أكتوبر
11

من كتاب غلعاد شير “على بعد خطوة”

الفصل التاسع عشر

أتريد مواصلة البكاء

مع إطلالة يوم الجمعة ، 15 أيلول عام 2000 ، تركزت الأحاديث السياسية في البلاد على إمكانية قيام شمعون بيرس بترشيح نفسه لرئاسة الحكومة ، معتمدا في ذلك على الاستطلاعات العامة التي أشارت إلى المساواة بينه وبين شارون ، وإلى تفوق الأخير  على براك بنسبة كبيرة . ونتيجة لذلك قرر شمعون بيرس خوض المنافسة على رئاسة الحكومة للمرة السادسة في حياته . ومن أجل ذلك احتاج إلى توقيع عشرة أعضاء كنيست المطلوبة لترشيح نفسه . ولعدم قدرته على الحصول على التواقيع العشرة من حزب العمل ، توجه إلى يوسي ساريد كي تدعم حركة ميرتس ترشيحه . وعلى أثر ذلك حاول براك ومساعدوه إقناع مقربو ساريد بعدم دعم ترشيح بيرس . وكان يوسي بيلين المعروف بصلاته الوثيقة ببيرس والمعروف عنه بأنه رجل أسراره على مدار سنوات طويلة ، أشد المعارضين لهذا الترشيح معتبرا ذلك ضارا بمعسكر السلام . وكان منتصف ليل 21 أخر موعد لتقديم طلب الترشيح لرئاسة الحكومة .

وفي 18 أيلول ، مع سفر الوفد الإسرائيلي للمفاوضات في قاعدة بولينغ قرب واشنطن ، رفض بيرس اقتراحا قدمه براك للسفر إلى المغرب نيابة عنه في مهمة سياسية شريطة سحبه لترشيح نفسه من رئاسة الحكومة . غير أن بيرس – السياسي المخضرم – طالب مقابل التنازل بموقعا مهما في الحكومة القادمة .

وآثار هذا الموضوع شلومو بن عامي ، المنزعج والمضغوط من الأخبار القادمة من البلاد والتي تتحدث عن طلب بيرس تعيينه وزيرا للخارجية بدلا منه مقابل تنازله عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة . وفي محاولة لتهدئته اتصل براك ببن عامي مبلغا إياه بأنه لا ينوي استبداله في المنصب . وحسب الإشاعات قدم لبيرس اقتراحا آخر بتعيينه وزيرا رفيعا لشؤون السلام ، وهو الاقتراح الذي لم يلاقي قبولا من مقربو بن عامي . وكان هذا الاقتراح هو الحل الوسط الذي قدمه ساريد للجنة المركزية لحركة ميرتس ووافق عليه براك ورفضه بيرس . وفي نهاية الأمر ، قرر بيرس دخول المنافسة لكنه لم ينجح في تحقيق رغباته نتيجة موافقة اللجنة المركزية لحركة ميرتس على موقف ساريد .

 

v      

 

وبدأ من مساء يوم الثلاثاء ، 19أيلول ، عقد في قاعدة بولينغ العسكرية ( قاعدة ضخمة تقع في مداخل واشنطن وتشبه مدينة حيث يوجد فيها محلات تجارية ومراكز رياضية وعدة مطاعم ومساكن للضباط والضيوف ) اجتماعات ضمت عن الجانب الإسرائيلي وزير الخارجية شلومو بن عامي وأنا ، حيث طلبت ضم الجنرال شلومو يناي ودانيئيل راييزنر رغم تحفظات رئيس الأركان . أما عن الجانب الفلسطيني فقد حضر ياسر عبد ربه وصائب عريقات ومحمد دحلان .

ومنذ البداية خفض المفاوضون من حجم توقعاتهم ، وأبلغت الصحافيين عند وصولنا للمطار : ” أننا قدمنا إلى هنا لتطبيق اتفاق شرم الشيخ والحديث لا يدور عن مفاوضات ، بل عن اتصالات هدفها التوصل لوقف إطلاق النار وبحث إمكانية تجديد المفاوضات في أية مرحلة مستقبلية ، أما صائب عريقات فتحدث بنفس الروحية .

 افتتح دينيس روس جولة المفاوضات بلهجة دراماتيكية حين قال : ” هذه هي الطلقة الأخيرة، ولن تكون هناك قمة أخرى إذا لم نكن واثقين ثقة كاملة بنجاحها ، وسنطرح صفقة في كل المواضيع الجوهرية .

 وطلبت من الطرفين وضع توقعات لهذه الجولة وتحديد جدول أعمال ثابت ، وفي المقابل التفاوض في كل المواضيع بكل جلسة . وعرضت ” تحديد معايير  في كل موضوع يتم التفاوض عليه ، وفي المقابل تشكيل مسارين للتفاوض هما : الأول للصياغة ، والثاني مسار عام . وأضفت إننا ملزمين بضمان أن لا يكون عنف في هذه الفترة ، وبإصدار بيان للشعبين يفيد بحدوث تقدم في كامب ديفيد .

في الخارج كان الجو بارد جدا وتوقع الراصد الجوي سقوط ثلوج . وأعلن الطرفين عن نيتهم وموافقتهم على العمل للتوصل إلى اتفاق والامتناع عن الفشل . وأكدت في بداية حديثي أن الأمريكان ” يساعدون فقط ” ولن يكونوا بديلا عنا كأطراف الاتفاق . وصرح ياسر عبد ربه أنه يملك تفويضا بالتوصل إلى حل في كل المواضيع والاتفاق على جميع المبادئ .

وكانت القدس هي الموضوع الأول الذي تم بحثه ، حيث قدمت للجميع صورة جوية مكبرة ، حددنا فيها مكان الأحياء اليهودية والعربية والتواصل بين الحوض المقدس والممر الأرضي اتجاه الشرق والممر من الشمال إلى الجنوب ، كذلك شرحنا بالتفصيل مصالح لإسرائيل واليهود في حدود بلدية القدس .

أما صائب عريقات فقد قدم خارطة فلسطينية تضم كل الأحياء الإسرائيلية مع خطوط رفيعة لربطها بالقدس الغربية ، وخلال ذلك دخلنا في نقاش حول حدود القدس الأردنية حتى حدود الرابع من حزيران عام 1967 .

وفي جلسة اليوم التالي حاولنا طرح مواقف إيجابية رغم الفوارق الكبيرة في مواقف الطرفين ، ودارت جلسات في أجواء صعبة نتيجة ورود معلومات من البلاد والمناطق باحتمال حدوث عمليات وأعمال عسكرية وكان واضحا للطرفين أن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن القدس لن يؤدي إلى التوصل لاتفاق قطعيا . وبناء على ذلك ، أعدنا التركيز على موضوع القدس ، وأشار بن عامي إلى تراجع الفلسطينيين عن مواقف طرحوها في كامب ديفيد وطلبنا منهم وقف التهريج وعدم طرح مواقف أيديولوجية تعتمد في الأساس على معطيات حول عدد السكان والمستوطنين داخل المدينة بهدف تقليص كتل المستوطنات والأرض .

واعتقد الفلسطينيين بشكل واضح أن هناك صفقة يتم بموجبها منحهم السيادة في هار هبيت مقابل اعترافهم بأحد عشرة حيا يهوديا تم بناءها بعد حرب الأيام الستة .

وبنفس الموضوع تحدث بن عامي قائلا : ” لنا مطالب رمزية في هار هبيت ، ولقدسية المكان عند اليهود نمنع أنفسنا من الصلاة في المكان أو الحفر فيه . وموضوع القدس يتطلب مشاركة وجدانية (تقمص ) من الطرفين ، فمن جهتنا فإننا نبحث عن طريقة صياغة تعترف بعدم تنازل اليهود عن علاقتهم بالمكان ، وحينها نتقاسم السيادة ، أو بكل بساطة لا نتحدث بالموضوع .

وبحضور الطاقم الأمريكي ، مساء السبت في 22 كانون أول ، عقد اجتماعا للوفدين في قاعدة بولينغ ، طرح خلاله دينيس روس إمكانية تقديم الولايات المتحدة صيغة للاتفاق على الحرم الشريف تكون مقبولة على الطرفين .  

 

v      

 

وجرت المفاوضات في أجواء صعبة ومتوترة جدا في بعض الأحيان ، فالوفد الإسرائيلي عرض موقفا براغماتيا في كل المواضيع مما أثار خلافات عميقة داخل الوفد الإسرائيلي بين شلومو بن عامي الذي مال إلى إبداء ليونة كبيرة وبين يسرائيل حسون وميدان شيني اللذان طالبا بالتفاوض وفق التوكيل الذي منحهم إياه رئيس الحكومة . وفي البداية بدا أن الحديث يدور عن فوارق بسيطة بين أعضاء الوفد الإسرائيلي ، لكن اتضح بعد ذلك أن ما يقوم به بن عامي مبرمج ( لاحظ الفلسطينيين ذلك بسرعة ) وساد احساس في الوفد الإسرائيلي بأن بن عامي يتقدم كثيرا من دون وجود أي كابح . واعتقد بعض أعضاء الوفد في البداية أن تصرفات بن عامي تشير إلى حيوية وإصرار على التوصل لاتفاق ، لكن تبين لهم أن هذا التهور رافقه طوال العام الأخير . ونتيجة لذلك صرح أعضاء الوفد أن الأسباب ليست مهمة – شمعون بيرس الذي يطارده ، أو اعتبارات سياسية أو ثقة بالنهج السياسي الذي يسير عليه أو حتى طاقة تدفعه للأمام طوال الوقت حيث استغلت بصورة سليمة للتقدم إلى الأمام في المفاوضات – لأن الفلسطينيين والأمريكان اعتمدوا بقوة على أحاديث بن عامي ، والتي قيلت للقيادات الفلسطينية أو فهمت خلال اللقاء الأخير بين ياسر عرفات وبين شلومو بن عامي . وعلى أية حال خلقت تصرفات بن عامي قلقا حقيقيا داخل الوفد الإسرائيلي .

وفي نفس الموضوع فضل يسرائيل حسون عدم الدخول في مواجهة مع بن عامي الذي يقدم التنازلات وانغلق على نفسه ، وفي جلسات المفاوضات كان يجلس بعيدا عن أعضاء الوفد ومرخيا في جلسته ويتظاهر بالنوم ويتصرف بعدم اهتمام ، ورفض التوجه للبيت الأبيض لمواصلة المفاوضات رغم ضمه إلى قائمة المدعوين ، واستخدم كلمات قاسية جدا لوصف تصرفات بن عامي . وعندما عاد إلى البلاد قدم استقالته من عضوية الوفد . وكان قد أبلغ الفلسطينيين مسبقا بنيته بالاستقالة . ولأننا اعتبرنا ذلك ضعفا مؤقتا للوفد نجحنا بإقناعه بسحب الاستقالة بعد لقاء ليلي في منزل رئيس الوزراء في القدس.

ولاحظ الأمريكان والفلسطينيين ذلك ، وأبلغوا عدة مرات من قبل مفاوضينا بأن ليس كل ما يقوله بن عامي يعبر عن موقف رئيس الحكومة ، وكرروا ذلك في حفل عشاء جرى في واشنطن ضم روب مالي وصائب عريقات .

وفي نفس الموضوع أجريت مع بن عامي جلستي محادثات واضحة وصعبة .

ورغم كل ذلك حاولت الأطراف بكل ما تملك من طاقة  البحث عن حلول خلاقة لقضايا الحل النهائي مثل : التوصل إلى حل لمعضلة هار هبيت من دون المس بالسيادة فيها والعمل على إيجاد حلول عملية لإعادة حياة اللاجئين في لبنان – مع تبادل أقوال صعبة في بعض الأحيان في الجلسات المقلصة مثل مخاطبة بن عامي لصائب عريقات ” أتريد مواصلة البكاء “  000 .

وفي مرحلة معينة هاجمت ياسر عبد ربه وقلت له ” تريدون كل شيء حسب مواقفكم ، وتعتمدون على أفكار كلينتون عندما يتوافق ذلك مع رأيكم وتلقون للزبالة ما لا تريدون ، إن الاتفاق معنا هو صفقة حلول وسط ولن تكون على حساب إسرائيل فقط ” .

وفي موضوع هار هبيت اقترح بن عامي صيغة جديدة بعيدة المدى ، وهي عدم ذكر السيادة الإسرائيلية بالمرة وقال : ” تعترف الدولة الفلسطينية بقدسية المكان للشعب اليهودي وبمركزية الموقع من ناحية تاريخية وعقائدية وارتباط ذلك بهوية الشعب اليهودي ، وفي المقابل يلتزم الفلسطينيين بعدم إجراء أية حفريات في حدود الحرم وأسفله كي لا يمس ذلك بالمقدسات اليهودية . ونتيجة لاعتراف الفلسطينيين بهذه العناصر  يستطيع اليهود الصلاة في هار هبيت بمنطقة محددة يتم الاتفاق على موقعها . والاتفاق والإعلان المرفق به يتم إقرارهما من قبل لجنة القدس المكونة من الدول الإسلامية ، لكن الفلسطينيين رفضوا هذا الصيغة حتى النهاية .

ورد بن عامي بغضب : ” إذا رفضتم ذلك لن تكون هناك صفقة حل وأقول لكم ذلك بقلب حزين ” .

ورد عبد ربه على بن عامي قائلا له بصراحة : ” أنتم تريدون التصرف كمؤرخين وقضاة ورجال دين ، إن حقك لا يلزمني ” .

ورددت على عبد ربه بطريقة ساخرة : ” أنني أميل حقا للاعتقاد بأنك تنوي فعلا الحفر في هار هبيت ، شكرا لك من كل قلبي ” .

أما عبد ربه فقد استفز وتناول معطفه وهم بالخروج ، لكن زملائه أعادوه بالقوة كي لا تتفجر جلسة المفاوضات ويخرج عائدا إلى المطار .

وفي المجال الإقليمي واصل الفلسطينيين معارضتهم لضم مستوطنات الإسرائيلية في كتل ، واقترح معظمهم تسليم إسرائيل 4% من الأراضي مقابل مبادلتها بغيرها ، لكنهم لم يصروا على 1% مقابل 1% .

وخلال الجلسة مع الطاقم الأمريكي برئاسة مادلين أولبرايت لم نشهد أي تحرك عند الفلسطينيين مقارنة مع ما حدث في كامب ديفيد . وفي مجال الأراضي فهمنا من الفلسطينيين أنهم يوافقون على ضم 5% من الأراضي وذلك لتلبية الاحتياجات الأمنية والاستيطانية . اما إسرائيل فتطالب بضم 8% ، وأبلغنا الأمريكان بصورة واضحة بأن ينسوا صيغة 5% صافي من الأراضي بصورة مطلقة .

وفيما يتعلق بالسيادة في البلدة القديمة ذكرنا الأمريكان والفلسطينيين بضرورة تقاسم متساوي للأحياء بين الجانبين ، وفي نفس الوقت وضعها تحت نظام الحكم الخاص . وحول هار هبيت يجب الاعتراف بعلاقة اليهود وإسرائيل بالموقع . وكان واضحا أن رئيس الحكومة براك ملزم بتذكير الرئيس كلينتون بأن كل التفاهمات التي يتم التوصل إليها ستكون لاغية وغير سارية المفعول إذا لم يوقع اتفاق.

وخلال المفاوضات توفي أخ ياسر عبد ربه – أثر مرض عضال – وذهبنا إلى هناك معزين (العزاء عند اليهود وضعته العقيدة اليهودية ) حيث وجدنا هناك الفلسطينيون يخففون من ألم المصاب ، وفي صبيحة اليوم التالي عاد ياسر عبد ربه إلى البلاد ، وقد التقينا به مرة أخرى بعد ثلاثة أسابيع في معبر إيرز .

 

v      

 

وخلال جولة المفاوضات كنا نطلع رئيس الحكومة تليفونيا على سيرها مرات كثيرة ، في الليل والنهار ، وعندما عدنا قدمنا لرئيس الحكومة تقريرا مفصلا عنها .

وفي المناطق نشرت جريدة الحياة الجديدة رسما كاريكاتيريا يظهر فيه شلومو بن عامي وفي أحد يديه بلطة وفي الأخرى يدا مقطوعة تنزف دما .

 

v      

 

وخلال الجلسة الأولى في البيت الأبيض ، الأربعاء 20 كانون الأول أبلغ كلينتون الحضور (حضر عن الجانب الفلسطيني ياسر عبد ربه ومحمد دحلان وصائب عريقات ، وعن الجانب الإسرائيلي شلومو بن عامي وأنا وبيني ميدان-شيني ) أنه مستعد للعمل بقدر استطاعته للتوصل إلى اتفاق ، لكن يجب في البداية الاهتمام بوقف العنف وبسد الفجوات بينكم لأن إنهاء الاتفاق على المسيرة السلمية يجب أن يتم قبل 10 كانون الثاني .

وعلق بن عامي قائلا : ” يجب أن لا نسمح لنفسنا بالفشل لأن البديل كارثة ومن الضروري قيام الأطراف بتغيير مواقفهم ” . أما ياسر عبد ربه فقد التزم باسم عرفات بالتوصل إلى اتفاق خلال الأسابيع القادمة وقال ” إن الأجواء واعدة لكن مسألة الحرم الشريف هي أمر حاسم ، وكل طرف يفهم أكثر من أي وقت مضى احتياجات الطرف الثاني ، وهناك إمكانية للتقدم . وهذه اللحظة لن تكرر ثانية .

أما كلينتون فقال :” حاولت أن أطرح بتركيز المعايير التي يجب  في إطارها – حسبما اعتقد – التوصل إلى حل حول جميع القضايا ، ومن المهم جدا ليس فقط البحث عن حل ، بل محاولة تصور كيف ستكون الحياة اليومية في إطار المعايير التي سأقترحها ، واقترح أن تواصلوا أعمالكم .

بعد ذلك انتقل الرئيس إلى تفاصيل المواضيع وقال ، فيما يتعلق بالأراضي ليس أقل من 90% للفلسطينيين لكن ليس 100% ، أي أن النسب ستكون في الوسط . وحول الأمن قال الرئيس كلينتون يجب علينا البحث عن كيفية احترام السيادة الفلسطينية مع الاعتراف بالاحتياجات الأمنية لإسرائيل . وحول اللاجئون قال الرئيس، يطرح هذا الموضوع مع ضرورة وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية ، وسيعالج موضوع اللاجئين في إطار دولي لتعويض اللاجئين وإعادة بناء حياتهم . وأما القدس فقد قال الرئيس كلينتون يجب العمل على إيجاد صيغتين وظيفيتين للتسويات بين العاصمتين  هما : الأولى ، تتضمن الأحياء العربية ، والثانية وتتضمن الأحياء الإسرائيلية . وحول الحرم الشريف تكون السيطرة فلسطينية مع الاعتراف بالعقائد الدينية لليهود وبعلاقتهم بالموقع .

وتوقع كلينتون أن الاتفاق على تسويات في هار هبيت سيؤدي إلى التوصل لاتفاق شامل بين الطرفين .

وأضاف أن الزعماء الذين تمثلوهم هنا مستعدون أكثر من أي وقت مضى للتوصل إلى اتفاق وأنهم يدركون المستقبل المظلم إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ، وأضاف عليكم مندوبي القائدين إثبات نواياهم الجدية بضرورة التوصل إلى اتفاق .

وعشية عرض أفكاره أمام الأطراف ، يوم الجمعة 22 أيلول ، ساد التوتر أعضاء الوفدين ، وأثيرت تساؤلات كثيرة مثل هل الخطة الأمريكية الرسمية الأولى تعبر عن الحد الأدنى لمواقف الأطراف ، أو أن الرئيس سيتجاوز مواقف الطرفين ويقوم بعرض أفكار سيعتبر مجرد عرضها محاولة منه لفرض موقفه على الطرفين .

بعد الاجتماع توجه صائب عريقات ومحمد دحلان إلى السفارة السعودية تلبية لدعوة السفير السعودي على حفل عشاء . وبعد عودتهم سألهم دينيس روس : ” ماذا أعددتم لنا ” . وردوا عليه والقلق بادي على وجوههم ” هل نستطيع ابتلاع ذلك ” .

روس الذي امسك مسودة افكار كلينتون والتي سيقرئها على الحضور أمام الطرفين في صبيحة اليوم التالي ، قرأ أمام الفلسطينيين ما سيسمعونه في اليوم التالي ، وأبلغوه ” أن هذه أفكار صعبة جدا “. ورد روس: ” المسألة ليست صعوبة الأفكار ، واعتقد أن الإسرائيليين سيردون مثلكم ، بل هل ممكن الاعتماد عليها بالحل وهل يستطيع عرفات التعايش مع هذه الأفكار ” .

وخلال الحديث مع الفلسطينيين الذي استمر حتى منتصف الليل سأل روس الفلسطينيين هل تفضلون عدم قيام الرئيس بعرض أفكاره بعد عدة ساعات كي تصبح المسودة غير مناسبة . فرد محمد دحلان وصائب عريقات قائلين : ” لا ، نحن نطلب من الرئيس عرض أفكاره وسنعرف كيف نتعامل معها . 

 

v      

 

    واعتبرت هذه الجولة ذروة الجهود الأمريكية لإجبار الطرفين على التوصل لاتفاق نهائي بمساعدة أفكار الرئيس كلينتون التي ستعرض علينا يوم السبت في 23 كانون أول من عام 2000 .

وشهد البيت الأبيض توتر بين أعضاء الوفدين حيث حاولوا إخفاء مخاوفهم عند التقاط الصور الجماعية لهم ، لأنهم سيعلمون خلال فترة قصيرة الخطة الأمريكية للتسوية بينهم .

ودخل كلينتون قاعة الاجتماع وهو يرتدي بنطال جينز وقميص رياضي ، بينما يرتدي أعضاء الوفدين البدلات المزينة بربطات العنق . وبدأ الرئيس حديثه الدراماتيكي قائلا : ” اعرض عليكم اليوم أفضل ما توصلت إليه ، وما سأطرحه غير قابل للتفاوض بل المطلوب هو رد الزعيمين بنعم أو لا وذلك حتي يوم الأربعاء ، 27 من شهر كانون أول . وبالإضافة إلى ذلك ، عليكم إبلاغي حتى ذلك التاريخ ، هل الزعيمان مستعدان للتوقيع على اتفاق نهائي اعتمادا على الأفكار التي سأطرحها أم لا . وأوكد لكم أن المطروح ليس اقتراحا أمريكيا بل هو عرض لما فهمته حول كيفية التوصل لاتفاق خلال أسبوعين , وأضاف الرئيس كلينتون أن أفكاره ستصبح لاغية عند تركه للبيت الأبيض . وقال الرئيس ان المسيرة السلمية يجب أن تكون خالية من العنف والإرهاب الذي يجب وضع حد له .

وبدأ الرئيس يقرأ أفكاره ، كما وضعت من الطاقم الأمريكي في قاعدة بولينغ في مواضيع الأراضي والأمن والقدس ، واللاجئين . وكان يقرأ بسرعة وتواصل من دون أي توقف . وبعد أن خرج من القاعدة وحل مكانه دينيس روس الذي عاد يقرأ ببطأ كي نتمكن من كتابتها . بعد ذلك رد على أسئلة توضيحية قدمها أعضاء الوفدين .

وخلال الجلسة قام مساعدي غيدي بتسجيل الأفكار كلمة كلمة، ومثله كتب مساعدي المفاوضين الفلسطينيين ، وفي ذروة الاجتماع توقفت بطارية كمبيوتر غيدي المتحرك الخاص به عن العمل مما اضطره لكتابة أفكار الرئيس يدويا . والنص الذي سجل باليد أصبح بالنسبة لنا الصيغة ” غير الرسمية ” لأفكار كلينتون وأساسا للنقاشات الداخلية .

وأفكار الرئيس هي : -

  • المستوطنات والحدود : وضع الرئيس عددا من العناصر الموجهة لحل الخلافات فيما يتعلق بالأراضي وهي كما يلي :

يبقى 80% من المستوطنين في كتل استيطانية ويتم ضم هذه الكتل إلى دولة إسرائيل. تبلغ مساحة الأراضي المنوي ضمها من 4-6% من مساحة أراضي الضفة الغربية . وأبقى الرئيس الباب مفتوحا أمام إمكانية تأجير أراضي لإسرائيل .

مقابل ذلك تنقل إسرائيل إلى الفلسطينيين مساحات من أراضيها إلى قطاع غزة (على ما يبدو ) على أن تكون النسبة 1: 3 لصالح إسرائيل ، وتخصص إسرائيل مساحات من أراضيها لإقامة ممر آمن على أراضيها للفلسطينيين .

وفي النهاية وضع الرئيس بعض المعايير عند رسم خارطة الحل النهائي مثل : تقليص النسب المئوية المنوي ضمها لإسرائيل إلى أقصى حد ، تقليل أضرار الفلسطينيين إلى أدنى حد عند ترسيم الحدود ، والتأكيد على المعايير العملية للحياة بعد الاتفاق .

 

  • القدس : تعتمد أفكار الرئيس على مبدأ ينص على بقاء المناطق العربية تحت السيادة الفلسطينية ، والمناطق اليهودية تحت السيادة الإسرائيلية . واقترح تطبيق نفس المبدأ على الأحياء العربية واليهودية في القدس ، ومن ضمن ذلك البلدة القديمة .

وحول البلدة القديمة صرح الرئيس أنها والحوض المقدس الذي يعتبر جزء لا يتجزأ منها يجب أن يخضعان لنظام حكم خاص في مجالات القانون والنظام العام والأمن والتخطيط والبناء . وفيما يتعلق بهار هبيت والحرم الشريف فإن الرئيس يقترح مبدأ سيادة فلسطينية على المواقع المقدسة للمسلمين ، بينما تخضع الأماكن المقدسة اليهودية للسيادة الإسرائيلية . وعليه ، اقترح كلينتون إخضاع الحرم الشريف والساحة والمساجد المقامة عليها للسيادة الفلسطينية ، بينما يخضع للسيادة الإسرائيلية THE WESTERN WALL  والحدود التي تعتبر جزء منه تخضع كذلك للسيادة الإسرائيلية ، أو العكس ، حيث اقترح الرئيس على الطرفين سيادة وظيفية مشتركة على الحفريات أسفل الحرم ووراء الحائط .

وعلى إسرائيل أن تدرك أن اقتراح الرئيس لا يرفض سيادة إسرائيلية على الحيين اليهودي والأرمني وعلى بقايا الهيكل الواقعة أسفل الحرم والنفق والمحكمة ( الواقعة خارج حدود هار هبيت لكنها ملتصقة به وفيها محطة للشرطة ) والحائط نفسه ومدينة داود وعوفل وعين سلوان ، وجبل الزيتون ، وهي مواضيع تتطلب إعادة صياغة .

 

  • الأمن : يحاول اقتراح الرئيس موازنة الاحتياجات الأمنية الحقيقية لإسرائيل – حسب وجهة نظره – وبين احترام السيادة الفلسطينية .

وستكون الدولة الفلسطينية NON-MILITARIZED . وحسب هذا المفهوم فإن القوات الوحيدة التي ستبقى في أراضيها هي قوات الشرطة الفلسطينية والقوة الدولية .

وستدخل القوة الدولية إلى الدولة الفلسطينية بهدف المراقبة والإشراف على تطبيق الاتفاق. ويشترط خروج هذه القوات موافقة إسرائيل على ذلك .

وخلال أول ستة أشهر يواصل الجيش الإسرائيلي تمركزه في المواقع العسكرية في غور الأردن . ويسمح لإسرائيل بالسيطرة على أراضي بهدف إقامة محطات إنذار مبكر في الأراضي الفلسطينية . وستبحث مكانة المواقع العسكرية من جديد بعد عشرة أعوام .

وفي حالة الخطر الحقيقي للأمن القومي الإسرائيلي يحق لإسرائيل استخدام طرق للوصول إلى الغور ونشر قواتها في مواقع محددة تخصص لهذا الهدف ، وذلك بعد إعلام القوات الدولية بذلك .

ويتم التوصل إلى تسويات تسمح باستخدام سلاح الجو الإسرائيلي لسماء دولة فلسطين ، لاحتياجات التدريب والقيام بمهام عملية .

    واستعدادا لتطبيق التسويات النهائية يظل الجيش في المناطق لمدة ثلاثة أعوام . وخلال هذه الفترة تنقل إسرائيل بشكل منتظم كل قواعد الجيش وتجد حلول لإسكان جماعي منظم لكل المستوطنات التي سيتم إخلائها .

 

  • اللاجئون : مبدأ التسوية في هذا الموضوع هو دولتين لشعبين . الأولى دولة إسرائيل كوطن للشعب اليهودي ، والثانية فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني . وعليه، أوضح الرئيس بيل كلينتون بصورة لا تقبل التأويل أن التسوية لن تمس بالطابع اليهودي لإسرائيل أو بأية اعتبارات سيادية خاصة بها بما في ذلك التدخل في موضوع الهجرة إليها .

وفيما يتعلق بحق العودة فإن الرئيس يقترح ، انسجاما مع الاعتبارات المذكورة أعلاه، أن يعترف الطرفان بحق عودة اللاجئين إلى “فلسطين التاريخية ” أو ” لوطنهم ” .

على أن لا يتعارض هذا الاعتراف مع مبدأ دولتين لشعبين . وأن يتم تحديد خمسة خيارات لمكان سكن اللاجئين النهائي ، وهذه المناطق هي : دولة فلسطين ، المناطق التي ستحدد لتبادل الأراضي ، الدول المضيفة ، دول أخرى ، الدخول إلى إسرائيل .

ويحق لكل لاجئ العودة إلى الدولة الفلسطينية أو إلى المناطق التي سيتم تبادل الأراضي فيها . وفيما يتعلق بإعادة بناء حياة اللاجئين في الدول المضيفة أو إسكان من جديد في دولة ثالثة أو استيعاب في إسرائيل ، فإن ذلك سيتم وفق سيادة هذه الدول . ويمكن لإسرائيل أن تعلن في الاتفاق عن نيتها السماح لعدد محدود بالدخول إلى إسرائيل واستيعابهم فيها ، وذلك وفق قرارات السيادة الإسرائيلية .

  • إنهاء النزاع ونهاية المطالب : يحدد اقتراح الرئيس بصورة قاطعة أن توقيع الاتفاق يشكل نهاية النزاع . وبالإضافة إلى ذلك ، يقترح الرئيس وضع حد لأية مطالب بعد تنفيذ الاتفاق . كذلك يؤدي التوقيع على الاتفاق الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين .

 

وأكد الرئيس أن موافقة الطرفين على أفكاره ستدفعه لعقد جلسات منفردة مع عرفات وبراك ، يتم بعدها العودة إلى طاولة المفاوضات بهدف التوصل غلى اتفاق حتى العاشر من شهر كانون أول.

واتضح أن كلينتون اتبع أسلوب ONE TEXT PROCESS  أي قيام طرف ثالث بتقديم خيارات تكون مقبولة على أطراف النزاع . وهذا النوع من الاقتراحات ينقل إلى الأطراف بهدف إبداء ملاحظاتهم عليها . وهناك من يعتقد أن اقتراحات من هذا النوع تساعد على قول نعم ( وصف مفصل لهذا الأسلوب موجود في كتاب Beyond Machiavelli Coping With Conflict  الذي ألفه فيشر وكوفلن شنايدر ) . واتبع هذا الأسلوب من قبل جيمي كارتر وسايروس فانس في مفاوضات كامب ديفيد الأولى عام 1978 ، عندما اجتمع بيغن والسادات في المنتجع . وأعد طاقم المفاوضات الأمريكي في حينه 23 مسودة اتفاق خلال عشرة أيام ، وكانت كل مسودة عبارة عن رد على قضية طرحها أحد في المفاوضات .وفي اليوم الأخير صاغ البروفيسور فيشر مسودة اتفاق اعتبرها الرئيس كارتر أفضل ما يمكن التوصل إليه ، وطلب من الأطراف الموافقة عليها . وبعد عدة ساعات وقع اتفاق كامب ديفيد .

 

v      

 

واعتقدت بعد خمسة أشهر من انتهاء مفاوضات كامب ديفيد الثانية أنه أعيد نسج الخيوط التي تفككت في الصيف الأخير . وأجد صعوبة في تقدير كيف كانت ستكون الأمور لو أن الرئيس كلينتون قدم هذه الأفكار خلال المفاوضات في المنتجع . ولو استغل الرئيس الأمريكي الظروف التي مر بها الزعيمان في كامب ديفيد وهما معزولان عن العالم الخارجي لأمكن تحقيق نتائج خاصة أن الرئيس الأمريكي سينهي فترة ولايته الثانية بعد خمسة أشهر ، الأمر الذي يمكنه من ممارسة الضغوط ” لإغلاق ” ملفات الحل النهائي . على أية حال ، ذلك لم يتم ويمكن القول أن فرصة أخرى ضاعت .

v      

 

وبعد عرض أفكار كلينتون بدأ الطرفين مباشرة نشاطات متواصلة ، حيث جرت في واشنطن مشاورات حول الرد الإسرائيلي ، وقلنا ، أنا وبن عامي ، أن ردنا على أفكار الرئيس يجب أن يكون إيجابيا ، أي على رئيس الوزراء أن يوافق على أن تكون أفكار الرئيس كلينتون أساسا للمفاوضات . وفي هذا الإطار نطلب من الرئيس كلينتون بعض الإيضاحات وتفاصيل لنقاط غير واضحة بالنسبة لنا ، ونذكر بمواقف إسرائيل من النقاط التي تختلف مع أفكار كلينتون ، ونقدم نقاط لم  يتطرق إليها الرئيس .

وتوقعنا أن يتضمن اتفاق الإطار بندا ينص على نهاية المطالب ، وأن تزداد مساحة الأراضي التي ترغب إسرائيل باستأجارها ، واعتقدنا انه يجب التوضيح أن الممر الآمن سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية ،وان تضمن حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة لليهود في أماكنهم . ونطالب بأن يضمن الاتفاق تواصل سيادة إسرائيل في منطقة القدس مع إعطاء أولوية لنظام الحكم الخاص في الحوض المقدس وضمان مصالح إسرائيل في الحي الأرمني وفي جبل الزيتون وفي النفق ومقر المحكمة وعوفل وعين سلوان ، ومدينة داود .

وكان ردنا الأولي هو المطالبة بوجود تفاصيل أخرى تتحدث عن أن وجود القوات الدولية يجب أن يلبي المصالح الإسرائيلية وأن توسع التسويات الجوية لتشمل الموجات الكهرومغناطيسية .

 وحول موضوع اللاجئين ذكر أن على الاتفاق تحديد مبدأ lump sum  ( مبلغ لمرة واحدة) ، بحيث يغطي كل الاحتياجات المالية .

واعتقدنا أن إسرائيل تحتفظ بحق التحفظ على نقاط أساسية في اقتراحات كلينتون في حال تقديم الفلسطينيين مثل هذه التحفظات .

وخلاصة ، أوصينا بصورة أولية على قول نعم لأفكار كلينتون ، لكن لنا بعض النقاط التي تطلب توضيحا وهناك مواضيع لم تتطرق إليها أفكار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون .

بعد عودتنا إلى البلاد انتظرتنا طائرة عامودية تابعة لسلاح الجو حيث أقلتنا إلى معسكر شرغا قرب نهاريا ، مكان وجود براك ، لتزويده بتقرير مفصل عن سير المفاوضات . وفي الطائرة التقينا مع (المجلس الوزاري لشؤون السلام ) شمعون بيرس ويوسي بيلين ويوسي ساريد ومستشار الأمن القومي الجنرال عوزي ديان . ووصلت إلى المكان قافلة رئيس الحكومة حيث دخلت إلى سيارته لتزويده بملخص سريع عن سير المفاوضات قبل بداية الجلسة .

وعقدت الجلسة بكلمة من شلومو بن عامي قال فيها ” أن مجموعة أفكار كلينتون ليست بسيطة ، فمن الناحية التاريخية يجب الموافقة عليها والفلسطينيون جاهزون للتوقيع ، وما علينا سوى مشاركة الزعماء الأوروبيين للمساهمة في التوصل لحل .

من جهتي عرضت أفكار الرئيس بصورة تفصيلية .

وتوقع شمعون بيرس رفض الفلسطينيين للأفكار الواردة في اقتراح كلينتون والمتعلقة بهار هبيت وغور الأردن واللاجئين ، وأصر على عامل الوقت .

 ووافق يوسي ساريد على تقييم بيرس وطالب برد إيجابي على الرئيس الأمريكي واستخدام ذلك في الدعاية الانتخابية .

أما يوسي بيلين فقد توقع حدوث صعوبات في حال عرض الموافقة على الافكار واستخدامها في الانتخابات . وأضاف ” استطيع العيش مع أفكار كلينتون وضغط على براك للاجتماع مع عرفات في الأيام القادمة ” .

وشاطره الرأي عوزي ديان الذي طلب أن يكون موعد اللقاء قبل رد الزعيمين على اقتراحات الرئيس يوم الأربعاء .

وخلص براك إلى القول ” رغم كل شيء لا توجد ضمانة بموافقة عرفات على صفقة اتفاق ، ومن الأفضل لنا عدم الحديث بالتفاصيل بصورة علنية ويجب الاكتفاء بالقول أن بديل الاتفاق هو حدوث مأساة . وعليه فإننا على استعداد لبحث كل فكرة بعيدة المدى .

ورد بيرس : ” سيتهمنا الليكود بتقديم تنازلات ، الأمر الذي سيهيئ لنا أرضية لتقديم تنازلات مقابل التوصل إلى اتفاق .

وعقب براك مهدئا : ” كل المواضيع والقضايا المرتبكين حولها الأن ستختفي من ذاتها خلال تنشيط عملية السلام والتوقيع على اتفاق ، إذا وقع ” .

ومن هنا انتقل النقاش إلى مسألة كيفية عرض الموقف الإسرائيلي من أفكار كلينتون وقضايا الحل النهائي في وسائل الإعلام . وفي هذا المجال اقترح بيلين الحديث مع الجمهور بصراحة ، وأضاف ليس مخجلا أن نبلغهم أن السيادة الإسرائيلية ستطبق على أحد عشر حيا في القدس وعن ضم 80% من المستوطنين في تجمعات ، وقيام دولة فلسطينية خالية من السلاح 000 ( أي يجب عرض ما هو في مصلحتنا أما الجمهور خلال الفترة الانتخابية ) .

أما بيرس فاقترح المحافظة على ضبابية المواضيع التي ستطرح خلال الفترة الانتخابية وعدم الرد عليها مع الاكتفاء بخلق جو عام نطلب فيه من الجمهور تجديد الثقة بنا لأننا لم نوقع على أي اتفاق غير ومسئول ونطلب منهم عدم اللقلق .

وأوصينا جميعا رئيس الحكومة بالاجتماع مع عرفات في أقرب فرصة ممكنة . غير أن هذا الاجتماع لم يخرج إلى حيز الوجود .

 

v      

 

   وفي ساحة رابين أقامت مجموعة من عائلات الثكلى الذين قتل أبنائهم في عمليات إرهابية خيمة تأييد لعملية السلام التي تبذلها حكومة براك ، وتقوم بجمع التوقيعات لدعمها . غير أن الجمهور لم يكترث لهذه الخيمة التي ظلت فارغة . وتحدثت معهم عدة مرات ( رامي الحنان صديق قديم من القدس وأقمت علاقة مع اسحاق فرنكنتال ) وقمت بزيارتهم في خيمتهم ورتبت لهم لقاء مع رئيس الوزراء لشد أزره وتأييده . ويبدو لي أن العائلات الثكلى استمدت القوة من براك الذي اجتمع معهم .

 

v      

 

وفي 27 كانون أول اجتمع المجلس الوزاري الموسع لمواصلة بحث أفكار كلينتون من قبل جميع وزراء الحكومة بناء على رغبة براك الذي طلب أيضا حضور الطواقم الفنية لإبداء رأيها من أفكار الرئيس . ودار نقاش بشعور عام أن الدولة على مفترق طرق حاسم . وأكد براك أنه لا ينوي منح اللاجئين حق العودة إلى إسرائيل إن كان ذلك بصورة رسمية أو عملية . وحول هار هبيت تحدث بحذر شديد وقال : ” لن أوقع على أية وثيقة تنقل السيادة الفلسطينية على هار هبيت ” .

ونتيجة لعدم مشاركة جميع الوزراء في النقاش تقرر مواصلة الجلسة في المساء للاستماع إلى كل الوزراء وتقديم رأي الفنيين . واتفق على إنهاء النقاش في الموعد المحدد للرد على الرئيس .

وفي ساعات الظهيرة اجتمعت مع طاقم الحدود ( الذي عمل بالتنسيق مع الوفد لإدارة العملية السياسية ومع مندوبي وزارة الخارجية . وأشارت الخرائط التي عرضت على عمق وجدية النقاش الذي تحدث عن خيارات تبادل الأراضي التي أخذت بعين الاعتبار كل المصالح الجغرافية والأمنية والزراعية والاستيطانية ، وإيجاد حلول مقبولة .

وبعد الظهر أرسل السفير الأمريكي في إسرائيل مارتين إينديك تقريرا يقول فيه أن الفلسطينيين قدموا الشكر للرئيس الأمريكي على عرض أفكاره وجهوده ، لكنهم لم يردوا على الاقتراحات قبل تلقي عدة استفسارات على بعض المواضيع . ويبدو أن الولايات المتحدة اتخذت موقفا صلبا وأبلغتهم أنها لن ترد على أي استفسار قبل إعلانهم عن استعدادهم الواضح للموافقة على الاقتراح كأساس للمفاوضات . واقترح اينديك أن تواصل إسرائيل النقاش لتجهيز ردها من دون ربط ذلك بالفلسطينيين .

وأثيرت في البيت الأبيض عاصفة صغيرة عندما نشرت وسائل الإعلام تحفظات رئيس جهاز الأمن العام آفي ديختر ورئيس الأركان شاؤول موفاز اللذان خشيا من عدم أخذ الحكومة لموقفهما بجدية من أفكار كلينتون مما اضطرهما إلى نشر ذلك في وسائل الإعلام . غير أن آفي ديختر المتوازن والمتبصر دائما أرسل قبل ذلك إلى أعضاء الحكومة رسالة صغيرة يفصل فيها أسس تحفظاته .

أما موفاز فقد دعاه براك إلى جلسة مبكرة وسمع منه تحفظات على أفكار الرئيس التي كانت في معظمها غير مهمة . وقال موفاز أن السلطة الفلسطينية لا تحترم تعهداتها السابقة . وطالب بوجود ضمانات لبقاء سيطرة إسرائيل دولة فلسطينية خالية من السلاح .

وعلق موفاز على عدة مواضيع متعلقة بالاتفاق المرحلي وحضر للاجتماع شلومو بن عامي ورئيس جهاز الاستخبارات مالكا ورئيس جهاز الأمن العام آفي ديختر وسكرتير رئيس الحكومة العسكري أييزنكوت ، وسمعنا من رئيس الوزراء رد مؤدب لكنه فاتر  على موقف رئيس الأركان حيث قال  ” شؤول من غير المعقول أن نعتقد بأن إسرائيل لن تعيش دون السيطرة على شعب آخر وهي النتيجة التي توصلت إليها من الأقوال التي تحدثت بها هنا” .

وفي نفس اليوم تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد كبار الصحفيين وقرأ أمامي وثيقة طويلة بها تحفظات رئيس هيئة الأركان كلمة كلمة وذلك قبل عرضها على مجلس الوزراء بعدة ساعات وطلب مني الرد عليها لكنني رفضت ذلك .

وبعد انتخاب شارون لرئاسة الحكومة قال لرئيس الأركان وضباطه في جلسة المجلس الوزاري المصغر في المرة القادمة وعندما تريدون الحديث في أمر ما لا تتصلوا بالصحفيين تحدثوا معي مباشرة .

ويسود في الجيش الإسرائيلي نبوءة سوداء ، حيث يعتقدون أنها ستتحقق في يوم من الأيام ، تشير أن مواجهة كبيرة ستكون مع الفلسطينيين الذين يغلقون أعينهم ، ولا نريد القول أنهم يكذبون دائماً ، ويعدون لمواجهة مسلحة . واستقر  رأي عدد كبير من مراكز اتخاذ القرار في الجيش أن الفلسطينيين يتحركون بالقوة فقط وإنهم لا يخضعون إلا بمزيد من استعمال القوة .

وترافق مع ذلك عدة تصريحات لقادة الجيش في الأشهر الأخيرة اختفى منها التنوع السياسي. ويبدو من أنهم منحوا أنفسهم إذناً بإقامة حوار مباشر مع الجمهور وكأن واجبهم هو تقديم تقرير للجمهور وليس للمستوى السياسي .ووجدت تقييمات وتحليلات الجهات الأمنية طريقها إلى وسائل الإعلام قبل عرضها على الحكومة ومن يقف على رأسها .

وكان من المتوقع بأن يلعب الجيش الإسرائيلي دوراً في المحاولات المتكررة لتهدئة الأوضاع كالتي قام بها أمنون شاحك رئيس هيئة الأركان السابق غير أن الوقائع على الأرض أشارت إلى حدوث حالات غير قليلة من تجاوز قرارات المستوى السياسي ، وفي مرحلة معينة رفع أمنون شاحك يديه صارخاً بهذه الطريقة لا يمكن الاستمرار .

فبعض اتفاقات والتزامات الحكومة التي نقلت إلى الجيش بواسطة السكرتير العسكري لم تحترم وتبخرت والدبابات لم تعد إلى الوراء بل تم الاكتفاء بتخفيض مدافعها باتجاه الأرض ولم تفتح منطقة الصيد في غزة ولم يسمح للعمال الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل باستثناء أعداد صغيرة جداً والحواجز لم تعود إلى أماكن أبعد ، كل ذلك ، على عكس الأوامر الموجهة لهم .

 

v      

 

وفي المساء عقد براك اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر ناقش فيه مسألة الدمج بين الأراضي والتسويات الأمنية في الحل النهائي .

واتصل مبارك ببراك يقترح عليه الالتقاء به في شرم الشيخ وربما مع عرفات لكن براك رفض هذا الطلب طالباً انتظار رد عرفات على أفكار كلينتون حتى صبيحة اليوم التالي .

وقال رئيس الموساد هليفي بحذر وتواضع أن عرفات يريد اتفاقاً في عهد كلينتون لكن الحديث يدور عن قرار يتخذه القبطان وهو قرار شخصي الأمر الذي يصعب على المخابرات أو أي جهاز آخر في العالم تقدير إمكانية اتخاذ هذا القرار لأنه متعلق بشخص واحد فقط غير أن هناك إحساس بأن عرفات يرغب بالتوصل إلى اتفاق .أما موفاز فعاد وكرر بشكل أو بآخر مواقفه التي سبق ذكرها في مكتب رئيس الحكومة وأثارت هذه المواقف – التي طرحها موفاز – وزير المالية بييغا شوحط الذي قال : ” أي نوع من التصريحات هذه ، إن رئيس الأركان يدمر كل إمكانية للتوصل إلى اتفاق والمسؤولية تتطلب منه عدم عرض مواقف شخصية من أفكار كلينتون من دون طرح خيارات أخرى ” . وعقب رئيس الأركان موضحا أنه يجب التوقيع على اتفاق يعطي إسرائيل شروطا أفضل ، ومن دون اتفاق فإن الخطر الأكبر هو تدهور الأوضاع لتصبح هناك مواجهة إقليمية . ولخص رئيس الحكومة الموقف قائلا : ” تعتبر هذه الجلسات أهم جلسات تعقدها الحكومات الإسرائيلية منذ قيامها ، لأنها تحمل في طياتها أعباء تاريخية استثنائية ، وهي كما هو معلوم تحمل مخاطر . لكن علينا التذكير بأن مسئوليتنا هي استغلال كل الفرص للتوصل إلى اتفاق لا يمس مصالح دولة إسرائيل الحيوية . وأضاف أن أفكار الرئيس ليست حلمنا  ،  وفي مواضيع معينة تتجاوز ما نحن على استعداد لتقديمه لو تم فصل عناصر الاتفاق عن بعضها البعض . وإذا كان الطرف الثاني على استعداد للتقدم فإننا سنقع في خطأ إذا لم نكن استعداد للبحث في صفقة كاملة .   

          وأضاف براك سنرسل أفكارنا وملاحظاتنا وتحفظاتنا ( بما في ذلك في المجالات الأمنية ) ضمن رد مفصل سيعده غلعاد شير ، وأضاف أن الحكومة ملزمة بالتعامل مع الواقع والسير باتجاه العملية السلمية مهما كان الحل مؤلما ، لأن التوجه إلى الحرب بأعين مفتوحة ستعيدنا إلى نفس النقطة التي بدأنا منها ن لكن بعد لأن يتم نشيع القتلى .

          وأضاف براك ” مهمة رجال الجيش هي ، إشارة منه إلى حادثة موفاز – شوحاط ، هي التحذير من تأثير القرار أو غيره مع العلم أن معظمها لم يتحقق في نهاية الأمر . وعلى المستويات العسكرية أن تعلم أن واجبها هو معالجة القضايا التي تقع ضمن اختصاصهم . وبهذه الطريقة عملت عندما كنت رئيسا لهيئة الأركان .

          واقترح براك أن يكون الرد على الرئيس كلينتون ، كالتالي : ” ترى حكومة إسرائيل بأفكار الرئيس كلينتون للحل النهائي أساسا للتوصل إلى اتفاق سلام ، شريطة أن يوافق الفلسطينيين على هذا المبدأ . وعند التصويت على هذا الاقتراح صوت لصالحه عشرة وزراء بما في ذلك أمنون شاحك الذي كان يقوم بزيارة خارجية ، بينما عارضه روني ميلو وميخائيل ملكيئور ، وامتنع رعنان كوهين ومتان فيلنائي عن التصويت .

          وفي غضون ذلك بدأت تتوارد معلومات عن رد الفلسطينيين على أفكار الرئيس . ولم ينل هذا الرد رضا من الجانب الأمريكي . وفي اتصال هاتفي مع مستشار الأمن القومي سيندي بيرغر في الثانية صباحا أكد براك أنه لن يلتقي مع عرفات حتى يرد بنعم أو على الأقل ” نعم ، ولكن ” على أفكار الرئيس.

          وفي صبيحة اليوم التالي توجهنا للقاء الرئيس حسني مبارك لنعرض عليه الموقف الإسرائيلي من المفاوضات . وجائت هذه الزيارة بناء على طلب الرئيس المصري .

 

v      

 

وفي شرم الشيخ اجتمعنا ، في فندق جولي فيل ، بمشاركة يسرائيل حسون وشلومو يناي مع الرئيس المصري وذلك بحضور رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان ووزير الخارجية عمرو موسى . وبدأت الحديث مباركا بحلول شهر رمضان المبارك ( تعلمت ذلك من سكرتيرة رئيس الوزراء ماريت دانون وتدربت عليها في الطائرة مع يسرائيل حسون ن وقلت أمامه يا سيادة الرئيس 000 ) ولخصت أمام الرئيس المصري رد إسرائيل كما قرره المجلس الوزاري ، وأوضحت أننا سنطالب بعدة تفاصيل في بعض المواضيع الحيوية ، وأكدت أن الاستفسارات ليست مفاوضات على النقاط نفسها .

          وأمام مبارك تحدثت بالتفصيل عن الصعوبات التي تواجه إسرائيل بموافقتها على أفكار كلينتون م وذكرت له أن حاخامات ورؤساء بلديات وسياسيين من كل الاتجاهات وحتى شخصيات من معسكر السلام داخل الحكومة يهاجمونها بشدة ، وكل واحد منهم له أسبابه الخاصة . وأبلغت الرئيس المصري أن الجمهور الإسرائيلي يجد صعوبة في تقبل أفكار كلينتون . ومع ذلك ن نرى بها أفكارا معقولة ومتوازنة بكل إيجابياتها وسيئاتها . ورئيس الحكومة مستعد ومصر على استغلال كل الفرص للتوصل إلى اتفاق على أسس أفكار الرئيس الأمريكي .

          وأضفت : ” أننا نرى أهمية كبيرة للدور المصري ، وباستثناء فشلها في وقف العنف الفلسطيني الذي أدى إلى جرح 13 إسرائيليا في حافلة بتل أبيب وقتل شخص وجرح أثنين في انفجار عبوة ناسفة عند معبر صوفا في قطاع غزة ووقوع ثلاثة عمليات داخل إسرائيل ، وإطلاق النار على حافلة ركاب في الخليل . ورغم 20 حالة إطلاق نار في اليوم ، إلا أننا مصرين على السير بطريق السلام على خلفية الأحداث الصعبة التي تمر بها المناطق .

          بعد ذلك انتقلت لنقطتي الخلاف الأساسيتين وهما : الحرم الشريف الذي يحتاج إلى حل ، خلاق ومعقول ، يعبر فيه عن حساسية المكان للطرفين وذلك لأن إسرائيل لا تستطيع التوقيع على أية وثيقة تنقل للسيادة الفلسطينية قدس الأقداس التابع لنا . أما النقطة الخلاف الثانية فهي حق العودة حيث ذكرت للرئيس أنه لا توجد طريقة لتطبيق ذلك داخل إسرائيل .

          أما مبارك الذي استمع باهتمام فقد طالب برؤية الخرائط حيث عرض يسرائيل حسون صورة جوية للبلدة القديمة وبجانبها صورة مكبرة لكل المدينة . وانتقل حسون إلى تقديم شرح تفصيلي للمناطق المختلفة ومشكلة التواصل الأرضي بين الأحياء ونقاط الاحتكاك ومفترقات الطرق المسببة للمشاكل . وعلى أثر ذلك ، قال الرئيس المصري أن الأرمن ليسوا عربا ، ولذلك لا أفهم الطلب الفلسطيني بفرض سيادتهم على الحي الأرمني أو على جزء منه .

      واهتم مبارك بمعرفة الفرق بين Western Wall  وبين Wailing Wall ، وقد شرحنا له ذلك على ظهر الخارطة ، وتدخلت قائلا : ” إن هذا الموقع أكثر الأماكن قدسية عند اليهود ، حتى قبل بناء المسجد الأقصى بـ 600 عام ، وإلى هذا المكان يتوجه اليهود بأجسادهم وقت الصلاة من جميع منافيهم في العالم . وحسب معتقداتنا فإن الصخرة الموجودة في هار هبيت التي تعتبر بالنسبة لنا مركز العالم والخليقة وفيها قدس الأقداس الذي هبط فيه الوحي الإلهي . وفيما يتعلق بالمسلمين فهو بالدرجة الثالثة من حيث الأهمية وفي صلواتهم يتوجهون نحو مكة . ورغم ذلك ، يهمنا التوصل إلى تسوية تحفظ كرامة العقيدتين ،  ونحن لا ننوي تغيير الوضع القائم بل نسعى إلى ترتيبه .

      وطلب عمرو موسى الذي كان نشطا في النقاش تفسير The space Sacred To the Jews . وقلنا للوزير أن الحديث يدور عن الفراغ الواقع أسفل الحرم لكن مكانه المحدد غير معروف .

          وفي موضوع الأراضي قال يناي أن هناك عدة أساليب للحساب جميعها تؤدي إلى نتائج مختلفة قليلا ، والفرق في نهاية الأمر بين بين الحسابات المختلفة يصل إلى ربع الـ 1% ، أي أن المساحة ستصل من 15-30 كم بمجموعها الكلي . وأطلعنا الرئيس المصري على خارطة تحدد 8% من المناطق المنوي ضمها لإسرائيل وأبلغناه أننا نتمسك بأفكار الرئيس التي تتحدث عن تأجير أراضي نحتاجها (6+2% ) لفترة يتفق عليها . وشرحنا للوفد المصري الحدود والتواصل الفلسطيني الذي اعتبر معقولا في هذه الخارطة ، وأكدنا على صعوبة إخلاء 50 ألف مستوطن وتفكيك أكثر من تسعون مستوطنة .

          واستمر الاجتماع ثلاثة ساعات بدا لنا في نهايته أن الرئيس مبارك فهم تفاصيل الموقف الإسرائيلي من خلال اعترافه بتوازنها وعقلانيتها . ومن الغريب أن الخارطة لاقت استحسانا من الرئيس المصري حيث طلب منحه إياها ، وكما هو معلوم امتنعنا عن ذلك بصورة مؤدبة .

          وبعد وداع الرئيس المصري أبلغنا عمرو موسى وعمر سليمان أن الرد الفلسطيني سيكون إيجابيا خلال 24 ساعة ، أي حتى مساء يوم الجمعة . وأوضح عمرو موسى أن الفلسطينيين سيوافقون على الخارطة المعروضة مع إدخال بعض التغييرات البسيطة عليها .

          وفي الوقت الذي كنا مجتمعين فيه مع المصريين أنتظر في طابق آخر صائب عريقات ، حيث كانت نية المصريين الأصلية ، والتي لم نعلم بها مسبقا ، عقد اجتماع بيني وبين عريقات فيما يشبه مفاوضات غير رسمية ، وذلك تحت رعاية مصرية ، حول أفكار الرئيس الأمريكي كلينتون . ورفضت اللقاء بشدة أو بحث أي موضوع جوهري معه ، غير أنني تقدمت إلى صديقي القديم وصافحته بحرارة وتبادلت معه بعض الكلمات . وعند بوابة الخروج أبلغت عمر سليمان أننا لن نجري أية مفاوضات قبل أن يتلقى الأمريكان ردا إيجابيا على أفكار رئيسهم . وقلت لسليمان لا تجبرونا على المفاوضات من البوابة الخلفية لأن ذلك يتعارض مع الصلاحيات الممنوحة لي وهو موعد غير مناسب ، وبالإضافة إلى ذلك نحن مضطرون للعودة .

وقام عمر سليمان بدعوتنا إلى وجبة عشاء ، جلس فيها صائب عريقات على طاولة أخرى في نفس المكان وقد انضم إلينا عند إحضار القهوة . وفي ساعات المساء المتأخرة جدا توجهنا إلى مطار شرم الشيخ ، وفي الرابعة صباحا قدم شلومو يناي تقريرا إلى رئيس الحكومة عن الاجتماع المذكور .

 

v      

 

بعد جلسة المجلس الوزاري المصغر واجتماعات الطواقم الفنية المتواصلة ، لوضع ملاحظات إسرائيل وردها على أفكار كلينتون في مجال الأمن . وبعد فترة بسيطة أعد مكتب رئيس الحكومة وثيقة الرد الكاملة التي ستسلم بعد عدة أيام ، وهي :

  1. قرارات الحكومة من يوم 28-12 : التي أقرت ووافقت على أفكار كلينتون كأساس لمواصلة المفاوضات للتوصل إلى تسوية شاملة شريطة موافقة الفلسطينيين عليها كما هي . وقدم للرئيس شكر على جهوده .
  2.  عناصر مختلفة في أفكار كلينتون : لا تحمل معايير واضحة أو أنها تتعارض مع مواقف إسرائيل ، كما عرضت في المراحل الأخيرة من المفاوضات ن وهذه العناصر هي :

أ‌.   الأراضي : تحتاج إسرائيل إلى أراضي لدمج 80% من المستوطنين في كتل ولها فيها احتياجات أخرى أكثر مما هو مطروح في أفكار كلينتون .

ب‌. القدس : تؤكد إسرائيل على أهمية النظام الخاص بالحوض المقدس ، وتطالب بتعبير مختلف بعلاقة الطرفين بهار هبيت ، وتعتقد إسرائيل أن إقامة علاقات دائمة في المدينة تتطلب توازنا بين عدة معايير تختلف عما عرضه الرئيس ( المقصود هنا التواصل الإقليمي والديموغرافي ) .

ت‌.  الأمن : يختلف الموقف الإسرائيلي الذي عرض في المفاوضات عن أفكار الرئيس في كل ما يتعلق بقوة الأمن الفلسطينية وصلاحيات القوة الدولية والرقابة على بقاء الدولة الفلسطينية خالية من السلاح والتسويات الجوية ، والوقت الزمني لتطبيق الاتفاق ، والشروط المرفقة بذلك .

ث‌.  اللاجئون : تعارض إسرائيل حق العودة إلى بلادها بشدة أكثر مما هو مذكور في أفكار الرئيس .

 

    3    عناصر أخرى في أفكار الرئيس تتطلب صياغة جديدة : قائمة العناصر لا تطرح علامة استفهام حول المنطق الداخلي لأفكار الرئيس ، وهي :

أ‌.   دمج إنهاء المطالب : ومكانة الاتفاق بقراري مجلس الأمن 242 و 338 ، وإضافة حق تقرير المصير ومكانة المواضيع التي بحثت بين الأطراف في السابق إلى القرارين المذكورين .

ب‌.          الأراضي والحدود : موقف الفلسطينيين من الكتل الاستيطانية ومن الممر   الآمن، والعلاقة بين التسويات على الأراضي وتقاسمها ، والنظام الخاص في الأماكن المقدسة .

ج‌. القدس : التطرق لمبدأ عربي لفلسطين ويهودي لإسرائيل ( أحياء أو بيوت منعزلة ) وماذا يعني The Western Wall ومكانة الأماكن المقدسة لليهود في ضواحي القدس.

ت‌.  الأمن : ما هو موقف الرئيس في موضوع الأمن في كامب ديفيد ، وما هو دور القوات الدولية ( مع تفضيل أن تكون بقيادة الولايات المتحدة ) . وما معنى Non Militarization  لفلسطين ، وما هي مهمات القوات الدولية ( الرقابة على خلو الدولة الفلسطينية من الأسلحة والدفاع عن مناطق الانتشار في أوقات الطوارئ ) وعلاقاتها بالجيش الإسرائيلي ، وكيفية السيطرة على المجال الجوي والموجات الكهرومغناطيسية .

ث‌.  اللاجئون : موقف إسرائيل بخصوص دخول اللاجئين إلى أراضيها يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار بوضوح . وكذلك كيفية معالجة مسألة اللاجئين اليهود من حرب عام 1948 ، وقضية المبلغ الإجمالي الذي ستقدمه إسرائيل .

 

4. نوضح أن هناك قائمة طويلة من المواضيع التي لم نتطرق إليها في أفكار الرئيس ، وشرح هذه المواضيع حيوي من أجل استكمال اتفاق الإطار .

وبعد تسليم الرد الإسرائيلي إلى الرئيس الأمريكي اتفق معه على بقاء مضمون الوثيقة سري .

 

v      

 

وفي صباح 21 كانون أول عقد رئيس الحكومة جلسة مغلقة لتقييم الوضع الأمني ، وأكد براك أنه لا ينوي التوقيع على اتفاق قبل الانتخابات ، لأنه وعد بتقديم أي اتفاق على الاستفتاء العام .

وتسربت من مقر الانتخابات معلومات بعضها غير صحيحة حول ما يجري في المسار السياسي ، وضغطت على براك لكبح نشطاء الانتخابات وقلت له أن بعضها يسبب أضرار سياسية كبيرة وسيعرض مكانة براك للخطر .

          أما الرد الفلسطيني فكان إيجابيا ، حيث اتضح بعدها أن براك لم يفهم الموقف الفلسطيني فقط، بل عمل الفلسطينيون على تخويف المصريين وبث روح شيطانية عن مواقف إسرائيل الحقيقية ، مما دعا مبارك إلى تخفيف الضغط عن عرفات وعدم إلزامه بأي شيء مطلقا . 

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash