرق بين الحلم وبين الواقع السياسي المعقد، وهذا الواقع لا يسمح بالانسحاب أو الفصل أو الانطواء، لأن التسوية التسوية المستقرة يكون لها عنوان مع قدرة واستعداد لفرض سيطرة الحكم في هذه المنطقة.

3.  بالنسبة للفلسطينيين فإن نصر الله وأعماله هي مشكلة ليس فقط بسبب “مشاكل المعروفة” أو بسبب التنافس في القدرة على خطف جنود الجيش الإسرائيلي. فالفلسطينيين يغارون من الانتباه العالمي إلى الأزمة اللبنانية، مقارنة مع الانتباه العالمي الأقل نحوهم خاصة بعد خطف الجندي الإسرائيلي في قطاع غزة. وتعود قلة الاهتمام التدريجي في المجتمع الدولي إلى السنوات الأخيرة، كما لا يغيب عن أعين الفلسطينيين “إطلاق يد إسرائيل بحرية” في مهاجمة لبنان.

وفيما يتعلق بالحرب نفسها

1.  يبدو أن الأهداف التي وضعت للجيش الإسرائيلي في بداية هذه المعركة هي كبيرة نوعاً ما، ويعتقد أصحاب القرار في الدولة ان هناك عملية تعميم حول ما يمكن انجازه في هذه المعركة. وبدا واضحا قيود استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية كي تواجه بنجاح منظمة تقاتل بأسلوب الحرب الشعبية التي تختبئ في أوساط المدنيين الذين يدعمونها.

2.  يبدو قرار (حتى الان) عدم إدخال قوات إلى لبنان هي القيد المركزي في تحقيق النصر خلال فترة زمنية محددة، وتجنيد ثلاثة الوية احتياط تخدم هدفين هما :ردع سوريا وزيادة الضغط على حزب الله والحكومة اللبنانية، ووضع احتياط من القوات لتكون جاهزة إذا تطلب الوضع ذلك.

3.  نقترب اليوم، بسبب مناظر الدمار في لبنان ـ إلى تعزيز الحل الديبلوماسي الذي يهدف إلى وقف اطلاق النار. ومن الواضح أن التدمير الواسع في المناطق والمدنيين سيسرع بعملية وقف اطلاق النار، ومعنى ذلك ان الوقت المخصص للجيش الإسرائيلي للقيام بمهامه بدأ يتناقص. وفي المقابل تزداد الضغوط لوقف اطلاق نار انساني.

4.  ستظل الكاتيوشا تسقط على إسرائيل على المدى القصير، ومن الصعب مواجهتها، ويعتقد ان شمال إسرائيل سيظل يعاني من هذه المشكلة إلى حين وقف اطلاق النار.

5.  يجب التذكير أن ما يجري في الساحة اللبنانية هو مؤشر وتحذير لإسرائيل حول ما سيجري في قطاع غزة. فإسرائيل اليوم لا تمتلك الوسائل لوقف الصواريخ متعددة الفوهات، وما زالت الأسلحة تهرب إلى منطقة غزة رغم الإشراف والرقابة. والنتيجة هي، على إسرائيل أن تتوصل إلى تسويات وإشراف وإيجاد مناطق خالية من السلاح.

6.    اتضح مرة أخرى ان سلاح الجو والقصف المضاد لن ينهي المهمة، من دون هجوم بري.

7.  خلال السنوات الماضية تحسن كثيراً “بنك الأهداف” ويمكن القول ان معظم الأهداف العسكرية التي واجهتها إسرائيل في المعركة قد حققت، ويعتمدون اليوم على المعلومات لصيد الأهداف.

8.  من المعقول أن الحرب في لبنان عجلت التقييمات الإسرائيلية بضرورة تقاسم الموارد والميزانيات بين سلاح المشاة وبين سلاح الجو.

ومن زاوية أخرى

1.  حتى اذا نجح حزب الله بتسجيل بعض الانجازات لصالحه في هذه الحرب، فان الانطباع الواضح هو أن الحرب ستزيد من ازمة الحزب في الساحة اللبنانية وستعزز من الانتقادات الموجهة له، حتى من جانب مؤيديه .

وتخدم الحرب في لبنان (طالما لم يضرب حزب الله بشدة، ولم يدمر) المصالح السورية والإيرانية في لبنان، لكنها تخدم المصالح الإيرانية بشكل اكبر. وفي حالة قرار إسرائيل بمد الحرب إلى الليطاني فان سوريا ستشعر أنها بأزمة.

لا شك ان حزب الله تعرض لضربات لكن من الصعب التحديد والقول أن هذه الهجمات ستدخل الحزب في أزمة. والانطباع هو ان الجيش الإسرائيلي لم يعمل من اجل حسم المعركة على الأرض، وأشك بان الحسم سيحصل ما لم تدخل قوات برية كبيرة إلى لبنان نتيجة المشاكل المعروفة لهذا التوغل وهي:

‌أ.   يركز الجيش الإسرائيلي جهوده على المس برموز حزب الله وبكل شيء يزعزع الرواية التي تقول ان حزب الله لا يهزم عسكرياً، والمس بقادة حزب الله من شأنه ان يكون رافعة مهمة لاعلان الحرب.

‌ب. العملية البرية تتركز بمحاولة تنظيف منطقة حتى 5 كم من الحدود من أجل خلق صعوبات مستقبلية امام التوغلات ومحاولات الخطف، وهذه المنطقة يسيطر عليها من قبل قوات اسرائيلية في الحدود.

والموضوع المركزي في هذه المرحلة هو كيفية إيجاد رافعة تؤدي إلى نهايتها. وفي هذه المواجهة فإن الصور فيها مهمة مثل كل موقع عسكري. ومن الواضح انه لا يوجد نصر لحزب الله ومع ذلك فان ادخال قوات دولية مهمة تنتشر مع الجيش اللبناني على طول الحدود مع إسرائيل وربما تمتد إلى الحدود مع سوريا هو تطور ايجابي من وجهة نظر إسرائيل ويؤدي إلى خلق واقع جديد، وهناك اهمية أن تكون هذه القوة :

‌أ. مشكلة من قوى عظمى وتركيبتها وصلاحياتها تمنحها “عرض عضلات”.

‌ب.  العمل على منع تزويد حزب الله بالمعدات والسلاح من إيران وسوريا.

‌ج.    في هذا المجال على إسرائيل ايجاد طريقة لتكون شريكة في الرقابة.

ويجب عدم المبالغة في إدخال قوات أجنبية مع الجيش اللبناني إلى الجنوب، نظرا لعدم الوضوح حول من سيجمع أسلحة حزب الله في المنطقة الواقعة حتى نهر الليطاني، إذا لم يقم الجيش الإسرائيلي بذلك. وتشير تجارب الماضي أن القوة المتعدد الجنسيات أو القوات الدولية خشيت من الدخول في مواجهات مسلحة من شأنها ان تسقط ضحايا في صفوفها (بسبب الضغط الداخلي في الدول التي ترسل قوات) وغير واضح كيف سيتصرفون في حال حدوث مواجهات.

وسيواصل حزب الله مسيرته كتنظيم مسلح، ويعتقد انه سيواصل جهوده في التسلل إلى الجنوب. لكن، واستعدادا لمواجهة مستقبلية مع إسرائيل من المهم لها خلق شروط تعزز أزمة حزب الله في الحلبة الداخلية اللبنانية، التي تتضمن تطلعا إلى تسوية اوسع مع كافة اللبنانيين، بما في ذلك حل مشكلة مزارع شبعا.

 

سياسة حكومة إسرائيل وأهداف الحرب

 

يهودا بن مئير

بدء المعارك

فرضت هذه الحرب على الحكومة بصورة مفاجئة. ويدور الحديث عن حكومة جديدة بشخوصها لا يملك فيها رئيس الحكومة ووزيري الدفاع والخارجية أية خبرة أمنية. فرئيس الحكومة لم يشارك حتى هذا اليوم في النشاطات الأمنية، أما وزير الدفاع فهو سياسي لا يملك اية خبرة امنية أو سياسية ولم يكن في يوم من الايام وزير ولا حتى عضو في لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، أما وزير الخارجية فهي جديدة نسبياً ولم تشارك بصورة عميقة في اتخاذ القرارات الامنية.

وهناك من يعتقد أن مقصد حزب الله من خطف الجنود، الذي نفذ بعد فترة قصيرة من عملية حماس في كرم شالوم وخطف جندي، جاءت لتحدي الحكومة الجديدة ووضعها أمام قدرات اتخاذ القرار والعمل بها. وكان هذا هو الاسلوب المتبع عند الاتحاد السوفييتي الذي كان يمتحن كل رئيس أمريكي جديد بأزمة لاختبار قدراته على القيادة. وفي جميع الأحوال فإن العملية العسكرية التي قام بها حزب الله في 12 يوليو وضعت الحكومة الجديدة وقادتها الثلاث أمام تحدي خطير لم يواجهوه من قبل.

وأمام مفاجئة الجميع بما في ذلك حسن نصر، فان الحكومة عملت بسرعة، وفي ساعات الصباح الباكر اعلن رئيس الحكومة عن اجتماع خاص للحكومة يعرض فيه رغبته بشن عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله. وعليه، في ذلك المساء قررت الحكومة بالاجماع شن هجوم شامل ضد حزب الله وضرب البنى التحتية المدنية في أنحاء لبنان، آخذين بعين الاعتبار الانعكاسات الدولية لذلك. ومن جانب آخر، أخذت الحكومة بعين الاعتبار أن الهجوم سيؤدي إلى تعرض شمال إسرائيل وحتى حيفا إلى القصف، وربما ابعد من حيفا، وانعكاسات ذلك على الداخل الإسرائيلي. خلاصة القول يمكن الحرب حققت حتى اليوم انجازا واحدا هو تجديد قدرة الردع الإسرائيلية.

 

أهداف الحرب

ليس من السهولة بمكان تحديد أهداف الحرب. وكعادتهم حدد السياسيين أهدافا للحرب ووعدوا بتحقيق ثلاثة انجازات هي : تدمير حزب الله وإعادة القدرة الردع الإسرائيلية، وتغيير الواقع اللبناني. وهذه الأهداف صيغت بصورة عامة جداً ولم توضح فيها التفاصيل. وباستثناء استعادة قدرة الردع الإسرائيلية -التي حققت حتى الان بصورة كبيرة- فإنه من غير الواضح مطلقا إذا كان بالإمكان تحقيق الهدفين الآخرين. وهناك عدة أهداف معينة، يعتبر تحقيقها أو عدم تحقيقها هو حجر الأساس في نجاح أو فشل العملية العسكرية وهي : إعادة الجنديين المختطفين من دون ربط ذلك بالأسرى الفلسطينيين، المس بقدرة حزب الله العسكرية وإبادة الجزء الأكبر من وسائلها العسكرية خاصة قاذفات الصواريخ والقضاء على اكبر عدد ممكن من الجنود خاصة قياداته العليا، إضعاف مكانة حزب الله في لبنان بشكل خاص، وفي العالم العربي بشكل عام نتيجة تدمير قدراته العسكرية ورموزه وتنظيمه، إبعاد حزب الله عن الحدود مع إسرائيل وإدخال الجيش اللبناني إلى الجنوب وتطبيق سيادة الدولة على لبنان وفرض صلاحيات الحكومة المنتخبة على جنوب لبنان. ايجاد آلية لجمع أسلحة  حزب الله الثقيلة خاصة الصواريخ ومنع إعادة مده بالوسائل القتالية من إيران وسوريا.

وبعض هذه الأهداف مثل المس بالقدرة العسكرية لحزب الله وإضعاف مكانته وابعاده عن الحدود مع إسرائيل، يمكن تحقيقها بشكل كلي أو جزئي بالوسائل العسكرية. أما الأهداف الأخرى فيمكن انجاز بعضها أو جميعها فقط بالوسائل السياسية وبدعم دولي. ويبدو أن حكومة إسرائيل تدرك هذه الحقائق لانها تسير بهذا الاتجاه. وفي هذا المجال أوضح كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزيرة الخارجية ان إسرائيل ستعمل في المسارين. ودخلت المفاوضات السياسية إلى مستوى عال بعد زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية الدكتورة كوندليزا رايس إلى المنطقة. ويعتقد أن أي تسوية سياسية سيتم دمجها بقرار جديد من مجلس الامن الذي سيكون في أساسه تطبيق قرار 1559 بشكل كامل وتشكيل قوة متعددة الجنسيات في جنوب لبنان تساعد الجيش اللبناني على إعادة انتشاره على طول الحدود مع إسرائيل.

وفي هذه المرحلة من الصعب تقدير النتائج النهائية لهذه الحرب، لكن لا يوجد شك ان حزب الله قد تعرض لضربة قوية أدت إلى إضعافه. لكن من السابق لاوانه الحديث عن الحسم العسكري، وربما تحدث توقعات لم تؤخذ بالحسبان من شأنها التأثير بصورة كبيرة على النتائج النهائية للحرب، مثل مفاجآت حزب الله أو نجاح إسرائيلي بتصفية حسن نصر الله أو شخصيات رفيعة أخرى في حزب الله. ومع ذلك، فان ميزان القوى الشامل لهذه المعركة يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار الحصانة الوطنية لشعب إسرائيل، فالجبهة الداخلية الإسرائيلية تتعرض ومنذ أسبوعين إلى هجوم شامل وعميق لم يكن له مثيل منذ حرب الاستقلال. وعلى الرغم من ذلك، تشير الاستطلاعات أن 90% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد هذه الحرب و 85% ينظرون بإيجابية إلى سير عمل الجيش، ويعتبر 70% عمل رئيس الحكومة ووزير دفاعه ما بين جيد وجيد جدا. وكما هو مقبول في النظم الديمقراطية وقفت المعارضة الإسرائيلية إلى يمين الحكومة ومنحتها الدعم الكامل. وهذه الأمور تساهم كثيرا في استعادة قدرة الردع  الإسرائيلية. وفي المجال السياسي، ومن الصعب التقدير في هذه المرحلة احتمالات تحقيق ذلك، فان تسوية سياسية من الصعب توقع تطبيقها، وأية تسوية سياسية يجب ان تكون صادرة عن مجلس الأمن وموافقة (بالصمت) من جانب الدول العربية المعتدلة وموافقة حكومة لبنان وإسرائيل، ومقارنة بما يجري فان الحكومة اللبنانية هي اضعف هذه الحلقات ومن الصعب تقدير موقفها النهائي، لأن الحديث يدور عن حكومتين الأولى يقودها السنيورة والثانية يقودها لحود.

القرارات الاستراتيجية للحكومة

في النهاية لا بد من الاشارة إلى قرارين استراتيجيين مهمين اتخذتهما الحكومة في بداية الحرب وهما : عدم ادخال سوريا في هذه الحرب وتحديد النشاط العسكري ضد حزب الله في لبنان فقط، اما القرار الثاني، فهو تركيز الهجمات من الجو والامتناع قدر الإمكان عن شن هجوم بري من جنوب لبنان .

القرارين يجري حولهما نقاش وهناك من يعترض عليهما، ففيما يتعلق بالقرار الأول، الذي تتمسك به الحكومة بشدة، فهناك من يعتقد ان الطريق الوحيدة لضرب حزب الله بشدة تتم من خلال ازالة الحصانة السورية عنها، وذلك غير ممكن سوى بضرب سوريا نفسها، وفي المقابل هناك من يؤيدون موقف الحكومة ويقولون ان عزل حزب الله افضل، وخير دليل على ذلك عزلته في العالم العربي أو الاسلامي ولم يساعده أي طرف معين وهذا عنصر مهم في اضعافه.

وفيما يتعلق بالقرار الثاني، يبدو أن الحكومة نفسها لم تصرعليه لوقت طويل، فمنذ نهاية الاسبوع الأول للحرب اتضح ان سلاح الجو لا يملك اية قدرة (لوحده) لتقليص هجمات الكاتيوشا والصواريخ إلى الجبهة الإسرائيلية الداخلية، ولا يوجد مناص من إدخال قوات برية إلى جنوب لبنان.

وهناك عدد لا بأس به من الأصوات التي تنتقد الحكومة لانها لم تسمح للجيش الإسرائيلي في بداية المعركة على احتلال مواقع حزب الله القريبة من الحدود، والسيطرة عليها وإبادة عملية لصواريخ الكاتيوشا ومواقع الحرب في هذه  القرى، وفي هذه الأيام يوسع الجيش الإسرائيلي حجم عملياته الميدانية في جنوب لبنان، وهناك اشارات كثيرة من بينها تجنيد الاحتياط بشكل واسع، الذي يشير إلى اننا نتوقع تصاعد الحرب البرية في جنوب لبنان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المواجهة مع حزب الله،

المواجهة مع حماس، وما بينهما

مارك هيلر

 

من النظرة الأولى يبدو أن هناك ارتباط وثيق بين الازمة على الحدود الشمالية لاسرائيل وبين التصعيد الاخير في العنف الإسرائيلي الفلسطيني، ففي الحالتين فان الذي أشعل المواجهة هو قتل عدة جنود اسرائيليين وخطف آخرين من قبل جهات اسلامية ليست دولة (حماس وحزب الله) اللتان تؤديهما سوريا وايران والذين تسللو خارج حدودهم الدولية المعترف بها من اراض انسحبت إسرائيل منها بصورة احادية الجانب.

وفي الحالتين سبق أو ترافق مع هذه الهجمات / الخطف اطلاق صواريخ إلى الاراضي الإسرائيلية (القسام من غزة والكاتيوشا من لبنان) وفي الحالتين اثارت هذه الهجمات / الخطف ردود فعل عسكرية كبيرة هدفها ليس فقط تحرير المختطفين من دون مقابل، بل احداث تغيير أساسي في الواقع السياسي على طول الحدود المذكورة وخارجها، وفي النهاية فان نشاط كل جهة ـ ليست دولة ـ خلقت حالة تعاطف.

وفي حقيقة الامر فإن التوضيحات / المبررات لعمل حزب الله كانت في الأساس هي دعم الموضوع الفلسطيني وأوضح الحزب بوضوح شمل الأسرى الفلسطينيين في أي صفقة تبادل من شأنها أن توقع للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.

ومع ذلك، ومن وجهة نظر عميقة فإن الربط بين الحالتين يتراجع، فالفرق الأول موجود في هوية المهاجمين، فحزب الله تنظيم منضبط جداً وذو وجهة نظر موحدة، في المقابل يبدو ان حماس تنظيم أكثر ضعفا.

ولا توجد هوية موحدة للفلسطينيين الذين أشعلوا ألازمة الأخيرة في جبهة غزة عندما هاجموا كيرم شالوم، وأظهرت البيانات الأولية التي جاءت في أعقاب الهجوم عن ثلاثة مجموعات شاركت في العملية هي الذراع العسكري لحماس وكتائب عز الدين القسام ولجان المقاومة الشعبية وتنظيم غير معروف باسم جيش الإسلام، وما تكن تركيبة المجموعة المهاجمة فإن هذه المجموعة مرتبطة أكثر “بالذراع السياسية” لحماس ودرجة التنسيق معها هي أيضا مشكلة مع طرف :الاول، داخلي الذي سيطر في اعقاب الانتخابات للمجلس التشريعي في شهر كانون على الحكومة التابعة للسلطة الفلسطينية، والخارج ـ المكتب السياسي ـ الموجود في دمشق الذي يقوده خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق، وكان الرد الأولى مرتبك لقيادة الداخل ـ رئيس الحكومة اسماعيل هنية ووزير خارجيته محمود الزهار المعروف عنه انه هجمومي ـ للخطف يشير إلى امكانية ان الهجوم تم من دون موافقة ومن دون معرفتهم المسبقة، مقابل ذلك، فان القيادة الخارجية عبرت دعمها غير المحدود بعد وقوعها مباشرة، ولا يعني ذلك بالضرورة ان الذراع العسكري لا يعمل بصورة مستقلة بل هي مرتبطة بشكل أو بآخر بتوجهات سياسية معينة واذا كان الامر كذلك، فان الامر يعبر عن نقاط مختلفة ومن هنا المصالح المختلفة “للداخل” عن “الخارج”، ومنذ صعودها إلى سدة الحكم تحاول حماس “الداخل” مواجهة مطالب الجهود الفلسطيني وتتعامل مع هذه المطالب بحساسية، وحتى الان لم تستطع هذه السلطة تلبية هذه المطالب، ولا توجد امكانية امامها لتلبية هذه المطالب طالما يتم التعامل معها على أنها تنظيم ارهابي وتخضع للمقاطعة الإسرائيلية وللعقوبات الدولية.

اما قيادة الخارج فهي لا تتحمل هذا العبأ وبالتالي فهي أقل اهتماماً فيما يتعلق بإنعكاسات وصفها بالارهاب كما هو الحال مع حزب الله، المعزولة دولياً وفي اجزاء من العالم العربي السني الذي ينتمي اليه الفلسطينيين وجهات غير شيعية في المجتمع اللبناني.

فرق ثاني بين حماس وحزب الله عبر عنه من الاحداث في لبنان من قبل قيادة حماس، وفي هذا الإطار فان نظرة ثاقبة من غزة ودمشق تبدي ان هناك التقاءاً معينا، والتحدي الذي تواجهه إسرائيل من قبل حزب الله يرفع اسهم الأخيرة في اوساط الفلسطينيين، فمظاهرات دعم حزب الله انتشرت في المدن الفلسطينية، ويحتل عمل حزب الله مكاناً محترماً وصور نصر الله تعرض بشكل واسع إلى جانب صور ياسر عرفات واحمد ياسين، وفي هذا الإطار فإن حسن نصر الله يظهر في عام 2006 على انه الزعيم غير الفلسطيني الذي يتبنى الموضوع الفلسطيني مثله مثل صدام حسين عام 1990 وجمال عبد الناصر من عام 1956 ـ 1967 لكن القيادات الفلسطينية تتطلع إلى هذه المكانة.

وفي نهاية الامر نصر حزب الله في المواجهة مع من شأنه ان يقلل من الاهمية الشخصية للقيادات الفلسطينية، بينما هزيمته، بأي شكل من الاشكال تدخلهم حالة يأس، لكنها لا تقضي عليهم، غير أنها تبقيهم قيادات ضمن مفاهيم عامة خاصة قيادات الداخل الذين سيشعرون بنوع من الحرية في البحث عن جدول اعمال خاص بهم.

والنقطة الثانية تشير إلى ثالثة وهي : انعكاسات التدخل الدولي، حتى اندلاع الازمة اللبنانية تركز الانتباه العالمي، تركز الاهتمام العالمي على الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة وليس على العراق والضرر الذي تسببه هذه الهجمات تثير موجات من التعاطف معهم ليس فقط في الدول العربية بل في الدول التي تحفظت من الهجوم الفلسطيني على كيرم شالوم، وهذه العملية تبعث على ان تدخلها سيجبر إسرائيل على رسن قوتها وربما توقف الهجوم الإسرائيلي، من دون ان تفرض على قيادة حماس شروط سياسية غير مقبولة (مثل الالتزام بعودة الجندي الإسرائيلي من دون شروط ووقف اطلاق نار كلي). ومثل هذه العملية تطرح امكانية أن التدخل المكثف للقيادة الفلسطينية المحلية كحماس في قضية الجندي ـ التي حدثت رغما عنها بشكل أو بآخر) ستشق الطريق امامها كي تحصل على اعتراف دولي وكمفاوض وتقديم مساعدان دولية شرعية. لكن الآمال المذكورة وضعت على الرف، على المدى القصير على الأقل، مع اندلاع الازمة في الحدود الشمالية لاسرائيل، التي ركزت الاهتمام العالمي على لبنان ومكنت إسرائيل من مواصلة عملياتها العسكري في غزة مع قيود محدودة جداً، ومع ذلك فإن في التدخل الدولي ضمانة اكبر كثيراً لحماس من حزب الله، فحزب الله يعتبر أن أي تدخل دولي هو محاولة لوقفه وبالتالي فإن موقفه سلبي جداً من التدخل الدولي، باستثناء موافقة الحزب على شرط وحيد وهو وقف اطلاق نار من دون شروط تعيد الوضع إلى سابق عهده قبل الهجوم الإسرائيلي، وهذا السيناريو يبدو معقول على ضوء التفاهم في القضايا المطروحة على جدول الاعمال، حتى في اوساط الدول العربية المهمة.

ورغم هذه الفوارق هناك رابط مهم جداً وهي أن لحرب لبنان ونتائجها انعكاسات مهمة جداً على مستقبل حماس بشكل وعلى علاقة الفلسطينيين باسرائيل بشكل عام، واذا يدمج ما بين عمل عسكري اسرائيلي وتدخل دولي وحوار لبناني داخلي يؤدي تدمير الثقة بما يمثله حزب الله، فان الردع الإسرائيلي سيزداد قوة خاصة مع الاستجابة الدولية والمحلية للاحتياجات السياسية للفلسطينيين تعزيز الفلسطينيين وليس تغيير حماس أو على الأقل دعم المؤيدين من اجل تغيير نهجها.

نصر الله وحزب الله سيجدون صعوبات في الخروج سالمين من الازمة مع إسرائيل، لكن يكفي حزب الله ان يصمد من أجل القول أنه انتصر، واذا تم ذلك اشك ان حماس ستدخل في حالة من الواقعية أو الاعتدال، خاصة في المرحلة المنظورة، وسوف يتغلب التيار الذي يطالب بتبني طرق عمل حزب الله.

 

حزب الله ـ بعد يوم من وقف اطلاق النار حرب شعبية وارهاب وحرب وعي

محاولة تقييم حالة حزب الله بعد انتهاء المعارك مرتبط بدرجة كبيرة بنتائج المعركة التي تخوضها إسرائيل، والتي لا تعرف نتائجها حتى الآن, وعلى الرغم من ذلك يمكن الاشارة إلى عدة أهداف مركز سيحاول قادة حزب الله تحقيقها، على الأقل في المدى القصير، والحلبة الأساسية التي ستمتحن فيها نتائج الحرب بين إسرائيل وحزب الله هي في المجال السياسي، لكن هذه المقالة ستهتم بالاساس بمحاولة تقييم اعمال حزب الله المتوقعة في المجال العسكري ـ الارهابي وفي المجال الاعلامي والوعي، وأتجرأ بالقول ان حزب الله سيسعى لتحقيق هذه الأهداف بعيداً عن أي نتائج لهذه الحرب، مع تضخيم حجم الخسائر الإسرائيلية بعد 11 يوليو، نصر الله وكعادته سيحاول بواسطة قدراته اللغوية تحول الضربات التي تلقاها حزب الله ولبنان إلى انجاز عسكري مذهل ولم يسبق له مثيل امام الجيش الإسرائيلي.

ورغم الانجاز التكتيكي الذي حصل عليه نتيجة خطف الجنود الاسرائيليين إلا أن حزب الله فشل فشلاً استراتيجياً في تقدير قوة وعمق ووقت الرد الإسرائيلي، وكنتيجة مرحلية للهجوم الإسرائيلي من الواضح ان التنظيم دفع ثمنا غاليا من حياة مقاتليه وذلك في البنى التحتية العسكرية والمدنية لمؤيديه في جنوب لبنان، وذلك من خلال الدمار الذي الحقته إسرائيل بمقرات قياداته والمس الكبير بطرق الحركة بين بيروت وبعلبك والمراكز المدنية لمؤيديه .

ويبدو أن الصورة الشعبية لنصر الله، الزعيم البرغماتي والمؤثرة والخطيب تعرضت لأزمة أو على أقل تقدير صابها نوعاً من الخلل، وعلى أية حال، فان شخصية نصر الله ومكانته بعد الحرب ستؤثر كثيراً بطريقة عمل الحزب في المستقبل.

وكما هو معلوم فإن حزب الله هو تنظيم متعدد الأوجة وله مؤسسات دينية وسياسية وعسكرية، التي تشكل مجتمعة مركز القوى لحزب الله وخصوصيته.

ومع ذلك، فان التركيبة العسكرية الارهابية للمنظمة هي التي منحته الشهرة والتأثير وساعدت على تعزيز مكانته في لبنان، وفي هذا المجال، يعمل الحزب في جلبتين اساسيتين هما ،  عسكرية، حيث يعمل على تأسيس جيش وفي نفس الوقت يدرب على الحرب الشعبية، اما الثانية  فتتركز بالعمل وتوجيه النشاطات الارهابية.

ففي المجال العسكري يعتقد أن الحزب سيعمل قدر ما يستطيع على تقليص اضرار الحرب بواسطة الحروب التقليدية والمعارك الشعبية، وربما يضطر إلى اخلاء مواقعه في جنوب لبنان، ومن الواضح ان الحزب سيحاول المناورة من اجل التصدي للضغوطات التي ستمارس عليه من اجل ان يحافظ الحزب على مكانته كقوة عسكرية مستقلة وسيحاول رفض اية محاولة لتجريدة من السلاح، واذا نجح الحزب في ذلك فانه سيبقى المليشيا الوحيدة في لبنان التي تحمل السلاح، وسيحاول الحزب اعادة تزويد نفسه بالاسلحة من إيران وسوريا بصواريخ بعيدة المدى وبقدرات عسكرية أخرى، وفي اسوء الاحوال سيحافظ على ما تبقى من هذه الاسلحة، وسيمركز حزب الله أعماله المستقبلية في الارهاب وفي الاعمال السرية التي يصعب فيها تحميله المسؤولية، وعليه يتوقع من حزب الله ان يعزز ويستغل، على خلفية الصراع الأخير علاقاته بالمنظمات الارهابية وشبكات الارهاب الفلسطينية وبعض الخلايا التابعة لعرب إسرائيل، وذلك بهدف المس بإسرائيل، من أجل ان يحافظ الحزب وايران على القدرة على التأثير واحباط اية مسيرة سياسية مستقبلية.

وفي الإطار المذكور يستطيع الحزب ممارسة الارهاب بالخارج ضد أهداف اسرائيلية وغيرها، بواسطة جماعات تخصصت بمثل هذه الاعمال الذي تنتشر بنيته التحتية في الكثير من دول العالم، وهذا الجسم لم ينفذ عمليات منذ عدة سنوات بسبب قرار مشترك من قبل حزب الله وايران بالامتناع عن القيام بمثل هذه العمليات بعد 11 سبتمبر 2001 وبسبب قدرتهم على المحافظة على مصالحهم امام إسرائيل من خلال امتلاك القدرة على قصفها.

ومع ذلك ليس صعباً على الحزب العودة إلى هذه الاعمال، كما يستطيع الحزب استغلال الفلسطينيين للقيام بمثل هذه العمليات وإبعاد الشبهة عن الحزب مثل استغلال الجهاد الاسلامي أو تنظيمات سرية اسلامية تمتعت بدعم ايراني في السابق.

كما أن حزب الله وخاصة زعيمه نصر الله قد اختصا بالحرب النفسية، ويعتبر هذا العنصر عنصراً استراتيجياً في عمل الحزب ويستخدمه لمضاعفة قوته وتعزيز صورته كقوة لا يستهان بها ويحول به الهزائم إلى انتصارات، وتعتبر خطابات حسن نصر الله التي تبثها اجهزة الاعلام العربية والدولية واستخدامات محطة تلفزيون المنارنموذج آخر على اهمية الحرب النفسية في بلورته لوعي عام حول حروب حزب الله.

ولا يوجد شك أن حزب الله سيستغل الحرب النفسية إلى ابعد مدى حتى بعد وقف اطلاق النار.

واذا استطاع حزب الله الوقوف على قدمية مرة أخرى امام جمهوره في العالمين العربي والاسلامي فانه سيعرف كيف يعرض النصر الذي حققه باسم لبنان وكيف دافع عنها أمام العدوان الإسرائيلي، وسوف يتجاهل حقيقة انه لم يتلقى دعماً حكومياً أو عاماً.

وسوف يسوق نصر الله الأسباب العملية التي قادته إلى عملية الخطف، بسبب رغبته الحصول على انجاز تكتيكي هدفه تعزيز مصداقيته كزعيم، يحترم ما يصدر عنه من تصريحات، ويفرض على إسرائيل المسؤولية عن اندلاع الحرب المدمرة، التي انتشرت في كل لبنان وخسائرها بعيدة المدى لم تحص بعد، وفي المقابل سيبرز نصر الله مقاومة الحزب لجنود الجيش الإسرائيلي وقدرته على المس بهم وأسر جنود الجيش الإسرائيلي ومنع الافراج عنهم من دون مقابل، وسوف سيتعرض الخسائر التي تكبدتها الجبهة الإسرائيلية الداخلية وهروب مئات آلاف الاسرائيليين في مستوطنات الشمال والخسائر الاقتصادية، على أنها الطريق الوحيدة لمواجهة إسرائيل، ويتطلع نصر الله إلى قيادة لبنان في المستقبل ويعتبر نفسه جزء من الصراع الاسلامي الذي يتجاوز الحدود اللبنانية، ويتوقع أن يدير معركة دعائية تعرض حزبه على انه النموذج في الحرب الشاملة الذي يجب الاحتذاء به خاصة قوة وإصرار مقاتليه المستعدين للتضحية بأنفسهم من اجل الله، وسوف يعرض الاستشهاد على انه نموذج العمل ـ الذي بدء فيه بالثمانينيات ـ في انحاء العالم وحول قدرة حزب الله في عرض المعركة على كأنها نصر وأن هذا النصر هو طريق الحزب، سترسم طريق الحزب في المستقبل وستؤثر بصورة كبيرة على تطورات المعركة ووقتها ونتائجها خاصة اذا ظلت القيادة الحالية للحزب على قيد الحياة مثل حسن نصر الله وقادته العسكريين بما في ذلك رئيس اركانه عماد مغنية وصحبة من قدماء شبكة الارهاب التي ادارتها المنظمة في الثمانينيات والتسعينيات، واذ كانت النتيجة بقاء نصر الله على قيد الحياة  فإنه هو الذي سيدير المعركة من قبل حزب الله ويوجه القادة السياسيين في التعقيدات السياسية الداخلية ويواجه الضغوط الدولية المطالبة بتقييد تحركاته، وسوف يمتحن لاول مرة في قيادته للحزب، وفي المقابل، امتحان قدرة الغرب بمساعدة من الدول العربية الواقعة، في مواجهة حزب ارهابي مدعوم من دول تدعم الارهاب، خاصة إيران التي تسعى لامتلاك قدرات نووية.

 

 

 

حرب “إلى هنا”

الولايات المتحدة استعداداً لمسيرة معقدة

 

منذ اندلاع الازمة في لبنان كان موقف الولايات المتحدة غاية في البساطة : وهو أن المسؤول المباشر عن الأزمة الحالية هو حزب الله،  وسوريا وايران بطريقة غير مباشرة، وبالتالي لا يوجد مجال لوقف اطلاق النار كحل مؤقت لانه سيعيد الوضع إلى سابق عهده من دون معالجة جذرية للمشاكل الموضوعة عبر جدول  الاعمال، وأضاف الموقف الأمريكي ان وقف اطلاق النار يجب ان يعتمد على تنفيذ قرار 1559 الذي في إطار يتم نزع سلاح حزب الله، ويحل مكانه في جنوب لبنان الجيش اللبناني وقوات دولية تفرض سيطرتها وسيادة لبنان على هذه المناطق، وعلى إسرائيل ان تعمل ما بوسعها لمنع المس بالمدنيين الابرياء والبنية التحتية المدنية والامتناع عن زعزعة مكانة الحكومة  الديمقراطية الضعيفة وتمكين تقديم مساعدات انسانية ولا *** هذا الموقع من الدعم المبدئي الذي تقدمه الإدارة الأمريكية لإسرائيل، بل هناك سياسة امريكية واضحة في هذا البلد وهي محاربة الارهاب ومرسليه من طهران.

وفي العام الاخير لم يعترض حزب الله على تطبيق 1559 فقط، بل دعم وشجع حماس والمنظمات الأخرى بهدف تصعيد الوضع على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية.

وعلاوة على ذلك، اعتبر توقيت الخطف على انه يتلائم مع المصلحة الايرانية بلفت انتباه العالم عن المشروع النووي الايراني، وبناء على ذلك لم يمكن مفاجئاً ان تطالب الولايات المتحدة وخلال فترة محددة بحل هذه المشكلة عسكرياً، كما هو الحال في افغانستان والعراق، ولا يعتبر الامريكان هذه الازمة مشكلة تتطلب حلاً فورياً على المدى القصير بل هي فرصة مناسبة للمس جسدياً بكتلة الارهاب وهي  إيران وسوريا وحزب الله وحماس، اذا كان يدور الحديث عن محاور ولادة الشرق الأوسط الجديد.

وعبرت مادلين اولبرايت وزير الخارجية الأمريكية السابقة عن دهشتها لأن وزير الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس لم تبادر إلى زيارة الشرق الأوسط منذ الاسبوع الاول لاندلاع الحرب بهدف فرض وقف اطلاق النار، غير ان هذه الدهشة لها ما يبررها عند الإدارة الأمريكية الحالية، فالإدارة الامريكيةالحالية وعندما تفقد صبرها فهي لا تفغل الحديث مع “المخالفين” الدوليين مثل ياسر عرفات وصدام حسين، وأن التوقع من الإدارة الحالية في البيت الأبيض التفاوض مع حزب الله هو مثل التفاوض مع القاعدة وفي هذا الإطار صرح المندوب الأمريكي في  الأمم المتحدة جون بولتون: كيف يمكن التوصل إلى وقف لاطلاق النار مع منظمة ارهابية.

ومع تسريع العملية الديبلوماسية فان الإدارة الأمريكية بدت أنها ستعيقها، لكن المشكلة الأساسية بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية هي الحكومة اللبنانية المشكلة من قبل برلمان منتخب بعد خروج سوريا من لبنان، وهي ترى بنجاح هذه التجربة نموذجاً يحتذى في الشرق الأوسط ( لا يبدو ان هذه النظرية قاعدة سليمة، فطرد الجيش السوري هو شأن سيادي وليس له علاقة بالديمقراطية، ونتائج الانتخابات وفق التركيبة الطائفية لا تعتبر عملية ديمقراطية تمثل كل اللبنانيين وذلك بسبب التمييز الموجه ضد الشيعة). ودعمت الولايات المتحدة حكومة السنيورة وتوقعت من هذه الحكومة ان تعمل على تطبيق قرار مجلس الامن 1559 بشكل تدريجي وتعيد سيطرتها على جنوب لبنان، وفي هذا الإطار وافقت الإدارة الأمريكية حتما على ضم حزب الله إلى الحكومة اللبنانية رغم وصفها من قبل الامريكان بالتنظيم الارهابي.

وكان للولايات المتحدة أملين هما : ان خروج سوريا سوف يعزز الحكومة ويضعف حزب الله مع مرور الوقت، والثاني ان مشاركة حزب الله في حكومة ديمقراطية سوف يجعل حزب الله يميل إلى الاعتدال، والامر الاخير اعتبر رافعة جديدة في الرؤية الأمريكية حول افضليات الديمقراطية الذي يقول ان الديمقراطية تحول الدولة إلى المطالبة بالسلام فان مشاركة منظمة ارهابية في الحكومة يؤدي إلى زيادة اعتدالها، وعبر عن هذا الامل في التصريحات الأمريكية المتكررة خلال العالم الماضي وفي الاسابيع الأخيرة عندما قالوا ان “قدم في الارهاب والثانية في السياسة لا يمكن ان يستمر لفترة طويلة.

وربما ان الهجمات الإسرائيلية ادت إلى اضعاف حزب الله، وحتى لو كان الامر كذلك، فان ذلك لن يكون له أي انعكاس حول طريقة عمله الاقليمي، فعلاقات الحزب مع إيران وسوريا لم تتراجع، وتدخله في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ازداد ومعارضته لقرار مجلس الامن 1559 ادت إلى توقف تنفيذه، وجاءت عملية خطف الجنود لتثبت ان جرئته وتطلعاته لم تتراجع، ونتيجة لذلك تبدد الامل الأمريكي بان حكومة لبنان تستطيع التقدم نحو الاستقرار والسيادة بوجود حزب الله.

وعلى هذه الخلفية تقف الولايات المتحدة امام عملية معقدة، فمن جانب اعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش ان من الضروري على حكومة السنيورة ان تجتاز الازمة، فيما صرح رايس ان انهاء العنف يجب ان يكون دفعة إلى الامام لتطبيق السيادة اللبنانية، ولا يرى البيت الأبيض حلاً لهذه الازمة سوى تطبيق قرار 1559، وتطبيق هذا القرار يتطلب موافقة الحكومة اللبنانية، وهذه الموافقة تتطلب خوض مواجهة سياسية مع حزب الله، وهذه المواجهة ستؤدي إلى سقوط الحكومة والدخول في حرب اهلية، ومنذ اندلاع الازمة عبرت الولايات المتحدة ليس فقط عن دعمها للحكومة اللبنانية، بل ان تسريع المسيرة سيؤدي إلى الضغط عليها وبالتالي سقوطها وهي مشكلة معقدة لا مخرج لها.

ومن اجل تعزيز إصرار حكومة لبنان على تطبيق سيادتها على الولايات المتحدة ان تعزز التيار الوطني في لبنان وفي نفس الوقت اضعاف حزب الله وسوريا، ويعتقد ان المشاورات الديبلوماسية ستمتد بشكل مباشر مع شخصيات درزية ومسيحية مقابل العلاقة مع رئيس الوزراء السني، وهنا سيعمل البيت الأبيض بالتنسيق مع الدول العربية برئاسة العربية السعودية، التي تتهم حزب الله وايران بالأزمة الحالية، ومن اجل تعزيز التيار المذكور فان الولايات المتحدة ستوافق على ضم مزارع شبعا والاسرى اللبنانيين في التسوية الشاملة، بهدف منح الحكومة الشرعية العامة لاتخاذ خطوات ضد حزب الله، وفي المقابل، تبقى الإدارة الأمريكية الاتصالات المباشرة مع دمشق  من خلال العربية السعودية والاتحاد الاوروبي مع معارضته لاية مساعدة لسوريا من اجل عودتها إلى لبنان، واذا وقفت سوريا وحزب الله في وجه الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي، يبدو ان الامريكان سيضطروبالتنسيق مع سوريا إلى توسيع الهجمات نحو أهداف وبنى تحتية سورية.

وفي هذا المجال فان الولايات المتحدة ستعمل كثيراً من اجل اغراء الحكومة اللبنانية على الموافقة على القرارات الدولية، وتعزز مكانتها على حساب حزب الله، اشك ان مثل هذه العملية المعقدة ستنجح قبل تصعيد عسكري كبير.

 

 

 

 

 

 

آيات الله، حزب الله، وحسن نصر الله

إيران كلاعب مركزي

افرايم فام

 

لا يوجد شك حول التدخل الايراني العميق في نشاط حزب الله، فايران هي التي أنشأت الحزب وهي المصدر الروحي المركزي لهذا الحزب، ويعتبره النموذج الأنجح لتصدير الثورة الايرانية، والى جانب علاقاته مع سوريا فان إيران بالنسبة لحزب الله هي الشريان الرئيسي له، حيث تقدم له المساعدات بعشرات ملايين الدولارات في العام.

ويقوم الخبراء الايرانيين بتدريب مقاتلي حزب الله في إيران ولبنان، ويتواجد في لبنان منذ عام 1982 وحدة من حرس الثورة الإيرانية ويعملون كمستشارين عسكريين للحزب، وتقيم قيادة حزب الله علاقة وثيقة ومباشرة مع قادة النظام الايراني ويتشاور معهم في المواضيع الأساسية وتنسق خطواتها مع الحزب، ولولا المساعدة العسكرية الايرانية ما تجرأ حزب الله على تحدي إسرائيلي وتبني إيران قوة الحزب العسكرية ليس فقط لتعزيز قوة الحزب في مواجهة إسرائيل وفي الحلبة اللبنانية، بل من اجل استخدام هذه القدرات خاصة الصواريخ، من اجل ضرب إسرائيل وفق الاعتبارات الإسرائيلية.

وبناء على ذلك، لا توجد هناك حاجة لاعتبار اختطاف الجنديين وكأنه مبادرة ايرانية من اجل تخفيف الضغط الدولي على إيران في مسألة الأسلحة النووية.

وعلى الرغم من القرب والعلاقة بين إيران وحزب الله إلا ان الحزب ليس دمية في يد إيران، وسبق ان وقعت خلافات بين الطرفين في قضايا سياسية وعملية، فحزب الله له الاعتبارات الخاصة به، المرتبطة بمكانته كطرف مهم في الساحة اللبنانية، وعلاوة على ذلك لسوريا تأثير كبير على الحزب، وعليه، يمكن القول ان العملية التي تمت هي اولا وقبل أي شيء قراراً من قبل حزب الله.

ولحسن نصر الله أسبابه الخاصة للقيام بعملية الخطف، فقد اعلن قبل عدة أشهر عن نيته بتنفيذ هذه العملية، وحسب اعتقاد الحزب فإن عملية الخطف تمت في الوقت المناسب بالنسبة له، فالجيش الإسرائيلي مشغول في عمليات عسكرية واسعة في غزةوفصل التنزه في اوجه في الشمال، وفي المقابل من الصعب رؤية المكاسب الايرانية الكبيرة من وراء هذه العملية، ولتوقع ان الرد الإسرائيلي سيكون محدود كما هو في السابق، والرغبة بتأجيل البحث في الموضوع  الايراني كانت ستكون محدودة، فإنه يفترض أن عملية الخطف تم تنسيقها مع إيران، أو على الأقل مع ابلاغها بشكل عام بالنية في تنفيذ عملية، لكن إيران لم تملي على الحزب ما عليه عمله وفي غضون ذلك يبدو أن هناك اشارات لقلق ايراني من استمرار الازمة الحالية وأسبابها في ذلك كثيرة، فانعكاسات الحرب الحالية على إيران ستكون مرتبطة بدرجة كبيرة على النتائج وعلى  التسوية السياسية التي سيتم التوصل اليها على الأرض، لكن التوقع بأن إسرائيل ستحقق بعضاً من أهداف عملياتها في لبنان، فان إيران ستخرج خاسرة نوعاً ما من هذه الحرب في عدة مجالات، فالرد الإسرائيلي عزز قدرة الردع تجاه حزب الله، كما أنها اشعرت الجميع انه لا يمكن الاعتماد أكثر على شبكة الصواريخ الذي بنته إيران لصالح حزب الله.

ورغم ان اطلاق القذائف ما زال كبير اتجاه مستوطنات الشمال وتضرر السكان هناك من وراء ذلك، فان الحصانة الوطنية لم تتضرر بعد، وتم تدمير جزء كبير من هذه الصواريخ في اعقاب العمليات العسكرية، وتم استهلاك عدد كبير منه، كما ان حزب الله بدأ يبتعد عن خط الحدود وربما لن يستطيع العودة إلى هناك .

وفي جميع الاحوال فان حزب الله تعرض لضربة قوية وتأثرت إيران بهذه الضربة، لان إيران اعتبرت صواريخ حزب الله عنصراً مهماً في قدرة الردع الايرانية تجاه إسرائيل، وعلى سبيل المثال فقد امتنعت إسرائيل عن عقاب إيران بسبب الدور المتزاي دلها في الارهاب الفلسطيني واللبناني، لخشيتها من قيام حزب الله بقصف إسرائيل بالصواريخ، ويبدو ان هذا العنصر لن يختفي، لكن اذا استطاعت إسرائيل ان تحافظ على انجازات العملية فان ذلك سيؤدي إلى تراجع التأثير الايراني في لبنان، لانها ستقلص قدرة حزب الله على المس باسرائيل، واثبتت الحرب الحالية الحدود التي يمكن لايران فيها تقديم المساعدة كحزب الله وقت الحرب، فاسرائيل ضربت بشدة حزب الله وايران لا تستطيع المساعدة سوى بالتصريحات العنيفة اذا هوجمت سوريا، لكن إيران امتنعت حتى هذا اليوم عن تهديد واضح لاسرائيل بخصوص حزب الله اذا سيكرس نصر الله وقتاً أكثر للتفكير في مدى الاعتماد على إيران في حال حدوث مواجهة أخرى.

والمكسب الوحيد الذي حققته إيران من الازمة الحالية هو تحويل انتباه الرأي العام الدولي عن القضية النووية الايرانية لفترة محدودة، لكنها خرجت متضررة من هذه الحرب لان الحزب لن يخرج قوياً كما كان في السابق، ووجهت الانتقادات العربية والدولية نحو إيران، لانها اعتبرت مشعلة الحرب في المنطقة ويجب وقفها عند حدودها في اية تسوية سياسية من منع اشتعال المنطقة مرة أخرى.

لكن، هل على إسرائيل ان تستغل هذه الفرصة وتهاجم إيران من اجل ردعها عن القيام بإعادة بناء الحزب ودفعها إلى تقليص دورها في الارهاب الفلسطيني؟ هنا يجب التفريق بين نوعين من العمل، الاول، مهاجمة الأهداف الايرانية في لبنان المرتبطة بحرس الثورة وفي الوسائل التي تستخدمها إيران لتعزيز وتسليح حزب الله، وهي أهداف شرعية في اطار الحرب ضد حزب الله، وفي المقابل سيكون من الخطأ مهاجمة الأهداف الايرانية داخل إيران، وعلى إسرائيل ان تركز على مهاجمة أهداف الحزب وايران في لبنان فقط، ويبدو ان مهاجمة أهداف إيران تشبه إلى حد بعيد مهاجمة أهداف في سوريا وذلك لن يساعد في دفع هذين النظامين إلى تقليص علاقاتها بحزب الله وهما يملكان القدرات للرد على إسرائيل بواسطة الصواريخ بعيدة المدى الامر الذي يحول الانتباه الإسرائيلي عن لبنان، وهي لا تحتاج إلى جبهة أخرى أمام إيران أو سوريا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبر الحرب

ضرورة إقامة حلف دفاع اقليمي

زكي شالوم

 

بعد حرب عام 1956 بادرة إسرائيل إلى اقامة حلف المحيط، وكان عضواً في هذا الحلف إسرائيل وتركيا وايران والمغرب واثيوبيا، وكان الجامع المشترك لهذه الدول هو الخشية من ارتفاع اسهم الزعيم المصري جمال عبد الناصر، وادركت هذه الدولة أنها لا تستطيع مواجهة الناصرية لوحدها وأن ثمن مواجهة المد الناصري ستكون مرتفعة جداً في حال قررت كل دولة مواجهة مثل هذا المد لوحدها. وعليه قررت هذه الدول الدخول في حلف غير رسمي اعتمد على تفاهمات سياسية استراتيجية بعيدة المدى وتعاون عسكري استخباري وثيق.

ومنذ تأسيس الحزب مرت عقود، وبعض دول الحلف مرت بتغييرات جوهرية، واستبدلت ناصرية الستينيات بالاسلام المتطرف في القرن الواحد والعشرون، واحتلت إيران مكان مصر واحمدي نجاد مكان جمال عبد الناصر، لكن ومن أجل المقارنة يمكن القول وبدون تردد ان التهديد الحالي من جانب إيران والإسلام المتطرف على المجتمع الدولي بشكل عام وعلى الشرق الأوسط بشكل خاص، اكبر عشرات المرات من التهديد الناصري، وبداية كان التهديد الناصري مختصر على الشرق الأوسط فيما يهدد الاسلام المتطرف كل العالم تقريباً .

ويكفي ان الاسلام المتطرف سوف يملك اسلحة يستطيع من خلالها تهديد العالم الغربي والشرقي، فيما لم تملك الناصرية مثل هذه الأسلحة ويدور الحديث عن سلاح الارهاب، خاصة المنتحرين منه، وكذلك استخدام اسلحة الدمار الشامل.

وكشفت حرب لبنان في عام 2006 أمام اعيننا وبصورة مؤلمة ووحشية المخاطر الكامنة التي تفرضها إيران والتطرف الاسلامي امام  الغرب ودول الشرق الأوسط واسرائيل، وحقيقة انه وبعد ايام طويلة من الهجمات الجوية المكثفة التي شنتها إسرائيل والحرب الميدانية المحدودة التي خاضتها ضد حزب الله، الا ان الصواريخ ما زالت تسقط على شمال وعمق إسرائيل، الامر الذي يعتبر تخدير خطير من ارتفاع اسهم إيران كدولة عظمى اقليميا، وفي حالة امتلاكها قدرات نووية فانها ستشكل تهديداً نووياً خطيراً جداً ليس على إسرائيل بل على كل الشرق الأوسط وعلى الدول الغربية، وعليه، كيف ستواجه هذه الدول التهديد الخطير جداً الذي تتعرض له اليوم.

واعتقد ان الوضع الحالي وفي الظروف القائمة يجب التوجه نحو إقامة حلف دفاع اقليمي واسع تشارك فيه الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة وتشارك فيه إسرائيل وتركيا ومصر والسعودية ودول الخليج وبريطانيا، ويجب ان يكون التحالف الجديد غير رسمي وغير موثق، وذلك لسبب بسيط وهو ان الأطراف لا تستطيع العيش تحت مظلة هذا الحلف، وغالبية الدول ستفضل التعاون العسكري الاستراتيجي الوثيق والبعيد عن وسائل الإعلام.

ويجب ان يعتمد التحالف على مبدأين أساسيين هما : الاول ان إيران والاسلام المتطرف هما التهديد الخطير الذي يجب ان يتم التعاون الاستراتيجي بهدف مواجهة هذا التهديد، لأن كل الدول تشعر ان إيران الاسلام المتطرف هما التهديد القومي على كل دولة منفرد، لكن من الناحية العملية فإن الواقع اليوم هو ان كل دولة تنتظر ان تبادر دولة أخرى إلى قيام مثل هذا التحالف، وبالتالي فهي لا تنتظر، أي لا تتدخل.

وهذا الوضع يمنع ان يستمر، لان استمراره سيمنح إيران الفرصة كي تتهرب من أي تهديد للحصول على القوة النووية في السنوات القريبة، وعلى جميع الدول أن تفهم أنها بقارب واحد وأن التهديد الموجه لجميعها هو تهديد واحد، ورغم إيران اليوم موجهة تهديد إلى إسرائيل فقط، إلا أنها مع الوقت ستوجه تهديدها نحو الدول الأخرى التي سيتشكل منها الحلف، وعلاوة على ذلك، لا توجد موانع ايرانية من ان تختار مواجهة مع دول غير إسرائيل لعلمها بقدرة إسرائيل على الرد المكثف على أي هجوم عليها،وفي جميع الاحوال، فان كل دول الحلف عليها ان تفهم تهديد إيران لها، سيؤدي إلى نهاية إيران نفسها، وعليه، فان على جميع الدول ان تتعاون من اجل ازالة هذا التهديد عن جدول الاعمال.

لكن ما يقف في وجه هذا التحالف هو مسألة التسوية الإسرائيلية الفلسطينية الذي من شأنه ان يؤدي إلى انهيار هذا التحالف، وعليه، على دول الحلف ان تسعى جاهدة إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية مرحلية طويلة الامد، بدلا من حالة الصراع الحالية وعدم الطرفين على التوصل إلى تسوية نهائية، والحل المرحلي طويل الامد، مع تأجيل القضايا الرئيسية لمرحلة متأخرة مع امتناع الطرفين عن القيام بخطوات دراماتيكية سيضع حجرالأساس لحلف يكرس جهوده لمواجهة التهديد الايراني والاسلامي المتطرف من خلال قناعته بانه يمكن من خلال هذه المواجهة خلق شروط مريحة للتسوية النهائية الإسرائيلية ـ الفلسطينية.

وحسب تقديري، فان مثل هذا الحلف الذي سيخضع للوصاية الأمريكية سيكون خط دفاع لمواجهة التهديد الايراني والاسلامي المتطرف، واذا لم يتم ذلك على المدى القريب فان دول كثيرة في الشرق الأوسط والمجتمع الدولي ستقع تحت التهديد الايراني، ولا اعتقد ان الدول منفردة تستطيع مواجهة هذا التهديد.

 

 

 

الردع وقيوده

يئير عبرون

 

اهمية الردع

الردع هو عملية معقدة جداً وتتضمن قبل أي شيء التهديد باستخدام القوة كطريق لمنع أو عقاب، بهدف منع خطوة عنيفة من الخصم، لكن نجاح الردع يتضمن استخدام عدة عناصر هي سياسية واستراتيجية ونفسية.

وكلما ازدادت قدرة الرادع على عقاب المرتدع (بواسطة الافضلية العسكرية) فان عنصر الردع سيزداد، وفي المقابل، كلما ازداد احباط الطرد المرتدع من الوضع السياسي، فانه يصبح على استعداد لتحدي الوضع القائم، والى ذلك يضاف عنصر الاصرار، أي استعداد الطرف الرادع على استخدام التهديد والعقاب، لكن ابعاد العنصر الاخير مرنة ويمكن ان تكون انعكاساته معقدة.

الردع المتبادل: في حالات الصراع الكثيرة تحاول الاطراف المتصارعة خلق توازن في الردع، وفي هذا الإطار تجري في احيان متقاربة “حوار ردع” يستخدم فيه المتحاورين خليط من الاشارات المختلفة حول القدرات العسكرية أو تصريحات أو توجيه تهديدات “عنيفة” بواسطة تحركات عسكرية وفي احيان القيام بعمليات عسكرية محدودة.

 

الردع الإسرائيلي ضد دول المنطقة

بفضل افضليتها العسكرية الواضحة، من جانب، وبفضل اتفاقات السلام مع مصر والاردن من جهة ثانية، وبسبب عدم وجود مصلحة حيوية واضحة للهجوم على إسرائيل من جانب معظم الدول العربية (وتوجد مع بعضها شراكة مصالح أو غير ذلك) تتمتع إسرائيل من ردع مستقر.

الردع الإسرائيلي ضد التنظيمات

بشكل عام يكون عنصر الردع فعال عندما يكون الطرف المرتدع دولة ذات مركز قرارات متبلور، يسيطر على مراكز القوى في الدولة، ومع ذلك يمكن ردع التنظيمات ضمن ظروف معينة، فعلى سبيل المثال يردع الفلسطينيين من حلال، عدم منحهم انجازات سياسية والردع الإسرائيلي العنيف على الارهاب والحرب الشعبية، وهذا الرد يسبب اضرار واسعة ومتواصلة للمجتمع الفلسطيني، ونتيجة لعدم وجود تقدم سياسي تندلع بين الفينة والاخرى اعمال عنف فلسطيني يرد عليها بالقمع الإسرائيلي، وبهذه الطريقة وافقت فتح وحماس على وقف اطلاق النار في شهر كانون الثاني عام 2005 وذلك بسبب الضغط العسكري وتعب المجتمع الفلسطيني، وبأمل تجدد المسيرة السياسية وعدم وجود جهة فلسطينية قادرة على فرض سيطرتها تخلق صعوبات امام عنصر الردع الإسرائيلي وتقيده، لكن ذلك لا يمنع بناء ميزان ردع مع ربطه بشكل أو بآخر بالمسيرة السياسية.

موازين ردع محدود

ان كان مع دول أو مع تنظيمات يمكن خلق ميزان ردع محدود، لا يتطرق لكل عناصر الصراع، بل إلى احد جوانبه فقط، وذلك إما بتعزيز المسيرة السلمية أو باستخدام محدود للقوة.

مقارنة الردع ـ إسرائيل وحزب الله

في شهر أيار من عام 2000 أخلت إسرائيل قواتها وجيش لبنان الجنوبي من جنوب لبنان، وجرى هذا الإخلاء بواسطة تسوية سياسية تم إقرارها من الأمم المتحدة وحصلت على دعم المجتمع الدولي وحكومة لبنان، وعلى الرغم من ذلك، جدد حزب الله بعد الإخلاء بفترة وجيزة اول هجوم له على هار دوق، ومنذ ذلك الوقت كرر حزب الله هذه الهجمات مرة كل عدة اشهر في الجبهة الشرقية من جنوب لبنان، واصبحت هذه الهجمات اعتيادية تقريباً مثل اطلاق النار على المواقع العسكرية الإسرائيلية والامتناع عن مهاجمة المواقع المدنية، أما إسرائيل فردت على ذلك بقصف مواقع حزب الله، وبشكل عام كانت هذه الاحداث تنتهي خلال يوم.

ويبدو أن هذه الطريقة من العمل خلقت “قواعد لعبة” في الشمال، وهذه القواعد خدمت أهداف حزب الله في الحلبة اللبنانية الداخلية ويبدو أنها كانت مريحة لسوريا ولايران، أما إسرائيل فلم يكن الامر مريحاً لها، لكن هذه القواعد لم تشوش حياة السكان في الشمال. وأعيد بناء الحياة المدنية بعد فترة طويلة من الوضع غير الطبيعي، وخلال هذه الفترة توسع النشاط الاقتصادي عشرات المرات، وعلى هذه الخلفية لم يكن هناك مزاج للرد على تحديات حزب الله، وعلاوة على ذلك ومنذ عام 2005 ازدادت التوقعات بأن الحلبة اللبنانية الداخلية بدأت تتغير، ومع خروج القوات السورية بدا أن هناك ضرورة لتغيير مكانة الحكم الذاتي العسكري الذي يعيشه حزب الله.

وكانت “قواعد اللعبة” هذه نتيجة لميزان “الحد الادنى من الردع” المتبادل. فاسرائيل ردعت حزب الله من تجدد الاعمال العسكرية الموجهة ضد التجمعات المدنية في الشمال، بينما ردع حزب الله إسرائيل من القيام بهجوم شامل هدفه تحطيم التنظيم، واعتمد الردع المتبادل علىعدة عناصر هي : التهديد العسكري المتبادل، فحزب الله كان يدرك حجم  الخسائر التي سيتعرض لها لبنان خاصة الشيعة منهم، بينما امتنعت إسرائيل عن القيام بعملية واسعة خشية تشويش الحياة في الشمال.

وبذلك ورغم ان حزب الله تنظيم وليس دولة الا انه امكن ممارسة ضده عملية الردع، غير أن حزب الله الفاعل سياسياً في لبنان وذو طموح لزيادة قوته السياسية هناك، أدى ذلك إلى احداث امرين مختلفين، الاول: في الإطار السياسي الداخلي حيث عمل بشكل دائم على تثبيت خصوصيته كمدافع عن لبنان امام إسرائيل ومن اجل ذلك احتاج بين الفينة والاخرى إلى تحرشات باسرائيل والثاني، وبصفته لاعب سياسي في لبنان اجبر على الحذر من الانجرار وراء هجوم اسرائيلي مكثف.

خرق قواع اللعبة

ادت العملية الأخيرة لحزب الله إلى خرق كلي لقواعد اللعبة في جنوب لبنان، فقد استخدم اسلحته ضد أهداف مدنية، وكان نشطا عسكرياً في القطاع الغربي والشرقي، وفي النهاية قام بعملية الخطف، وأكمل هذا العمل الذي ادى إلى المس بقدرة الردع الإسرائيلي مما تتطلب رداً اسرائيلياً على ذلك، ويبدو ان حزب الله قدر انه لم يخترق قواعد اللعبة وبالتالي لم يتوقع الرد الإسرائيلي المكثف.

حجم الردع الإسرائيلي

من أجل تعزيز الردع الشامل تجاه حزب الله قامت إسرائيل بشن هجوم عسكري شامل لكنه محدود بالوقت من اجل تغيير جذري “لقواعد اللعبة” لاعتقاد إسرائيل ان الردع المتبادل فرض عليها من قبل حزب ا لله وكان الردع هو احد أهداف هذه المعركة.

صورة الردع الإسرائيلية

القوة العسكرية الشاملة لاسرائيل تضمن لها ردعاً عاماً ضد مختلف الجهات في المنطقة وهي محفوفة بشكل عام، وكان هذا الوضع سيبقى ان ردت إسرائيل ام لم ترد، لكن محاولة حزب الله اعطاء نفسه القيادة والذي يؤدي إلى تغييرات حتى في الحلبة الإسرائيلية الفلسطينية من خلال مطالبتهم بالافراج عن آلاف الاسرى الفلسطينيين مقابل الافراج عن المخطوفين من شأنه ان يؤثر على تصرفات القيادة الفلسطينية في المستقبل ومن الجدير شرح هذه النقطة.

مستقبل العلاقات السياسية الاستراتيجية بين إسرائيل والفلسطينيين لن يحدد من قبل جهات خارجية بل من خلال التفاعل بين الطرفين وهذا ينسحب على ميزان “الردع بحده الادنى” لكن وجود جهات خارجية سيمس في توازن الردع لكن الرد الإسرائيلي المكثف في لبنان يظهر إلى أي مدى يمكن لإسرائيل ان تسبب اضراراً في البنى التحتية والاجتماعية لمن يعتدي عليها، وسيحصل هذا الوضع على أهمية خاصة اذا قررت إسرائيل تنفيذ تسويات سياسية مع الفلسطينيين، أو أنها توجهت نحو الحل احادي الجانب مثل تطبيق خطة الانطواء، ويعتقد ان إسرائيل لن تكون قادرة على القيام بمثل هذه الخطوات أو خلال عنف وارهاب من الشمال، أو من جانب منظمات فلسطينية أو غيرها.

خلاصة: الردع ليس هو الحل الشامل في حل وإدارة الصراعات، بل هو استراتيجية من أجل خلق حالة استقرار نسبي في النزاع، وكثيرة هي الحالات التي ينجح في الردع في تهدئة المنطقة لفترة معينة، فقط، لكنها لا تستطيع أن تحتل مكان التسويات السياسية، ومهمتها هي استقرار نسبي للحالة العسكرية وقت الصراع ودعم المسيرة السياسية عندما تنطلق.

 

 

 

 

استراتيجية جديدة لشرق اوسط مختلف

اوري بار يوسف

الصراع مع حزب الله هو صراع من نوع جديد وفق المعايير العادية : طابع الخصم والعلاقات المتبادلة بينه وبين الدولة التي يعيش فيها والدول المؤيدة له، ونوع القتال ووسائله وعلاقة الجبهة الحربية بالجبهة الداخلية وفترة الحرب وتأثير وسائل الإعلام على المعنويات الوطنية وطرق ادارة إسرائيل للحرب وربما حزب الله والخ، لكن يبدو أن هذا الصراع من الناحية المبدئية يعبر عن تغيير دراماتيكي في طريقة التهديدات وفرص إسرائيل في المنطقة، فلأول مرة تخوض إسرائيل حرب مع جهة تمثل بدرجة كبيرة  إيران، وواضح ان نتائج هذه الحرب ستكون عملية ليس فقط على مكانة إسرائيل في المنطقة، بل على قدرة إيران ابراز نفسها، مباشرة بواسطة مندوب في المنطقة والعالم، وهذا هو السبب المركزي الذي ادى إلى دعم عالمي لم يسبق له مثيل لاسرائيل بما في ذلك مصر والسعودية والاردن، بهدف اضعاف قدرة حزب الله العسكرية.

ويعتقد ان هجوم حزب الله الذي اشعل الصراع الحالي هو ليس فقط خطأ الشيخ حسن نصر الله واعضاء قيادته، بل هو خطأ القيادة الايرانية التي لو ادركت ابعاد عملية الخطف منعت ذلك، وبالاضافة إلى ذلك، عرض الكمين الذي وضعه حزب الله في 12 يوليو إلى العالم على انه استعداد ايراني لدعم هجمات خطيرة من قبل مؤيديها في لبنان ضد خصم قوي (واتضح الان انه مُصِر أكثر من أي وقت مضى على الهجوم) من اجل الحصول على انجازات دعائية تعزز صورة إيران كقوة صاعدة في المنطقة، وعلى خلفية الدعم الغير محدود الايراني لحزب الله الذي يشجبه العالم، فإن السؤال الذي يسأله العالم وجيران إيران هو : اذا تصرفت إيران بعدم مسؤولية اليوم، فكيف سيكون الوضع عليه لو امتلكت قنبلة اليوم يتصرف بحذر بهدف الحصول على هذه القدرات، وكيف ستتصرف عندما تمتلك القدرات النووية؟

ويمكن اعتبار الصراع الحالي على انه انعطاف حاد في تاريخ الصراع الإسرائيلي العربي، فالى جانب عملية التراجع المتواصلة في قدرة الدول العربية على تشكيل تهديد إسرائيل، تبرز إيران منذ عقد من الزمان على أنها هي التي ستحل مكان الدول العربية في هذا الصراع بواسطة السلاح النووي، ووجود سلاح نووي بأيدي مغامرة سيضع اسرائيل امام تهديد بالابادة الشاملة لاول مرة منذ نشأتها، وهذا الخطر يغطى على أي خطر آخر تواجهه إسرائيل ومن الواضح ان عليها عمل كل شيء من اجل منع تسلح إيران، وعلى افتراض ان هذه المواجهة هي نموذج عن استعداد إيران لتحمل المخاطر، فان ذلك يعتبر معلومات واضحة حول البيئة الاستراتيجية الجديد المهدد وغير المستقرة التي ستخلقها إيران التي ستصبح نووية، وفي المقابل، وعلى ضوء الحقائق بأن العالم خاصة الدول العربية منه لا ترغب بوجود قنبلة نووية ايرانية، فان ذلك يخلق فرصة جديدة امام إسرائيل.

ما هو الهدف الاستراتيجي لاسرائيل على ضوء الوضع القائم؟

إلى جانب الجهات المتطرفة في العالم العربي التي لا تحكم اليوم، يوجد في المحور الايراني ثلاث خلايا أخرى هي : حزب الله والجهات المتطرفة في السلطة الفلسطينية وسوريا، والهدف الأساسي الإسرائيلي يجب ان يكون عزل إيران من خلال فصل الفلسطينيين وسوريا عن إيران، ولا يوجد اليوم حاجة لاستثمار وسائل عسكرية وسياسية ضد حزب الله، لان إسرائيل لا تملك القدرة على التأثير الحقيقي على الأهداف الاستراتيجية للحزب لانها تنظيم ايديولوجي لا يقبل انصاف الحلول، والثاني هو ان فصل سوريا والفلسطينيين عن إيران سيؤدي إلى اضعاف الحزب بصورة كبيرة جداً.

وكيف تصل إسرائيل إلى هذا الهدف

من وجهة نظر إسرائيل فان الطريق لعزل إيران هي انهاء الصراع مع الفلسطينيين وسوريا، وثمن انهاء الصراع مع الفلسطينيين معروف وهو : الانسحاب من يهودا والسامرة مع تغييرات بسيطة بواسطة تبادل الاراضي وحل وسط اقليمي /وظيفي في القدس. وانهاء الصراع مع سوريا معروف وهو: العودة إلى حدود 4 حزيران عام 1967.

والطريق لانهاء الصراع مع الفلسطينيين وقطع الاتصال بينهم وبين إيران يبدأ بتعزيز الجهات المعتدلة في السلطة الفلسطينية، وحقيقة ان إسرائيل ترفض الحديث مع الجهات المستعدة للحديث معها بما في ذلك حماس التي وافقت على وثيقة الاسرى تعززصورتها على أنها غير مستعدة لانهاء (أو لتخفيف) الصراع، وتعزز بذلك الجهات المتصرفة في اوساط الفلسطينيين، وفي المقابل فان بدأ التفاوض مع الجهات المعتدلة ووقف اطلاق النار وتبادل للأسرى يتم في اطاره الافراج عن الاسرى الفلسطينيين المؤيدين لوثيقة الاسرى وعلى رأسهم مروان البرغوثي وقادة حماس والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والجهاد الاسلامي الذين وقعوا على الوثيقة، وذلك بهدف تعزيز الفئات المعتدلة وتقوية مكانتهم مقابل التزامهم بالتعايش مع إسرائيل، وفي المقابل فان مثل هذه الخطوة ستضعف الجهات المتطرفة في المجتمع الفلسطيني التي تعارض المسيرة السلمية، واعلان إسرائيل بانها مستعدة للموافقة على الهدف النهائي لخارطة الطريق كأساس لمفاوضات ستخلق قاعدة عملية لاستمرار المسيرة السلمية، التي ستكون صعبة” وكثيرة التحولات ومرفقة بأعمال عنف.ومع ذلك فان احتمالات نجاحها كبيرة.

كما أن طريق فصل العلاقة بين سوريا وايران تمر بدرجة كبيرة عبر إسرائيل، فالاسد الابن ملتزم باعادة الجولان كما هو حال ابيه، لكن من الواضح ان سوريا ستواصل الصراع مع إسرائيل إلى ان تعود هذه المناطق اليها، وتشير التجارب ان سوريا ومنذ التوقيع على اتفاقية فصل القوات في الجولان عام 1974 وهي تبحث عن طرق لاستمرار الصراع خاصة الساحة اللبنانية وذلك لمواجهة التفوق الإسرائيلي ومواجهتها بواسطة مندوب، ولا يعتقد انه ستحدث اية تطورات في المجال المذكور طالما ظلت الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية والعكس هو صحيح، فان استمرار الصراع مع سوريا سيعزز المحور الذي بنته إيران وسيؤدي في نهاية الامر لوجود قوات ايرانية في الجبهة مع إسرائيل، ومن الواضح فان استمرار الصراع مع سوريا سيؤدي دائماً على دعم سوريا لكل الجهات المعادية لإسرائيل بالمنطقة وسيصعب من امكانية التقدم في المسيرة السلمية مع الفلسطينيين، وفيما يتعلق بالمخاطر المتعلقة فان ثلاثة رؤساء وزراء (رابين ونتنياهو وبراك) كانوا على استعداد لاعادة الجولان للسوريين مقابل اتفاق سلام، والذي منع التوصل إلى هذا السلام ليس اعتبارات امنية بل هي اعتبارات أخرى.

لكن ذلك لا يعني ان وقف إيران ملقى على عاتق إسرائيل فقط، بل يجب الانتباه إلى التغييرات الداخلية في العالم العربي التي تتم بواسطة الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة واوروبا وروسيا والصين وكذلك  بخصوص التغييرات داخل إيران نفسها التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة، لكن من الواضح ان أحداث الاسابيع الأخيرة تثبت المخاطر الشاملة التي يشكلها صعود إيران خاصة اذا امتلكت القدرات النووية، وعليه، على إسرائيل ان تعمل بكل ما في قدرتها بما في ذلك دفع ثمن لم تكن مستعدة له في السابق، من اجل منع هذا الخطر، وانهاء الصراع مع العالم العربي واقامة شبكة احلاف غير رسمية مع الجهات المركزية في المنطقة التي لها مصلحة في تحجيم القوة الايرانية، هي الاستراتيجية الواعدة جداً لاسرائيل من اجل استباق التهديد القادم من إيران.

 

 

 

 

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash