أكتوبر
17

دخلت اندونيسيا على مسار تطوير ممكن للإصلاحات السياسية في مصر، على شكل تعاون بين الدولتين بخصوص تقدم الديمقراطية في مصر. ويعود الأساس في هذا التعاون بعد طلب مصر من اندونيسيا مساعدتها في عملية تنظيم الانتخابات القريبة، بما في ذلك مساعدتها في وضع قوانين بخصوص الأحزاب السياسية.

                                                                                     

مركز ديان لدراسات

الشرق اوسطية

  جامعة تل أبيب

المجلة الاليكترونية: زاوية الشرق الأوسط

 

 

مستقبل الاصلاحات السياسية في مصر

نظرة من اتجاه غير متوقع· 

 

الدكتور غيورا إليراز[1]

دخلت اندونيسيا على مسار تطوير ممكن للإصلاحات السياسية في مصر، على شكل تعاون بين الدولتين بخصوص تقدم الديمقراطية في مصر. ويعود الأساس في هذا التعاون بعد طلب مصر من اندونيسيا مساعدتها في عملية تنظيم الانتخابات القريبة، بما في ذلك مساعدتها في وضع قوانين بخصوص الأحزاب السياسية. ويعتبر مثل هذا الطلب من مصر، طلبا ذو وزن ثقيل في العالم العربي والإسلامي، وهو ليس أمرا “وماذا بذلك”.

في السنوات الأخيرة اعتبرت التغييرات الديمقراطية الناشئة في اندونيسيا وخارجها ،خاصة في الولايات المتحدة، نموذجا للإصلاح السياسي في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص. وإلى ذلك، يضاف رغبة اندونيسيا بتوسيع نشاطها الدولي بما في ذلك التدخل في الشرق الأوسط من أجل المصالحات الداخلية. ولدعم هذه التطلعات قيل في اندونيسيا وخارجها أنها هي -بكل تأكيد- تمثل نموذجا خاصا في الديمقراطية والتعددية والتسامح والتطور الحديث. ومع ذلك، رافق مثل هذه التوجه شكوكا بأن يكون نموذجا، خاصة في الدول العربية بدعوى أن العالم العربي المسلم أرفع من مسلمي أندونيسيا وللإسلام فضل على هذا العملاق، وليس العكس.

وهنا يسأل السؤال، لماذا مصر، التي تخطو خطواتها الأولى لهامش غير معروف من الإصلاحات الديمقراطية، ولماذا لم تتوجه مصر لتركيا ،جارتها في المنطقة، بل فضلت طلب المساعدة من دولة بعيدة جدا عن الشرق الأوسط ؟. علما أن النموذج التركي في التعايش بين الإسلام والديمقراطية هو الأقدم، وبين مصر وتركيا أكثر مما بين مصر واندونيسيا. ربما يعود الطلب المصري المستغرب كون مصر دولة مركزية، مفضلة طلب المساعدة من دولة بعيدة عن الشرق الأوسط وليس من تركيا التي تعتبر بدرجة معينة منافسة لمصر في القيادة الإقليمية. ويبدو أن الاندونيسيين يدركون الحساسية المصرية المذكورة جيدا نظرا للطلب المستغرب. ومع ذلك يمكن الإشارة أن الطلب المصري من دولة في أخر صقاع الأرض يعود لكونها بعيدة عن الشرق الأوسط الذي تعتبر نفسها قائدة فيه، كما لا ترغب في استنساخ النموذج التركي لأن تركيا دولة منافسة لها في قيادة المنطقة. وعلاوة على ذلك، توجد علاقة تاريخية بين مصر واندونيسيا خاصة في المجال الديني والتاريخي والتي قدمت من طرف واحد هو مصر. ونتيجة لذلك سارعت اندونيسيا بضرورة رد الجميل ومساعدة مصر بذكاء وحذر كي لا تخلق انطباعا خاطئا بأنهم يريدون لعب دور المنظر على مصر.

ورغم عدم صدور تصريحات مصرية رسمية عن طلب المساعدة بخصوص تقدم الديمقراطية في مصر، إلا التسريبات تمت من قبل الاندونيسيين أنفسهم حيث صرحوا أن الطلب المصري جاء بعد نجاح الاندونيسيين ببناء ديمقراطية مستقرة بعد سقوط نظام الحاكم الديكتاتوري سوهارتو عام 1998. وتكاد الأوضاع بين الدولتين تكون متشابهة حيث حدثت ثورة ديمقراطية في الدولتين، والدولتين ذات أغلبية سنية، والثورة قام بها أبناء الطبقة الوسطى ضد حكام قضوا في الحكم ثلاثون عاما، وفي الحالتين فقد النظام دعم الجيش له. ومرت اندونيسيا بحالة من عدم الوضوح في السنوات الأولى ومن انبعاث حركات إسلامية متطرفة. وسادت توقعات متشائمة بأن اندونيسيا ستنتقل للديمقراطية الحقيقية. وفي عام 2004 اقتنع المراقبين باستقرار الحالة الديمقراطية في اندونيسيا بعد إجرائها انتخابات ديمقراطية مستقرة.

وتعبير عن التفهم والرغبة المصرية بالتعاون مع اندونيسيا أجريت ورشة دراسية مدتها يومين في شهر أيار دعا إليها معهد السلام والديمقراطية IPD تحت عنوان “الحوار المصري-الاستراتيجي بخصوص الانتقال للديمقراطية” وأسست IPD في إطار “طاقم بالي للديمقراطية BDF الذي أسس عام 2008 من قبل أندونيسيا بهدف تقدم الديمقراطية في المنطقة الأسيوية وانضمت استراليا إلى هذا الإطار، ودعم من قبل الولايات المتحدة. وقبل الربيع العربي عقدت عدة مؤتمرات شارك فيها نشطاء مصريين من مختلف الاتجاهات من الذكور والإناث، وكان هدف هذه المؤتمرات هو اكتساب خبرة مصرية من التجربة الاندونيسية. أما الورشة الدراسية التي عقدت فقد بحثت دور الجيش في المرحلة الانتقالية ومكانه في المجتمع الديمقراطي المستقبلي والاصلاحات الدستورية والسياسية وقوانين الانتخابات وإجراؤها ودور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في بناء ديمقراطية مستقرة. ودور الإسلام والسياسة ووسائل الإعلام ودور المرأة . ومن المقرر عقد ورشة أخرى في القاهرة في المستقبل القريب.

ولا يوجد شك أن المصريين توجهوا بالطلب نتيجة عدة حقائق، وأحد أهم هذه الحقائق هي خيبة الأمل من قبل الأحزاب الإسلامية من عدم وصولها لمواقع متقدمة في السياسة الاندونيسية خاصة من حزب العدالة المزدهرة PKS الممتدة جذوره من الأخوان المسلمين.

ورغم وجود ضعف في التجربة الاندونيسية مثل عدم وجود سياسة مشددة لفرض القانون والنظام العام تقضي على نشاطات المتطرفين الإسلاميين في هجماتهم ضد الأقليات الدينية، لكن ذلك لا يعني أنه لم تحقق انجازات في هذا القطر. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الإنجازات الاندونيسية في المجال الديمقراطي. وبخصوص مصر التي لها علاقات وثيقة مع اندونيسيا يرون ويسمعون ما يجري. ويعتقد أن النظام المصري يعلم معطيات الحالة الاندونيسية مقارنة مع مصر التي أدت لنجاح الحالة في تلك الدولة، مع العلم أن هناك عدم وجود عناصر مؤدية للنجاح الديمقراطي في المجتمع المصري، مثل عدم وجود مجتمع مدني قوي ومنظم ملزم بالقيم الديمقراطية. ورغم التشاؤم السائد في مصر بخصوص نجاح الإصلاحات الديمقراطية فيها، إلا أن النموذج الاندونيسي يستحق الدراسة وطلب المساعدة.               

 


  • · . في إطار الاستنفار الإسرائيلي الشامل لجمع المعلومات وتحليلها بكل ما يجري في مصر بعد الثورة وانعكاس ذلك على إسرائيل، أقدم المقال المذكور (المترجم عليان الهندي)

[1] . الدكتور غيورا إيليراز: باحث في معهد ترومان للدراسات الشرق أوسطية في الجامعة العبرية، وباحث مرافق في المعهد الملكي الهولندي للدراسات في جنوب شرق أسيا والكاريبي، وباحث في معهد السياسات والاستراتيجية في المركز المتنوع هيرتسليا.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash