أكتوبر
11

من كتاب غلعاد شير “على بعد خطوة” .

ا

الفصل الثاني عشر

لقدس ثمانمائة مرة 

قبل مساء يوم الأحد  عاد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون  لكامب ديفيد ، في 23  تموز من عام 2000، حيث التقى فور عودته مع براك وعرفات على انفراد . وبعد انتهاء اللقاء قام براك بدعوتي وشلومو بن عامي ليبلغنا أن الرئيس سيبدأ لقاءات ثنائية في المجالات المختلفة هذه الليلة.

وعاد رئيس الحكومة وأكد على الخطوط الهيكلية الأساسية للاتفاق المقترح من أجل إنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين حيث قال سنمنحهم : دولة مستقلة ذات سيادة معترف بها دوليا وتنضم إلى الأمم المتحدة وتكون خالية من السلاح وتحت سيطرتها قوات شرطة قوية مع أسلحة بحرية وطائرات عمودية ، وستتمتع بامتداد إقليمي بين 89% من أراضيها ، وممر آمن علوي يربط الضفة الغربية بقطاع غزة وذات حدود مشتركة مع جيرانها “وربط ” مع العالم بواسطة الطيران الدولي . وفي المجال الاقتصادي ستتعاون الدولة الفلسطينية مع إسرائيل من خلال منطقة تجارة حرة ، وتمنح الدولة الفلسطينية الحق بإسكان اللاجئين داخل حدودها مع تجنيد المجتمع الدولي لحل مشكلة اللاجئين وتخصيص مبلغ  15-20 مليار دولار لهذا الهدف .

وستكون القدس التي تتضمن أبو ديس والعيزرية عاصمة لها مع منحها سيادة معينة على الأحياء البعيدة وممر سيادي إلى هار هبيت. وستمنح سيادة رمزية على جزء من الأحياء الداخلية في اورشاليم مثل الطور . أما بقية الأحياء الداخلية فتدار من قبل لجان الأحياء ، حيث تخضع للسيادة الإسرائيلية وتحت إشراف بلدية اورشاليم . ولهذه الأحياء علاقة مع بلدية القدس العربية في مجالات مثل التعليم . أما البلدة القديمة فسيفرض عليها نظام حكم خاص وربما إدارة منفصلة، ويخصص لعرفات مكان محدد يخضع للسيطرة الفلسطينية في الحي الإسلامي . أما هار هبيت فيظل تحت السيادة الإسرائيلية ، ويمنح اليهود حق الصلاة ، ويمنح الفلسطينيين الحراسة فيه، كل ذلك شريطة التزام الطرفين بعدم الحفر  في المنطقة المذكورة .

إلى هنا فصل براك ميزات الحل بوجهة نظر فلسطينية . أما ميزات الاتفاق لإسرائيل فقال ؟ .  قبل أي شيء يجب إنهاء النزاع التاريخي بصورة حقيقية ، ووجود حدود دائمة لإسرائيل وتوسيع القدس الإسرائيلية بعد ضم معاليه أدوميم وجفعات زئيف وغوش عتصيون والاعتراف بالأحياء الأحد عشر الإسرائيلية التي تم بناؤها بعد عام 1967. واعتراف فلسطيني باورشاليم كعاصمة لإسرائيل وبسيادتها على هار هبيت. وفيما يتعلق بالمستوطنين قال أن 80% منهم سيعشون  في كتل استيطانية ضمن حدود معقولة ، والتي ستضم إلى إسرائيل للأبد – كجزء من ترسيم الحدود في الحل النهائي. كل ذلك مع إضافة ترتيبات أمنية في غور الأردن والضفة الغربية : وأضاف ، إننا نتحدث عن انسحاب من غور الأردن خلال 12 عاما يتم خلالها الإعلان عن هذه منقطة ، منطقة أمنية ، وعلى الحدود الأردنية تواصل إسرائيل السيطرة على جزء صغير من نهر الأردن. وعلاوة على ذلك ، فإن الاتفاق على مخطط إنهاء النزاع يتطلب دمجه في المشاريع الثقافية وفي مشاريع شعب لشعب ومشاريع اقتصادية ومنع التحريض ، وطرح مناهج تعليمية جديدة .

وأضاف براك : من الناحية العملية علينا الاهتمام بضمان تواصل في اورشاليم – من ضمن ذلك – من جبل صهيون حتى طريق جنوب صهيون بما في ذلك الحي اليهودي والحائط الغربي والحوض الأثري ومدينة داود وياد أبشالوم وحتى جبل الزيتون وراس العامود . ويجب بحث التنقل من رموت أشكول إلى تلة السلاح والشيخ جراح وسلوان ومغارة تصدقياهو. ويجب أن نفحص إمكانية نقل مخيم شعفاط والزعيم إلى مناطق أخرى حتى لو كان ذلك على حسابنا . وحول نظام الحكم الخاص – أنهى براك- يجب إقامة جهاز تنسيق بلدي تفصيلي ( متساوي في عدد الأعضاء ) . وستكون للولايات المتحدة سفارتان في المدينة، كل في عاصمته. وتدعى بقية الدول إلى فتح سفارات لها في المدينة .

في داخلي لاحظت ليونة وإمكانية المساومة في الأمور التالية : الحدود مع الأردن ، فترة وجود إسرائيل في الغور، نسبة تقاسم الأراضي النهائية بيننا وبين الفلسطينيين ، عدد المناطق التي ستتنازل إسرائيل عن وجودها فيها ومساحتها ، المجموع الكلي للأراضي المطلوبة لكتل المستوطنات ، وقت إخلاء المستوطنات ، منح صلاحيات للأحياء البعيدة عن القدس والأحياء الداخلية ، مساحة المنطقة التي ستسلم لعرفات في الحي الإسلامي بالبلدة القديمة، مستوى التعاون في مطار عطروت ، وفي النهاية زيادة عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين ستسمح لهم إسرائيل بالدخول إلى عشرون ألف بمجموعهم الكلي.

v      

وفي الساعة الحادية عشر والنصف ليلا بدأت الجلسات الماراثونية عند الرئيس، ففي جناح الرئيس ( Aspen ) وضع ترتيب للتفاوض حول الأمن والأراضي واللاجئين، والقدس . بدأنا الحديث بموضوع الأمن، حيث ترأس كلينتون الجلسة وإلى جانبه جورج تينت ومادلين أولبرايت ودينيس روس وروب مالي وسيندي بيرغر، وعن الجانب الإسرائيلي أنا وشلومو يناي ، أما عن الجانب الفلسطيني فقد حضر محمد دحلان وأبو العلاء.

واقترح كلينتون جدول أعمال للتفاوض . لكنه طلب في البداية المرور سريعا على المواضيع التي اتفق عليها بين الجانبين. وبدا أن الرئيس مصر على التقدم بالمواضيع التي بحثت وتأمل أن يوقع اتفاق شامل. ومنذ عودته من اليابان لم يرتح ولو للحظة.

 الموضوع الأول الذي طرحه الرئيس للاتفاق عليه هو محطات الإنذار المبكر .

افتتح محمد دحلان  الحديث في الموضوع ، وقال “إننا نوافق على محطتين ولستم بحاجة إلى ثلاثة ،  وعموما فهذا مطلب إسرائيلي وليس مطلبنا” .

أغضب هذا الطرح جورج تينيت ولم يحاول إخفائه وقال : ” إذا لم نتفق على هذا الموضوع الذي أعتبره صغيرا فلن نصل إلى أي اتفاق ، وأنتم تعرفون أين ستقع هذه المحطات. والمسألة الوحيدة الواجب الحديث فيها هي كيف يصلون إلى المحطة وكيف يدافعون عنها.

وكان تينيت مثل الرئيس يمسك بيده سيجارا غير مشتعل ومقضوم الأطراف. وبدا أنه شبع من الادعاءات الفلسطينية التي تحمل أهدافا تكتيكية فقط . واعتقدت أن ملاحظة دحلان هي تعبير عن مخطط أعمق بكثير وهو أن الفلسطينيين اتخذوا قرارا بعدم التوصل إلى اتفاق حتى في المواضيع البسيطة، على الأقل في المرحلة الحالية.

لكن دحلان أسرع بالرد قائلا : ” نحن لا نعارض ذلك “. بعد ذلك انتقل الرئيس للحديث في موضوع المجال الجوي ، حيث أوضح الجنرال شلومو يناي ” أن الحديث لا يدور عن سيادة إسرائيلية في المجال الجوي لفلسطين ، بل عن استخدام إسرائيلي له . وأضاف سيكون لنا جهاز رقابة واحد، وربما يشارك شخص من طرفكم في مركز الرقابة  ، ويتم تنسيق كل خطوط الطيران بيننا، كما هو متبع مع السلطات المختصة للدول، وكما هو الحال مع الأردن، وهذا بالنسبة لنا موضوع بسيط”.

غضب دحلان وقال: ” لم نوافق على ذلك، وأنا لست خبيرا وسنضطر لتحويل هذا الموضوع إلى الخبراء ، وأنتم تخلقون في الأراضي الفلسطينية سيادة رسمية ، وفي الحقيقة أنتم لا تحتاجون إلى محطات إنذار وفي نفس الوقت إلى تحليق سلاح الجو الإسرائيلي في سماؤنا ” .

 أما شلومو يناي فقد أوضح ، أن المجال الجوي والموجات الكهرومغناطيسية فوق الأرض هي احتياجات حيوية لإسرائيل . والخاصرة الضيقة لإسرائيل تمكن العدو من اختراق المجال الجوي والوصول إلى تجمعات السكان خلال دقيقة أو دقيقتين . وعليه ، ومن أجل ربح عدة دقائق حاسمة من الإنذار ، وكذلك السماح بإجراء تدريبات حيوية لسلاح الجو ، يجب أن تسيطر إسرائيل على سماء فلسطين المستقبلية. ونفس الوضع ينطبق على الموجات الكهرومغناطيسية التي تعاني من اكتظاظ  كبير الأمر الذي لا يسمح بإبداء أية ليونة في سيطرة إسرائيل عليها وتقاسم موجاتها الكهرومغناطيسية . وهذه الأمور واضحة لكل من يعمل بذلك في إسرائيل ، لكن الفلسطينيين يرون ذلك بصورة مختلفة كليا. وأي بحث في المواضيع الأمنية يعتبر بالنسبة لهم مبررا لاستمرار السيطرة والاحتلال ومس بسيادتهم ، ومن الصعب جدا حل مثل هذه المشاكل نظرا لوجود وجهتي نظر مختلفتين ، غير أن التوصل إلى حل في هذه المواضيع غير مستحيل ، وفي المسار السويدي وافق أبو علاء بصراحة على استمرار سيطرتنا على المجال الجوي .

واقترحت الفصل بين الاحتياجات الأمنية وبين المواضيع المدنية .

وعاد يناي قائلا : ” يجب منح الخبراء فرصة لإعداد خطة للتنسيق في المجال الجوي وبالموجات الكهرومغناطيسية على أسس الاحترام المتبادل”.

وأثيرت مشكلة أخرى عندما طرح حق إسرائيل بنشر قواتها في المناطق الفلسطينية وقت الطوارئ لمواجهة تهديد عسكري قادم من الشرق .

 وعرض يناي الطلب الإسرائيلي القاضي بتخصيص خمسة مناطق لانتشار الجيش مع إضافة مخازن طوارئ (وحدات مخازن طوارئ ) .

وسئل كلينتون : ” من سيحدد ما هي حالة الطوارئ ؟ . فعندما أشكو من ألم بالرأس أنت لا تستطيع أن تقول لي أنه لا يوجد ألم بالرأس 000″.

ورد يناي: “يجب أن يكون هناك نوع من الثقة بين الدولتين”.

وعلق جورج تينت قائلا : ” ربما نتفق في هذا الموضوع على إمكانية وجود رقابة أمريكية ؟ “.

 رد يناي : ” في مسائل الأمن القومي لا نستطيع سوى الاعتماد على أنفسنا ” .

وفي هذا الإطار اعتقدت بداخلي أنني أختلف مع يناي: فطلباتنا بالنسبة لي محددة ومتناقضة وينقصها مبررات مهمة. ونفس الوضع ينطبق على المعارضة الجارفة لوجود قوة رقابة أمريكية . وقد قلت ذلك في أكثر من مناسبة لرئيس الحكومة ولبن عامي .

وأسرع دحلان متمسكا بالاقتراح الأمريكي وقال : ” في المواقع الخمسة المقترحة موافقون على وجود قوات أمريكية لفترة محددة ” .

وأبلغ كلينتون دحلان ” أن الولايات المتحدة مستعدة لعمل الكثير من أجل التوصل إلى اتفاق، لكن ما تطالب به هو أمر مختلف كثيرا ، ووجه كلامه للإسرائيليين قائلا : ” عليكم الاهتمام بعدم مس السيادة الفلسطينية، وعلينا أن نحدد بوضوح ما هي حالة الطوارئ ، ومع هذين العنصرين لن تكون مشاكل”.

وكان الموضوع القادم هو إخلاء الدولة الفلسطينية :  أي أن لا يكون لها جيش أو يتواجد في أراضيها جيش أجنبي  ، وأن لا توقع اتفاقات عسكرية مع دول أخرى .

وبدأ كلينتون قائلا : ” جميعنا اعتقد أن هذا الوضع هو الذي سيسود في الفترة النهائية ، لكن علينا البحث في الدفاع عن دولة فلسطين من أية هجمات يشنها فلسطينيون ، لا يخضعون لسيادتها . ويمنع علينا تجاهل الخطر الذي يتربص بالدولة الجديدة من قبل أعدائها .

وكان يناي يملك إجابات جاهزة حيث قال : ” يتلقى الفلسطينيون من إسرائيل والولايات المتحدة ضمانات على أمنهم ، وهذه الضمانات ستدمج في الاتفاق ، وكذلك ستملك دولة فلسطين وسائل دفاعية غير عسكرية كما ستحدد في الاتفاق . وفي النهاية ، ربما يوقع اتفاق دفاع إقليمي مع مصر أو على الأقل مع الأردن على سبيل المثال “. وأدرك الفلسطينيون جيدا أن المقصد الإسرائيلي هو اتفاق الإقليمي تكون إسرائيل شريكة فيه ، وليس الدخول في تحالف عسكري مع دول عربية من دون إسرائيل .

ورد دحلان : ” نحن لا نريد دولة عسكرية ، ولا نحتاج لدبابات أو طائرات، نحن نريد إطعام الفياه الجائعة من مواطنينا . و%D

Be Sociable, Share!
التعليقات مغلقة    قراءة المزيد   


Comments are closed.